كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلدالأول

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الأول

(حكم التسرُّع في تكفير وتفسيق الأفراد والمجتمعات)

  • السؤال التاسع:ما تقولون في ظاهرة التسرع في تكفير المسلمين أفرادا ومجتمعات، وهذا ما نراه من بعض المنتسبين للدعوة، خصوصًا مع الأحداث السياسية المتلاحقة في البلاد الإسلامية؟

الجواب:

أولًا: الحُكْمُ بالإسلامِ أو الكُفْرِ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، وهو حَقٌّ لله -جلَّ ثناؤه- ويبلِّغنا به رسوله -صلى اله عليه وعلى آله وسلم- وليس حقًّا لأحد يتكلم به إلا ببرهان جليٍّ عن الله -جل وجلاله- ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:

فالحُكْم على الآخر بالإسلام أو الكُفر أَمْرٌ شَرْعِيٌّ، وهو أمرٌ خطيرٌ لا يجوز التسرع فيه، ولا يجوز الكلام فيه بجهل، أو عَجَلَةٍ، أو بحظِّ نفْس، وانتقام، وهوى.

والله يقول: [ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ] {الحجرات:11}.

قال جماعة من المفسرين: «هو قول الرّجل لأخيه المسلم: يا فاسق، يا كافر».([343])

* ويقول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من حَلف بملّة غير الإسلام كاذبًا؛ فهو كما قال، ومن قَتَلَ نفسَه بشيء؛ عُذِّب به في نار جهنّم، ولَعْنُ المؤمن كقَتْلِهِ، ومَن رَمَى مؤمنًا بكُفر؛ فهو كقَتْلِه».([344])

* ويقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أيّما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدُهما: إن كان كما قال، وإلّا رَجَعَتْ عليه».([345])

قال الحافظ ابن حجر : «إنّ المقول له إن كان كافرًا كُفرًا شرعيًّا؛ فقد صدَق القائل، وذهب بها المقولُ له، وإن لم يكن كذلك؛ رجعَت للقائل معرّةُ ذلك القولِ وإثمُه». اهـ([346])

* ونبيّنا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول في الحديث الصّحيح: «سِباب المسلم فُسوق، وقِتاله كُفْر».([347])

وقال ابن عبد البر : «فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَنْهَيَانِ عَنْ تَفْسِيقِ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِيرِهِ إلا بِبَيَانٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَام فِي وَقْتٍ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، أَوْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا، فَاخْتَلَفُوا بَعْدُ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ؛ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِهِمْ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ مَعْنًى يُوجِبُ حُجَّةً، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِلَّا بِاتِّفَاقٍ آخَرَ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، -وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ- عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يُخْرِجُهُ ذَنْبُهُ وَإِنْ عَظُمَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَخَالَفَهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَالْوَاجِبُ فِي النَّظَرِ: أَنْ لَا يُكَفَّرَ إلا إن اتفق الجميع على تكفيره، أو قام عَلَى تَكْفِيرِهِ دَلِيلٌ لَا مَدْفَعَ لَهُ مِنْ كِتَابٍ أَوَسُنَّةٍ». اهـ([348])

وقال ابن حزم : «وَالْحق هُوَ أَن كل من ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَام؛ فَإِنَّهُ لَا يَزُول عَنهُ إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع، وَأما بِالدَّعْوَى والافتراء؛ فَلَا». اهـ([349])

وقال الغزالي : «والذي ينبغي أن يميل المُحَصِّلُ إليه: الاحترازُ مِن التكفير ما وَجَدَ إليه سبيلًا؛ فإن استباحة الدماء والأموال من المُصَلِّين إلى القبلة، المُصَرِّحين بقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله: خطأٌ، والخطأُ في تَرْك أَلْفِ كافرٍ في الحياة؛ أهونُ مِن الخطأ في سَفْكِ مَحْجَمَةٍ مِنْ دَمِ مسلم». اهـ([350])

ويقول : «الوصية: أن تَكُفَّ لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، غير مناقضين لها… فإن التكفير فيه خطر، والسكوت لا خطر فيه». اهـ([351])

ويقول أبو العباس القرطبيّ : «وبابُ التّكفير بابٌ خطير، أقدَم عليه كثير من النّاس فسقَطُوا، وتوقّف فيه الفحولُ فَسَلِمُوا، ولا نعدِل بالسّلامة شيئًا». اهـ([352])

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في سياق الحديث عن خلاف المسلمين في بعض مسائل التوسل: «وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَا وَجْهَ لِتَكْفِيرِهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَفِيَّةٌ، لَيْسَتْ أَدِلَّتُهَا جَلِيَّةً ظَاهِرَةً، وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً، أَوْ بِإِنْكَارِ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيمَا يُشْرَعُ: مِنْ الدُّعَاءِ وَمَا لَا يُشْرَعُ؛ كَاخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ مَنْ نَفَى التَّوَسُّلَ الَّذِي سَمَّاهُ اسْتِغَاثَةً بِغَيْرِهِ كَفَرَ، وَتَكْفِيرُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ وَأَمْثَالِهِ؛ فَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى جَوَابٍ؛ بَلْ الْمُكَفِّرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَسْتَحِقُّ مِنْ غَلِيظِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّعْزِيرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَمْثَالُهُ مِنْ الْمُفْتَرِينَ عَلَى الدِّينِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا». اهـ([353])

وقال ابن الوزير : «فَكلما كَانَ أقرب إِلَى الِاجْتِمَاع؛ كَانَ أرجح، وَكلما كَانَ أقرب إِلَى التَّفَرُّق، وَأَدْعَى إليه، وَإِلَى إثارته؛ كَانَ أَفْسَدَ وأَبْطَلَ، وَكم بَين إِخْرَاج عَوَامِّ فِرَقِ الاسلام أَجْمَعِينَ، وجماهير الْعلمَاء المنتسبين إِلَى الاسلام من الْملَّة الإسلامية، وتكثير الْعدَد بهم، وَبَين إدخالهم فِي الاسلام ونصرته بهم، وتكثير أَهله، وتقوية أمره، فَلَا يَحِلُّ الْجَهْدُ فِي التَّفَرُّق بتكلُّف التَّكْفِير لَهُم بالأدلة الْمُعَارَضَة بِمَا هُوَ أقوى مِنْهَا أَو مثلهَا، مِمَّا يجمع الْكَلِمَة، وَيُقَوِّي الإسلام، ويحقن الدِّمَاء، ويُسَكِّن الدهماء، حَتَّى يَتَّضح كُفْرُ الـمُبْتَدِع اتضاحَ الصُّبْح الصَّادِق، وتجتمع عَلَيْهِ الْكَلِمَة، وَتحقّق إِلَيْهِ الضَّرُورَة، مثل كفر الزَّنَادِقَة والملاحدة الَّذين أَنْكَرُوا الْبَعْث وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار، وتأولوا الرب -جلّ جَلَاله- وَجَمِيع أَسْمَائِهِ بإمام الزَّمَان، وسَمُّوه باسم الله تَعَالَى، وفسروا (لَا إِلَه إِلَّا الله)، أَي لَا إِمَام إِلَّا إِمَام الزَّمَان فِي زعمهم -خَذَلَهُم الله تَعَالَى- وتَلَاعَبوا بِجَمِيعِ آيَات كتاب الله فِي تَأْوِيلهَا جَمِيعًا بالبواطن الَّتِي لم يَدُلَّ على شَيْء مِنْهَا دلَالَةٌ وَلَا إمارةٌ، وَلَا لَهَا فِي عصر السّلف الصَّالح إشارةٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَلَغَ مَبْلَغَهم من غَيرهم فِي تعفية آثَار الشَّرِيعَة، ورد الْعُلُوم الضرورية الَّتِي نَقَلَتْهَا الأمةُ: خَلَفُهَا عَن سَلَفِها، وَالله يحب الإنصاف قطعا». اهـ([354])

وقال ([355]): «… الْخَطَأ فِي الْعَفو خيرٌ من الْخَطَأ فِي الْعقُوبَة، نَعُوذ بِاللَّه من الْخَطَأ فِي الْجَمِيع، ونسأله الإصابة والسلامة والتوفيق وَالْهِدَايَة». اهـ

وقال ابن نجيم الحنفي : «رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا: لَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنْ الْإِيمَانِ إلَّا جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ يَحْكُمُ بِهَا، وَمَا يَشُكُّ أَنَّهُ رِدَّةٌ لَا يَحْكُمُ بِهَا؛ إذْ الْإِسْلَامُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِشَكٍّ، مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو، وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا أَنْ لَا يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ…

وَفِي «الْفَتَاوَى الصُّغْرَى»: «الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَلَا أَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا مَتَى وَجَدْت رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ» اهـ.

وَفِي «الْخُلَاصَةِ» وَغَيْرِهَا: «إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ، وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ؛ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ؛ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ…».ا هـ([356])

وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي : «ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه؛ لعظيم خطره، وغلبة عدم قَصْده، سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديما وحديثا، بخلاف أئمة الحنفية؛ فإنهم توسَّعوا بالحكم بمكفرات كثيرة مع قبولها التأويل، بل مع تبادره منها، ثم رأيت الزركشي قال عما توسع به الحنفية: إن غالبه في كتب الفتاوى نقلا عن مشايخهم، وكان المتورعون من متأخري الحنفية ينكرون أكثرها، ويخالفونهم، ويقولون: هؤلاء لا يجوز تقليدهم؛ لأنهم غير معروفين بالاجتهاد، ولم يُخَرِّجوها على أصل أبي حنيفة؛ لأنه خلاف عقيدته؛ إذ منها أن معنا أصلا محققا، هو الإيمان؛ فلا نرفعه إلا بيقين؛ فَلْيُتَنَبَّه لهذا، ولْيُحْذَر ممن يبادر إلى التكفير في هذه المسائل منا ومنهم، فَيُخَاف عليه أن يَكْفُر؛ لأنه كَفَّرَ مسلما اهـ ملخصا، قال بعض المحققين منا ومنهم: وهو كلام نفيس». اهـ([357])

وقال الشوكاني : «اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقْدِم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما، هكذا في «الصحيح»، وفي لفظ آخر في «الصحيحين» وغيرهما: «من دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله؛ وليس كذلك؛ إلا حار عليه»، أي رجع، وفي لفظ في «الصحيح»: «فقد كَفَرَ أحدهما»، ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظمُ زاجر، وأكبرُ واعظ عن التسرع في التكفير…

إلى أن قال: «فحينئذ تنجو من مَعَرَّة الخطر، وتَسْلَم من الوقوع في المحنة؛ فإن الإقدام على ما فيه بعض البأس لا يفعله من يَشِحُّ على دينه، ولا يسمح به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة.

فكيف إذا كان على نفسه – إذا أخطأ – أن يكون في عداد من سماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كافرا؟ أفهذا يقود إليه العقل؛ فضلا عن الشرع؟!».ا.هـ([358])

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهما الله ـ: «وبالجملة: فيجب على من نصح نفسه: ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله؛ ولْيَحْذَرْ من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه، واستحسان عقله؛، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه، أعظم أمور الدين; وقد كُفينا بيان هذه المسألة كغيرها، بل حُكْمُها في الجملة أظهر أحكام الدين؛ فالواجب علينا: الاتباع وتَرْكُ الابتداع، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «اتَّبِعُوا ولا تَبْتَدِعُوا؛ فقد كُفِيتُمْ».

وأيضًا: فما تنازع العلماء في كونه كفرا؛ فالاحتياط للدين: التوقفُ وعَدَمُ الإقدام، ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم -صلى الله عليه وسلم- وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة، فَقَصَّر بطائفة؛ فحكموا بإسلام مَنْ دَلَّتْ نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كُفره، وتَعَدَّى بآخرين؛ فَكَفَّرُوا مَنْ حَكَمَ الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم.

ومن العجب: أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة، أو البيع ونحوهما؛ لم يُفْتِ بمجرد فَهْمِهِ، واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء، ويُفتي بما قالوه؛ فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم أمور الدين، وأشد خطرا على مجرد فَهْمِهِ واستحسانه؟ فيا مصيبةَ الإسلام من هاتين الطائفتين، ومِحْنَتَهُ مِنْ تَيْنِكَ البَلِيَّتَيْنِ!!».ا.هـ([359])

وقال ابن ناصر الدّين الدِّمَشقيّ : «فَلَعْنُ الْمُسلم الْمعِين حرَام، وَأَشد مِنْهُ رميه بالْكفْر، وَخُرُوجه من الْإِسْلَام، وَفِي ذَلِك أُمُور غير مَرْضِيَّةٍ، مِنْهَا: إشماتُ الْأَعْدَاء بِأَهْل هَذِه الْملَّة الزكية، وتمكينُهُم بذلك من الْقدح فِي الْمُسلمين، واستضعافِهِم لشرائع هَذَا الدّين.

وَمِنْهَا أَنه رُبمَا يُقْتَدَى بالرامي فِيمَا رَمَى؛ فيتضاعف وِزْرُهُ بِعَدَد مَنْ تَبِعَهُ مأثما، وَقَلَّ أَن يَسْلَمَ من رَمَى بِكفْر مُسلما».

ثم أورد نصوصًا في التحذير من ذلك، ثم قال:

«فَهَل بعد هَذَا الْوَعيد من مزِيد فِي التهديد؟ وَلَعَلَّ الشَّيْطَان يُزَيِّن لمن اتبع هَوَاهُ، وَرمى بالْكفْر وَالْخُرُوج من الْإِسْلَام أَخَاهُ: أَنه تَكَلَّمَ فِيهِ بِحَق ورماه، وَأَنه من بَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، لَا يَسعُهُ السُّكُوتُ عَن الْقَلِيل من ذَلِك؛ فَكيف بالجليل؟!

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، إِن فِي مجَال الْكَلَام فِي الرِّجَال عقباتٌ، مرتقيها على خطر، ومُرْتَقِبُها هَوًى لَا منجى لَهُ من الإثم وَلَا وَزَر، فَلَو حاسَبَ نَفْسَهُ الرَّامِي أَخَاهُ: مَا السَّبَب الَّذِي هاج ذَلِك؛ لتحَقّق أَنه الْهوى الَّذِي صَاحبه هَالك». اهـ([360])

  • ثانيًا: لا بد من التفريق بين الحكم على النوع والحكم على المعين، ومعرفة شروط تنزيل الحكم على الـمُعَيَّنْ.

فالإنكار إنما هو على من يتناول ذلك، وهو ليس لهذا الشأن بأهل؛ فيكفّر المسلم الذي لم يرتكب الكفر أصلا، أو ارتكبه لكن يوجد مانع من إنزال الحكم عليه، فليس كل من وقع في الكفر يَكْفُر، أو ليس كل من وقع في الكفر وقع عليه الكفر، وكذا فليس كل من وقع في البدعة وقعتْ عليه البدعة؛ لاحتمال وجود مانع من الموانع، أو تخلّف شَرْطٍ من الشروط.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «لَكِنَّ تَكْفِيرَ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ – يعني بذلك غلاة الروافض والخوارج المارقين – وَالْحُكْمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ؛ فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ، وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ؛ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضِي الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ».

قال: «وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي «قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ»، ثم استدل على ذلك بقصة الرجل الذي أوصى بنيه أن يُحرِّقوه؛ لعله لا يُعَذَّب، وهذا شكٌّ في قدرة الله . اهـ([361])

وقال أيضًا : «وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقَالَةَ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ قد يُقَالُ: هِيَ كُفْرٌ قَوْلًا يُطْلَقُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَإِنَّ «الْإِيمَانَ» مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ -عليه الصلاة والسلام-؛ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ النَّاسُ بِظُنُونِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ شَخْصٍ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ؛ حَتَّى يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ، وَتَنْتَفِي مَوَانِعُهُ». اهـ([362])

وقال أيضًا : «وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أيضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ «الْوَعِيدِ» فَإِنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ فِي الْوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ، كَقَوْلِهِ تعالى: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:10} الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: مَنْ فَعَلَ كَذَا؛ فَلَهُ كَذَا؛ فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا، ثُمَّ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الْوَعِيدِ فِيهِ: بِتَوْبَةٍ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ.

وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنْ الْوَعِيدِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ -عليه الصلاة والسلام-، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَم يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ عَارَضَهَا عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ أَوْجَبَ تَأْوِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا».

قال : «وَكُنْت دَائِمًا أَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي «الصَّحِيحَيْنِ» فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ:

«إذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّوني فِي الْيَمِّ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ؛ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُك؛ فَغَفَرَ لَهُ»».

قال : «فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَفِي إعَادَتِهِ إذَا ذُرِّيَ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ، وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللَّهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ؛ فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ، وَالْمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ -عليه الصلاة والسلام- أَوْلَى بِالْمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا». اهـ([363])

وقال : «وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا، كَمَقَالَاتِ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ كُفْرٌ، فَيُطْلِقُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ الْقَائِلِ؛ كَمَا قَالَ السَّلَفُ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ».

قال : «وَلَا يُكَفَّرُ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَاسْتَحَلَّ الْخَمْرَ، وَالزِّنَا، وَتَأَوَّلَ؛ فَإِنَّ ظُهُورَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ ظُهُورِ هَذِهِ، فَإِذَا كَانَ الْمُتَأَوِّلُ الْمُخْطِئُ فِي تِلْكَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ لَهُ وَاسْتِتَابَتِهِ -كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ فِي الطَّائِفَةِ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا الْخَمْرَ؛ فَفِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ»…، وذكر الحديث السابق في قصة الرجل الذي أوصى بنيه بأن يُحَرِّقُوه. اهـ([364])

وفي كتاب «تلخيص الاستغاثة» المعروف «بالرد على البكري»([365]) لشيخ الإسلام، قال : «فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يُكَفِّرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يُكَفِّرُهم؛ لأنَّ الكفر حكمٌ شرعي؛ فليس للإنسان أن يُعاقِب بمثله، كمن كَذَبَ عليك، وزَنَى بأهلك؛ ليس لك أن تَكْذِب عليه، وتَزْني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لِحَقِّ الله تعالى، وكذلك التكفير حقٌّ لله، فلا يُكَفَّر إلا من كفَّره الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-».

قال : «وأيضًا؛ فإنَّ تكفير الشخص المعين، وجواز قتله موقوفٌ على أن تبلغه الحجة النبوية التي يَكْفُر من خالفها، وإلا؛ فليس كل من جَهِل شيئًا من الدين يَكْفُر.

ولهذا لما استحل طائفةٌ من الصحابة والتابعين كقُدامة بن مظعون وأصحابه شُرْبَ الخمر، وظنوا أنها تُباح لمن عمل صالحًا على ما فهموه من آية المائدة؛ اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يُسْتتابون، فإن أَصَرُّوا على الاستحلال كُفِّروا -أو كَفَروا-، وإن أَقَرُّوا بها جُلِدُوا؛ فلم يُكَفِّروهم بالاستحلال ابتداءً؛ لأجل الشبهة التي عَرَضَتْ لهم، حتى يتبين لهم الحق، فإذا أَصَرُّوا على الجحود كُفِّرُوا -أو كَفَروا-». انتهى

وذكر أيضًا حديث الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرِّقوه، ثم قال: «فهذا اعتقد أنه إذا فُعِل ذلك لا يَقْدر اللهُ على إعادته، وأنه لا يُعيده، أو جوَّز ذلك، وكلاهما كُفْر، لكن كان جاهلًا، لم يتبين له الحق بيانًا يَكْفُر بمخالفته؛ فغفر الله له».

وقال أيضًا : «ولهذا كنتُ أقول للجهمية من الحلُولِية والنُفاة الذين نَفَوْا أنَّ الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم، كنتُ أقول لهم: أنا لو وافقتُكم كنتُ كافرًا؛ لأني أعلم أنَّ قولكم كُفْر، وأنتم عندي لا تَكْفُرون؛ لأنكم جُهَّال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم، وقضاتهم، وشيوخهم، وأمرائهم، وأصل جَهْلِهم شبهاتٌ عقليةٌ حَصَلَتْ لرؤوسهم في قصورٍ من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، وكان هذا خطابَنَا».

ثم تكلم على البكري، وذكر أنه لم يُقَابِل جَهْلَه وافتراءه عليه بالتكفير؛ لأنه تكلم على شيخ الإسلام بالتكفير وغيره، فقال شيخ الإسلام: «لم نُقابِلْه بهذا الذي فَعَله معنا». اهـ.

وقال شيخ الإسلام في «منهاج السنة النبوية»([366]): «ولا يلزم إذا كان القول كُفْرًا أن يُكَفَّر كل من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإنَّ ثُبوت الكُفر في حق الشخص المعين، كثُبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كُفَّارًا؛ لم يكونوا منافقين؛ فيكونون من المؤمنين». اهـ

وفي «مجموع الفتاوى»([367]) قال : «وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ؛ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ؛ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ». اهـ

وقال شيخ الإسلام : «ليس لأحدٍ أن يُكَفِّر أحدًا بهواه؛ لأن التكفير حقٌّ لله تعالى، والذين يُكَفِّرُون بهواهم هُم المبتدعة: كالروافض الذين كَفَّرُوا أبا بكر، وعمر -رضي الله عنهما-، والخوارج الحرورية الذين كَفَّرُوا عليًّا
-رضي الله عنه-، وقاتلوا الناس على الدين».

قال: «حتى يرجعوا عما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، إلى ما ابتدعه هؤلاء بتأويلهم الباطل، وفهمهم الفاسد للقرآن، ومع هذا؛ فقد صرَّح علي -رضي الله عنه- بأنهم مؤمنون، ليسوا كفَّارًا ولا منافقين، وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس، كأبي إسحاق الإسفراييني ومن اتبعه، يقولون: لا نُكَفِّر إلا من يُكَفِّرُنا؛ فإنَّ الكفر ليس حقًّا لهم، بل هو حق الله ، وليس للإنسان أن يِكْذب على من يَكْذِب عليه، ولا يَفْعل الفاحشةَ بأهل من فَعَل الفاحشةَ بأهله، ولو اسْتَكْرَهَهُ رجل على اللواطة؛ لم يكُن له أن يَسْتَكْرهَهُ على ذلك، ولو قَتَلَهُ بتجريع خمرٍ، أو تَلَوَّطَ به؛ لم يَجُزْ قَتْلُه بمثل ذلك؛ لأن هذا حرامٌ لِحَقِّ الله ». انتهى.([368])

قال الإمام ابن القيم : «فَإِيَّاكَ أَنْ تُهْمِلَ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ وَنِيَّتَهُ وَعُرْفَهُ، فَتَجْنِيَ عَلَيْهِ وَعَلَى الشَّرِيعَةِ، وَتَنْسُبَ إلَيْهَا مَا هِيَ بَرِيئَةٌ مِنْهُ، وَتُلْزِمَ الْحَالِفَ وَالْمُقِرَّ وَالنَّاذِرَ وَالْعَاقِدَ مَا لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ؛ فَفَقِيهُ النَّفْسِ يَقُولُ: مَا أَرَدْت، وَنِصْفُ الْفَقِيهِ يَقُولُ: مَا قُلْت؛ فَاللَّغْوُ فِي الْأَقْوَالِ نَظِيرُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْأَفْعَالِ، وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ بِهَذَا وَهَذَا كَمَا قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ] {البقرة:286} فَقَالَ رَبُّهُمْ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: «قَدْ فَعَلْتُ». اهـ([369])

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : «ومسألة تكفير المعيّن مسألة معروفة إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعيّن إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره؛ حتى تقوم عليه الحجة». اهـ([370])

وفي «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» لبعض علماء نجد: «وأما إلحاق الوعيد المُتَرَتِّب على بعض الذنوب والكبائر؛ فقد يَمْنَع منه مانع في حق المُعَيَّن، كحب الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، والجهاد في سبيله»

قلت: كما نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من لعن رجلا شرب الخمر، فقال: لعنه الله، ما أكثر ما يُؤتى به، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تلعنْه؛ فإنه يحب الله ورسوله».

وهذا وإن كان فيما هو دون الكفر؛ إلا أنه دليل على عدم الجزم بإلحاق الوعيد في المعين فيما هو دون الكفر أيضًا، إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، والله أعلم.([371])

وفي «مجموع فتاوى»([372]) للشيخ العلامة ابن عثيمين -رحمة الله عليه- نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق مستدلًا به على ذلك.

  • ثالثًا: كما يُنْكَر على من يكون شأنه الاشتغالَ بهذا قبل أن يَتَضَلَّع من العلوم والقواعد الشرعية، وقبل أن يَتَشَبَّع بورع العلماء وتُؤَدَتِهِم في هذا الباب الذي هو مزلّة أقدام، وضلالة أفهام.

وقد تتابعتْ نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الناس في عقائدهم أو عدالتهم؛ لا بد أن يكون من العلماء وأهل الورع:

* قال تعالى: [ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {آل عمران:66}.

* وقالَ سبحانه: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {الأعراف:33}.

ويقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية : «وَقدْ يَنْهَوْنَ عنِ المجادلةِ والمناظرةِ إذا كَانَ المناظِرُ ضعيفَ العلمِ بالحجةِ، وجوابِ الشُّبهةِ؛ فَيُخافُ عَليهِ أَنْ يُفسده ذلكَ المضِلُّ؛ كَما يُنْهى الضعيفُ في المقاتلةِ أَنْ يُقاتِلَ عِلْجًا قَوِيًّا مِنْ عُلوجِ الكفارِ؛ فَإِنَّ ذَلكَ يَضُرُّهُ، ويَضُرُّ المسلمينَ بلا منفعةٍ» اهـ.([373])

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَالْكَلَامُ فِي النَّاسِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، لَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ، كَحَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ فَإِنَّ الرَّافِضَةَ تَعْمِدُ إِلَى أَقْوَامٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْفَضِيلَةِ، تُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ أَحَدَهُمْ مَعْصُومًا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَالْآخَرَ مَأْثُومًا فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا؛ فَيَظْهَرُ جَهْلُهُمْ وَتَنَاقُضُهُمْ». ا.هـ([374])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا في تقرير لزوم العدل في جميع أصناف المخالفين: «وَلَمَّا كَانَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ؛ كَانَ كَلَامُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ لَا بِالظَّنِّ، وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ». اهـ([375])

ويقول الحافظ الذهبي تعالى -: «والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامِّ المعرفة تامِّ الورع». اهـ([376])

ويقول في «الموقظة»: «والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله، ورجاله». اهـ([377])

وقال في «تذكرة الحفاظ»: «لا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يُزَكِّي نَقَلَةَ الأخبار ويُجَرِّحُهم جهبذا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى، والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان.

وإلا تَفْعَلْ:

فَدَعْ عَنْكَ الكتابةَ لَسْتَ منهاولو سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بالمدادِ

* قال الله تعالى: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {النحل:43}.

فإن آنستَ يا هذا من نفسك فهمًا وصِدْقًا ودينًا وورعًا، وإلا فلا تتعنَّ؛ وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأيٍ ولمذهبٍ؛ فبالله لا تتعب، وإن عرفتَ أنك مخلِّطٌ مخبِّطٌ مُهْمِلٌ لحدود الله؛ فأَرِحْنَا منك، فبعد قليل ينكشف البَهْرَج، ويَنْكَبُّ الزَّغَلُ، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله.

فقد نصحتك، فعلم الحديث صلف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كِدْتُ أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب». اهـ([378])

وقال ابن دقيق العيد : «أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام». اهـ([379])

وقال الحافظ ابن حجر : «لِيَحْذَر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل، فإنه إن عدّل بغير تثبت؛ كان كالمُثْبِتِ حُكْمًا ليس بثابت، فَيُخْشَى عليه أن يَدْخُلَ في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كَذِبٌ؛ وإن جرّح بغير تحرز؛ أقدم على الطعن في مسلم بريء من ذلك، ووسمه بميسم سوء يبقى عليه عاره أبدًا». اهـ([380])

  • رابعًا: يتطور الأمر مع كثير من هؤلاء الغلاة في التكفير، فبعد حكمهم على الشخص أو الجماعة بالكفر والردة، ينتقلون إلى قتلهم وإقامة الحد عليهم.

فيتولى الواحد منهم بنفسه أو بجماعته تنفيذ العقوبة على هؤلاء الأعيان، وقد ينصبون قاضيًا منهم -والله أعلم بحاله، عِلْمًا وورعًا وفَهْمًا وعقلًا- فيبيح دماءً معصومة!!! وهذا أمر يُرْجَع فيه إلى العلماء الراسخين، والقضاة العادلين، وولاة أمر المؤمنين؛ ضمانا للأمة من الوقوع في الفوضى، وحسْمًا لمادة الشر والتنازع، وإلا كانت الفتن التي تضرب أطنابها في كل اتجاه.

وإليك كلام أهل العلم في أن إقامة الحدود والعقوبات حق لولاة الأمور والعلماء الكبار إذا أَذِنَ لهم الولاة:

قال الإمام الشافعي تعالى-: «لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام، ومَنْ فَوَّضَ إليه الإمام؛ لأنه لم يُقَم حدٌّ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم؛ لأنه حق الله يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤْمَنُ في استيفائه الحيفُ؛ فلم يَجُزْ بغير إذن الإمام». اهـ([381])

وقال أبو إسحاق الشيرازي في «المهذب»: «لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمامُ، أو من فوَّض إليه الإمام؛ لأنه لم يُقَم حدٌّ على حُرٍّ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم؛ ولأنه حقٌّ لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤْمَن في استيفائه الحيفُ؛ فلم يَجُزْ بغير إذن الإمام». اهـ([382])

وقال الإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي: «وأما شرائط جواز إقامتها – يعنى الحدود – فمنها ما يَعُمُّ الحدود كلها، ومنها ما يَخُصُّ البعضَ دون البعض، أما الذي يَعُمُّ الحدود كلها: فهو الإمامة، وهو أن يكون المقيم للحد هو الإمام، أو من ولاه الإمام». اهـ([383])

وجاء في «الفتاوى الهندية»([384]) على المذهب الحنفي: «وركنه (أي الحد) إقامة الإمام ونائبه في الإقامة». اهـ

هذا، وقد نَقَلَ ابن رُشْدٍ المالكي الاتفاق على أنّ الذّي يقيم الحدّ هو الإمام، حيث جاء في «بداية المجتهد»: «وأما من يقيم هذا الحد (أي شرب المسكر) فاتفقوا على أن الإمام يقيمه، وكذلك الأمر في سائر الحدود». اهـ([385])

وقال القرطبي المالكي : «لا خلاف أن المخاطَبَ بهذا الأمر – أي الأمر بحد الزنا – الإمام ومن ينوب منابه». اهـ([386])

وقال أيضًا : «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فَرْضٌ عليهم النهوضُ بالقصاص، وإقامة الحدود، وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص؛ فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود». اهـ([387])

وقال أيضًا : «اتفق أئمة الفتوى أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك للسلطان، أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض». اهـ([388])

وقال أبو الحسن العدوي المالكي في «حاشيته على كفاية الطالب»: «إقَامَةُ الْحُدُودِ شَأْنُهَا عَظِيمٌ، فَلَوْ تَوَلَّاهَا غَيْرُ الْإِمَامِ؛ لَوَقَعَ مِنْ النِّزَاعِ مَا لَا يُحْصَى؛ إذْ لَا يَرْضَى أَحَدٌ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ». اهـ([389])

وقال ابن قدامة الحنبلي تعالى -: «لا يجوز لأحد إقامة الحد، إلا للإمام أو نائبه؛ لأنه حق لله تعالى، ويفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤْمَنُ في استيفائه الحيفُ، فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خَلْقِهِ؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقيم الحد في حياته، ثم خلفاؤه بعده». اهـ([390])

وقال فخر الدين الرازي في «تفسيره»: «وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى الْجُنَاةِ». اهـ([391])

وجاء في «فتاوى اللّجنة الدّائمة»: «من وقع في الزنا؛ وجب عليه أن يتوب إلى الله توبة نصوحا، وينبغي أن يستر نفسه بستر الله ولا يُطَالِبَ بإقامة الحد عليه، ولا يقيم الحدود إلا الحاكم المسلم، أو من يقوم مقام الحاكم، ولا يجوز لأفراد المسلمين أن يقيموا الحدود؛ لما يلزم على ذلك من الفوضى والفتنة». اهـ([392])

وجاء في «الموسوعة الفقهية»: «اتفق الفقهاء على أن الذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه: سواء كان الحَدُّ حقًّا لله تعالى كحَدِّ الزنى، أو لآدمي كحَدِّ القذف؛ لأنه يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يُؤْمَنُ فيه الحيفُ، فوجب أن يُفَوَّضَ إلى الإمام، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقيم الحدود في حياته، وكذا خلفاؤه من بعده. ويقوم نائب الإمام فيه مقامه». اهـ([393])

وفي «الشرح الممتع على زاد المستقنع»([394]) للعلامة ابن عثيمين : «المراد بالإمام عند الفقهاء هو أعلى سلطة في البلد، وكان المسلمون فيما سبق إمامهم واحد، لكن تغيّرت الأحوال…

إلى أن قال : «لا يجوز أن يقاتلهم – غير الإمام -؛ لأن هذا افتيات على ولي الأمر، ولو فُتِحَ الباب للناس، وصار كل من رأى منكرًا أنكره بالفعل والتغيير باليد؛ لحصل في هذا فوضى كثيرة؛ لأن كثيرًا من الناس لا يدركون مدى الخطورة في مثل هذا الأمر، فربما يعتقد أن هذا الشيء حرام، فيحاول تغييره، وهو حلال، ويَسْطُو على من فعله بحجة أنه حرام، وأن من رأى منكرًا فليغيره بيده!!! فيَحْصُل في هذا شر كثير؛ ولهذا قال العلماء: إن الحدود لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه، وكذلك التعزيرات لا يقوم بتقديرها إلا الإمام أو نائبه، والمقاتلة في هذا وشِبْهِهِ لا يقوم بها إلا الإمام أو نائبه، وليس لكل أحد أن يفعل ما شاء». اهـ

(تنبيه):

إن خَلا مكانٌ أو زمانٌ من سلطانٍ يقيم الحدود والتعزيرات؛ فيجب على أهل هذه البلدة أن يفوِّضُوا كبار العلماء وأهل الرأي والحكمة فيهم؛ كي يقوموا بما أُوكل إلى السلطان من إقامة الحدود والتعزيرات، وذلك تقليلًا للشرِّ، ما لم تقع مفسدة أكبر.

قال أبو المعالي الجويني في «غياث الأمم»: «لَوْ خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ؛ فَحَقٌّ عَلَى قُطَّانِ كُلِّ بَلْدَةٍ، وَسُكَّانِ كُلِّ قَرْيَةٍ، أَنْ يُقَدِّمُوا مِنْ ذَوِي الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، وَذَوِي الْعُقُولِ وَالْحِجَا مَنْ يَلْتَزِمُونَ امْتِثَالَ إِشَارَاتِهِ وَأَوَامِرِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنْ مَنَاهِيهِ وَمَزَاجِرِهِ; فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ؛ تَرَدَّدُوا عِنْدَ إِلْمَامِ الْمُهِمَّاتِ، وَتَبَلَّدُوا عِنْدَ إِظْلَالِ الْوَاقِعَاتِ». اهـ([395])

وقال ابن حجر الهيتمي في «تحفة المحتاج»: «إذَا عُدِمَ السُّلْطَانُ؛ لَزِمَ أَهْلَ الشَّوْكَةِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ أَنْ يُنَصِّبُوا قَاضِيًا، فَتَنْفُذَ حِينَئِذٍ أَحْكَامُهُ لِلضَّرُورَةِ الْمُلْجِئَةِ لِذَلِكَ». اهـ([396])

وقال ابن قدامة في «المغني»: «وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ.

وقَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ؟!!». اهـ([397])

  • خامسًا: وكما يُنكَر على من يحكم بالكفر على المسلم للأسباب السابقة، فكذلك يُنْكَر على مَنْ يَحْكُم على من لا يدين بدين الإسلام من أهل الملل الأخرى بأنه مسلم، إما لوجود عدْل عنده، أو لمناداته بحقوق الإنسان، وحرية التعبير -على تفاصيل في صحَّة ذلك، وفي صِدْق وعدم ازدواجية المنادِي بذلك- أو لكون الجميع يؤمن بأن الله موجود، أو لأن الكل يؤمن بالأديان السماوية… ونحو ذلك، فالحكم بالإسلام له شروط، لا بد من مراعاتها، وهو حقٌّ لله وإلا فالصنف الأول من غلاة التكفير والتبديع مُفْرِط، والصنف الثاني من الجفاة مُفَرِّط، [ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ] {آل عمران:85}.

وهذا الانحراف عن جادة الصواب -إفراطا أو تفريطا- منشؤه اشتغالُ المرء بما لا يَعْنِيه ولا يُحْسِنُه، ولو تَرَكَ الأمر لأهله المختصين به، المتأهلين له؛ لأراح واستراح.

وما قيل في التكفير يُقال في التفسيق والتبديع: فالبدعة منها بدعة مُكَفِّرة، وبدعة مُفَسِّقة، والله تعالى أعلم.

وصلِّ اللهم وسَلِّم وبارِك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين عدد خلقك، ورضا نفْسك، وزِنَةَ عرشك، ومداد كلماتك.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

24/ رجب 1439 هجرية

A

A

[10]

فضل من نشر السنة، وشؤم كتمانها