(فضل من نشر السنة، وشؤم كتمانها)
- السؤال العاشر: ما هو فَضْلُ مَنْ نَشَر السنةَ، وأَحَبَّ أهلَها، وما هو شُؤْمُ كتمانِهَا ومحاربةِ أَهْلِها؟
الجواب:
أولًا: هذه عدة من الآثار والأقوال في فضل نَشْرِ السنة والتمسكِ بها:
جاء عن جمع من الصحابة -رضي الله عنهم- نحو العشرين منهم: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خَذَلَهُم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».
* منهم معاوية –رضي الله عنه-، فعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ».([398])
* ومنهم: المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-، ولفظه: «لا يزال أناسٌ من أمتي ظاهرين على الحق، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون».([399])
* ومنهم: ثوبان -رضي الله عنه-، ولفظه: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».([400])
وهو حديث متواتر، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الاقتضاء»([401])، والسيوطي في «الأزهار المتناثرة»([402])، والكتاني في «نظم المتناثر»([403])، والزبيدي في «سقط اللآلي»([404])، وشيخنا العلامة الألباني في «صلاة العيدين» – جميعًا-.([405]([406])
أقوال العلماء في بيان المقصود بالطائفة الظاهرة التي ذكرها النبي
– صلى الله عليه وعلى آله وسلم – في أحاديثه الكثيرة، فمن أقوال العلماء في ذلك:
1. قال الإمام أحمد : إن لم تكن هذه الطائفةُ المنصورةُ أصحابَ الحديث؛ فلا أدري من هم.([407])
2. وقال الإمام البخاري : [باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» وهم أهل العلم].([408])
3. وقال عبد الله بن المبارك : هم عندي أصحاب الحديث.([409])
4. وقال أحمد بن سنان الثقة الحافظ: هم أهل العلم وأصحاب الآثار.([410])
5. قال علي بن المديني: هم أصحاب الحديث.([411])
6. وقال يزيد بن هارون: «إن لم يكونوا أصحاب الحديث؛ فلا أدري من هم».([412])
قلت: ومما يجدر التنبيه عليه: أن تفسير العلماء للطائفة المنصورة بأنهم أهل الحديث أو نحو ذلك؛ لا يراد به الاقتصار على العلماء من طائفة أهل الحديث فقط، أو المشتغلين بعلم الرواية سندًا ومتنًا، أو علل الروايات، وأحوال الرواة… ونحو ذلك، بل الأمر كما قال القاضي عياض في «شرحه على صحيح مسلم»، فقد قال: «وقول أحمد بأنهم أهل الحديث، أراد به: أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث».ا.هـ.([413])
وقال الإمام النووي : «ويحتمل أن هذه الطائفة مُفَرَّقَةٌ بين أنواع المؤمنين: منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض».([414])
مزيد من الأقوال في فضل نَشْر السنة:
قال الإمام أحمد في خطبته في كتابه «الرد على الجهمية والزنادقة»: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يَدْعُون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحْيُون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس فقد أَحْيَوْه، وكم من ضال تائه قد هَدَوْه، فما أحسن أثرهم على الناس! وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مُجْمِعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبّهون عليهم -فنعوذ بالله من فتن الضالين». اهـ([415])
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في وصيته المشهورة للكُمَيْل بن زياد: «ومحبة العالم دينٌ يُدَانُ بها».([416])
وقال الخطيب البغدادي : «هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِ الْأَحَادِيثِ مَعْنًى، وَأَشْرَفِهَا لَفْظًا، وَتَقْسِيمُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ النَّاسَ فِي أَوَّلِهِ تَقْسِيمٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَنِهَايَةِ السَّدَادِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، مَعَ كَمَالِ الْعَقْلِ، وَإِزَاحَةِ الْعِلَلِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا، أَوْ مُغْفِلًا لِلْعِلْمِ وَطَلَبِهِ، لَيْسَ بِعَالِمٍ وَلَا طَالِبٍ لَهُ، فَالْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا زِيَادَةَ عَلَى فَضْلِهِ لِفَاضِلٍ، وَلَا مَنْزِلَةَ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ لِمُجْتَهِدٍ، وَقَدْ دَخَلَ فِي الْوَصْفِ لَهُ بِأَنَّهُ رَبَّانِيٌّ وَصْفُهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْعِلْمُ لِأَهْلِهِ، وَيَمْنَعُ وَصْفَهُ بِمَا خَالَفَهَا، وَمَعْنَى الرَّبَّانِيِّ فِي اللُّغَةِ: الرَّفِيعُ الدَّرَجَةِ فِي الْعِلْمِ، الْعَالِي الْمَنْزِلَةِ فِيهِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: [ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ] {المائدة:63}، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: [ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {آل عمران:79}». اهـ([417])
وقال الإمام ابن القيم تعالى- شارحًا قول عَلِيٍّ هذا: «قَوْله: (محبَّة الْعلم أوْ الْعَالم دين يُدَانُ بهَا)؛ لأن الْعلم مِيرَاث الأنبياء، وَالْعُلَمَاءُ ورثتهم، فمحبة الْعلم وأهله محبَّة لميراث الأنبياء وورثتهم، وبُغْضُ الْعلم وَأَهله بُغْضُ لميراث الأنبياء وورثتهم، فمحبة الْعلم من عَلَامَات السَّعَادَة، وبُغْضُ الْعلم من عَلَامَات الشقاوة، وَهَذَا كُله إِنَّمَا هُوَ فِي علم الرُّسُل، الَّذِي جاؤوا بِهِ، وَوَرَّثُوه للأمة، لَا فِي كل مَا يُسمى علما، وأيضًا: فَإِن محبَّة الْعلم تَحْمِلُ على تَعَلُّمه واتباعه، وَذَلِكَ هُوَ الدّين، وبُغْضُه ينْهَى عَن تَعَلُّمِهِ واتباعه، وَذَلِكَ هُوَ الشَّقَاء والضلال، وأيضًا فَإِن الله سُبْحَانَهُ عليم، يحب كل عليم، وَإِنَّمَا يضع علمه عِنْد من يُحِبهُ، فَمن أحب الْعلم وأهله؛ فقد أحب مَا أحب الله، وَذَلِكَ مِمَّا يُدَانُ بِهِ». اهـ([418])
قال حماد : «حَضَرْتُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ وَهُوَ يُغَسِّلُ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّ الَّذِينَ يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَ أَهْلِ السُّنَّةِ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ] {الصف:8}».([419])
وقال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: سَمِعْتُ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي وَأَنَا مُنْكَسِرٌ، فَقَالَ: «مَا لَكَ؟ قُلْتُ:» مَاتَ صَدِيقٌ لِي. قَالَ: «مَاتَ عَلَى السُّنَّةِ؟» قُلْتُ: «نَعَمْ. قَالَ: فَلَا تَخَفْ عَلَيْهِ».([420])
وقال سفيان الثوري : «إِذَا بَلَغَكَ عَنْ رَجُلٍ بِالْمَشْرِقِ صَاحِبِ سُنَّةٍ وَآخَرَ بِالْمَغْرِبِ؛ فَابْعَثْ إِلَيْهِمَا بِالسَّلَامِ، وَادْعُ لَهُمَا، مَا أَقَلَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ».([421])
وعَنْ عَوْنٍ قَالَ: «مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ؛ فَلَهُ بَشِيرٌ بِكُلِّ خَيْرٍ».([422])
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي: «وعلماء السلف من السابقين، ومن بَعْدَهم من التابعين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر؛ لا يُذْكَرون إلا بالجميل، ومَنْ ذَكَرَهُم بسوء؛ فهو على غير السبيل». اهـ([423])
وقال ابن أبي العز شارحًا قول الطحاوي السابق: «… فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاةُ المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصا العلماءُ، الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهْتَدَى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذْ كل أمة قبل مبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- علماؤها شرارُها إلا المسلمين؛ فإنَّ علماءهم خيارُهم؛ فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نَطَقَ الكتابُ، وبه نَطَقُوا، وكُلُّهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولكن إذا وُجدَ لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه؛ فلابد له في تَرْكِهِ مِنْ عُذْر». اهـ
وقال الإمام ابن القيم : «فَإِذَا ظَفِرْتَ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ، طَالِبٍ لِلدَّلِيلِ، مُحَكِّمٍ لَهُ، مُتَّبِعٍ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَأَيْنَ كَانَ وَمَعَ مَنْ كَانَ؛ زَالَتْ الْوَحْشَةُ، وَحَصَلَتْ الْأُلْفَةُ، وَلَوْ خَالَفَك؛ فَإِنَّهُ يُخَالِفُك وَيَعْذِرُك، وَالْجَاهِلُ الظَّالِمُ يُخَالِفُك بِلَا حُجَّةٍ، وَيُكَفِّرُك أَوْ يُبَدِّعُك بِلَا حُجَّةٍ، وَذَنْبُك رَغْبَتُك عَنْ طَرِيقَتِهِ الْوَخِيمَةِ، وَسِيرَتِهِ الذَّمِيمَةِ، فَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ هَذَا الضَّرْبِ؛ فَإِنَّ الْآلَافَ الْمُؤَلَّفَةَ مِنْهُمْ لَا يُعْدَلُونَ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْوَاحِدُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُعْدَلُ بِمِلْءِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ.». اهـ([424])
قلت: فلله درُّ الإمام ابن القيم الذي بكلامه هذا كأنه يصف حال الغلاة في التبديع لأهل السنة في زماننا، فأحسن الله عزاء الثابتين على السنة إمام هؤلاء الزائفين!!
وقال الإمام ابن القيم أيضًا: «وَتَأَمَّلْ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {الأنفال:33}، كَيْفَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ وُجُودُ بَدَنِهِ وَذَاتِهِ فِيهِمْ دَفَعَ عَنْهُمْ الْعَذَابَ وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ، فَكَيْفَ وُجُودُ سِرِّهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَوُجُودُ مَا جَاءَ بِهِ إذَا كَانَ فِي قَوْمٍ أَوْ كَانَ فِي شَخْصٍ؟ أَفَلَيْسَ دَفْعُهُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؟». اهـ([425])
ثانيًا: قال الله -تعالى ذِكْره-: في حق نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ] {الكوثر:3}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى -:
«فمن شَنَأ شيئًا مما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فله من ذلك نصيب؛ ولهذا قال أبو بكر بن عياش لما قيل له: إن بالمسجد أقواما يَجْلِسُون ويَجْلِسُ الناسُ إليهم، فقال: مَنْ جَلَسَ للناس؛ جَلَسَ الناسُ إليه؛ لكنَّ أهلَ السنةِ يَبْقَوْن ويَبْقَى ذِكْرُهُم، وأهلَ البدعةِ يموتون ويموت ذِكْرُهم.
وذلك أن أهل البدعة شَنَؤوا بعض ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأبَترهم بقدْر ذلك، والذين أعلنوا ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- فصار لهم نصيبٌ من قوله تعالى: [ﯓ ﯔ ﯕ] {الشرح:4} فإنَّ ما أَكْرَمَ اللهُ به نَبِيَّهُ من سعادة الدنيا والآخرة؛ فللمؤمنين المتابعين نصيب بقدر إيمانهم، فما كان من خصائص النبوة والرسالة؛ فلم يشارك فيه أحدٌ من أُمَّتِه، وما كان من ثواب الإيمان والأعمال الصالحة؛ فلِكُلِّ مؤمنٍ نصيبٌ بقدْر ذلك». انتهى كلامه ([426]).
رحمنا الله واياكم باتباع السنة وإحيائها، والذود عن حياضها، ودَفَعَ اللهُ عنا وعنكم شَرَّ شانئيها، ومُبْغِضي أَهْلِها، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أبَدَ الآباد.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
26/ رجب 1439 هجرية.
A
A
[11]فِقْه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر













