كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلدالأول

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الأول

(معنى قول القائل: ليس كل ما يُعْرَفُ يُقَالُ، وهل فيه كتمان للعلم؟)

  • السؤال السابع (7): وتساءل أحدُ الإخوة عن قولي في بعض المحاضرات: «ليس كل ما يُعْرَفُ يُقَالُ، وليس كلُّ ما يُقال قد جاء وقته، وليس كل ما قد جاء وقته قد حضر أهله» فقال: (وكيف يصح هذا مع قولهم: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، أو النهي عن كتمان العلم)؟

الجواب:

لا إشكال في ذلك -ولله الحمد- وذلك لأمور:

أولًا: إذا كان الكلام سيُساء فهمُه، والمستمعُ ليس أهلًا له؛ بل سيفهمه على غير وجهه الصحيح؛ فلا حاجة إذًا للكلام معه أصلًا، وكذلك إذا كان الكلام سابقا لأوانه؛ فإن الكلام به يضر ولا ينفع.

والمطلوب شرعًا عدم تأخير البيان عن وقت حاجة المكلَّف إليه، فإذا كان المكلَّف سيفهمه فهمًا خاطئًا؛ فلا يُذْكَر له؛ دفعا للمفسدة، ولا يكون مكلفًا به آنذاك، ولا يجب تبليغه إياه، وكذلك إذا كان المستمع لم يُكَلَّف به أصلًا؛ فذكره له -حينئذٍ- قد يضر ولا ينفع.

والمراد بالبيان النفع وقضاء حاجة المستمع وغيره، لا مجرد إلقاء الكلام دون النظر إلى عاقبته ومآله.

ثانيًا: بوَّب الإمام البخاري في «صحيحه»([252]): في كتاب العلم – بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا.

* وقد أورد تحته حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: «عُفَيْرٌ»، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ: أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لاَ تُبَشِّرْهُمْ؛ فَيَتَّكِلُوا».([253])

قال الحافظ ابن حجر : «أي إن أخبرتهم يَتَّكِلُوا، وللأَصِيلي والكُشْمَيْهَني: «يَنْكُلوا» بإسكان النون وضم الكاف، أي يمتنعوا من العمل؛ اعتمادا على ما يتبادر من ظاهره، وروى البزار([254]) بإسناد حسن من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في هذه القصة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَذِنَ لمعاذ في التبشير، فَلَقِيَهُ عمر، فقال: لا تَعْجَلْ، ثم دخل، فقال: يا نبي الله، أنت أفضل رأيًا؛ إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها؛ قال: فَرَدَّهُ.

وهذا معدود من موافقات عمر، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته -صلى الله عليه وسلم-». اهـ([255])

وقال الحافظ أيضًا: «قوله «تأثُّمًا» هو بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة، أي: خشية الوقوع في الإثم، وقد تقدم توجيهه في حديث بدء الوحي في قوله: «يتحَنَّثُ»، والمراد بالإثم الحاصل من كتمان العلم، ودَلَّ صنيعُ معاذ على أنه عَرَفَ أن النهي عن التبشير كان على التنزيه، لا على التحريم، وإلا لما كان يُخْبِرُ به أصلا، أو عَرَفَ أن النهي مُقَيَّدٌ بالاتكال؛ فأخبر به من لا يَخْشَى عليه ذلك، وإذا زال القَيْدُ زال المُقَيَّدُ، والأول أَوْجَه؛ لكونه أخَّرَ ذلك إلى وقت موته.

وقال القاضي عياض: لعل معاذا لم يفهم النهي، لكن كَسَرَ عَزْمَهُ عما عَرَضَ له من تبشيرهم.

قلت: والرواية الآتية صريحة في النهي، فالأَوْلَى ما تقدم». اهـ([256])

وقال أيضًا: «وإنما خشي معاذ من الإثم المرتَّب على كتمان العلم، وكأنه فهم من منع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخبر بها إخبارا عامًّا؛ لقوله: «أفلا أبشر الناس»؟ فأخذ هو أولًا بعموم المنع، فلم يُخْبِرْ بها أحدا، ثم ظَهَرَ له أن المنع إنما هو من الإخبار عموما، فبادر قبل موته فأخبر بها خاصًّا من الناس، فجمع بين الحُكْمَيْن، ويُقَوِّي ذلك: أن المنع لو كان على عمومه في الأشخاص؛ لما أَخْبَرَ هو بذلك، وأَخَذَ منه: أن من كان في مثل مقامه في الفهم أنه لم يُمْنَعْ من إخباره.

وقد تُعُقِّبَ هذا الجواب بما أخرجه أحمد([257]) من وجهٍ آخر فيه انقطاع عن معاذ أنه لما حضرته الوفاة، قال: أَدْخِلُوا عليَّ الناس، فَأُدْخِلُوا عليه، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا؛ جعله الله في الجنة» وما كُنْتُ أُحَدِّثُكُمُوه إلا عند الموت، وشاهِدِي على ذلك أبو الدرداء، فقال: صَدَقَ أخي، وما كان يحدثكم به إلا عند موته.

وقد وقع لأبي أيوب مثل ذلك، ففي «المسند»([258]) من طريق أبي ظبيان، أن أبا أيوب غزا الروم فمرض، فلما حُضِرَ؛ قال: سَأُحَدِّثُكُم حديثًا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لولا حالي هذه ما حَدَّثْتُكُمُوه، سمعته يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا؛ دخل الجنة».

وإذْ قد عُورِضَ هذا الجوابُ؛ فأُجِيبُ عن أَصْل الإشكال: بأن معاذا اطلع على أنه لم يكن المقصود من المنع التحريم، بدليل «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أبا هريرة أن يُبَشِّر بذلك الناس، فلَقِيَهُ عمر فدفعه، وقال: ارْجِعْ يا أبا هريرة، ودَخَلَ على أَثَرِهِ، فقال: يا رسول الله، لا تَفْعَلْ؛ فإني أخشى أن يَتَّكِل الناسُ؛ فَخَلِّهِم يَعْمَلُون، فقال: «فَخَلِّهِم» أخرجه مسلم، فكأن قوله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: «أخاف أن يَتَّكِلُوا» كان بعد قصة أبي هريرة، فكان النهي للمصلحة لا للتحريم، فلذلك أَخْبَرَ به معاذٌ لعموم الآية بالتبليغ، والله أعلم». اهـ([259])

ثالثًا: ومما يدل أيضًا على جواز كتمان العلم للمصلحة:

* حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا،… فذكر الحديث، إلى أن قال: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِاسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ؛ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا؛ فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فَخَلِّهِمْ».([260])

* وفي «صحيح البخاري»([261]): وَقَالَ عَلِيٌّ – رضي الله عنه -: «حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»؟!

قال الحافظ ابن حجر : «والمراد بقوله: «بما يَعْرِفون» أي: يفْهَمون، وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: «ودَعُوا ما يُنْكِرُون» أي: يَشْتَبِهُ عليهم فَهْمُهُ، وكذا رواه أبو نعيم في «المستخرج». اهـ([262])

* وأخرج الإمام مسلم في مقدمة «صحيحه»([263]) عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ؛ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً».

* وأخرج أيضًا في مقدمته عن ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: «اعْلَمْ أَنَّهُ: لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». وهذا على عمومه يشمل ما نحن فيه، وإلا فقد يُحْمل على أن المحدث لا تأخذه شهوة التحديث، فيُحدث بما هو متقن له وغيره؛ فيقع الخطأ في حديثه.

* وأيضًا عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ».

وأخرج أيضًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ، فَاقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةً، وَفَسِّرْ؛ حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَقَالَ لِيَ: احْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ: «إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ».

وقال النووي : «قَوْلُهُ (إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ) فَهِيَ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَهِيَ الْقُبْحُ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الشَّنَاعَةُ الْقُبْحُ، وَقَدْ شَنُعَ الشَّيْءُ بِضَمِّ النُّونِ: أَيْ قَبُحَ، فَهُوَ أَشْنَعُ وَشَنِيعٌ، وَشَنِعْتُ بِالشَّيْءِ بِكَسْرِ النُّونِ، وَشَنِعْتُهُ أَيْ أَنْكَرْتُهُ، وَشَنَّعْتُ عَلَى الرَّجُلُ أَيْ ذَكَرْتُهُ بِقَبِيحٍ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ حَذَّرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي يَشْنُعُ عَلَى صَاحِبِهَا، وَيُنْكَرُ، وَيَقْبُحُ حَالُ صَاحِبِهَا، فَيُكَذَّبُ أَوْ يُسْتَرَابُ فِي رِوَايَاتِهِ، فَتَسْقُطُ مَنْزِلَتُهُ، وَيَذِلُّ فِي نَفْسِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ». اهـ([264])

رابعًا: أمثلة على ما يَنْبَغِي كتمانه عن العامة:

قال الحافظ ابن حجر عن أثر علي -رضي الله عنه-: «وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذْكَر عند العامة، ومثله قولُ ابن مسعود: ما أنت مُحَدِّثًا قوما حديثا لا تَبْلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم».

وممن كَرِهَ التحديث ببعضٍ دون بعض:

– أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان.

– ومالك في أحاديث الصفات.

– وأبو يوسف في الغرائب.

ومِنْ قَبْلِهِم أبو هريرة-رضى الله عنه-، كما تقدم عنه في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونَحْوُهُ عن حذيفة-رضى الله عنه-.

– وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس -رضى الله عنه- للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سَفْك الدماء بتأويله الواهي.

وضابط ذلك: أن يكون ظاهِرُ الحديث يُقَوِّي البدعةَ، وظاهرُهُ في الأصل غير مراد؛ فالإمساك عنه عند من يُخْشَى عليه الأَخْذُ بظاهره مَطْلُوبٌ، والله أعلم». اهـ([265])

قلت: أما صنيع الإمام أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان:

فمن أمثلته: ما جاء في «مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني»([266]) قال:

* سَمِعْتُ أَحْمَدَ ذَكَرَ حَدِيثًا لِصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ الْخَطْمِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ-رضى الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «يَكُونُ أُمَرَاءُ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ».

قَالَ أَحْمَدُ: جَعْفَرُ هَذَا هُوَ أَبُو عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ فُضَيْلٍ لَيْسَ بِمَحْمُودِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ ابْنِ مَسْعُودٍ، ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي».([267])

وهناك مثال آخر لصنيع الإمام أحمد يَدُلُّ على ذلك:

* ففي «المسند»([268]): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، قَالَ: «يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ».

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَقَالَ أَبِي فِي مَرَضِهِ الذي مَاتَ فِيهِ: «اضْرِبْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، يَعْنِي قَوْلَهُ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَاصْبِرُوا». اهـ

وقال المَرُّوذي: وقد كنتُ سمعته يقول: هو حديث رديء، يَحْتَجُّ به المعتزلة في تَرْكِ الجُمُعَةِ». اهـ([269])

قال أبو موسى المديني : «وهذا مع ثقة رجال إسناده حين شَذَّ لَفْظُهُ عن الأحاديث المشاهيرِ؛ أَمَرَ بالضرب عليه، فقال عليه ما قلناه. وفيه نظائر له». اهـ

فَرَدَّهُ الإمامُ أحمد إلى الأحاديث التي جاءت بالأَمْر المُحْكَم، وهو النَّهْي عن الخروج عليهم، والنهي عن اعتزال الجُمَع والأعياد والجهاد معهم، وأَمَرَ بالضرب عليه، وإخراجِهِ من «المسند» بعلَّة مخالفة الأصول، وتَشَبُّث أهل البدع بالاستدلال به على بدعتهم، وهذا مَبْنِيٌّ على أن معنى الاعتزال هو ترك الجُمَع والأعياد معهم، ومن باب أَوْلَى استدلال المعتزلة به على الخروج على الأئمة، فيكون مخالفا لما تواتر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الأمر بالصبر على جَوْر الولاة، وظُلْم الحكام الطغاة، إلا إذا مَنَعُوا الصلاة، أو كَفَروا كُفْرًا بواحًا صراحًا لا يحتمل التأويل، أو حَمَلُوا الناسَ عليه -وليس لهم في ذلك عذرٌ مقبولٌ-، مع القدرة على إزالتهم والمُكْنَةِ من إزاحتهم، والصدور عن قول أهل العلم والشورى فيهم، لا قول المتهورين أو ذوي الأهواء والأحداث.

وأما صنيع الإمام مالك في أحاديث الصفات:

فقد روى ابن عبد البر، واللالكائي عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: «الْكَلَامُ فِي الدِّينِ أَكْرَهُهُ، وَكَانَ أَهْلُ بَلَدِنَا يَكْرَهُونَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ: نَحْوَ الْكَلَامِ فِي رَأْيِ جَهْمٍ، وَالْقَدَرِ، وَكُلِّ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ إِلَّا فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ، فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الدِّينِ وَفِي اللَّهِ فَالسُّكُوتُ أَحَبُّ إِلَيَّ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ أَهْلَ بَلَدِنَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الدِّينِ إِلَّا مَا تَحْتَهُ عَمَلٌ».([270])

قَالَ أَبُو عُمَرَ : «قَدْ بَيَّنَ مَالِكٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ هُوَ الْمُبَاحُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَهْلِ بَلَدِهِ يَعْنِي الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الدِّينِ نَحْوَ الْقَوْلِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ، وَضَرَبَ مَثَلًا، فَقَالَ: نَحْوَ رَأْيِ جَهْمٍ، وَالْقَدَرِ، وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفَتْوَى، وَإِنَّمَا خَالَفَ ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ الْمُعْتَزِلَةُ وَسَائِرُ الْفِرَقِ، وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ أَحَدٌ إِلَى الْكَلَامِ؛ فَلَا يَسَعُهُ السُّكُوتُ إِذَا طَمِعَ بِرَدِّ الْبَاطِلِ، وَصَرْفِ صَاحِبِهِ عَنْ مَذْهَبِهِ، أَوْ خَشِيَ ضَلَالَ عَامَّةٍ، أَوْ نَحْوَ هَذَا». اهـ

وقال القاضي عياض : «وكَرِهَ مالكٌ أن يُحَدَّث بها عوامُّ الناس، الذين لا يَعْرِفُون وَجْهَهُ، ولا تَبْلُغُهُ عقولُهم؛ فَيُنْكِرُوه، أو يَضَعُوه في غير موضعه». اهـ([271])

وقد حمل العلماء كلام مالك على أكثر من وجه:

الوجه الأول: وهو أن مالكًا إنما نَهى عن التحديث بها؛ لأنها لم تَثْبُتْ عنده.

قال ابن القاسم تلميذه : «وكان مالك يُعَظِّمْ أن يُحَدِّث أحدٌ بهذه الأحاديث التي فيها «أن الله خلق آدم على صورته» وضَعَّفَهَا».([272])

وقال أبو بكر الأبهري المالكي : «إنما كَرِه أن نتحدث بهذه الأشياء من قَبِيل أنها ليست صحيحة الإسناد عنده، ولا يجوز أن تضاف إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- ويُتَحَدَّث عنه ما ليس بصحيح الرواية عنه». اهـ([273])

وقال الذهبي في «السير» ما نصه: «أنكر الإمام ذلك؛ لأنه لم يَثْبُتْ عنده، ولا اتَّصَل به؛ فهو معذور، كما أن صاحبي «الصحيحين» معذوران في إخراج ذلك». اهـ([274])

وقال الحافظ ابن حجر في حديث اهتزاز العرش: «حديث سعد ما ثَبَتَ عنده؛ فَأَمَرَ بالكَفِّ عن التحدث به». اهـ([275])

الوجه الثاني: وهو أنه إنما نهى أن يُتَحَدَّثَ بهذه النصوص لمن يَفْتِنُهُ ذلك، ولا يَحْتَمِلُهُ عَقْلُه، فهو ليس نهيًا عامًا عن التحديث بها، ولا فَعَلَ ذلك لأنه يرى ظاهرها باطلًا ينبغي تأويله.

بل نهى عن التحديث بها لمن يفتنه الحديث، فَيُكَذِّبُ بحَقٍّ، أو يُصَدِّقُ بباطل، فيعتقد اعتقادًا فاسدًا، أو يَرُدُّ اعتقادًا صحيحًا، وهو قول:

1 – شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في جواب الاعتراضات المصرية على «الفتيا الحموية»([276]) ما نصه: «كان في السلف من يترك روايته؛ فإن مالكًا -رحمةُ الله عليه- رُوي عنه أنه لما بلغه أن محمد بن عجلان حدَّث به؛ كَرِهَ ذلك، وقال: إنَّما هو صاحبُ أُمراءَ.

والمقتصدون يقولون: إنما كَرِهَ مالكٌ ذلك؛ لأنَّ العِلْم الذي قد يكون فتنةً للمستمع لا ينبغي للعالم أن يُحدِّثَه به؛ لأنَّهُ مَضَرَّةٌ، بل فتنة، وأن يكون بلَّغه لمن لا يفتتن به؛ لوجوب تبليغ العلم، ولئلا يُكْتَم ما أنزل الله من البينات والهدى.

وهذا كما قال عبد الله بن مسعود: «ما من رجلٍ يُحدِّث قومًا حديثًا لا تَبلُغه عقولهم؛ إلا كان فتنةً لبعضهم».

* وقال -صلى الله عليه وسلم-: «حدِّثوا الناسَ بما يعرفون، ودَعُوا ما يُنْكِرُون؛ أتُحِبُّون أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه؟!».([277])

ولذلك كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة إذا خَشُوا فتنةَ بعض المستمعين بسماع الحديث؛ لم يُحدِّثُوه به، وهذا الأدب مما لا يتنازع فيه العلماء؛ فإن كثيرًا من العلم يَضُرُّ كثيرًا من الخَلْق، ولا ينتفعون به، فمُخاطبتُهُم به مَضرَّةٌ بلا منفعةٍ.

وقد سأل رجلٌ ابنَ عباس -رضي الله عنهما- عن تفسير قوله تعالى: [ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ] {الطلاق:12}، فلم يُجِبْهُ، وقال: ما يمنعك أنِّيْ لو أخبرتُك بتفسيرِها لكَفَرْتَ؟ وكُفْرُك بها تكذِيبُك بها.

وسأله رجل عن قوله تعالى: [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ] {المعارج:4}، فقال: يوم من أيَّام الرب، أخبر الله به، الله أعلمُ به.

وسأل بعضُهم زِرَّ بن حُبيشٍ عن حديث عبد الله -رضى الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رأى جبريل، وله سِتُّمئة جناحٍ؛ فلم يُحدِّثْهُ.

ومن المعلوم أنَّ فيما رُوِيَ في هذا الحديث ما قد يَفْتِنُ بعضَ الناس؛ إمَّا بتكذيبٍ لِحَقٍّ، وإما بتصديقٍ بباطل، فيعتقدُ اعتقادًا فاسدًا، أو يرُدُّ اعتقادًا صحيحًا، أو يُوقعُ تباغُضًا وتعاديًا، وغير ذلك من الأمور المُحرَّمة المتعلقة بالأمور الخبريَّة، وبالأفعال الأمريَّة.

وقولُ مالكٍ في ابن عجلان: «هو صاحبُ أُمراءَ»؛ كأنَّه – والله أعْلمُ – يُريدُ بذلك أن جُلَساءَ الملوك لا يَضَعُون العِلْم مواضعه، وإنما يقولون ما عنده مُطلقًا؛ لطلب التقرب إلى الملوك، أو لغير ذلك من غير تمييزٍ بين ما ينتفع به الملوك وما لا ينتفعون به». اهـ

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «بل يَكْرَه-يعني مالك بن أنس- أن يُتَحَدَّثَ بذلك لمن يَفْتِنُهُ ذلك، ولا يَحْمِلُهُ عَقْلُه، كما قال ابن مسعود: «ما من رجل يُحَدِّث قوما حديثا لا تَبْلُغُه عقولُهم، إلا كان فتنة لبعضهم…» كره التحدث بذلك حديثاَ يفتن المستمع الذي لا يَحْمِلُ عَقْلُه ذلك… أما أن يقال: إن الأئمة أعرضوا عن هذه الأحاديث مطلقًا؛ فهذا بهتان عظيم». اهـ([278])

2 – وقال ابن عبد البر : وإنما كَرِهَ ذلك مالكٌ خشية الخوضِ في التشبيه بكيف «هاهنا». اهـ([279])

وأما كراهة أبي يوسف التحديث بالغرائب:

فقد روى ابن عبد البر : قال أبو يوسف القاضي: من يَتَّبِعُ غرائب الأحاديث؛ كَذَب، ومن طلب الدين بالكلام؛ تزندق، ومن طلب المال بالكيماء؛ أفلس.([280])

وأما إنكار الحسن تحديث أنس -رضى الله عنه- للحجاج بقصة العرنيين:

* فقد روى أبو عوانة عَنْ أَبِي رَوْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ، يُحَدِّثُ فِي بَيْتِ الْحَسَنِ، وَالْحَسَنُ شَاهِدٌ، قَالَ ثَابِتٌ: ثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ-رضى الله عنه-، أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ لَمَّا قَدِمَ الْعِرَاقَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، وَرَأَيْتَ عَمَلَهُ وَسَبِيلَهُ وَمِنْهَاجَهُ، وَهَذَا خَاتَمِي، فَلْيَكُنْ فِي يَدِكَ؛ فَلَا أَعْمَلُ شَيْئًا إِلَّا بِأَمْرِكَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-؟

قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- بِهِمْ جَهْدٌ وَضُرٌّ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آوِنَا، وَأَنْفِقْ عَلَيْنَا مِمَّا رَزَقَكَ اللَّهُ، قَالَ: فَآوَاهُمْ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ؛ حَتَّى صَلُحُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَحَّيْتَنَا عَنِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّهَا أَرْضٌ وَخِمَةٌ، فَنَحَّاهُمْ إِلَى جَانِبِ الْحَرَّةِ فِي ذَوْدِ رَاعِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانُوا يُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَسَوَّلَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ؛ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ».

قَالَ أَنَسٌ: «فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمْ فَاغِرًا فَاهُ يَعَضُّ الْأَرْضَ؛ لِيَجِدَ مِنْ بَرْدِهَا مِمَّا يَجِدُ مِنَ الْحَرِّ وَالشِّدَّةِ».

قَالَ: فَوَثَبَ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَتَلَ عَلَى ذَوْدٍ، وَقَطَعَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ، وَسَمَلَ الْأَعْيُنَ، وَنَحْنُ لَا نَقْتُلُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ؟ قَالَ الْحَسَنُ: «وَلَا يَذْكُرُ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَّهُمْ حَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَسَرَقُوا.

قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْحَسَنَ يُعْرِضُ بِوَجْهِهِ، وَيَتَمَعَّرُ وَجْهُهُ، وَثَابِتٌ يُحَدِّثُ الْحَدِيثَ؛ وَالْحَسَنُ يُعْرِضُ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا كَرَاهِيَةً؛ كَأَنَّمَا يَلْطِمُ وَجْهَهُ.

* وأخرج أيضًا عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس بن مالك المدينة، وعمر بن عبد العزيز واليا عليهم، فبعثني عمر إلى أنس، فقال: ما حَدَّثْتَ به الحجاج بن يوسف في قوم اتخذهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فَصَلَب اثنين، وقطع اثنين، وسَمَل اثنين، فقال أنس: أولئك قوم كانوا أقروا بالإسلام، ونزلوا المدينة، ثم إنهم خرجوا رغبة عن الإسلام، فلَحِقُوا بأَهْلِ الشرك، فمروا على سَرْحِ المدينة، فاسْتَاقُوه، فاسْتَعْتَبَ عليهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فأخذ هؤلاء النفر.

فَرَدَّني إليه عمر: وقال لَيْتَ أنك لم تُحَدِّثْ بهذا الحجاج، إن هؤلاء خرجوا رغبة عن الإسلام، ولحقوا بأهل الشرك، وإن الحجاج استحل بهذا فيمن لم يخرج من الإسلام، ولم يَلْحَقْ بأهل الشرك.([281])

* وعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ-رضى الله عنه-، قَالَ: حَدَّثْتُ الْحَجَّاجَ، بِحَدِيثِ الْعُرَيْنِيِّنَ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ قَامَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: تَزْعُمُونَ أَنِّي شَدِيدُ الْعُقُوبَةِ، وَهَذَا أَنَسٌ حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- «أَنَّهُ قَطَعَ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ» قَالَ أَنَسٌ: فَوَدِدْتُ أَنِّي مِتُّ قَبْلَ أَنْ أُحَدِّثَهُ.([282])

خامسًا: قلت: هذا، وقولي: «ليس كُلُّ ما يُعْرَفُ يُقَالُ…» الخ، نَفْيٌ لوجوبِ قَوْلِ كل ما علمه المرء، في كُلِّ حال، وليس نَفْيًا لوجوبِ قولِ البعضِ في بعضِ الأحوال، والله أعلم.

وهذا من الحكمة، والعقل، ووضْع الشيء في موضعه، في وقته، وعند أهله الذين ينتفعون به، ويفهمونه على مراد الله أو رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منهم، وليس في هذا كتمان العلم، أو المجاملة به على حساب الدين.

لكن الشأن كل الشأن في توفيق الله للمرء في تقديره الأمور الموجبة للسكوت، أو تأجيل الكلام من حيث تكميل المصالح أو تحصيلها، وتعطيل المفاسد أو تقليلها، فأسأل الله أن يرزقنا التوفيق والسداد ظاهرًا وباطنًا، وأولًا وآخرًا؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

A

A

[8]

حُكْم الإصرار على الكبيرة