الثالث عشر: صاحب الفضيلة الشيخ
أبو عبد الرحمن الشيخ مقبل بن هادي الوادعي :
صاحب الفضيلة الشيخ أبو عبد الرحمن الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله-
وسأذكر كلامه تحت عناوين، كل عنوان منها يقضُّ مضاجعَ الغلاة؛ لأن كلامه ضد ما زعم الغلاة ونسبوه إليه من الباطل، ولو سلك شيخنا منهجهم الغالي حقًا؛ ما بلغ المنزلة التي أكرمه الله بها – وإن كان في بعض كلامه ما يتشبث به الغلاة – لكن من جَمعَ كلَّ كلامه؛ ظهر له أن تَعلُّقَهم وتمَسُّحَهم به مَحْضُ تشَبُّع بما لم يُعْطَوْا، وشيخنا كغيره من العلماء الأحياء والأموات، والسابقين واللاحقين: يُؤْخَذُ من قَوله الصواب، ويُرَدُّ قَوله الخطأ، وبمجموع ما ذكرتُ في هذا المقام يتضح أن الغلاة -في الجملة- بعيدون عن منهج الشيخ في هذه القضايا التي خالفناهم فيها، وأن أهل الاعتدال من طلابه وأبنائه؛ هم أولى الناس به، وهذه الجملة سترى تفصيلها بجلاء -إن شاء الله- في النقاط الآتية:
1 – هل كُلُّ حزبيةٍ خروجٌ من دائرة أهل السنة والجماعة؟ وهل من وقع في الحزبية يمكن أن يستفاد منه في جانب آخر؟
ومعلوم أن الغلاة يرمون بالحزبية والمروق من أهل السنة أي جماعة دعوية من الجماعات المشهورة في هذا الزمان ولا يأخذون منهم صَرْفا ولا عَدْلا!!
⏪ قال شيخنا الشيخ مقبل في كتابه «فضائح ونصائح»:
وقد سُئل: ما رأيكم في كُتُب الكاتبِ محمد بن سرور بن نايف زين العابدين، وهل عليها ملاحظات، وكذلك كُتُب الكاتبِ محمد العَبْدَة، ومجلة البيان؟
فقال الشيخ : «لا أَعْرِف إلا خيرًا؛ أما الحزبية فعندهم حزبية، وأنت تستفيد من كتاباتهم، وهم لا يستطيعون أن يبوحوا في كتاباتهم بالحزبية؛ من أجل أن الناس سينتقدونهم، ويشمئزون منهم؛ وأما كتاباتهم فطيبة، و«مجلة البيان» أيضًا طيبة، و«مجلة السنة» كذلك طيبة».([168])
⏪ قلتُ: فهذا جواب الشيخ ؛ فهل الغلاة يحكمون على كتابات هؤلاء المذكورين ومجلاتهم بما حكم به الشيخ ؟ وهم يموِّهون على الناس بأنهم على منهج الشيخ يسيرون، والدعاوى الكاذبة لا قيمة لها عند العقلاء، فضلًا عن أهل العلم؟
وأُنَبِّه هنا: على أن هذا كلامٌ قاله الشيخ في وقتٍ من الأوقات، وله كلام بغير ذلك مؤخرا في هذه المجلات، لكن الشاهد من هذا النقل: في كونه أثبت الحزبية عند من سُئل عنهم، ومع ذلك مدح ظاهرهم، وأثنى على كتاباتهم ومجلاتهم، وأشار إلى الاستفادة منها، فما هو ردّ الغلاة على هذا؟ أم أن الشيخ قال ما قال حال كونه جاهلا بما تكلم فيه، أو غافلا، أو ملبَّسًا عليه -كما يزعم الغلاة في نحو ذلك-، وكل هذا لا يشفع له على منهج الغلاة، بل يلزم التحذير من القراءة في كتبه؛ لأنها –عند الغلاة لو استقام منهجهم الضال- تُضِل الناسَ، وتُلبِّس عليهم، أشد من ضرر كتب أهل البدع؛ لأن الناس يثقون في الشيخ مقبل وسيغترفون من كلامه دون تمحيص أو تمييز، بخلاف اليهود والنصارى وأهل البدع الكبرى؛ فالناس لا يحذرون منهم ومن كتاباتهم!!هكذا تقضي قواعد هؤلاء الغلاة، لكنهم لا يخجلون من تناقضهم!!
سؤال: ما هو رأيكم في تنظيم وجماعة محمد بن سرور زين العابدين، ويقال: إنه دعاكم للانضمام إلى تنظيمه وجماعته، هل هذا صحيح؟
فأجاب: «تَقَدَّم أن قُلْنا: إن عندهم شيئًا من الحزبية، وقد زارني إلى هنا، وقال لي: نحن جماعة، ولكنا لا نتعصب، ونتعاون مع جميع المسلمين؛ فليسوا خالصين من الحزبية، وهم لا يهتمون بطلب العلم، وهم أناس من أَعْرَفِ الناس بالواقع، وأمثالُهم قليل، فإن معرفتهم بالواقع شيءٌ عجيب، يُشْكَرون على هذا، ويا حبذا لو تركوا الحزبية». اهـ ([169])
⏪ قلتُ: ففي هذا الموضع لم يذْكر الشيخ أنهم خارجون من أهل السنة، مع أنه قال قبل ذلك: (عندهم حزبية) وهنا قال: (فليسوا خالصين من الحزبية) وقال مرة: (إن عندهم شيئًا من الحزبية) ومع ذلك قال: (وأمثالهم قليل) وقال: (ويُشْكرون على هذا).إلى آخر ما مدحهم به!! فهل هذا موقفكم أيها الغلاة من هؤلاء؛ بل ممن هم أخف منهم بمفاوز؟ وما حكمكم على شيخنا أيام قال بذلك إن كنتم صادقين مع أنفسكم؟ وهل قرأتم هذا عن الشيخ من قبل؟ أم أنكم لا تقرأون إلا ما يوافق أهواءكم، وتعْمَى أعينُكم وتُصمُّ مسامعكم عما يخالف أهواءكم؟ مع أن الجمع ممكن بين كلام الشيخ: بأنه مدحهم من جهة، وأشار إلى الاستفادة منهم فيها، وذمهم من جهة، وحذَّر من اتباعهم عليها، لا تناقض بين هذا على أصول وقواعد العلماء، أما على أصولكم: إما أن يُقبل من الرجل كل شيء، أو يُرَدُّ عليه كل شيء، وإما أن يمدح وإما أن يذم، لا وسط في ذلك، إلا التمييع وإضاعة الدعوة -في نظركم الفاسد- أما عندنا فالأمر سهل، ويُجمع على ما ذكرتُ هنا، لكن أنتم إما أن تناقضوا، أو تتراجعوا، أو تُفْضَحُوا، والله المستعان!!
وفي «غارة الأشرطة»:([170]) سئل شيخنا الشيخ مقبل بن هادي الوادعي فقُدم له سؤال: وكيف الإخوان الفضلاء الذين هم مُسَجِّلون في «جمعية الحكمة»؟ هل يكونون مثل الذين هم مع «الإخوان المفلسين» -يريد السائل جماعة الإخوان المسلمين-؟
فالسائل وصفهم بأنهم إخوة فضلاء -مع تسجيلهم في جمعية الحكمة، ومما لا شك فيه: أنه لا يَفْهَم أحد من هذا أنهم بذلك يكونون أهل بدعة وضلالة -عند السائل والشيخ-، بعد أن وصفهم بأنهم إخوة فضلاء، كما لا يفهم أحد من ذلك أن هؤلاء المسجِّلين في الجمعية المذكورة خارجون من دائرة أهل السنة عند السائل ولا عند المسؤول، الذي لم يعترض على ما جاء في السؤال.
إلا أن الشيخ قال في الجواب: «لا؛ إن الله يحب العدل، لكن يُعْتَبرون بهم شيءٌ من الحزبية، ولكن ليسوا مِثْلَهُم». انتهى
فهل أنتم أيها الغلاة موقفكم من كل من سجَّل في جمعية الحكمة كذلك؟ وعلى أصولكم أن إخواننا في «جمعية الحكمة» ينتمون إلى الدعوة السلفية؛ فالفتنة بهم أعظم من الافتتان بجماعة «الإخوان» وعلى ذلك فالمسجلون في الجمعية أخبث وأضر من الذين ينتمون إلى «الإخوان المسلمين» وإذا كان الإخوان عندكم أخبث وأضر من اليهود والنصارى؛ فالإخوة في «جمعية الحكمة» أخبث وأضر من اليهود والنصارى… وهكذا على أصولكم الفاسدة!!
لكن الشيخ لم يحكم بأنهم مثل الإخوان انطلاقا من كون الله -جل شأنه- يحب العدل؛ فضلا من أنه يحكم عليهم بأنهم أخبث وأضر من الإخوان المسلمين، هذا ما تقتضيه أصولكم وطريقتكم، فهل أنتم تسيرون على منهج العلماء ومنهم شيخنا مقبل ؟!!
ولا شك أن كلام الشيخ في الجماعات وفي الجمعيات أنه قد تدرَّج وتغَيّر من وقت لآخر.
لكن الشاهد من هذا السؤال: أنه يرى أن الرجل قد يكون عنده شيءٌ من الحزبية، ومع ذلك يكون من الإخوة الفضلاء، هذا هو الشاهد، هذا هو الذي نريد أن يعرفه الغلاة الذين يظنون أن مَن كان عنده شيء من الحزبية؛ فهو مبتدعٌ ضال ولابدَّ، ومَن كان عنده هذه الحزبية أو هذا النوع من البدع؛ فإنه خارجٌ من أهل السنة والجماعة ولابد -كما هم يحكمون على هذه الجماعات والجمعيات-، ومن لا يُخْرِجه من أهل السنة؛ فيُخْرَج من دائرة السنة ولابدَّ… وهكذا يتسلسل الأمر بهم وبمن وافقهم إلى ما لا يعلمه إلا الله -جل شأنه- وهذا يلزمهم، ومع هذا؛ فإنهم ينسبون هذه الفوضى إلى العلماء ومنهم شيخنا مقبل ، فهذا كلام العلماء من بلادٍ شَتَّى، وعصورٍ مختلفة بين أيدينا على خلاف هذا التخبط؟ فهل أنتم تعقلون أو تفقهون؟ وهل ستكُّفون عن الكذب والافتراءات على العلماء؟ أم تسلكون مسلك أهل البدع والأهواء في التعلُّق والتشبُّث ببعض الكلمات المشتبهة، والفتاوى المحتملة؟!
فنقول لهؤلاء: الأمر ليس كذلك؛ فالأمر فيه تفصيلٌ: فقد يكون عند الرجل نوعٌ من الحزبية، وليس حزبيًّا صرفًا، وليس مبتدعًا ولا كافرًا، ولذلك لما سئل الشيخ هل يُطلب العلم عندهم؟ قال: نَعَمْ، يُستفاد منهم، ويُنصَحون أن يَتْركُوا الحزبية.
ولا شك أن قوله: «يُستفاد منهم» قولٌ من الأقوال المتقدمة له ، وله أقوال أخرى بعد ذلك بالمنع من مجالستهم، لكن الشاهد من ذِكْر كلامه هنا قد سبق تقريره، وهل كان الشيخ عندما كان يقول: «يُستفاد منهم» كان مُمَيِّعًا للسلفية، كما يقول هؤلاء الغلاة فيمن خالفهم في الحكم على من يرمونه بالحزبية، فكيف بالواقع في الحزبية أو في شيء منها؟!
هذا، وهؤلاء الغلاة هم من أكثر من عَرَفْتُهم بالحزبية المقيتة؛ فإنهم يَقيمون الولاء والبراء على فتوى أحْدَثوها؛ وعلى الموقف من أشخاص منهم أو من خصومهم مَدْحًا وذمًّا، ووصْلا وهجْرا، ويرمون مخالفهم فيها بالبدع الكبرى، ويقولون بهجره وهجْر من لم يهجرْه، ويوالون ويعادون على مسائل اجتهادية، ليست من أصول الدين، والخلاف فيها قوي ليس ضعيفا… إلخ، بل ربما سعَوْا في أذية من خالفهم، واستعمال سلطتهم في نزع المساجد من مخالفيهم… إلخ وهل الحزبية المبتدعة إلا كذلك؟!
2 – ليس كُلَّ مَنْ وَقَع في بِدْعَةٍ يكون مُبتدعًا، وهذه من قواصم ظَهْر الغلو والغلاة:
فقد قال الشيخ مقبل : إن السُّنِّيّ الفاضلَ إذا حَصَلَتْ منه بدعة؛ فلا نقول عنه: مبتدع، ولكن نقول: ذلك العمل بدعة، وقد قال الشيخ هذا في عدة مواضع، فقد تكلم عن الشيخ حسن البنا ، فقال: «نسميه زائغًا مبتدعًا ضالًّا، لكن السُّنِّيّ الفاضل إذا حَصَلَتْ منه بدعةٌ؛ نقول: ذلك العمل بدعة».
وذكر الشيخ نحو ذلك في الحافظ ابن حجر، وفي الحاكم النيسابوري، وفي الحافظ البيهقي –رحمهم الله- فقال: «لا نُطْلِق بأنهم مبتدعة».
هذا مع أن هؤلاء لهم مقالات مخالفة لمنهج السلف في بعض الصفات، والحاكم عنده تشيّع، وهذ كلام الشيخ فيهم، فهل من يبدِّعهم الغلاة اليوم من دعاة وطلاب علوم السنة خالف منهم أحدٌ منهج السلف في الأسماء والصفات، أو نحو ذلك؟ أم اتهمهم الغلاة كذبا وزورا بالبدع الكبرى، وأقاموا على ذلك البهتانِ الولاءَ والبراءَ؟!.
وقد سئل الشيخ ([171]): هل يُقال: إن الحاكم وابن حجر والنووي بأنهم مبتدعة؛ لتشيُّع الأولِ وأشعريةِ الآخَرَيْنِ؟
فقال: «أحسن شيء في هذا ما قاله بعض معاصري شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد هداه الله على يَدَيْ شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان رجلًا فاضلًا زاهدًا، رأيت له نُسَيْخة صغيرة، فكان يُسْأَل عن سلفه من الأشعرية ويقول: أخطأوا، لا ينبغي أن يُتَّبَعُوا على خطئهم، والحاكم أخطأ في التشيع، لا ينبغي أن يُتَّبَع على خطئه، فعلى هذا لا يقال لهم: مبتدعة». اهـ
فالشاهد من هذا: أن الرجل قد يكون عنده شيءٌ مِن البدع -وهي حقا بدع لا البدع التي يزعمها الغلاة في دعاة السنة-، التي لا تُخْرجه من دائرة أهل السنة والجماعة، لأنها بدعٌ يسيرةٌ أو قليلةٌ، أو لأنه لم يعتقد بدعةً كبرى تامَّةً، إنما أَخَذ جزءًا منها، أو لأنه معذور بتأويله مع حرصه على الوصول إلى الحق، أو لأن أصوله سنية، لكن أخطأ في الاستدلال؛ فشابه أَهْلَ البدعة في استدلالهم وفهمهم في بعض المواضع، وليس كل من شابه مبتدعا كان مبتدعا؛ فالمسلم قد يكون عنده خَصْلة من النفاق، أو يتشبه بالكفار، ومع ذلك فليس منهم بإطلاق، فهل الغلاة يقرون بذلك؟ فإن أقروا به؛ طالبناهم بتطبيقه وتنزيله على كل من طعنوا فيهم من أهل السنة، وعند ذلك يظهر نكولُهم أو ضلالهم!!.إلى غير ذلك.
هذا وقد سئل الشيخ هنا-: هَلْ يُطْلَقُ عليهم بأنهم مبتدعة؟ فأجاب: «أنا لا أستطيع أن أُطْلِقَ عليهم أنهم مبتدعة».([172])
وسئل الشيخ أيضًا، فقال: لابد للعالم من أن يخطئ، ويقال: إنهم أخطأوا، لا ينبغي أن يُتَّبَعُوا على خطئهم، والله المستعان، ثم إن البدعة تتفاوت، ومن أَطْلَقَ عليهم لفظ البدعة؛ لا نُنْكِر عليه، لكني أتحاشى أن أُطْلِق عليه بأنهم مبتدعة». ([173])
فصنيع الشيخ هذا يدل على أن الرجل قد يكون عنده بدعةٌ يسيرة، لا تُخرجه من دائرة أهل السنة والجماعة.
وقد يختلف العلماء في الحكم على الشخص بالبدعة، ولا يورث هذا عداوةً ولا تجريحًا بين العلماء، إذا كان الاختلاف في الحكم بالبدعة على شخص معين فرعًا عن اجتهاد وتأويل؛ فالعلماء يعذرون المتأول المجتهد وإن أخطأ!! لكن الغلاة إذا لم توافقهم على تبديع فلان أو فلان؛ فأنت مبتدع ضال، بل أخبث من اليهود والنصارى… إلخ افتراءاتهم، بل من لم يحكم عليك بهذه الأحكام؛ فهو كذلك، وكذلك من بعده… إلخ!!
3 – الخلاف قد يقع بين أهل العلم في تجريح شخص أو طائفة، أو تعديلهم؛ ولا يوجب ذلك الاختلافُ الطعنَ ولا التبديعَ فيما بينهم:
فالخلاف في الأشخاص لا يُوجِبُ الفُرقة، وهذا شيخنا الشيخ مقبل الوادعي ذكر سيد قطب في «إجابة السائل»([174]) فقال: «أما سيد قُطْب: فهو رجلٌ أديب، وكُتُبُهُ مفيدةٌ، وتحتاج إلى بعض التنقية». اهـ فهذا كلام الشيخ ومعلوم إلى أين وصل الشيخ ربيع في سيد قطب!! فما هو موقف الغلاة ممن مدح كتب سيد قطب وممن يرى أنها زبالة أفكار؟!
وهذا الشيخ ربيع –حفظه الله- يُزكي الشيخ محمد أمان الجامي -رحمة الله عليه- ويُزكيه جماعةٌ من العلماء الآخرين، وقد جَرَحَهُ الشيخ مقبل جرحًا شديدًا، ومع ذلك لم يُلْزِم أحدُهما الآخَرَ بقوله.
والشيخ مُقْبل يتكلم في الشيخ فالح الحربي بكلامٍ مُقْذِع، والشيخُ ربيع يمدحه مدحًا لا يكاد يصل إليه عدد من كبار أهل العلم!! وإن كان قد نَكَصَ على عَقِبَيْهِ، وأَقْذَعَ في ذمِّه بعد ذلك، وكل منهما قال في الآخر ما لم يَقُلْهُ في غيره -كما هي عادةُ خِرِّيجي هذه المدرسة المتخبِّطة!!- فهل أدى هذا إلى فُرقة بين الشيخ ربيع والشيخ مقبل؟ والشيخ مقبل -رحمة الله عليه- كم زكَّى أناسًا في اليمن، ثم تراجع عن تزكيتهم، وبعضهم مات، والشيخ لم يتراجع عن كلامه فيه، ونحن نرى خلاف ذلك فيهم، ولم يكن هذا سببا في افتراقنا في الدعوة، هكذا كنا على الجادة، حتى دخلتْ هذه السُّوسةُ الربيعية المدخلية التي تَنْخَرُ في عظام الدعوة، سُوسَةُ الغلاة؛ فَشَتَّتَتِ الصفوف، وفرَّقَتِ الجموعَ، ومَزَّقتِ الولاءَ، وشغلتْ مراكزَ العلم ومجالسَه وأهلَه بالقيل والقال؛ فصدَّتْهم عن التصفية والتربية، ومع ذلك يجعجعون بأننا نسير على منهج كبار العلماء، وأن كبار العلماء يزكُّون شيخهم ومنهجه، ويؤيدونه على كلامه فيمن جرَّحهم من دعاة السنة، فأين هذا من واقع العلماء وكلامهم الذي نقلْتُه عنهم في هذا الكتاب المبارك؟ فإنا لله، وإنا إليه راجعون!!
4 – التفرقة في الحكم بين المناهج والأفراد:
واعلم أن إطلاق القول بأنَّ الأفراد المنتسبين إلى السنة، والمعروفين بالانتصار لها، إذا وافقوا بعض الجماعات في بعض أقوالهم: أن لهم حُكْمَ المناهج التي فيها خَليطٌ من الحق والباطل؛ أن هذا خلافُ ما عليه العلماء، وهذه فتاوى للشيخ مُقْبِل -رحمة الله عليه- في بعض كتبه، فمن ذلك ما جاء في «قمع المعانِد»([175]):
* سؤال: هل تَعُدُّ الجماعاتِ الإسلاميةَ المعاصرةَ كالإخوان المسلمين، وجماعات التبليغ، وممن سار على نهجهما من أهل السنة والجماعة، رغم ما عندهم من البدع والبُعْد عن الكتاب والسنة؟ وما هو الضابط لدخول الفئة أو الجماعة لجماعة أهل السنة والخروج منها؟
* الجواب: «نتكلم على المناهج لا على الأفراد، فأما الأفراد في هاتين الطائفتين، خليط: ففيهم السلفي، وفيهم الصوفي، وفيهم الشيعي، وفيهم المادِّي، كما قسَّمنا هذا في «المخرج من الفتنة»، لكن نتكلم على مناهجهم، فمنهج الإخوان المسلمين بِدْعي»… ثم أخذ في الكلام على مواقفهم من الخميني وغيره.
ثم قال بعد ذلك: «أما جماعة التبليغ؛ فلا أَمْرٌ بمعروف، ولا نَهْيٌ عن منكر، ولا إنكارٌ لشِرْكِيَّات، فهم خليط، فلا يستطيع أن يَحْكُم الشخصُ على كل فردٍ منهم، فربما يكون سُّنِّيًا لا يَعْرِفُ المنهج –يعني منهج أهل السنة-، أو يكون سُّنِّيًا لا يَعْرِف منهج جماعة التبليغ؛ فيكون معذورًا بهذا، فمنهجهم لا يُعَدُّ من أهل السنة، ومن كان ملتزمًا بمنهجهم؛ فليس من أهل السنة»، قلت: ومعنى كلامه الأخير: أن من كان معهم مستبْصرًا بما في منهجهم من الانحراف، ومع ذلك يتمسك به؛ فليس من أهل السنة، كما سيأتي توضيح كلام الشيخ من كلامه نفسه، بل قد قال هنا أيضًا في السني الذي معهم ولا يعرف منهجهم: فيكون معذورا بهذا. اهـ([176]).
⏪ قلتُ: فهل هكذا أنتم أيها الغلاة؟ وهل أنتم تَفرِّقون في الحكم بين حُكم المنهج وحُكْم الفرد المنتمي له، كما صرح الشيخ ؟ ومن أسْعَد الناس مِنَّا ومنكم بما كان عليه شيخنا مقبل بل بما كان عليه كبار مشايخ السنة في هذا العصر؟ أما تستحيون من تَمسُّحِكم الكاذب بمنهج العلماء، أنتم وشيخكم الشيخ ربيع فيما انحرفتم فيه؟ فلسْتم فيه على منهج علماء السنة، وإن كنتم من أهل السنة في جوانب أخرى!!
وفي «تُحْفَة المُجيب»([177]):
* (السؤال الثالث عشر: هل الإخوان المسلمون يدخلون تحت مُسَّمَى الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة منهجًا وأفرادًا أم لا؟
* الجواب: أما المنهج فمنهجٌ مُبْتَدع مِنْ تأسيسه، ومِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ؛ فالمؤسِّسُ كان يطُوف بالقبور، وهو حَسَنُ البنا، ويدعو إلى التقريب بين السنة والشيعة، ويَحْتَفِل بالموالد، فالمنهج من أول أَمْرِهِ: منهجٌ مُبْتَدَعٌ ضالٌّ.
أما الأفراد: فلا نستطيع أن نُجْرِي عليهم حكمًا عامًّا، فمن كان يَعْرِف أفكار حسن البنا المبتدِعِ، ثم يمشي بعدها؛ فهو ضَالٌّ، ومن كان لا يعرف هذا، ودخل معهم باسم أنه يَنْصُر الإسلامَ والمسلمين، ولا يعرف حقيقةَ أَمْرِهم؛ فلسْنا نحْكُم عليه بشيء).
⏪ قلتُ: ليس معنى قوله (لسنا نحكم عليه بشيء) أن نتوقف فيه: لا مسلم ولا كافر، ولا سني ولا بدعي؛ لا؛ فإن التوقف هذا بدعة وضلالة، ولأن الرجل إذا كان أصله سُّنِّيًا؛ فنحن نحكم عليه بأنه سني، لكن أخطأ في هذا الاجتهاد، حتى تُقام عليه الحجة، وتُزال عنه الشبهة، أما التوقف لا هذا، ولا ذاك، ولا ذلك؛ فبدعة وضلالة!!
لأن بعض الناس قد يفهم من هذا أن الشيخ يقول ببدعة «التوقف»، كما سمعنا الآن بعض المخالفين: فلان نتوقف فيه: فلا هو مسلم، ولا كافر، ولا سني، ولا بدعي، إذًا فإيش هو؟!
قال الشيخ في السني الذي في هذه الجماعات: «فلَسْنا نحكم عليه بشيء([178])، لكننا نعتبره مخطئًا، ويجب عليه أن يعيد النظر؛ حتى لا يُضَيِّع عُمره بعد الأناشيد والتمثيليات، وانتهاز الفرص لجمع الأموال» انتهى.
⏪ قلتُ: في بعض ما ذكره الشيخ تفصيل قد ذكرتُهُ أكثر من مرة في موضعه، وبعض الأحكام على بعض الأفراد لا أُقرّه عليها، إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
لكن الشاهد من ايراد هذا الكلام هنا: بيان أن الشيخ يفرِّق بين الحكم على المنهج والحكم على الفرد المنتمي لهذا المنهج، فالمنهج قد يكون مبتدعا، لكن الفرد قد لا يكون كذلك، إلا بعد البيان وإقامة الحجة -وإن كان الشيخ خالف ذلك في حكمه على بعض الناس، الذين لم يقم عليهم الحجة-، فهل الغلاة يفصِّلون هذا التفصيل في الأفراد؟ أم أنهم يطلقون تبديع كل من يظنون فيه أنه في هذه الجماعة، بل يطلقون التبديع فيمن لا يبدِّع جميع أفراد الجماعة، إضافةً إلى بقية التخبط الذي ابْتُلُوا به، من إطلاق أفحش الألقاب والأحكام على من خالفهم، وإن كان أنْفَعَ للإسلام والمسلمين والسنة الصافية منهم….. إلخ!!
وفي موضعٍ آخر من «تُحفة المُجيب»([179]):
* (السؤال الثاني: ما هو موقف أهل السنة والجماعة من «الإخوان المسلمين» و«حزب التحرير» -بيّنوا لنا وَجْهَ انحرافهم، وجزاكم الله خيرًا-؟)
* قال : «الجواب: موقف أهل السنة والجماعة من الإخوان المسلمين أنّهم يَحْكُمون على منهجهم بأنه منهجٌ مبتدَع، وعلى أفرادهم بأنه من كان يَعْلَم بالمنهج، ويلتزم به؛ فإنه مبتدع».
⏪ قلت: فقوله هذا قد بيَّن لنا بجلاء معنى الالتزام في هذا السؤال والسؤال الأول، أي: البقاء على المنهج المبتدع بعد إقامة الحجة عليه، وإزالة الشبهة عنه؛ فيأخذ الفردُ حكمَ المنهج، أما قبل إقامة الحجة عليه؛ فيُفرَّق بين حكم المنهج وحكم الفرد المنضوي تحته، فهل الغلاة كذلك، أم أنهم في واد آخر يهيمون؟!
فقد قال الشيخ : «من كان يَعْلم بالمنهج، ويلتزم به؛ فإنه مُبْتَدِع، ومن كان لا يعلم المنهج، وهو يظن أنه ينصر الإسلام والمسلمين؛ فيعتبر مخطئًا».
ثم تكلم أيضًا على ما عند هذه الجماعات من مخالفات لمنهج أهل السنة والجماعة، وفي بعض كلامه تفصيل، قد وضحته في غير هذا الموضع.
⏪ وللشيخ كلام أيضًا في «غارة الأشرطة»([180]):
يقول السائل: (هل جماعة الإخوان المسلمين، والتبليغ، والقطبيين من أهل السنة والجماعة، أم لا؟ وهل يجوز التعاون معهم؟ وهل يجوز لنا هَجْرهم وعَدَمُ السلام عليهم؟)
فقال الشيخ : «جماعة الإخوان المسلمين والقطبيين الأَوْلى أن يُحْكَم على مناهجهم، فمناهجهم لَيْسَتْ بمناهج أهل السنة والجماعة([181]).
أما الأفراد؛ فبعضُ الناس يكون مُلَبَّسًا عليه، ويكون سلفيًّا، ويأتون إليه من باب نَصْر دين الله، ويَمْشِي معهم، ولا يدري ما هم عليه.
فالأفراد خَليطٌ، لا يُسْتَطاع أن يُحكم عليهم بحكمٍ عام، لكن المناهج ليست مناهج أهل السنة والجماعة».
فالشاهد هنا -في الجملة-: أن هذه الفتاوى من الشيخ تدل على التفرقة عنده في الحكم بين المناهج والأفراد، لا سيما المناهج التي يَنْتَمي أهلها إلى أهل السنة، ويتبرؤون من البدع الكبرى: كالرفض، والتجهُّم، والاعتزال، وتكفير المسلمين… إلخ، أو تنتسب إلى السنة مع مخالفات عندهم، ظانين أنها تنصر السنة، فمن يقول منهم: ألتزمُ السنة وما عليه أهلُ السنة؛ فعند ذلك لابد من النظر في أمره بدقة، واستيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، وإزالة الأعذار والشبهات التي عنده قبل الحكم عليه بعينه.
أما من كان رافضيًا مثلًا، وتقول له: أنت من أهل السنة، فيقول لك: أعوذ بالله من ذلك، أبرأ إلى الله من هؤلاء الكفار –يعني أهل السنة-؟ فهذا إيش نقول فيه؟ هل نشترط في حقه مراعاة الشروط والموانع قبل إخراجه من دائرة أهل السنة؟!
* الجواب: لا؛ بل هو رافضي مبتدع ضال وإن كان جاهلا، هذا في الحكم عندنا، أي حسب الظاهر، أما عند الله: فالله –جل وعلا- أعلم بحقيقته: هل هو جاهل باحث عن الحق، أو معاند، أو صاحب هوى يلْوي أعناق النصوص؛ لتوافق ما تشرَّب من هواه؟ أو هل هو تمكّن من معرفة الحق، وأعرض عن ذلك لمصالح دنيوية، أو تحصيل أطماع، أو فتنة بالأتباع، أم لا؟ ومن قال: أنا جهمي، ومن قال: أنا معتزلي، ومن انتمى إلى غير ذلك من المناهج التي عُرفت بالانتماء إلى البدع الكبرى، وتَبَرَّأَ من منهج أهل السنة، وطَعَنَ في علماء السنة: الصحابةِ فمن بعدهم؛ فنقول: هو كذلك، وليس من أهل السنة، لكن إخراجه من الإسلام -لا السنة- يحتاج إلى استيفاء الشروط وانتفاء الموانع؛ لأنهم -مع براءتهم من منهج أهل السنة وعلمائه- ينتسبون إلى الإسلام، لا إلى دين آخر غيره، أما السنة فلا ينتمون إليها، بل يفتخرون بأنهم ليسوا من أهلها، ويسبُّون أهلها: الصحابة فمن بعدهم!! فكيف تقول فيمن كان كذلك: هو سُنّي حتى نقيم عليه الحجة، ونزيل عنه الشبهة؟! بل نُسَمِّيه بما سَمَّى به نَفْسَهُ، كما أننا لا نحتاج إلى أن نُقيم الحجة على اليهودي والنصراني قبل تكفيره، ونقول: هو مسلم حتى نقيم عليه الحجة؛ لأنه لم يَقُلْ: أنا مسلم أصلا، ثم فَعَل الكُفْرَ المُخْرِجَ من الملة، دون رغبة في الأديان المحرفة، فكيف نقول: الأصل فيه الإسلام؟ فنعذره بجهله أو تأويله حتى نُقيم عليه الحجة؟! لا يُقال ذلك في حق هؤلاء، أما من قال: أنا مسلم، وانتسب للإسلام، ووقع في الكفر؛ فهذا نَعْذُره بجهله أو تأويله حتى نُقيم عليه الحجة، وكذلك من قال: أنا سُنِّي، وانتسب إلى السنة، وأعلن محبة أهلها: الصحابة –رضى الله عنهم- ومن تبعهم بإحسان، وتحكيمه للكتاب والسنة بفهم السلف -ولو بصورة مجملة-، وإن وقع في بدعة وهو لا يعلم أن ما وقع فيه يخالف دعواه؛ فهذا نَعْذُره بجهله أو تأويله حتى نقيم عليه الحجة، ونُزيل عنه الشبهة التي عَرَضتْ له، والله أعلم.
5 – التفصيل في هَجْر من وقع في البدعة، وكيفية التعامل معه:
وقد سُئل شيخنا الشيخ مقبل الوادعي -رحمة الله عليه- كما في «الأجوبة السديدة في فتاوى العقيدة» عن هَجْر المبتدعة، فقال السائل: «عَلِمْتُ أنّ هجر المبتدعة واجبٌ إذا أَصَرّ على بدعته، ولكن هل يَصِحُّ هَجْرُ من لم يَهْجُر المبتدع؟ وهو لا يَعْمَل بعمله؟ ولكن يخالطهم، ولم يَهْجُرْهم؟».
فأجاب الشيخ : «قَبْل هذا، هَجْر المبتدع كان ضَيِّقًا على عَهْد النبي -عليه الصلاة والسلام- وتوسَّع فيه الناس، كيف ذلك؟
مثلًا مبتدع، وأنت ترى أنك تدعوه إلى الله، وربما يرجع، أو ترى أنك إنْ تَركْتَهُ وهجرتَهُ ربما يتمادى في ضلاله، أو ربما تَحْتَضِنُهُ الأحزابُ الأخرى، وأنت تنظر إلى مصلحة الإسلام والمسلمين، ولا تهجره من أجل مصلحة نفسك، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «حَقُّ المُسْلِمُ عَلَى المُسْلِم خَمْس» ومنها: «إِذَا لَقِيتَه؛ فَسَلِّم عليه».
أما إذا كنت ترى أنك إذا هجرته؛ سيرجع إلى الله -سبحانه وتعالى- ويتوب؛ فلك أنْ تَهْجُرَهُ، والهَجْرُ -كما سمعتَ- كان مُضَيَّقًا على عَهْد النبي -عليه الصلاة والسلام- فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هَجَر الثلاثةَ الذين خُلِّفوا، وهَجَر نساءه شهرًا، وهجر من تَضَمَّخَ بالخلوق، والله المستعان، فما ينبغي أنْ نتوسع في الهجر؛ حتى ما نكون سببًا لنفور الناس عن السُنَّة وعن الخير»([182]).
⏪ قلتُ: هذا الذي نراه ونعتقده -ولله الحمد من قبل ومن بعد-، والمخالفون الذي يتمسّحون كذبا وزورا –فيما خالفناهم فيه- في دعوة الشيخ مقبل لما توسعوا في الهجر بالباطل والافتراء علينا بما ليس فينا؛ صدُّوا الناس الذين يثقون فيهم عن السُنَّة وعن الخير، وإن كان أكثر الناس فَقَدوا فيهم الثقة، وهؤلاء الغلاة فتحوا الباب للشامتين بدعوة أهل السنة، وشغلوا أهل السنة بخلافات داخلية فيما بينهم، في الوقت الذي نرى بعض الفرق الضالة الأخرى تؤسِّس دعواتٍ لمسخ عقيدة السنة، وغَسْلِها من العقول والقلوب، فلو كان هؤلاء المخالفون يفهمون منهج السلف؛ لما اتبعوا كبيرهم ورأسهم في تمزيق دعوتهم، وترك ثغور الدعوة بلا حراسة ويقظة، هذا هو الموقف الموافق للنصوص والقواعد وكلام العلماء، ولو فرضنا أننا قد وقعنا في بدعة -كما يزعمون كذبًا وزورًا علينا- فهل فصَّلوا التفصيل الذي قاله الشيخ ونحن وإخواننا ولله الحمد أَهْدَى منهم سبيلا، وأَقْومُ قِيلا، وأقوى حجَّة ودليلا؟!!
فهذا كلام الشيخ مقبل والمخالفون يَدَّعون -ظلمًا وافتراءً- أننا نكيد لدعوة الشيخ مقبل، ونُفرّقها، ونَقُول بغير قول الشيخ مقبل في هذه المسائل!! فهل بعد هذا الذي ذكرناه عن الشيخ لا زال لتلبيساتهم وجْهٌ على من معه عقل سليم؟!
والمُنْصف يرى أننا-ولله الحمد- أَوْلى منهم وأَسْعد بكلام الشيخ مقبل وغيره من مشايخ السنة سلفًا وخلفًا -دون تقليد أعمى لأحدٍ منهم- في المسائل التي اختلفنا فيها معهم، لأننا بَنَيْنا كلامنا على الأدلة والبراهين وأقوال سلف الأمة وخلفها، بل قلت لكبير هؤلاء الغلاة الشيخ ربيع -حفظه الله- مرة: اذْكُرْ لي عالما من علماء الأمة يقول بقولك في المسائل التي اختلفتُ معك فيها، وأنا آتيك من كلامه أو كلام غيره من العلماء -إن شاء الله تعالى- بخلاف ما تقول، وبصِدْق ما أقول!! وذلك لأن العلم الصحيح لا يتناقض، وغالب الاختلاف بين الناس من سوء فهمهم، وتفاوت عقولهم!!
وأما طلاب الشيخ مقبل -الذين قلدوا كبير الغلاة، وفرقوا دعوتنا- فهم الذين خالفوا علماء السنة سلفا وخلفا -فيما اختلفنا فيه- بل خالفوا شيخهم الذي يفخرون بانتسابهم-القولي فقط لا الواقعي- إليه، فَصَدَقَ من قال: رَمَتْنِي بدائها وانْسَلّت.
ثم هل يلزمني شرعًا وعرفًا وعقلًا أن أقول بقول الشيخ مقبل في كل ما يقول به؟ هذه منزلة لا يستحقها أحد في الأمة بأسْرِها إلا رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن سِواهُ من علماء الدنيا: كأفراد الصحابة فمن بعدهم فرادٌّ ومردود عليه -مع الإجلال والمحبة وحُسن الظن بهم-، والعبرة بالدليل والحجة.
لكن مع مخالفتي لأي عالم من علماء السنة سلفا وخلفا -فيما يظهر لي أنه خالف فيه الصواب- إلا أنني أُجلّه وأواليه، وأدعو له في صلاتي، وأوقات حضور قلبي، وأدافع عنه أمام المتحاملين عليه، حتى أنني أدافع عن هؤلاء الغلاة وشيخهم إذا سمعتُ أحدًا يتجاوز الحدّ فيهم، ويرميهم بالعمالة والنفاق، وأنهم بإطلاق مستأجرون لهذا الدَّور التخريبي، والذي يشوِّه الدعوة، ويفرقها، ويُشمت بها الأعداء؛ فأدافع عنهم -في الجملة- وإن كان بعضهم قد يَصْدُق عليه هذا القول، بل منهم من اسْتُعْملوا في الاغتيالات والقتل لعدد من الدعاة، الذين لا يسيرون على طريقتهم؛ وموقفي هذا موقف شرعي ومن أفْرى الفِرَى: أن نَسُبَّ قبيلة من أجل رجل واحد، والله أعلم!! والحمد لله رب العالمين.
وقال الشيخ مقبل الوادعي في تتمة جوابه على السؤال السابق: «بقي ماذا؟ أنْ تهجر الذي لم يَهْجُر المبتدع؟»، قال: «تَوَسَّعْتَ -بارك الله فيك- ما عندك دليل: من لم يَهْجُر المبتدعَ؛ هَجَرْناه»!!!
ثم قال بعد ذلك: «حتى المثال الذي يُقال فيه: من لم يُكَفِّر الكافر؛ فهو كافر -أيضًا- ليس بمستقيم».
وتكلم على هذه القاعدة والتفصيل فيها بما يحتاج إلى تفصيل لكلامه، يُنظر في محله من كتابي «أصول وضوابط أهل السنة والجماعة في التكفير والتفسيق».
فهذا جواب الشيخ ، ولْيَسْألوا أنفسَهم هؤلاء الغلاة، الذين يدَّعون أنهم طلابُه الأوفياء لمنهجه!!: من الذي قال منا: من لم يَهْجُر المبتدع؛ يُهجر، وهو مبتدع… إلخ الألقاب الظالمة، ومن لم يَهْجر الذي لم يَهْجُر المبتدع؛ يُهْجر أيضًا… وهكذا؟
هل قلنا نحن هذا القول، أو هو قولكم وقول كبيركم -الذي علَّمكم هذا الباطل- وقول فرقته الزائغة في عدة جوانب؟! أجيبوا إن كنتم تعقلون، وهل تستطيعون أن تصرِّحوا بحقيقة ما تعتقدونه مخالفًا لكبير الغلاة!!! أنني أراكم تعيشون بمنهجكم هذا الباطل في بؤس وشقاء، فمن عرف منكم الحق -ولو في بعض المسائل المختلف فيها- يهاب أن يصرح به؛ حتى لا يصيح به زملاؤه وطلابه من كل جانب، ويبدعوه ويشيعوا أمره،… إلخ السلسلة الشيطانية التي عُرِفْتم بها، فيبقى الرجل منكم في صراع بين ما يعتقده من كون الحق مع فلان -الذي يبدعه أصحاب هذا المنهج البائس- فهو في صراع بين داخله وبين ما يتكلم به ويعيشه!! فلو لم يكن في منهجكم من بؤس وشقاء إلا هذا؛ لكفى به ضلالا وانحرافا!!!
6 – ليس كُلُّ مبتدعٍ يكون ولابُدَّ عدوًُّا للسُنَّة، أو عدوًُّا لله-جل وعلا- ورسوله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:
وقد وَرَدَ كلام للشيخ مقبل الوادعي عندما سُئل عن الشيخ يوسف القرضاوي ، وهل هو عدوٌّ للسُنَّة، أو عدوٌّ لله ورسوله، أو بهذا المعنى؟
فبيَّن أنْ هذا من الظلم، أو خلاف العدل، أنْ هذا ليس من العدل، مع قوله فيه: إنه حِزْبيٌّ مُبْتَدِعٌ!!
⏪ ففي كتاب «الأجوبة السديدة في فتاوى العقيدة»([183]):
* جاء في السؤال: ما هو القول الفصل في يوسف القرضاوي؟ فهل هو مبتدعٌ أم لا؟ وما رأيكم فيمن يقول: هو عدو الله، ومن أبناء اليهود، وتلَقُّبُه بالقُرضي أو القَرضي نسبةً إلى بني قريظة؟
* فأجاب : «يوسف القرضاوي منذ عرفناه وسمعنا به، وهو حزبيٌّ مبتدع، وكما تقدَّم أنه يَقْرِضُ سُنَّة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يُقَطِّعُها تَقْطِيعًا، فهو يُعتبر ضالًّا مبتدعًا، أما أنه عَدُوٌّ السُنَّة؛ فلا نستطيع أنْ نقول: إنه كذلك، ولا نستطيع أنْ نقول: إنه من أبناء اليهود، لا بُدَّ من العدل، يقول الله: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8} ويقول: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}.
ويقول: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {النساء:135}، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أبا ذر أنْ يقول الحق ولو كان مرًّا». اهـ.
⏪ قلتُ: فما كلُّ مَنْ يخالفك تَغْضَب وتقول: عدو الله، عدو السُنَّة، وأنه زنديق زنديق، وأنه كذا وكذا، هذا عَمَلُ الطائشين أهلِ الرعونة والسَّفَهِ، الذين ما وُفِّقوا للعلم، ولا وُفِّقوا للأدب، أما طالب العلم فإنه يُعْطي كل شيءٍ حقه، ويتكلم بعبارة الجرح والتعديل المنضبطة، ويتكلم بالعبارة المعبرة عن الحال تمامًا، فلا يتكلم بعبارة شديدة على أمرٍ يسير، ولا يتكلم على الأمر العظيم بعبارةٍ لطيفة؛ فإنّ منهج العلماء ليس كذلك!!
ولكني أسأل هؤلاء الغلاة: هل أنتم توافقون الشيخ –الذي تتمسّحون به- على هذا الجواب في الشيخ القرضاوي؟ أم تُسِرُّون في أنفسكم ما لا تبْدُونه للناسِ؟! فما أكثر الصواعق التي تصعقكم لوكنتم تشعرون!! هذا مع أن كلام الشيخ في تبديع الأعيان لا أقره منه ولا من غيره، إلا بعد ثبوت إقامة الحُجة على الشخص، وإزالة الشبهة عنه، ويكون ما خالف فيه الحق في المسائل المحكمة المنعقد عليها الإجماع، وليست من جملة المسائل الاجتهادية، كما أنه لا يكون جاهلا ولا متأولا ونحو ذلك، والله أعلم.
وفي كتابي: «قطع اللجاج في الرد على من طعن في السراج الوهاج»([184]) وهو ردٌّ مني على الشيخ ربيع -حفظه الله- وانظره في كتابي: «الدفاع عن أهل الاتباع» قلتُ كلام الشيخ مقبل -رحمة الله عليه- عندما قال في «غارة الأشرطة» (2/15) طبعة دار الحرمين، وقد قُدِّم للشيخ كتابٌ يتكلم عن السرورية لفريد مالكي، فمدح كتاب المالكي، وقال: «وإنْ كنتُ لا أُقِرُّ قوله: إنّ السرورية أَضَرُّ على الإسلام من اليهود والنصارى».
قال: «وإنْ كان تَأَوَّلها؛ فهذا كلامٌ ليس بمقبول، كما يقول الشيعةُ: الوهابية أَضَرُّ على الإسلام من الشيوعية؛ فلا، والله -سبحانه وتعالى- يقول: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}، ويقول: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}، ويقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ] {النحل:90}».
ثم قال : «من أَجْلِ هذا لما كانت كتبُ أهلِ السُنَّة ملازمةً للعدالة، وهكذا أشرطَتُهم؛ يبقى خصومهم حيارى» اهـ.
وفي «غارة الأشرطة»([185]) قال : «نحن لا نقول: إنّ شيعة اليمن أَلْعَنُ وأَخْبَثُ من اليهود والنصارى، لكن نقول: إنهم ضُلال، وإنهم مبتدعة، هذا قولنا، لكن الجاهلَ جاهلٌ لا يتورع أنْ يقول: أَخْبَثُ وأَلْعَنُ من اليهود والنصارى».
ثم قال: «اعلموا أننا لا نستحل دماءَ الشيعة، ولا أموالَهم، ولا أعراضَهم، لكننا نقول: إنهم مبتدعةٌ وضُلّال، وبحمد الله قد كَسَر الله رؤوسَهم ببعض الأشرطة، وببعض الكُتب التي خَرَجَتْ، وذلك ليس بحولنا ولا قوتنا، نحن نبرأ إلى الله من أنْ نقول: إنّ الشيعة أَخْبَثُ وأَلْعَنُ من اليهود والنصارى.
ربُّ العزة -سبحانه وتعالى- يقول في كتابه الكريم: [ﭨ ﭩ ﭪ] {الأنعام:152}، ويقول: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}، ويقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ] {النحل:90}، فهم ما عجزوا إلا بسبب العدالة الموجودة في كتبنا، وفي أشرطتنا، وفي دعوتنا، ويرونها حقًّا؛ فَيَبْقَوْن مَقْهُورين». انتهى.
⏪ قلت: فهذا كلام الشيخ مقبل في هذه المسألة، وها هو يرى من يُطلق القول في شيعة اليمن الهادوية والرافضة بأنهم أخبث وألعن من اليهود والنصارى أنه جاهل لا يتورع، ويتبرأ إلى الله من هذا القول، فكيف بالذين يُطلقون هذه الكلمات وأشدَّ منها وأَغْلَظَ في علماء ودعاة وطلاب علم كبار من أهل السنة، الذين تاريخُهم ومواقفهم في الانتصار للسنة لا تخفى إلا على من أعمى الله بصيرته، وطَمَسَ على عينيه الهوى والعصبيةُ؟! فأيّ الفريقين أوْلى وأسْعَد بكلام هؤلاء العلماء والسَّيْر على نهجهم؟!
ولما كانت دعوة الغلاة قائمة -فيما اختلفنا فيه- على الظلم والبغي؛ أَلْقى الله -جل شأنه- في القلوب بُغضها، بل تفرقّوا فيما بينهم، وطعنوا في بعضهم بأشد مما يطعنون في أداء الإسلام في الداخل والخارج!!
ثم: انظر كلام الشيخ في عدم استحلال دماء وأموال وأعراض الشيعة -في اليمن- على ما عندهم من مخالفات ظهر أكثر آثارها بعد موت الشيخ وكم عانى منها أهل اليمن، أما هؤلاء الغلاة فقد استحلّوا أعراض علماء ودعاة السنة المخالفين لهم باسم أنهم قائمون بمنهج الجرح والتعديل -زعموا- بل منهم من استحل دماء كثير من الدعاة المخالفين لهم في بعض المحافظات اليمنية، بما لا يخفى على ذي عينين، كفانا الله وجميعَ أهل السنة شرَّهم وكيدَهم!!! والحوثية ينزعون المساجد من أئمة وخطباء أهل السنة، والغلاة يفعلون ذلك في محافظات أخرى! فأفيقوا يا أولى الألباب، فهؤلاء الغلاة ليس لهم شيخ -على ما هم عليه من الباطل الذي خالفناهم فيه- إلا الشيخ ربيع المدخلي وحاشيته -أعني من بقي منهم معه، وإلا فكثير منهم فرَّقتهم قواعدهم وأصولهم المحدَثة!!
7 – التفصيل في الكلام عن الجمعيات الدعوية والخيرية:
جاء في «قمع المعاند» للشيخ مقبل -رحمة الله عليه- قال: «أما الجمعية الخيرية؛ فهذا أَمْرٌ مرغَّبٌ فيه، والله -سبحانه وتعالى- يقول: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {المائدة:2}، وليس الخلاف بيننا وبينهم من أَجْل الجمعية التي فيها الحَثُّ على بناء المساجد، وكفالة اليتيم والمحاويج، وفِعْلِ الخير؛ فهذا أمرٌ مُرَغَّبٌ فيه، فالشاهد إنما نقول: إننا نخالف من يجعل الجمعية وسيلةً لدعم الدعوة الحزبية المخالفة للكتاب والسنة.
أما أَصْلُ العمل؛ فأمرٌ لا بأس بذلك، والناس إذا اجتمعوا على أَمْرٍ مباحٍ، أو أَمْرٍ مستَحبٍّ، أو أَمْرٍ فيه خيرٌ، يؤول على المسلمين بخير؛ فلا شيء في ذلك، لكن أن يُتَّخَذَ هذا قطارًا، يتَّخِذَ الأعمال الخيرية والإغاثية قطارًا، ثم من ورائها تكون أعمالُ الحزبيةِ، أو الأعمالُ المخالفةُ؛ فهذا هو المنبوذ أو المرفوض»([186]).
وجاء أيضًا في «تحفة المجيب»([187]) للشيخ مقبل عندما تكلم بعضهم مع الشيخ بأنه سيساعده في كفالة طلابه ولكن بشرطٍ، فقال له الشيخ : «إن شِئتم أن تساعدوا الدعوةَ بدون شَرْطٍ ولا قَيْدٍ؛ فَعَلْتُم، وإن كان هناك شروط؛ فَيُغْنِينا الله عن مساعداتكم».
وقال الشيخ مقبل في «غارة الأشرطة»([188]): «أما الجمعيات الخيرية: فلا نُنْكِرُها بصفةٍ عامَّةٍ، إنما نُنْكِر منها ما هو داعِمٌ للحزبية المقيتة، التي يترتب عليها ولاءٌ وبراءٌ على أمرٍ مخالفٍ للكتاب والسنة، كما ننكر الجمعيات إذا كانت بابًا للَّصُوصِيَّة([189])، والتلاعب بأموال المسلمين، ووضْعِها في غير مواضعها الشرعية، وتبديد الزكوات والأوقاف والصدقات المشروطة والكفارات في غير موضعها الشرعي، وفي غير شروط أهلها».
وقد جاء في «تحفة المجيب» لشيخنا مقبل الوادعي (ص 184) قال: «ثم نسمعهم بعد ذلك يقولون: أنتم تَطْعَنون في الجمعيات!! فمن قال لك: إننا نطعن في الجمعيات؟ نعم؛ إننا نطعن في بعض الجمعيات التي اشتملت على حزبياتٍ، وعلى ولاءٍ ضَيِّقٍ، وعلى لَصُوصيةٍ، واختلاس الأموال، هذه هي التي نَطْعَنُ فيها، ونُنَفِّر عنها» اهـ.
⏪ قلتُ: فهذا موقف الشيخ من الجمعيات، وأنه يرى التفصيل فيها، أما هؤلاء الغلاة –وشيخهم ربيع لا يوافقهم على هذا الإطلاق-: فيطلقون الذم والتحذير والهجر لأي جمعية وأهلها جميعا، بل -كالعادة المأفونة عندهم- يُجرون هذه الأحكام على كل من لم يبدع أهْلَ كل الجمعيات مِثْلَهم، بل عندهم حساسيّة مفرطة، ونفور منقطع النظير من كلمة «جمعية» أو «مؤسسة» أو «هيئة» أو نحو ذلك!! كما أنهم في غاية النفور من كلمة «حزب» بالرغم من ورود ذلك في القرآن في حزب الله وغيره، وعندهم النفور المفرط أيضًا من كلمة «تنظيم» حتى إذا أراد أحدهم أن يُلقي كلمة في اجتماع دعا الناسَ إليه، وقد نظم كيفية الاجتماع، فلا يقول: نظمنا هذا الاجتماع على كذا وكذا، بل يقول: نسَّقنا، رتَّبْنا، أعْدَدْنا، هيأْنا… ونحو ذلك، فهؤلاء قد فقدوا الكثير من صفات العقلاء، والذي حملهم على هذا: هو الغلُو الذي اَبْتُلُوا به، وخوف كل منهم ممن حوله من زملائه وطلابه، لا يطعنون فيه بقولهم: نشُمّ منه رائحة الحزبية، أو تغيير موقفه، أو تغيير سير الدعوة المعروف عندنا، أو بخلاف طريقة شيخنا فلان،… إلخ، ويرون هذا كلَّه صادرًا منه عن كيد للدعوة، وأنه مُنْدسٌّ فيها لتخريبها وتفرقة صفوفها، أو لهدم دعوة الشيخ مقبل … إلخ هذه الأكاذيب، ولا يعلمون أنهم هم المخالفون لما قرره الشيخ -من الحق- في كتبه، وهم يطبعون هذه الكتب، ويبيعونها، ويهدونها، ولا يدرون أنها تنقض باطلهم من أساسه؟!
ثم لما احتاجوا في أعمالهم الدعَوية إلى الدَعم المالي؛ غيرَّ بعضهم موقفه من كثير من الجمعيات، وربما سكت مبالغًا في التخفِّي؛ حتى لا يتكلم عليه أصحابه، وهذا جزاء من انحرف عن الجادة: إفراطا أو تفريطا، والله المستعان!!
8 – لا بأس من قبول الحق من أَيِّ أَحَدٍ كان:
وقد قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي : «ابن سينا والفارابي مُلْحِدان، ويوسف النبهاني مُخَرِّف، ولا مانع من قبول الحق ممن كان»([190]). اهـ.
-ودَرَجَ على ذلك :
فقد استشهد بكلام الأستاذ محمد قطب، في كون الانتخابات عبثًا لا فائدة منها.([191])
واستشهد بما نقله الشيخ محمد رشيد رضا ، والشيخ سيِّئ الرأي فيه جدًّا- عن محمد عبده في إباحة الربا، ولم يتكلم في محمد رشيد بشيء في هذا الموضع.([192])
واستشهد -مُعْجَبًا- بكلام لزينب الغزالي، قال: وإن كان لي انتقاد كثير عليها.([193])
ومَدَحَ كتابات محمد سرور ومن معه، كما مَدَحَ مَجَلَّتَهُم، وقد سبق قريبا.([194])
هذا كله مع تحذير الشيخ من حزبيتهم، ولم يفعل الشيخ هذا، إلا عندما وجد الخير في كتاباتهم -آنذاك- فلما وجد خلاف ذلك أخيرًا؛ حذّر من ذلك، وهذا مني بيان لموقف الشيخ وأما كل مسألة مسألة؛ فالنظر في ذلك له مَحَلٌّ آخرُ، ولا يلزم إقراري لكل ما قاله الشيخ، لكن الحقُّ مقبولٌ من كل أحد، والباطلُ مردود على كل أحد، والحكم على المعيَّن له تفاصيل أخرى، وقد شاع وذاع استنكار هؤلاء الغلاة علينا عندما قلنا: الحق مقبول من كل مخالف، وقالوا: قبول قول المخالف، أو الاستشهاد به؛ فيه ترويج لبضاعته الباطلة!! هذا مع علمهم بحديث: «صَدَقَك، وهو كذوب» والحديث قيل في شيطان من الشياطين، فهل بعد هذا حجة على باطل ما هم عليه؟!
فمن منا أَسْعد بالقرآن والسنة وأقوال السلف والخلف والشيخ مقبل على وجه الخصوص؟ هل هو الشيخ ربيع ومقلِّدوه الغلاة، الذين يروْن أن الاستشهاد بكلام المخالف، الذي أصاب الحق، فيه ترويج لبدعه وباطله؟ هذا إذا سلمنا بأنه مبتدع، فإذا لم يكن كذلك، إنما هي افتراءات الغلاة عليه ظلما وعدوانا؛ فالأمْر ظلماتٌ بعضها فوق بعض!! على أنه قد يكون الاستشهاد بكلام المخالف -وإن كان حقا- ليس وجيها، فالمقام فيه تفصيل، ذكرتُه في موضعه، لكن يقول الغلاة لا تتقبل هذه التفصيلات وإن كانت قائمة على الأدلة النقلية والعقلية!!
9- الشيخ يترحم على من كان من أهل البدع:
قال الشيخ مقبل الوادعي في «رياض الجنة»([195]): «بل قرأتُ في سيرة الهادي ».
والقوم يعرفون موقف الشيخ من الهادي رأس الهادوية في اليمن!! فاقرؤوا -أيها الغلاة- لتعرفوا أنكم تَجْهَلون قول الشيخ الذي تتمسحون به، وتنتسبون إليه، فأين أنتم وأين المشايخ؟ شتان ما بين الثَّرَى والثُّرَيَّا!!
بل من هؤلاء الغلاة من إذا رآك تترحم على سني يخالفهم؛ ينظر إليك مستنكرا، وربما بدَّعك وهجرك، وهجر من لم يهجرك، ومنهم -وللأسف- من يسجد لله شكرا إذا عَلِم أن فلانا من دعاة السنة مات؛ فبدَلَ أن يقول: ، وغفر الله له أخطاءه، وعفا عنه؛ فإنه يسجد لله شكرا، مع أنه لم يسجد لله شكرًا عندما مات كبار أحبار ورهبان اليهود والنصارى، وعُتاة الساسة والعسكريين من اليهود والنصارى، الذين استباحوا دماء المسلمين وأوطانهم، وكذلك عندما مات رؤوس الروافض والجهمية… إلخ، فهؤلاء قوم لَعِبَتْ بهم الشياطين، وانتكست عندهم الحقائق، وانقلبت عندهم الأولويات والموازين، وأصبحوا يهوِّنون من خطر كبار العلمانية أمام خطر من يظنونه مبتدعا من دعاة السنة، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
ومن هؤلاء من إذا سمع أن فلانا ممن يبدعونه -زورًا وإفكًا- قد مَرِضَ؛ فإنه يستقبل القبلة، ويدعو عليه بإلحاح؛ أن يريح الله العباد والبلاد من شره -هذا حسب فهمه الفاسد-!! فماذا بعد هذا البلاء؟ ومع ذلك يقولون: نحن على منهج العلماء الكبار، أو العلماء الكبار يؤيِّدون شيخنا ربيعا على أحكامه ضد مخالفيه، وهذا كله من تزيين الشياطين لهم!!
10 – سعة الصدر في الخلاف:
والشيخ مقبل -رحمة الله عليه- كان واسع الصدر -إذا ما قُورن بهؤلاء الغلاة وشيخهم ربيع- في أمر الخلاف، فكنا نختلف معه في المسائل الفقهية والدعوية والعينية، وفي الجرح والتعديل للأفراد، ومع ذلك لم يحدث بيننا وبينه هَجْرٌ أو تَبَاغُضٌ خلال سنوات طويلة بسبب هذا الخلاف، بل كان يقول في كثير من الأحيان: لا أُلْزِمُكُم برأْيِي، ولا تُلْزِموني برأيكم.
فهل أنتم أيها الغلاة كذلك؟! أم يغضب شيخكم، ويرتفع صوته على مخالفة، وحصلت منه أحوال لا تُرتضى؟ هل ستكفُّون عن دعواكم: أنكم أَوْلَى الناس بدعوة الشيخ مقبل؟ والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات؛ أبناؤها أدعياء!!
11 – لم يتحاش الشيخ عن الثناء على من يشتد في تبديعهم فيما يرى أنهم أَحْسَنُوا فيه:
وقد ذكر الشيخ مقبل الوادعي سيد قطب في «إجابة السائل»([196]) فقال: (أما سيد قُطْب: فهو رجلٌ أديب، وكُتُبُهُ مفيدةٌ، وتحتاج إلى بعض التنقية) اهـ،
وهذا من ذِكره بعضَ الحسنات لسيد قطب -ي-، وإلا فإني لا أقول: كُتُبه مفيدة بإطلاق، إنما أقول: كتبه فيها بعض الفوائد، ولا يكاد يصل إليها وهو آمن من التشبع بفكرٍ قد يفضي إلى تكفير المجتمعات وحكامهم إلا أهلُ العلم من علماء وطلاب ذوي فهم وبصيرة، وإلا فغيرهم لا أرى له أن ينظر فيها إذا لم يكن خبيرًا بكلام أهل السنة الصافية في هذا الباب، فهل يطعن هؤلاء الغلاة في الشيخ مقبل لذلك، ويرمونه بالموازنات والتمييع والتضييع والتذويب والذوبان للدعوة؟ أم أنهم جمعوا بين الجيمات الثلاث: الجهل والجُبْن والجَوْر؟!
وذَكَرَ الشيخ مقبل الوادعي أيضًا في «المخرج من الفتنة»([197]): جماعة الإخوان المسلمين، فقال: «هذا، ولكننا لا نَغْمِطُهُم حَقَّهم؛ فإنَّا نَشْكُرُ لهُم وقوفَهم أمام الشيوعية، وقد قَدَّمُوا الشهداءَ في سبيل الله، نسأل الله أنْ يُثيبهم على ذلك، آمين».
وقال: «وما زِلْنا نقول: إنها قد انتشرتْ سُنَنٌ كثيرة بسبب بعض الإخوان المسلمين، والمُخَرِّفون يُبْغِضُونهم، والمُلْحِدون يُبْغِضُونهم، أما نحن فلَسْنا نُبْغِضُ أكْثَرَهُم، بل نُنْكِر عليهم أمورًا قد شرحناها في هذا الكتاب، ولَسْنا نَرْضَى بالحكومة أنْ تَفْتِكَ بهم؛ فنحن نبرأ إلى الله أنْ نكون سببًا لأَذِيَّةِ أي مُسْلم، وما كتابنا هذا إلا توجيهٌ لهم ونُصْحٌ، ونحن في وادٍ، والحكوماتُ الجاهِلَةُ الجائرةُ في وادٍ».
⏪ قلتُ: فبماذا يجيب كثير من هؤلاء الغلاة الذين بالغوا في الفجور في الخصومة، ممن ينتسبون إلى الشيخ مقبل اليوم على هذا الكلام؟! وهل هم يوافقونه على ذلك؟ ولو قال هذا غيره، هل سيكون سُنِّيَّا عندهم؟! أم سينظرون إلى بعضهم نظر المغشيّ عليه من الموت أو الخوف من مخالفة الشيخ الذي ينزلونه علميا لا نظريا- منزلة المعصوم، بل ينزلون من دونه بكثير من طلابه هذه المنزلة؟!
والواقع: أن هؤلاء لم ينهجوا منهج العلماء السابقين واللاحقين والمعاصرين في هذه المسائل التي انحرفوا فيها، وهل هم يتبرأون إلى الله من أن يكونوا سببًا في أذية مسلم بالوشايات الكاذبة لدى الحكومات الجائرة، والتقارير الظالمة المليئة بالافتراءات والأكاذيب والتهاويل، بل والمشاركة علنا أو خفاءً في سفك دماء عدد من الدعاة المخالفين لهم، بتحريش الجهلة والسفهاء، وتحريض الحكومات الجائرة والجاهلة بحقيقة ومآل ما عليه هؤلاء؟ فرحم الله الشيخ مقبلا، لو رأى ما آل إليه أمرُ عددٍ من المتمسحين به، والذين كانوا يجلسون في الدروس أمامه، ويعدُّون أنفسهم من خواصِّهِ؛ بل يرون –زورا وبهتانا- أنهم أوْلى به من غيرهم؛ لو رأى هذا الحال منهم؛ لَعَلِمَ صِدْقَ ما كنتُ أقوله له في مجالسنا الخاصة عن مآل دعوة بعض من حوله، ولَصَاح متبرئًا من أفعالهم، ولكن الله -جل جلاله- حيٌّ لا يموت، وكل ما يفعله الناس في كتاب عنده، لا يَضِلَّ ربي ولا يَنْسَى!! والحق له أعوان وأنصار إلى يوم الدين، ولله الحمد.
وكلام الشيخ مقبل في جماعة الإخوان المسلمين وذمه الشديد لهم معروف مشهور، لكن في بعض المواضع يذكر شيئًا من حسناتهم، وهذا عين البدْعة والقول بالموازنات والتمييع عند هؤلاء الغلاة!!
ومن مواضع مَدْح الشيخ للمخالف: ما قاله الشيخ مقبل في «غارة الأشرطة»([198]):
«ثم بعد ذلك: جَبْهَةُ الإنقاذ الجزائرية، لا أعلم لها نظيرًا، حركةً إسلاميةً على ما عندهم من المخالفات من الانتخابات والتسويفات، فهي تُعتبر مخالفات، وربما كانت هي السبب في هزيمتهم، وهي السبب في الفتنة الواقعة بين الأفغان؛ فإنّ الذنوب تكون هي السبب؛ فإنّ الله يقول: [ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ] {التوبة:25}» إلى آخر ما قال.
فتأمل قوله : (لا أعلم لها نظيرًا، حركةً إسلامية!!)، ونحن لا نُتابع الشيخ مقبلًا على قوله: «لا يعلم لها نظيرًا»، فبفضل الله -جل وعلا- فالسلفيون الذين صَفَتْ مشاربهم، وقامت دعوتهم على تجريد التوحيد الصافي، ونشر السنة الصافية، والرجوع للأدلة، ولم يتورطوا في متابعة الغرب في المظاهرات ونحوها، دعوتُهم أَنْفَعُ وأَبْرَكُ وأكثر فائدة للمجتمعات والأجيال من الدعوات التي تُلَفْلِفُ الناس على اختلاف عقائدهم -دون وضع برامج علمية وعملية للتصفية والتربية- من أجل الوصول إلى قمة السلطة، نعم كثير منهم قصْده حسن، بمعنى أنه إن أمسك بزمام السلطة؛ يعتقد أنه سينشر التوحيد والسنة، ولكن هذه الأماني تتبخر شيئًا فشيئا عند وجود الضغط الخارجي، والداخلُ غير محصَّن تحصينا منيعا من أفكار الغرب وغيرهم، فالبدء لمن أراد الإصلاح في بلاده، يكون بإصلاح العامة وجميع طبقات الشعب؛ لا بالقفز على السلطة؛ ظانين أنه أقصر طريقٍ للإصلاح، فنُفاجأ بأنه أبْعَدُ وأشَقُّ طريق، بل وأكثرها خوفا وفزعا مما يُفضي إلى التنازلات شيئًا فشيئا، ومن الفتنة: أن تَعْرِفَ ما كُنْتَ تُنْكر، وتُنْكِرَ ما كنتَ تَعْرِفُ، ثم يفتح الناس على أنفسهم باب التأويلات، ثم هم يحسنون صبغتها بصبغةٍ دينية، وقواعدَ أصولية وفقهية، وقد كان مَنْ قَبْلَهم من الحكام يفعلون ما يفعله أصحاب هذه الحركات الإسلامية من التنازلات للغرب، لكنهم مع جهلهم واتباعهم الشهوات، وبعضهم صاحب أفكار هدامة، كانوا لا يستطيعون أن يستدلوا على ما هم عليه بأدلة شرعية وقواعد أصولية، تُشَرْعِنُ أفعالَهُم أمام الناس، وكان هؤلاء المتحمسون لا يَقْبَلُون منهم هذه الأعذار، التي يَعْتَذِرُ بها الإسلاميون اليوم، ويُحَرّكون الشعوب ضدهم، فَتَحْدُثُ الثوراتُ، والانقلاباتُ، والمظاهراتُ، والاعتصاماتُ، والمسيراتُ، فيُهْدَمُ ما بَقِيَ من خير في البلاد، ويُسْتَبْدَلُ السيئُ بالأسوأ، وهناك من الخلْفِ أصابعُ خَفِية: شرقية وغربية تحرِّك الرموز الظاهرة في المشهد -علموا أم لم يعلموا- بما يتلاءم مع مصالحها، وكل هذا ضد الإسلام الصافي، وهكذا يدخل الناس في فتن لا أول لها ولا آخر، والواقع الذي تعيشه أكثر بلاد الإسلام اليوم دليل من لا يريد أن يفهم الأدلة الشرعية؛ إنِ استعمل عَقْلَهُ، وتجرَّد من الهوى والعصبية والعناد.
والخلاصة: أن (خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-) (وكُلَّ خيرٍ في اتباع مَنْ سَلَفَ، وكُلَّ شرٍّ في ابْتِدَاع مَن خَلَفَ) نعم هناك حالات قليلة جدًّا، يمكن أن يستفيد دعاة الإسلام من المشاركة فيها -بما لا يُفْضِي إلى مفسدة أكبر، وإن كان أَصْلُه ممنوعًا: كالمشاركة في الانتخابات- ولكن هذه المصالح -في أكثر الحالات- كلحم جَمَلٍ غثٍّ، على رأْسِ جَبَلٍ وعِرٍ، فلا اللحْمُ طَيِّبٌ فيُنتقى، ولا الجَبَلُ سَهْلٌ فيُرتقى، والعبرة بالغالب لا بالنادر من الحالات، والله المستعان!!
وكذلك الجهاد الأفغاني وما فيه من أشياء، فللشيخ مقبل فيه كلام كثير، بل مدح الشيخ مقبل الشيخَ عبد الرحمن بن عبد الخالق في (ص 286) مع بيان الأخطاء التي عنده أيضًا، ولا أدري: أهؤلاء الذين لا يرون لأحد كائنا من كان من طلبة العلم جواز الخروج عن قول الشيخ مقبل وأنزلوه بأحوالهم -وإن لم يصرحوا بذلك- منزلة المعصوم -حالا ومآلا- هل قرؤوا هذه الأشياء عنه! أو قرؤوها وكتموها، أو قرؤوها ولم يفهموها، أو فهموها وحرَّفوها؛ لأنهم يهابون أن يخالفوا الشيخ ، في أي مسألة كَبُرَتْ أم صغُرتْ، أو لم يقرؤوها أصلا؟ فالعيب إذًا فيهم لا فيمن قرأ واطلع، وسار على بينة من أمره!!
فقد قال الشيخ مقبل : «وأما الكلام في أخينا عبد الرحمن عبد الخالق -حفظه الله- فأنا في غير شريط قد تكلمتُ في بادئ أَمْرِهِ، وأنه كان في مدينة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، ثم رُحِّلَ من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الكويت، وله فَضْلٌ كبير في الكويت؛ إذِ استقامتْ هناك دعوتُهُ، أو دعوتُهُ إلى كتابِ الله وإلى سُنَّة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وأَحَبَّه الشبابُ الكويتي، والْتَفُّوا حولَه، ثم مَضَتْ أيامٌ، واختلط بهم إخواننا أهلُ المدينة -والمراد بهم الشيخ ربيع ونحوه-، وحَصَلَ تنافُرٌ بين الفريقين -بين أهل المدينة وبين أخينا عبد الرحمن عبدالخالق ومَنْ سَلَكَ مَسْلَكَه-.
ومن أوائل ما قرأتُ له «الفكر الصوفي»، فهذا الكتاب لم يُعْجِبْني؛ لأنه ينقل من «طبقات الصوفية» لمحمد بن الحسين أبي عبد الرحمن السُّلَمي، وهو مُتَّهَم، فأقول: «كيف يُلْزِم الصوفيةَ بنقولاتِ مُتَّهَمٍ»؟.
⏪ قلتُ: فالشيخ لم يَرْضَ بظلم الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق للصوفية الخرافية؛ لأنه ينقل عن الصوفية كلاما لم يثبت عنهم؛ لأنه من طريق رجل متهم عند الشيخ مقبل وهذا الموقف من الشيخ موافق للعدل والانصاف يُشْكر عليه، مع أن كثيرا من المنتسبين إليه يَكْذِبون ويَفْتَرُون اليوم على كثير من أهل السنة الصافية، لا على الصوفية!! ويستبيحون ذلك بأدنى تأويل من أجل التحذير ممن يظنونه من أهل البدع والضلال، وهو من القائمين بالسنة ظاهرا وباطنا، وممن له أثر أعظم من آثارهم السيئة، التي مزَّقت الدعوة وشوَّهتْها في كل البلاد، وأشمتوا بذلك أعداء الدعوة فيها، وأصبحوا بذلك قرة عين لأعداء التوحيد والسنة؛ لأن الغلاة هؤلاء حققوا لهم الفرقة والتمزق في صفوف أهل السنة، وقد عجز أهل البدع عن تحقيق عُشر معشارها في بلدة واحدة، فكيف وهؤلاء الغلاة مزقوا دعوة أهل السنة في كل أنحاء العالم، حتى في بلاد الأعاجم!! والمعصوم في هذه الأمة هو رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وحده في كل ما قال لا الشيخ ربيع، ولا الشيخ مقبل، ولا من هو أكبر منهما!!
ثم قال الشيخ عن بعض مؤلفات الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق : (ثم كتاب «الولاء والبراء»، فهذا الكتاب يُعتبر ولاءً للحكومات، وبراءةً من الصالحين الأفاضل الدعاة إلى الله([199]) «وبعد هذا انْزَوَيْتُ عن القراءة لعبد الرحمن -حفظه الله-، واشمأزَزْتُ غاية الاشمئزاز بعد هذين الكتابين»، وقوله في صدام حسين العراقي: «البطل المؤمن المجاهد المناضل… إلى آخره».
ثم قال : «وأنا لا أَعْنِي أنّ أخانا عبد الرحمن عبد الخالق ليس بداعٍ إلى الله، وليس بسلفي، أَعْنِي في سلفيته دَخَنٌ، فقد قرأْتُ له في (مجلة الفرقان) كلامًا طيبًا في شأن محمد الغزالي، فجزى الله عبد الرحمن عبد الخالق خيرًا؛ فإنه بيَّن أنه -أي محمد الغزالي- عَمِيلٌ للحكومات، كلما أَتَتْ حكومةٌ تَملَّقَ لها؛ حتى صار عَمِيلًا لها»… إلخ.
⏪ قلتُ: ومع أن في بعض ما قال الشيخ وقفةً وأخْذًا وردًّا، ولا أوافقه في كل ما نقلته عنه حتى أنظر في كل ما يدل على ذلك، ثم يظهر لي: هل أوافقه أم لا؟ وعند التفصيل يظهر موقفي من هذه المسائل مسألة مسألة، لكن المراد من نَقْل كلامه هذا عنه هنا: أَنْ يُقال: أين الغُلاة في إطلاقهِم عدم ذِكْر حسنات المخالف، ولا يفعل ذلك -ولو أحيانا عند الحاجة للشرعية كما فصَّلْتُه في موضعه- إلا مبتدع ضال عندهم، مُرَوِّج للبدع وأهلها؟ وأين هم من حكم الشيخ مقبل علي الشيخ عبد الرحمن بالسلفية؟ وأين المقلدون للشيخ ربيع والشيخ مقبل من هذا كله؟! فلماذا لم يقولوا في كل من سبق النقل عنهم: إنهم يقولون بالموازنات المبتدَعَة؟ أو مميِّعون؟ أومُنْدَسُّون في الدعوة ليكيدوا لها، ولماذا لم يوحِّدوا المكاييل، ويتركوا التطفيف في الموازين؟!
12 – وكان الشيخ يتحاشى الكلام في المسائل الخلافية في بعض الأوقات، أو في بعض الأماكن تغليبًا منه للمصلحة الكبرى بخلاف هؤلاء الغلاة، الذين يرون الخوضَ في ذلك من الصدع بالحق، الذي لا يجوز كتمانه!!
وقد قال الشيخ مقبل –رحمة الله عليه- في «غارة الأشرطة»([200]) وهو ينصح طلبة العلم إذا خرَجُوا دعوةً؛ ألا يتكلموا في المسائل الخلافية: من حزبية، وغير ذلك؛ لأن هذا يترتب عليه ضرر شديد.
فقد قال : «وأنا أنصح إخواني إذا خَرَجُوا للدعوة، وأقولُ لهم: أَنْصَحُكم ألا تتكلموا في الحزبية، بل تَكَلَّموا للناس بما يُرَقِّقُ قلوبهم؛ فأنا مُضْطَّرٌّ إلى أنْ أَرُدَّ على الأسئلة التي تأتيني في حدود ما أَعْلَم؛ أما أنتم: لا تَذْهبوا لتثيروا هذه القضايا عند الناس» انتهى كلامه .
وهذا أمر معروف عن الشيخ أنه كان إذا خرج في رحلة دعوية؛ يتحاشى ما استطاع إلى ذلك سبيلًا الكلامَ في المسائل الخلافية، وكان يقول للأخ الذي يُقَدِّم له الأسئلة: أي سؤال يأتي في هذه الأمور الخلافية بين الدعاة، أو في الجماعات؛ فلا تَعْرِضْه عليّ؛ لأني إن سُئلت عنه؛ تعيّن عليَّ الجواب، ولا أريد أن يَحْدُثَ وراء الجواب شَرٌّ!!
⏪ قلتُ: مع أنه إذا كان الراجح عند الشيخ أن الجواب سيثير فتنةً في المسجد، وربما حَصَل قَتْلٌ وقتالٌ؛ لما عُرِف من حال أهل اليمن، الذين يحملون السلاح حتى في المساجد، بل يحمله الشباب المراهق والصغار، والحاضرون جموعٌ غفيرة من جميع الطوائف، فمنهم من يأتي ليستفيد، ومنهم من يأتي ليتصيَّد العثرات والزلات؛ ليشيعها في الناس مشوِّهًا دعوة الشيخ ومنهم، ومنهم… إلخ، وربما مُنِع العلماء من الخروج للدعوة خارج مساجدهم بأمر من ولاة الأمور بسبب القتال والهيشات إذا حدثت في المساجد؛ فكيف يتعين الجواب على الشيخ في هذه الحالة؟ فإذا كان الأمر سيترتب عليه شرٌّ أكبر؛ تعين الإمساكُ عنه، لكن الشيخ مقبلًا لهيبته ومحبة أكثر الناس له؛ كان المخالف -في الغالب- لا يثير فتنة في المسجد الذي يحاضر فيه الشيخ، وظنَّ هؤلاء الأقزام من الغلاة أن لهم هذه المنزلة -أيضًا- في قلوب الناس، فطاشوا في هذا وذاك؛ فأسمعهم الناس ما تَسْوَدُّ به وجوههم، والله المستعان!!
بل بلغني أن أحد هؤلاء الغلاة سُلِّم له مسجد؛ ليكون خطيبًا وإمامًا، وكان في المسجد محراب، وهذا الإمام يرى بدعية المحراب؛ فأتى بعِذْق شوكٍ من شجرة السدر، ووضعه في المحراب؛ ليمنع الدخول فيه للإمامة بالناس، وآخر -ولعله هو الأول- يصعد خطيبًا على منبر من ثلاث درجات، وقد لبس حذاءً طويل العنق، حتى يراه من بآخر المسجد، لأنه يرى سُنِّيَّةَ الصلاة في النعال، وقسْ على هذا ما هو مثله، فهل هذه التصرفات تخدم الدعوة أو تهدمها؟!
فما ذكرته عن الشيخ هو في الجملة من فِقْهِ أهل العلم، وهذه طريقة أهل العلم، والقوم لا مع هؤلاء ولا مع أولئك، إنما يتشبَّعُون بتمسُّحهم في العلماء، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيمن ينتسب إلى أهل البيت، ويفتخر بذلك، ويترك العمل الصالح: «يَزْعُمُ أنه منِّي، وليس منِّي؛ إنما أوليائي المتقون»([201]) وهكذا، فهؤلاء يتمسحون بالعلماء، وليسوا على طريقتهم فيما أظهرنا فيه انحرافهم، وإن كانوا على الجادة في جوانب أخرى، ونفع الله بهم فيها، فجزاهم الله على ما أحسنوا فيه خيرًا كثيرًا، وهدانا وإياهم للتي هي أحسن، والله المستعان!!
13 – جَزْمُ الشيخ بأنه لا يتصَدَّر للحكم على الأشخاص إلا المؤهَلَّون:
وقد قال الشيخ مقبل ، «غارة الأشرطة» (2/270- وما بعدها) وقد قُدِّم له سؤال: «ما هو حدُّ الاجتهاد الذي يجوز للمشتغلين بالحديث في عصرنا في تعديلهم وتجريحهم للرواة؟»
فقال الشيخ : «أما تعديل وتجريح العلماء المتقدمين؛ فهذا أمرٌ قد كُفِيناه، فلا نحتاج إلى أن نقول: إسحاق بن بِشْر الكاهلي كَذَّبه حسنُ الترابي -وهو كذابٌ- فقد كَذَّبَهُ المتقدمون؛ فقد كُفينا».
قال: «أما العلماء المعاصرون؛ فلابد أن تتوفر فيمن يريد أن يتكلم في العلماء المعاصرين أن تتوفر فيه الشروط التي توفرت في العلماء المتقدمين».
⏪ قلتُ: أي: فمن لم يكن أهلا؛ فَلْيَسْكُتْ، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فَلْيَقُلْ خيرًا، أو لِيَصْمُتْ».
ويُعْجِبُني في هذا المقام بيتٌ تَمَثَّل به الحافظ الذهبي وقد أشار إلى بعض معاصريه في الكلام والجرح والتعديل، وهم ممن لا يحسنون هذا الباب، فقال الحافظ الذهبي:
| فَدَعْ عَنْكَ الكتابةَ لَسْتَ منها | ولو سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بالمدادِ |
14 – والشيخ يرى مشروعيةَ التعاون مع المخالف إذا ترجَّحَتِ المصلحةُ:
قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي – رحمة الله عليه- في رسالة «هذه دعوتنا وعقيدتنا»([202]): «ونرى وجوب التعاون مع أيِّ مسلم في الحق، ونبرأ إلى الله من الدعوات الجاهلية». اهـ.
وفي «قمع المعاند»([203])، قال وقد سئل عن التعاون مع محمد سرور- فقال: الأخ محمد سرور عَرَضَ علينا التعاون معه، ولم يَعْرِضْ علينا الانضمام معه؛ لأن كُلا آيسٌ من انضمام هذه الدعوة المباركة إلى جماعة من الجماعات، أما مسألة التعاون: فإنْ شاء الله نتعاون مع كل مسلم؛ لأن الله يقـول في كتابه الكريـم: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}، نتعاون مع كل مسلم لمصلحة الإسلام، أما إذا كانت المصلحة حزبية، ويَدْعون الناس باسم الإسلام، وإذا حَصَلَ لهم ما يريدون؛ انقضى الأمر؛ فهؤلاء ينبغي أن يُحْذَر منهم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُلْدغ المؤمن من جُحْرٍ مرتين…». اهـ.
وقال: «فالمسلم الذي يَدْعُو إلى التعاون معه، ولم يَلْدَغْ أهلَ السنة؛ فإنهم مُسْتَعِدُّون للتعاون معه…». اهـ.([204])
فيقال لهؤلاء الغلاة: كيف يتم تعاونكم مع من تخالفونه ويخالفكم، وأنتم تروْن الهجْر المطلق له، بل هجْر من لم يهجره، ثم من هم الذين تروْن جواز التعاون معهم، وأنتم تطلقون على من ليس معكم ما تطلقون من أحكام كلها كذب وافتراء؟ هل ستتعاونون مع من وافقكم فقط؟ كيف، وكلام الشيخ في التعاون مع المخالف؟! وعلى كل حال:
فمن كان جامعا لِعقْله، وتنهال عليه هذه الصواعق المحْرِقة؛ فإن أراد الله-جل شأنه- به خيرًا؛ أعلن توبته على الملأ من كل ما أساء فيه وظلم!! ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا!!
وصَدَق القائل:
| إن كنتَ لا تَدْري فتلك مُصيبةٌ | وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ!! |
15 – هَلْ يُقْتَلُ صاحبُ البدعة؟
وقال الشيخ مقبل : «جوابًا على السؤال التالي: «السائل: هل صاحب البدعة يُقتل؟
الشيخ مقبل : «صاحب البدعة يا إخوان، البدع تختلف، منهم من بدعته مكفِّرة، فهذا إلى الحاكم، واجبٌ عليه أن يَسْتَتِيبَهُ، فإن تاب؛ وإلاّ قتله، ومنهم من بدعته غير مكفِّرة، فهذا يَكْفي أن يُهجر، وأن يحذّر منه، ويموت في الدنيا وهو يمشي، والله المستعان، ولا نوافق من قال: إن المبتدع يُقتل، بل نُنكر عليه، والله المستعان». اهـ من شريط موجود في موقع «علماء ومشائخ الدعوة السلفية في اليمن».
⏪ قلتُ: لا تعارض بين ما قرَّره هؤلاء العلماء -رحمهم الله- وبين ما قرره بعض العلماء من جواز قَتْلِ المبتدع أحيانًا بضوابطَ ذكرتُها في كتابي: «تبصير الأنام بتصحيح الأفهام»؛ إذ الذين ذهبوا إلى قَتْلِهِ لم يُطْلِقوا هذا في كُلِّ مبتدع أولًا، وثانيًا أنهم اشترطوا أن لا يندفع شرُّه بأي سبيل آخر غير القتل، فإذا أَمْكَنَ رَدْعُهُ، أو الحيلولة بينه وبين الناس بالتعزير، أو الحبس، أو الطرد، أو الهجر؛ فلا يُلْجَأ إلى القتل، مع أنهم إن أُلْجئوا إلى القتل؛ فهو في هذه الحالة من باب التعزير لا الكُفْر، ولا يكون هذا إلا في البدع الكبرى كبدعة الجهم والجعد بن درهم، ولا يُقتل إلا بفتوى كبار أهل العلم والحلْم والفهم, ولا يتولى قتله إلا الإمام أو نائبه، وليس المجال مفتُوحًا لكل أحد!!
ويفسِّر هذا عمليًّا: أن المبتدعة ما أكثرهم في الأمة -أصلحهم الله وهداهم- ومع ذلك لم يُقْتَل منهم إلا العدد القليل، الذي لا يَكَادُ يتجاوز أصابِعَ اليدِ أو اليديْنِ -حسب علمي- مما يدل على أن العلماء والأمراء يغلِّبون مسلك التعزير والحبس والهجر… إلخ، قبل الحاجة إلى ولوج باب السعي في قتلهم، وإن أَفْتَوْا في مُطْلَق كلامهم بذلك؛ ففرْق بين الفتاوى المطلقة، وتنزيلها على الأعيان، والله أعلم.
هذا في أهل البدع الكبرى، فما الظن بمن له يدٌ من قريب أو بعيد، أو في الحال أو المآل -في قتل عدد من دعاة التوحيد والسنة، الأمر الذي ما فعله – بهذا الحجم-القبوريون والعلمانيون، ولا كثير من أهل البدع؟!
16 – حَمْلُ مُجْمَلِ كلامِ الشخص على مُفَصِّلِهِ:
قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي – تعالى- في شريط محفوظ عندنا، في الإجابة على أسئلة شباب «الحُدَيْدَة» وغيرها، في سياقِ رَدِّهِ على من يقوم بالتمثيل، فقال فيمن يُمَثِّلُ أبا جهل أو الشيطان: «أبو جهلين، وشيطانان» وقد قال مرة: «شيطان يُمَثِّل شيطانًا،» فظن بعضهم أنه يكفِّر المُمَثِّل لهذا بهذا؛ فرد ذلك الشيخ، وبيَّن مراده، بأن مَنْ مَثَّلَ أبا جهل جاهل، وأن الشيطان يُطلق على غير الشيطان الأكبر، وعلى غير الكافر، ثم قال: «وعلى كلّ حال: فيَنْبَغِي أن يُحْمَلَ الكلامُ إذا كان من سُنِّيٍّ؛ على السنة، وإذا كان من بِدْعِيٍّ؛ على البدعة، والله المستعان». اهـ.
وقال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي ([205]): «وشَخْصٌ سُنِّيٌّ، ولو أخطأ؛ لابد أن يُغَضَّ الطرفُ عنه، والحمدُ لله، وأما الرجوع إلى الحق؛ ففضيلةٌ، والحمدُ لله الذي وفقني لذلك». اهـ.
⏪ قلتُ: فهذا صريح كلام الشيخ بحَمْل المجمل على المفصَّل من كلام العالم، وهذا ما صرَّحْتُ به في دروسي، فقامت قيامة الشيخ ربيع وحزبِهِ المفْرِط في الظلم والافتراء، وقالوا: انظروا هذا المبتدع الضالَّ الذي خالف منهج وعقيدة أهل السنة في بضعة وعشرين أصلا، ومنها قوله: يُحْمل مُجملُ السُّنِّيِّ على مفصّله في السنة، ومُجملُ البدعيِّ على مفصّله في البدعة، وما قالوا ذلك إلا تقليدا وهوى، أو عن جُبْن وخَوَر؛ ليموِّهوا بذلك على صغار الطلاب: أن ما قالوه فيمن خالفهم أنه حق، ولكن هيهات هيهات؛ فقد ردَدْتُ عليهم بكتاب خاصٍّ في ذلك، وسَمَّيْتُه «الجواب الأكمل على من أنكر حَمْلَ المجمل على المفصَّل» وهو موجود في كتاب كبير اسمه: «الدفاع عن أهل الاتباع» ونَقَلْتُ فيه الأدلة من السنة وأقوال علمائها سلفا وخلفا، بل نقلْتُ كلام شيخهم وكبيرهم الذي أوقعهم في هذا الغلو والإفراط-وهو الشيخ ربيع-، وذلك قبل أن يرفع عقيرته بالغلو والكلام في أولياء الله الصالحين.
فانقطع دابر إفكهم وزورهم، ونسبتهم أباطيلَهم لمنهج السلف، والحمد لله رب العالمين.
ثم إن كلام الشيخ الأخير، وهو يقول في الرجل السُّنِّي: «وشَخْصٌ سُنِّيٌّ، ولو أخطأ؛ لابد أن يُغَضَّ الطرفُ عنه…» ومع أن هذا الاطلاق موضع أخذٍ وردٍّ، لكن العقلاء السالمون من مرض القلوب يحملون هذا على الخطأ اليسير وإنما أردت بما نقَلْتُ هنا عنه أن أقول للغلاة: أين أنتم من هذا الإطلاق من الشيخ -رحمة الله عليه- وأنتم تقولون بإطلاق: إن الشخص السني إذا أخطا؛ فهو أَوْلَى بالتحذير منه من الروافض وأهل البدع الكبرى، بل أولى بالتحذير منه من اليهود والنصارى؛ بزعمكم: أن الناس سيغترون بخطأ السني، وسيتبعونه عليه، أما أهل البدع والكفار؛ فالناس سَيَحْذَرون منهم بدون تحذيرنا منهم!!
هكذا يزعم هؤلاء الغلاة، وهذا يدل على أنهم لا يعيشون في واقعنا بقلوبهم وعقولهم، وإلا فاليهود والنصارى يملكون المال والسلاح والإعلام والمنظمات التي تحارب الإسلام بأساليب ظاهرة وخفية ملْتوية، وكم أثَّرت هذه الوسائل على المسلمين، حتى ارتد بعضهم، فضلا عن المصائب الأخرى؛ من تبرج وسفور، ودعوة إلى المثلية والشذوذ وزواج الرجلِ الرجلَ، بل وإثارة الحروب بين المسلمين البين، حتى ضاعت بلاد الاسلام، فهل السني إذا أخطأ -في نظركم فقط وإن لم يكن حقا مخطئا- يكون أضر من هؤلاء، وأولى بالتحذير منهم؟! [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] {النور:16}!!
ويلزم قياسا على هذا الفهم الفاسد عند هؤلاء: أنه كلما كان العالم موضع ثقة المسلمين -كالإمام أحمد بن حنبل مثلًا- أن يكون التحذير من خطئه بإشاعته والتحذير منه أولى من التحذير من اليهود والنصارى؛ لأن المسلمين لن يغتروا بألاعيبهم، أما كونهم يقلدون الامام أحمد في خطئه؛ فهذا وارد بجدارة!! والإمام أحمد، بل والصديق أبو بكر فمن دونهما لا يسلمان من الخطأ -وإن كان عن اجتهاد أو تأويل وقَصْدٍ للحق-
وبهذا تنقلب الموازين، ويكون ما هو سببًا للحمد والمدح والموالاة: كالعلم، والثبات على السنة، والأثر الحسن في إصلاح عقائد الناس ومشاربهم، والعبادة، والتمسك بمكارم الأخلاق… إلخ سببا للذم والتحذير والهجر، والحمد لله أن جعل العلماء يردون على هذا الفكر المنحرف، ويبينون فساده بكل الوسائل، والأمر لله أولا وآخرا.
⏪ وفي خاتمة القول أقول: هذه النصوص والمواقف عن شيخنا مقبل تناولَتْ كثيرا من بلايا الغلاة، ووضّحَتْ موقفه الرائع الرائق منها مسألة مسألة-وإن لم يكن معصوما في كل ما قال بتفاصيله-، فما حُكْم الشيخ مقبل وكلماته هذه عند الغلاة بعد اطلاعهم عليها؟!
ومعلوم أنهم لا يجرؤون أن ينطقوا في حق الشيخ ببنت شَفَةٍ -حتى وإن أخطأ خطأ بينا- لأنهم أهل تقليد وهوى وعصبية، أما طريق أهل العلم في قبول الحق، وردِّ الباطل، مع إجلال العالم وتوقيره، والثناء على جهوده، فهم محرومون من هذه الطريق؛ فتَّبا لمنهج الغلاة المسرفين، وحاشا شيخنا أن يكون سلفا لهم في هذا الباطل، ونحن بهذه النقولات ندافع عن شيخنا ونبرئه من منهج الغلاة، ونبرئ بقية العلماء الذين يتمسح بهم الغلاة من منهجهم الفاسد، وننصح للأمة: فبينما نحن نبرئ العلماء من إلصاق هذا المنهج الفوضوي المتناقض إليهم؛ فإننا نحذِّر أبناء المسلمين؛ كي لا يغتروا بتمويهات هؤلاء، وينسبوا للعلماء من السلف والخلف ما هم منه براء، فليس للغلاة هؤلاء من سلف إلا الشيخ ربيع المدخلي، ومن أخذ هو عنهم هذا الفكر، -رحم الله الجميع، وغفر لهم، ورزقنا والأحياء من العلماء حُسْن الخاتمة- والله ولي التوفيق والسداد.
j j j













