(باب: الحكم بالكفر والبدعة والفسق لا يكون إلا بدليل سمعي
والتحذير من ولوج هذا الباب بلا برهان)
* قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ في «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»: «فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَنْهَيَانِ عَنْ تَفْسِيقِ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِيرِهِ بِبَيَانٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ فِي وَقْتٍ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، أَوْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا، فَاخْتَلَفُوا بَعْدُ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ؛ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِهِمْ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ مَعْنًى يُوجِبُ حُجَّةً، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِلَّا بِاتِّفَاقٍ آخَرَ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، -وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ- عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يُخْرِجُهُ ذَنْبُهُ وَإِنْ عَظُمَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَخَالَفَهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَالْوَاجِبُ فِي النَّظَرِ أَنْ لَا يُكَفَّرَ إلا إن اتفق الجميع على تكفيره، أو قام عَلَى تَكْفِيرِهِ دَلِيلٌ لَا مَدْفَعَ لَهُ مِنْ كِتَابٍ أَوَسُنَّةٍ»([153]). اهـ
* وقال ابن حزم ـ رحمه الله ـ في «الفصل في الملل والأهواء والنحل»: «وَالْحق هُوَ: أَن كل مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَام؛ فَإِنَّهُ لَا يَزُول عَنهُ إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع، وَأما بِالدَّعْوَى والافتراء؛ فَلَا»([154]). اهـ
* وقال الغزالي ـ رحمه الله ـ في «الاقتصاد في الاعتقاد»: «والذي ينبغي أن يميل المُحَصِّلُ إليه: الاحترازُ مِن التكفير ما وَجَد إليه سبيلاً؛ فإن استباحة الدماء والأموال من المُصَلِّين إلى القبلة، المُصَرِّحين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأٌ، والخطأُ في تَرْكِ أَلْفِ كافرٍ في الحياة أَهْوَنُ مِن الخطأ في سَفْك مَحْجَمَةٍ مِنْ دمٍ مسلمٍ»([155]). اهـ
ويقول -رحمه الله- في «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»([156]): «الوصيةُ: أن تَكُفَّ لسانَكَ عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، غير مناقضين لها… فإن التكفير فيه خَطَرٌ، والسكوتَ لا خَطَرَ فيه».([157])
* وقال النووي ـ رحمه الله ـ في «شرحه على مسلم»([158]): «فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَأَوَّلْتَ أَمْرَ الطَّائِفَةِ الَّتِي مَنَعَتِ الزَّكَاةَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَجَعَلْتَهُمْ أَهْلَ بَغْيٍ، وَهَلْ إِذَا أَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَانِنَا فَرْضَ الزَّكَاةِ، وَامْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا، يَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَهْلِ الْبَغْيِ؟ قُلْنَا: لَا، فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ فَرْضَ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ؛ كَانَ كَافِرًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا عُذِرُوا لِأَسْبَابٍ وَأُمُورٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، مِنْهَا: قُرْبُ الْعَهْدِ بِزَمَانِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي كَانَ يَقَعُ فِيهِ تَبْدِيلُ الْأَحْكَامِ بِالنَّسْخِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا جُهَّالًا بِأُمُورِ الدِّينِ، وَكَانَ عَهْدُهُمْ بِالْإِسْلَامِ قَرِيبًا، فَدَخَلَتْهُمُ الشُّبْهَةُ؛ فَعُذِرُوا، فَأَمَّا الْيَوْمَ وَقَدْ شَاعَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَفَاضَ فِي الْمُسْلِمِينَ عِلْمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، حَتَّى عَرَفَهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَاشْتَرَكَ فِيهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ؛ فَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِتَأْوِيلٍ يَتَأَوَّلُهُ فِي إِنْكَارِهَا، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي كُلِّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، إِذَا كَانَ عِلْمُهُ مُنْتَشِرًا: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنى، وَالْخَمْرِ، وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا يَعْرِفُ حُدُودَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْهَا جَهْلًا بِهِ؛ لَمْ يَكْفُرْ، وَكَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ فِي بَقَاءِ اسْمِ الدِّينِ عَلَيْهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ الْإِجْمَاعُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ طَرِيقِ عِلْمِ الْخَاصَّةِ: كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا يَرِثُ، وَأَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا لَا يَكْفُرُ، بَلْ يُعْذَرُ فِيهَا؛ لِعَدَمِ اسْتِفَاضَةِ عِلْمِهَا فِي الْعَامَّةِ». اهـ
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كما في «مجموع الفتاوى»([159]): «وَالْإِنْسَانُ مَتَى حَلَّلَ الْحَرَامَ – الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ – أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ – الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ – أَوْ بَدَّلَ الشَّرْعَ – الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ – كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ». اهـ
وقال -رحمه الله- في «منهاج السنة النبوية»([160]): «وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَبْتَدِعُونَ قَوْلًا، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُمْ، مُكَفِّرًا، لَهُمْ مُسْتَحِلًّا لِدِمَائِهِمْ، كَمَا لَمْ تُكَفِّرِ الصَّحَابَةُ الْخَوَارِجَ، مَعَ تَكْفِيرِهِمْ لِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمَنْ وَالَاهُمَا، وَاسْتِحْلَالِهِمْ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ». اهـ
وقال -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([161]): «وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ -وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ- حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ؛ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ». اهـ
أما من تجرأ على التكفير من غير أن يملك مثل ذلك الدليل الساطع؛ فإنه مستحق للعقوبة الغليظة بما اجترأ عليه من أحكام ظالمة:
* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»([162]) في سياق الحديث عن خلاف العلماء في بعض مسائل التوسل([163]): «وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ([164])؛ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَا وَجْهَ لِتَكْفِيرِهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَفِيَّةٌ، لَيْسَتْ أَدِلَّتُهَا جَلِيَّةً ظَاهِرَةً، وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً، أَوْ بِإِنْكَارِ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيمَا يُشْرَعُ مِنْ الدُّعَاءِ وَمَا لَا يُشْرَعُ؛ كَاخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عِنْدَ الذَّبْحِ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ مَنْ نَفَى التَّوَسُّلَ الَّذِي سَمَّاهُ اسْتِغَاثَةً بِغَيْرِهِ؛ كَفَرَ، وَتَكْفِيرُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ وَأَمْثَالِهِ؛ فَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى جَوَابٍ؛ بَلْ الْمُكَفِّرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَسْتَحِقُّ مِنْ غَلِيظِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّعْزِيرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَمْثَالُهُ مِنْ الْمُفْتَرِينَ عَلَى الدِّينِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا». اهـ
* وقال ابن الوزير ـ رحمه الله ـ في «إيثار الحق على الخلق»([165]): «وَقد تقدم فِي هَذَا الْبَاب مَا جَاءَ فِي المشاحنة والمهاجرة من الْوَعيد الشَّديد وَالْأَحَادِيث المتواترة…، وَقد مر فِي الْوَجْه الأول من هَذِه الْوُجُوه مَا لَهُ من الشواهد المتواترة الرائعة فِي تَحْرِيم ذَلِك، وأنه مقرون بالشرك فِي حرمَان صَاحبه الغفران، وَهَذَا أَمرٌ مُجمَعٌ على تَحْرِيمه فِي الأَصْل، فَيجب مُرَاعَاة أَسبَابه ومقوياته، فَكلما كَانَ أقرب إِلَى الِاجْتِمَاع؛ كَانَ أَرْجَحَ، وَكلما كَانَ أقربَ إِلَى التَّفَرُّق وَأدْعَى اليه وَإِلَى إثارته؛ كَانَ أَفْسَدَ وأَبْطَلَ، وَكم بَين إِخْرَاج عوام فِرَقِ الاسلام أَجْمَعِينَ وجماهير الْعلمَاء المنتسبين إِلَى الاسلام من الْملَّة الإسلامية، وتكثير الْعدَد بهم، وَبَين إدخالهم فِي الاسلام ونصرته بهم، وتكثير أَهله وتقوية أمره، فَلَا يَحِلُّ الْجَهْدُ فِي التَّفَرُّق بتكَلُّف التَّكْفِير لَهُم بالأدلة الْمُعَارَضَة بِمَا هُوَ أَقْوى مِنْهَا أَو مِثْلِهَا، مِمَّا يَجْمَع الْكَلِمَة، وَيُقَوِّي الإسلام، ويَحْقِن الدِّمَاء، ويُسَكِّن الدهماء، حَتَّى يَتَّضحَ كُفْر المبتدع اتضاحَ الصُّبْح الصَّادِق، وتجتمع عَلَيْهِ الْكَلِمَة، وَتُحقّق إِلَيْهِ الضَّرُورَة، مثل كفر الزَّنَادِقَة والملاحدة، الَّذين أَنْكَرُوا الْبَعْث وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار، وتأولوا الرب -جلّ جَلَاله- وَجَمِيعَ أَسْمَائِهِ بإمام الزَّمَان، وسَمُّوه باسم الله تَعَالَى، وفسروا «لَا إِلَه إِلَّا الله»، أَي لَا إِمَام إِلَّا إِمَام الزَّمَان فِي زعمهم -خَذَلَهم الله تَعَالَى- وتَلَعَّبوا بِجَمِيعِ آيَات كتاب الله -عز وَجل- فِي تَأْوِيلهَا جَمِيعًا بالبواطن، الَّتِي لم يدل على شَيْء مِنْهَا دلَالَة وَلَا إمارة، وَلَا لَهَا فِي عصر السّلف الصَّالح إشارة، وَكَذَلِكَ من بلغ مَبْلَغَهُم من غَيرهم فِي تَعْفِيَةِ آثَار الشَّرِيعَة، ورَدِّ الْعُلُوم الضرورية، الَّتِي نَقَلَتْها الأمةُ خَلَفُهَا عَن سَلَفِها، وَالله يحب الإنصاف قطعا». اهـ
وقال -رحمه الله-([166]): «… الْخَطَأ فِي الْعَفو خيرٌ من الْخَطَأ فِي الْعقُوبَة، نَعُوذ بِاللَّه من الْخَطَأ فِي الْجَمِيع، ونسأله الإصابة والسلامة والتوفيق وَالْهِدَايَة». اهـ
* وقال ابن نجيم الحنفي ـ رحمه الله ـ في «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»([167]): «رَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا: لَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنْ الْإِيمَانِ إلَّا جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ؛ يَحْكُمُ بِهَا، وَمَا يَشُكُّ أَنَّهُ رِدَّةٌ؛ لَا يَحْكُمُ بِهَا؛ إذْ الْإِسْلَامُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِشَكٍّ، مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو، وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا أَنْ لَا يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ…
وَفِي «الْفَتَاوَى الصُّغْرَى»: «الْكُفْرُ شَيْءٌ عَظِيمٌ؛ فَلَا أَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ كَافِرًا مَتَى وَجَدْتُ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ…» اهـ.
وَفِي «الْخُلَاصَةِ» وَغَيْرِهَا: إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ، وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ؛ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ؛ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ…». اهـ
* قلت: وقوله: «لا يُخرج الرجلَ من الإيمان إلا جحود ما أدخله» في هذا الحصر نظر، ليس هذا موضعه؛ فإن الكفر يكون بالجحود وغيره، وإن كان الجحود من أَشْهَرِ وآكَدِ أسباب التكفير!!
* وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي ـ رحمه الله ـ في «تحفة المحتاج في شرح المنهاج»([168]): «ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أَمْكَنَه؛ لعظيم خَطَرِهِ، وغَلَبَةِ عَدَمِ قَصْدِهِ، سيما من العوام، وما زال أَئمتُنا على ذلك قديما وحديثا؛ بخلاف أئمة الحنفية؛ فإنهم تَوَسَّعُوا بالحكم بمكفرات كثيرة مع قبولها التأويلَ، بل مع تبادُرِهِ منها، ثم رأيتُ الزركشيَّ قال عما توسَّع به الحنفية: إن غالبه في كتب الفتاوى نَقْلا عن مشايخهم، وكان المتورعون من متأخري الحنفية يُنْكِرون أكثرها، ويخالفونهم، ويقولون: هؤلاء لا يجوز تقليدهُم؛ لأنهم غير معروفين بالاجتهاد، ولم يُخَرِّجُوها على أَصْل أبي حنيفة؛ لأنه خلاف عقيدته؛ إذْ منها: أن معنا أصلا مُحَقَّقًا، هو الإيمان؛ فلا نرفعه إلا بيقين، فَلْيُتَنَبَّهْ لهذا، ولْيُحْذَرْ ممن يبادر إلى التكفير في هذه المسائل منا ومنهم، فَيُخَاف عليه أن يَكْفُر؛ لأنه كَفَّرَ مسلما. اهـ ملخصا قال بعض المحققين منا ومنهم: وهو كلامٌ نفيس». اهـ
* وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ في «السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار»([169]): «اعْلَمْ أن الحُكْم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقْدِم عليه إلا ببرهان أَوْضَحَ من شمْسِ النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن «من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما»، هكذا في «الصحيح»، وفي لفظ آخر في «الصحيحين» وغيرهما «من دَعَا رجلا بالكُفر، أو قال: عَدُوُّ الله؛ وليس كذلك؛ إلا حار عليه، أي رَجَع»، وفي لفظ في «الصحيح»: «فقد كَفَر أحدُهما»، ففي هذه الأحاديث وما ورد مَوْرِدَها أَعْظَمُ زاجرٍ وأكبرُ واعظٍ عن التسرع في التكفير…
إلى أن قال -رحمه الله-: «فحينئذ تَنْجُو من مَعَرَّةِ الخَطَر، وتَسْلَمُ من الوقوع في المحنة؛ فإن الإقدام على ما فيه بعضُ البَأْسِ لا يَفْعَلُه من يَشِحُّ على دينه، ولا يَسْمَحُ به فيما لا فائدة فيه ولا عائدة.
فكيف إذا كان على نفسه – إذا أخطأ – أن يكون في عداد من سماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كافرا؟ أفهذا يقود إليه العَقْلُ؛ فضْلا عن الشرع؟!». اهـ
* ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهما الله ـ كما في «الدرر السنية في الكتب النجدية»([170]): «وبالجملة: فيجب على من نصح نفسه: ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعِلْم وبُرهان من الله؛ ولْيَحْذَرْ من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فَهْمِهِ واسْتِحْسَان عَقْلِهِ؛ فإن إخراجَ رجلٍ من الإسلام أو إدخالَه فيه، أَعْظَمُ أمور الدين([171]); وقد كُفينا بيانَ هذه المسألة كغيرها، بل حُكْمُها في الجملة أَظْهَرُ أحكام الدين؛ فالواجب علينا: الاتَبِّاعُ وتَرْكُ الابْتِدَاعِ، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «اتَّبِعوا ولا تَبْتَدِعوا؛ فقد كُفِيتُمْ».
وأيضًا: فما تنازع العلماء في كونه كُفرا؛ فالاحتياطُ للدين: التوقفُ وعَدَمُ الإقدام، ما لم يكُنْ في المسألة نصٌّ صريحٌ عن المعصوم -صلى الله عليه وسلم- وقد استزلَّ الشيطانُ أَكْثَرَ الناس في هذه المسألة؛ فَقَصَّر بطائفة؛ فَحَكَمُوا بإسلام من دَلَّتْ نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كُفره، وتَعَدَّى بآخرين؛ فَكَفَّروا من حَكَمَ الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم.
ومن العجب: أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة، أو البيع ونحوهما؛ لم يُفْتِ بمجرد فَهْمِهِ، واستحسان عَقْله، بل يبحث عن كلام العلماء، ويُفْتي بما قالوه؛ فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم، الذي هو أَعْظَمُ أمور الدين وأَشَدُّ خَطَرا، على مُجَرد فَهْمِه، واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين، ومِحْنَتَهُ من تَيْنِكِ البَلِيَّتَيْنِ!!». اهـ
أي لا تُكَفِّر مسلمًا إلا بشيءٍ قد أجمع العلماء على أنه كُفر، وأن الفاعل قد أُقيمت عليه الحجة، وأُزِيلَتْ عنه الشبهة، أو أن يكون الحكم مأخوذًا من نصوص شرعية، والراجحُ فيه التكفير، كما في تكفير تارك الصلاة، وإن لم يُجمِع العلماء من التابعين فمن بعدهم على ذلك، إلا أن هذا هو الراجح في الباب، وهذا مما أجمع عليه الصحابة – رضي الله عنهم- كما وَضَّحْته في كتابي: «سبيل النجاة في بيان حكم تارك الصلاة» نفعني الله به ووالديَّ وأهلي وذريَّتي إلى يوم الدين، وبغيره من صالح الأعمال.
ولذلك فقد عاب بعضهم على أبي إسحاق الإسفرائيني أنه قال: (لا نُكَفِّر إلا مَنْ يُكّفَّرَنا)!! ومفهومه: أن من لم يُكَفِّرنا؛ فلا نُكَفِّره، فليس أمر التكفير فرعا عن حمية أو كراهية للشخص، إنما هو بلاغ عن شريعة الله المنزلة إلى عباده، سواء أحسن إلينا ذاك الشخص أو أساء.
* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –: «وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس، كأبي إسحاق الإسفراييني ومن اتبعه، يقولون: (لا نكفر إلا من يُكَفِّرنا) فإن الكفر ليس حقًّا لهم، بل هو حق لله، وليس للإنسان أن يَكْذِبَ على من يَكْذِبُ عليه، ولا يَفْعَلَ الفاحشةَ بأهل من فَعَلَ الفاحشة بأهله، بل ولو استكرهه رجل على اللواطة؛ لم يكن له أن يستكرهه على ذلك، ولو قتله بِتَجْرِيِع خَمْرٍ أو تَلَوُّطٍ به؛ لم يَجُزْ قَتْلُه بمثل ذلك؛ لأن هذا حرام لحق الله تعالى، ولو سب النصارى نبيَّنا؛ لم يكن لنا أن نَسُبَّ المسيح، والرافضةُ إذا كَفَّرُوا أبا بكر وعمر؛ فليس لنا أن نُكَفِّر عليًّا». اهـ.([172])
وإن كان بعض العلماء قد اعتذر اعتذارًا حسنًا لأبي إسحاق الإسفرائيني، وهو الأَوْلَى بنا أن نعتذر للعالم ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، لا أن نتربَّص به، فما أن يزل لسانه بكلمة؛ إلا وحمّلناه عقائد ما دارتْ بخَلَده قط!!
* قال ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ: «وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُكَفِّرُ إلَّا مَنْ كَفَّرَنِي، وَرُبَّمَا خَفِيَ سَبَبُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَحَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهِ الصَّحِيحِ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ: أَنَّهُ قَدْ لَمَحَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ – وَلَيْسَ كَذَلِكَ -؛ رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ، وَكَذَلِكَ قَالَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» وَكَأَنَّ هَذَا الْمُتَكَلِّمَ يَقُولُ: الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ الْكُفْرُ لِأَحَدِ الشَّخْصَيْنِ: إمَّا الْمُكَفِّرُ، أَوْ الْمُكَفَّرُ، فَإِذَا أَكْفَرَنِي بَعْضُ النَّاسِ؛ فَالْكُفْرُ وَاقِعٌ بِأَحَدِنَا، وَأَنَا قَاطِعٌ بِأَنِّي لَسْتُ بِكَافِرٍ، فَالْكُفْرُ رَاجِعٌ إلَيْهِ». اهـ([173])
* وقد نقل كلامَه تاج الدين الفاكهاني ـ رحمه الله ـ ثم قال: «قلت: وهذا تقديرٌ حسن، وتفسير بيِّنٌ، واللَّه أعلم». اهـ([174])
* ونقله أيضاً ابن الملقن ـ رحمه الله ـ ثم قال: «هذا آخر كلام الشيخ، وهو من النفائس». اهـ([175])
واليوم نرى الجهلة -وإن لَبِسُوا لباس أهل العلم- الذين لا يفهمون كلام أهل السنة في هذا الباب الخطير، ولا يُفَرِّقون فيه بين العموم والمعَيَّن، أو لا يُفَرِّقون بين النوع والواحد؛ ينسبون إلى أهل السنة ما هو مخالف لما عليه أئمتهم؟ لأن العلماء يرون أنه قد يقول الرجل كلمة الكفر ولا يَكْفُر، وقد يقع الرجل في البدعة ولا يكون مبتدعًا، بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن الرجل قد يقع في البدع بقصد الخير، أو بقصد الدفاع عن الدين، فيكون مأجورًا بنيته، ويُنْكَر عليه فِعْلُه أو قَوْلُهُ الذي خالف فيه الدليل!!
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كما في «مجموع الفتاوى»([176]): «وكثيرٌ من مُجْتَهِدِي السلف والخلف قد قالوا وفَعَلُوا ما هو بدعة، ولم يَعْلَمُوا أنه بِدْعة: إما لأحاديثَ ضعيفةٍ ظنوها صحيحةٍ، وإما لآياتٍ فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأْيٍ رَأَوْهُ، وفي المسألة نصوصٌ لم تبلُغْهم، وإذا اتقى الرجلُ رَبَّهُ ما استطاع؛ دخل في قوله: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ] {البقرة:286} وفي «الصحيح» أن الله قال: «قد فَعَلْتُ» وبَسْطُ هذا له موضع آخر». اهـ
وقال في «الفتاوى الكبرى»([177]): «وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ؛ بَلْ دَفْعَ التَّكْفِيرِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَخْطَئُوا: هُوَ مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّةِ؛ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ دَفْعَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْقَائِلِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ حِمَايَةً لَهُ، وَنَصْرًا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ؛ لَكَانَ هَذَا غَرَضًا شَرْعِيًّا حَسَنًا، وَهُوَ إذَا اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فِيهِ فَأَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ». اهـ
وقال في «الفتاوى الكبرى»([178]): «وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَتَلَخَّصُ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ الَّذِي لَهُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمٌ صَالِحٌ وَآثَارٌ حَسَنَةٌ، وَهُوَ مِنْ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِمَكَانَةٍ عُلْيَا، قَدْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ هُوَ فِيهَا مَعْذُورٌ، بَلْ مَأْجُورٌ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، مَعَ بَقَاءِ مَكَانَتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمُنَاظَرَةِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: كُنَّا بِالْكُوفَةِ، فَنَاظَرُونِي فِي ذَلِكَ يَعْنِي -النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ-، فَقُلْت لَهُمْ: تَعَالَوْا، فَلْيَحْتَجَّ الْمُحْتَجُّ مِنْكُمْ عَنْ مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِالرُّخْصَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الرَّدُّ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِشِدَّةٍ صَحَّتْ عَنْهُ؛ فَاحْتَجُّوا، فَمَا جَاءُوا عَنْ أَحَدٍ بِرُخْصَةٍ إلَّا جِئْنَاهُمْ بِشِدَّةٍ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ فِي يَدِ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَلَيْسَ احْتِجَاجُهُمْ عَنْهُ فِي شِدَّةِ النَّبِيذِ بِشَيْءٍ يَصِحُّ عَنْهُ، إنَّمَا يَصِحُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْبِذْ لَهُ فِي الْجَرِّ إلَّا حَذِرًا، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: فَقُلْت لِلْمُحْتَجِّ عَنْهُ فِي الرُّخْصَةِ: يَا أَحْمَقُ، عُدَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، لَوْ كَانَ هَاهُنَا جَالِسًا، فَقَالَ: هُوَ لَك حَلَالٌ، وَمَا وَصَفْنَا عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابِهِ فِي الشِّدَّةِ؛ كَانَ يَنْبَغِي لَك أَنْ تَحْذَرَ، أَوْ تَجُرَّ، أَوْ تَخْشَى، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَسَمَّى عِدَّةً مَعَهُمَا، كَانُوا يَشْرَبُونَ الْحَرَامَ؟ فَقُلْت لَهُمْ: دَعُوا عِنْدَ الِاحْتِجَاجِ تَسْمِيَةَ الرِّجَالِ، فرُبَّ رَجُلٍ فِي الْإِسْلَامِ مَنَاقِبُهُ كَذَا وَكَذَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُ زَلَّةٌ، أَفَلِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَا؟ فَإِنْ أَبَيْتُمْ؛ فَمَا قَوْلُكُمْ فِي عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ؟ قَالُوا: كَانُوا خِيَارًا، قُلْت: فَمَا قَوْلُكُمْ فِي الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ، فَقَالُوا: حَرَامٌ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إنَّ هَؤُلَاءِ رَأَوْهُ حَلَالًا، فَمَاتُوا وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْحَرَامَ.؟، فَبَقُوا، وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَآنِي أَبِي وَأَنَا أَنْشُدُ الشِّعْرَ، فَقَالَ: لَا يَا بُنَيَّ، لَا تُنْشِدْ الشِّعْرَ، فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَتِ، كَانَ الْحَسَنُ يُنْشِدُ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُنْشِدُ، فَقَالَ لِي: أَيْ بُنَيَّ، إنْ أَخَذْتَ بِشَرِّ مَا فِي الْحَسَنِ وَبِشَرِّ مَا فِي ابْنِ سِيرِينَ؛ اجْتَمَعَ فِيك الشَّرُّ كُلُّهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَّةِ مِنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا لَهُمْ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيهَا السُّنَّةُ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَا يُحْصَى، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَغُضُّ مِنْ أَقْدَارِهِمْ، وَلَا يُسَوِّغُ اتِّبَاعَهُمْ فِيهَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {النساء:59}». اهـ
* وقال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في «إعلام الموقعين عن رب العالمين»([179]): «وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ الْآخَرِ، وَهُوَ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، وَتَنْزِيهِهِ عَنْ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ الْمُنَاقِضَةِ لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ، الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ، وَبَيَانُ نَفْيِهَا عَنْ الدِّينِ، وَإِخْرَاجِهَا مِنْهُ، وَإِنْ أَدْخَلَهَا فِيهِ مَنْ أَدْخَلَهَا بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ فَضْلِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمَقَادِيرِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، وَأَنَّ فَضْلَهُمْ وَعِلْمَهُمْ وَنُصْحَهُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لَا يُوجِبُ قَبُولَ كُلِّ مَا قَالُوهُ، وَمَا وَقَعَ فِي فَتَاوِيهِمْ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَقَالُوا بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ، وَالْحَقُّ فِي خِلَافِهَا؛ لَا يُوجِبُ إطْرَاحَ أَقْوَالِهِمْ جُمْلَةً، وَتَنَقُّصَهُمْ وَالْوَقِيعَةَ فِيهِمْ؛ فَهَذَانِ طَرَفَانِ جَائِرَانِ عَنْ الْقَصْدِ، وَقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُمَا، فَلَا نُؤَثِّمُ وَلَا نَعْصِمُ، وَلَا نَسْلُكُ بِهِمْ -أي الأئمة الأربعة- مَسْلَكَ الرَّافِضَةِ فِي عَلِيٍّ، وَلَا مَسْلَكَهُمْ فِي الشَّيْخَيْنِ، بَلْ نَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ أَنْفُسِهِمْ
– يعني الأئمة الأربعة- فِيمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُؤَثِّمُونَهُمْ وَلَا يَعْصِمُونَهُمْ، وَلَا يَقْبَلُونَ كُلَّ أَقْوَالِهِمْ وَلَا يُهْدِرُونَهَا». اهـ
* وقال الحافظ الذهبي رحمه الله في «السير»([180]): «ثم إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كَثُرَ صوابه، وعُلِمَ تَحَرِّيهِ للحقِ، واتَّسَعَ عِلْمُه، وظَهَر ذكاؤه، وعُرِفَ صلاحُه وورعُه واتّباعُه؛ يُغفَرُ له زَلَلُهُ، ولا نُضَلِّلُهُ، ونَطْرَحُه ونَنْسَى محاسِنَهُ، نعم: ولا نَقْتَدِي به في بدعته وخطئه، ونرجو التَّوبة من ذلك».
* وقال أيضاً -رحمه الله-([181]): «ولو أنَّا كلَّما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له؛ قُمْنَا عليه، وبدَّعْناه، وهَجَرْناه؛ لما سَلِمَ معنا لا ابنُ نصر ولا ابنُ منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخَلْقِ إلى الحقِّ، وهو أرحم الرَّاحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة». اهـ
* وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ في (شريط محاورة هاتفية مع أهل الجزائر: تسجيلات ابن رجب بالمدينة)، عمن بدَّع بعض أهل العلم من أهل السنة لمخالفته في مسألة واحدة، فقال -رحمه الله-: «لو فرضنا قال قائل بمسألة واحدة من مذهب الإرجاء، هل يَصِحُّ أن نُسَمِّيهِ مُرجئًا؟ الجواب: لا…، كما أنه لو أن أحداً من فقهاء الحنابلة أخذ بقول الشافعية بمسألة من المسائل؛ لا نقول: إنه شافعي، كذلك لو أن أحداً أخذ بمسألة واحدة من مسائل الأشاعرة، لا نقول: إنه أشعري، إذا أردنا أن نقول، نقول: هو قال بهذا القول، وهو قول الأشاعرة، فلا نُلْحقه هو بالأشاعرة، وهذه مسألة ينبغي التفطُّنُ لها؛ لأن بعض الناس أيضاً أخطأ في ابن حجر والنووي وأشباههما، حين تأولوا في الصفات، فقالوا: هؤلاء أشاعرة، وأطلقوا، لم يقولوا: قالوا بقول الأشاعرة في هذا الباب!!
الأشاعرة لهم مذهبٌ مستقلٌّ في باب الصفات، وفي باب الإيمان، وفي باب الأفعال؛ أفعال العباد، وفي القضاء والقدر، فَلْيَنْتَبِهْ الشباب لهذه المسألة». اهـ
* وقال ـ رحمه الله ـ في «القواعد المثلى»([182]): «ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشعري قَدَمَ صِدْقٍ في الإسلام، والذبِّ عنه، والعنايةِ بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- روايةً ودرايةً، والحرصِ على نَفْعِ المسلمين وهِدَايَتِهِم؛ ولكن هذا لا يستلزم عِصْمَتَهُم من الخطأ فيما أخطئوا فيه، ولا قَبُولَ قَوْلِهِم في كل ما قالوه، ولا يَمْنَعُ من بيان خطئهم ورَدِّهِ لما في ذلك من بيان الحقُّ وهدايةِ الخلقِ، ولا نُنْكِر أيضاً أن لبعضهم قَصْداً حَسَناً فيما ذهب إليه، وخَفِيَ عليه الحقُّ فيه، ولكن لا يَكْفي لقبول القول حُسْنُ قَصْدِ قائله، بل لا بد من أن يكون موافقاً لشريعة الله -عز وجل-، فإن كان مخالفاً لها؛ وَجَبَ رَدُّه على قائله، كائناً من كان لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أَمْرُنا؛ فهو رَدٌّ» ثم إذا كان قائله معروفاً بالنصيحة والصِّدْق في طَلَب الحقِّ؛ اعْتُذِرَ عنه في هذه المخالفة، وإلا عُومِلَ بما يَسْتَحِقُّهُ بسوء قَصْدِهِ ومخالفته. اهـ
وأيضًا: فهؤلاء المقلدة الغلاة في تقليد كبيرهم لا تجدهم يُفَرِّقون بين الخطأ في المسائل الجلية والخطأ في المسائل الخفيّة، فالأُولى أدلتها قطعية، وأحكامها مشهورة بين عموم الأمة، والثانية لا يكاد يعرفها إلا خواص طلاب العلم، والعلماء يُفَرِّقون في الأحكام بين الواقع في المخالفة للمسائل الأولى والواقع في المخالفة للمسائل الثانية.
وأيضًا: فالعلماء يُفَرِّقون بين المسائل التي يكون الفعل أو القول فيها مناطَ الكُفر وعِلَّته، فهو كُفْر بذاته، وبين المسائل التي يكون الفعل والقول فيها أمارةً على الكفر، وليس كفرا بذاته، ومتى يُعْذَر الواقع في هذه المسائل أو تلك، ومتى لا يُعْذر، وهل يلزم من الإجماع على حكم من الأحكام أن يكون من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة أن تكون مخالفته كفْرا بإطلاق؟
وإذا سلمنا بأن هؤلاء المقلدة يعرفون هذه المسائل بتفصيل دقيق؛ فهم في أمْرٍ مريج في تطبيقها وتنزيلها في الواقع، ولذا تطيش ألسنتهم وأقلامهم في عباد الله دون علم ولا ورع، ويعتمدون في كثير من أحكامهم على الأشخاص بما يدّعون عليهم بأنهم يُضْمِرون كذا، وأن قلوبهم خبيثة، وأنهم يُبْطِنون شيئًا ويظهرون خلافه، كل هذا لإقناع من استحوذوا عليهم بزخارفهم وشبهاتهم!!
ولو كان أتباعهم قد رُبُّوا على منهج السلف مفصَّلا؛ لقالوا: أين قال فلان القول المخالف لحُكْم كذا في كُتبه أو مجالسه؟ فإن الموجود في كتبه عكس ما تقولون!! ولو قالوا لهم ذلك؛ لقال هؤلاء المتمسّحون بالعلماء: نحن أَعْرَفُ بقصده منكم، وقد صَدَقَتْ فراستُنا في غير واحد، وأَثْبَتَتْ الأيامُ صِحَّة ما قلنا فيه!! فخُذوا بفراستنا وتخميننا هذه المرَّة أيضا!! هكذا يوهمون أنفسهم، ومن ابْتُلِي بتقليدهم بأنهم على الحق، وأنهم أَوْلى به من غيرهم، وأن لهم فراسة صادقة، والواقع يدلّ على عكس ذلك؛ فكم خابت أحكامهم على أنفسهم وعلى غيرهم، والدليل على ذلك تفرقُهم فيما بينهم، فيمدحون من كانوا يذمون، ويذمون من كانوا يمدحون!!؛ اللهم إلا ادعاءهم لغيب القلوب، التي لا يعلمها إلا الله!!
o
p













