كتب للقراءة

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

( الحكم على الناس بالظاهر )

هذا؛ مع أن من أصول أهل السنة: أنهم يَحْكُمون بالظاهر، ويَكِلُون البواطن والسرائر إلى الله رب العالمين.

وهذا الأصل من الأصول العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام، أو دعاوي لا يملكون عليها بينات وبراهين، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده، ومن باب تكليفهم بما يُطيقون ويستطيعون.

* فقد قال الإمام الشاطبي – رحمه الله – مبيناً أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله:

«إن أَصْلَ الحُكْم بالظاهر مقطوعٌ به في الأحكام خُصوصاً، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عُموماً؛ فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي؛ يُجْرِي الأمورَ على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، و إن عَلِمَ بَوَاطِنَ أحوالهم، ولم يَكُنْ ذلك بِمُخْرِجِهِ عن جَرَيان الظواهر على ما جَرَتْ عليه، لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: (خوفاً من أن يقول الناس: إن محمداً يَقْتُلُ أصحابه).

فالعلة أمر آخر، لا ما زَعَمْتَ، فإذا عُدِمَ ما عُلِّلَ به؛ فلا حَرَجَ؛ لأنا نقول: هذا أَدَلُّ الدليل على ما تقرر؛ لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يُحْفَظَ ترتيبُ الظواهر؛ فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قَتْلَهُ بغير سبب ظاهر، بل بمجرد أمر غيبي؛ ربما شَوَّشَ الخواطر، ورَانَ على الظواهر، وقد فُهِمَ من الشرع سَدُّ هذا الباب جملةً، ألا ترى إلى باب الدعاوي، المُسْتَنَدِ إلى أن «البينةَ على المُدَّعِي، واليمينَ على من أَنْكَر»، ولم يَسْتَثْنِ من ذلك أحداً، حتى أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يَشْهَد لي؟ حتى شَهِدَ له خُزيمةُ بن ثابت؛ فجعلها اللهُ شَهَادَتَيْنِ، فما ظَنُّكَ بآحاد الأمة، فلو ادَّعي أَكْذَبُ الناس على أَصْلَحِ الناسِ؛ لكانت البينةُ على المُدَّعِي، واليمينُ على من أَنْكَرَ، وهذا من ذلك، والنَّمَطُ واحدٌ، فالاعتبارات الغيبية مُهْمَلَةٌ بحسب الأوامر والنواهي الشرعية». اهـ([183])

( الأدلة على الحكم بالظاهر ):

واستند أهل السنة في تقريرهم لهذا الأصل العظيم إلى أدلة كثيرة منها:

1 – قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ] {النساء:94}.

* قال الشوكاني -رحمه الله-: «والمراد هنا: لا تقولوا لمن أَلْقَى بيده إليكم، واسْتَسْلَم: لَسْتَ مؤمناً؛ فالسِّلْم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل: هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن أَلْقَى إليكم التسليم، فقال: السلام عليكم: لَسْتَ مؤمناً، والمراد: نَهْيُ المسلمين عن أن يُهْمِلُوا ما جاء به الكافر مما يُسْتَدَلُّ به على إسلامه، ويقولوا: إنه إنما جاء بذلك تَعَوُّذاً وتَقِيَّةً». اهـ([184])

2 – واستدلوا أيضًا بقوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشْهَدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله، ويقيموا الصلاةَ، ويُؤتوا الزكاةَ، فإذا فَعلوا ذلك؛ عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحِسَابُهم على الله».([185])

والشاهد من الحديث قوله: «وحسابهم على الله».

* قال ابن رجب -رحمه الله-: «وأما في الآخرة فحسابه على الله -عز وجل-، فإن كان صادقاً؛ أَدْخَلَهُ الله بذلك الجنة، و إن كان كاذباً؛ فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار». اهـ([186])

* وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله– في «الفتح»: «أي أمر سرائرهم.. إلى أن قال -رحمه الله-: وفيه دليلٌ على قَبول الأعمال الظاهرة، والحُكْمِ بما يَقْتَضِيه الظاهِرُ». اهـ([187])

* وقال الإمام البغوي -رحمه الله-: «وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضاً إنما تَجْري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، و أن من أظهر شِعَار الدين؛ أُجْرِيَ عليه حُكْمُهُ، ولم يُكْشَفْ عن بَاطِنِ أَمْرِهِ، ولو وُجِدَ مختونٌ فيما بين قَتْلى غُلْفٍ؛ عُزِلَ عنهم في المَدْفَن، ولو وُجِدَ لَقِيطٌ في بلد المسلمين؛ حُكِمَ بإسلامه». اهـ([188])

والعلماء عندما يَذْكُرون حديث: «من قال لأخيه: يا كافر»؛ يستدلون به على أن من قال للسُّني: أنت مبتدع؛ فالحكم هو الحكم، ومن فسَّق العدل وقال له: يا فاسق؛ فالحكم أيضا كذلك، إلا من كان متأوِلًا، وله أهلية النظر والتأويل، مع القصد الحسن؛ ففي هذه الحالة يكون مغفورًا له خطؤه، مثابًا على قَصْدِه الحقَّ، وإن كان لا يُقرُّ على قول الخطأ.

* قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: «وَفَائِدَةُ هَذَا الْحَدِيثِ: «النَّهْيُ عَنْ تَكْفِيرِ الْمُؤْمِنِ وَتَفْسِيقِهِ، قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وجل- [ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ] {الحجرات:11}، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، يَا فَاسِقُ». اهـ([189])

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: «وهذا يقتضي أن من قال لآخر: أنت فاسق، أو قال له أنت كافر؛ فإن كان ليس كما قال؛ كان هو المستَحِقَّ للوصف المذكور وأنه إذا كان كما قال؛ لم يرجع عليه شيء؛ لكونه صَدَقَ فيما قال؛ ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقًا ولا كافرًا أن لا يكون آثمًا في صورة قوله له: أنت فاسق، بل في هذه الصورة تفصيل: إن قَصَدَ نُصْحَهُ، أو نُصْحَ غيره ببيان حاله؛ جاز، وإن قَصَدَ تَعْيِيرَهُ، وشُهْرَتَهُ بذلك، ومَحْضَ أذاه؛ لم يَجُزْ؛ لأنه مأمور بالستر عليه، وتعليمه، وعِظَتِهِ بالحُسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق؛ لا يجوز له أن يَفْعَلَه بالعنف؛ لأنه قد يكون سببا لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل، كما في طَبْعِ كثير من الناس من الأنفة، لا سيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة». اهـ([190])

وإذا كان الكفر يعود على قائله في البريء منه -على تفاصيل في ذلك- فمن باب أولى عودة ما دونه من التبديع على قائله، ثم إن البدعة منها: المُكَفِّر، ومنها المُفَسِّق، والكفر والفسوق مذكوران في الحديث، فيشملان قذف الرجل أخاه بالبدعة، نَصًّا وقِياسًا، والله أعلم.

o

p