كتب للقراءة

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

التحذير من الغلو في التفسيق والتبديع والتكفير

( مخالفةُ الغلاة لما كان عليه كبارُ أهل العلم من المعاصرين )

وهؤلاء الذين يدّعون الانتساب الصافي إلى أهل السنة، لهم أقوال صريحة مخالفة لما عليه أهل السنة، وقد وصل ببعضهم الأمر بالغلو في التكفير للأعيان، دون مراعاة لما عليه أهل العلم سلفاً وخلفاً، وها هو أحدهم يستفتي أحد كبارهم في مقالات لرجل كان يعظِّمه من قبل، بل كان مُتَيَّما فيه، وكلاهما -التابع والمتبوع- من مثيري الفتن والشغب في مدينة «تعز» اليمنية، ولا حاجة لِذِكْرِ اسم الناقل ولا المنقول عنه، فها أنذا أذكر أقواله، ولسْتُ شامتا فيه، بل أسْتَدِلُّ بذلك على صحة ما حَذَّرْتُهُم من عاقبة ما هم عليه الآن، فمن ذلك: أن صاحب «تعز» يقول – حسب نقل صاحبه عنه- وقد كان ثقة جبلًا عنده وعند هذه الفرقة الغالية- فنقل عنه بعدما اختلف معه أنه كان يقول-:

  • إن أبا حنيفة كافرٌ، بل لم يدخل في الإسلام أصلًا!!
  • وإن الزنداني كافرٌ، ودجال من الدجاجلة!!
  • وإن سيد قطب كافر!!
  • ولا عذر للمخالف في التأويل!!
  • وأن السلف متناقضون؛ كيف يُبَدِّعون الراوي من أهل البدع، ثم يروون عنه؟!
  • قال: وعليه: فإذا وجدنا حديثًا في البخاري ومسلم، وفي سنده من اتُّهِم ببدعة؛ فإننا نرُّد حديثه، ولو كان في «الصحيح»!!
  • وليس هناك شروط وموانع في التكفير، مَن وقع في كُفْرٍ؛ فهو كافر بعينه، دون مراعاة شروط أو موانع!!

وقد جاء في جريدة «الشرق الأوسط» -كما مرَّ من قبل- في يوم الأحد بتاريخ (15/9/2002م) في العدد (8692) كلمة لمعالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله- تحت عنوان: الشيخ الفوزان يقول: (انتشار ظاهرة التفسيق عند شباب الأمة علامة فتنة)، ثم قال مندوب الجريدة:

«حَذَّر الشيخ الدكتور صالح الفوزان عُضْو هيئة كبار العلماء في السعودية من انتشار ظاهرة التفسيق والتكفير والتبديع بين أوساط الشباب المسلم، وأَكَّد في حديثه «للشرق الأوسط» أنها علامةُ فتنةٍ وبوابةُ شَرٍّ، وأوضح عُضْو هيئة كبار العلماء السعودي أن مِنْ سِمات هذه الظاهرة المُزْرية إشغالَ أنفسهم بالبحث عن عيوب الآخرين، وإظهارِها، ونَشْرِها حتى تُشْتَهَر، وأبان أن هذا منهجٌ خاطئ، له سلبياته العاجلة والآجلة.

فالسؤال من المندوب يقول: من الأمور المحزنة التي انتشرت في أوساط الشباب الإسلامي: ظاهرةُ التبديع والتفسيق والتكفير، كيف تَرَوْن هذه الظاهرة، وما أسبابُ انتشارها؟

* قال الشيخ -حفظه الله-: (نعم، ظَهَرَتْ في هذا الزمان وبين أوساط الشباب خاصة، وبين أوساط بعض المسلمين الذين يجهلون حقيقة الإسلام، بل تكون عندهم غَيْرَةٌ زائدة، أو حماسةٌ في غير محلها).

قال: (ظهرتْ عندهم ظاهرة التكفير والتفسيق والتبديع، وصار شُغْلَهم الشاغلَ في كل أمور حياتهم هذه الصفاتُ المذمومةُ من البحث والتنقيب عن المعايب، وإظهارِها حتى تَشْتَهِر).

قال: (وهذه علامةُ فتنةٍ، وعلامةُ شَرٍّ، نسأل الله –سبحانه وتعالى- أن يَقِيَ المسلمين شَرَّها، وأن يُبَصِّر شبابَ المسلمين بالطريق الصحيح، وأن يرزقهم العملَ على منهج السلف الصالح، والسيْرَ عليه، وأن يُبْعِدَ عنهم دعاةَ السوء).

ثم تكلم بعد ذلك -حفظه الله- على مرتكب الكبيرة، وأنواع الفسق، إلى غير ذلك بما لا صلة له بموضوعنا الآن.

فالشاهد أن هذا بعض كلام العلماء، فالذين يجلسون ويقولون: إن العلماء قد أجمعوا على تبديع فلان وهَجْرِهِ، ويكون هذا قول أربعة أو خمسة ممن يزعمون أنهم علماء من هذه الفرقة الزَّائغة!! وهؤلاء المُجْمِعون مقلدون وخائفون من تشهير كبار الغلاة بهم، ويرتجفون من ذلك، فليس لهم قول أصلا، فضلا عن صحة ما أجمعوا عليه!! هؤلاء لا يفهمون ما هو الإجماع الذي يحتجُّ به أهل العلم؟!

وهذه فتوى من «فتاوى اللجنة الدائمة» (5/15) جَمْع الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش، السؤال السادس من الفتوى (9636): سؤال: من مصادر التشريع في ديننا الإسلامي الحنيف بعد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة: الإجماع، فهل قراراتُ المَجْمَعِ الفقهيِّ الإسلاميِّ بمكة المكرمة، بمثابة إجماع علماء المسلمين؟

الجواب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:

«لا يُعْتَبر إجماعًا، وهكذا أمثاله من المجامع» انتهى.

توقيع عبد الله بن غديان (عضو) توقيع عبد الرزاق العفيفي (نائب الرئيس) توقيع: عبدالعزيز بن عبد الله بن باز (الرئيس)، -رحمهم الله الأموات جميعا-.

فتأمل قولهم: «لا يُعْتَبر إجماعًا، وهكذا أمثاله من المجامع» أي لا المجمع الفقهي ولا غيره من المجامع يُعَد قوله إجماعًا، فما هو وزْن الخمسة الغلاة هؤلاء أمام هذه المجامع؟ وكيف يرَوْن أنفسهم إجماعا، ومخالفَهم مخالفَ الإجماع؟! أليس هذا من المضحكات المُبْكِيات؟!

والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- استدل لهذه الفتوى، ووضَّح وجهها، فقال: (كثير من المجتهدين ومن العلماء الموجودين ما يشاركون في هذا المجمع)، أي: كثير من المجتهدين، وكثير من العلماء الذين عُرِفُوا بالفتيا في الأمة لا يشاركون في هذا المَجْمَع، فكيف ينعقد الإجماع مع عدم وجود بعض المجتهدين فيه؟ والإجماع أصلًا هو إجماع مجتهدي الأمة، وليس مجتهدي اليمن فقط -إن سلمنا أن خمستهم مجتهدون- ولا مجتهدي اليمن والسعودية فقط، ولا مجتهدي الجزيرة فقط، بل إجماع مجتهدي الأمة كلها، فكيف وهؤلاء المتمسحون بمنهج السلف -في كثير من الأمور- ليسوا بمجتهدين أصلا، بل هم مقلدة -فيما ذهبوا إليه- لكبارهم في الغلوّ، وخائفون من مخالفتهم؛ كي لا يُحذِّروا منهم، بل كثير منهم يقول: الأدلة على تبديع أبي الحسن يعرفها الشيخ الفلاني، ونحن ننتظر منه أن يرسلها إلينا!! يقولون هذا، وهم يُبدّعون أبا الحسن، ويحذِّرون منه، بل ويُحذِّرون ممن لم يُبَدِّعْه، فهل هؤلاء مجتهدون أو مقلدة تقليدًا سائغا؟! وحَسْبهم -إن سكتنا عن كل بلاياهم- أن يكونوا طلاب علم؛ فأين الإجماع يا من لا يَدْرِي ما يَخْرُجُ من رأسه؟!

فهؤلاء يَضْحَكُون على عقول المساكين من العوام وأشباههم، ويضحكون على عقول الضعفاء الذين ما استأنسوا بالعلم، ولا استقْوَوْا بالأدلة والبراهين، أو استدفؤوا بها، أما يَسْتَحْيِي الرجل عندما يقوم ويخطب في الناس قائلا: عليكم بالعلماء، عليكم بالإجماع، وحال علمائه وإجماعه ما قد عَلِمْتَ؟!

وهذه فتوى لشيخنا الشيخ عبد المحسن العَبّاد –حفظه الله تعالى-، ونُشرت أيضًا في منتديات (الاستقامة) على شبكة الإنترنت، والتي يُشرف عليها بعض أتباع هؤلاء الغلاة، جاء فيها:

وفي ليلة السبت (20 رجب 1423هـ)، سئل شيخنا العَبَّاد -حفظه الله- السؤال التالي:

قال السائل: ما رأْيُ فضيلتكم فيمن يَتَسَرّع في التبديع والتفسيق بقول: «فلان أَخْبَثُ مَنْ في الأرض»، أو «أَضَرُّ العالَمين» لرجلٍ عُرِفَ بالمنهج السلفي والدعوة إليه، وله جهود مباركة في الدعوة إلى الله، ثم يَبْني على ذلك لُزومَ هَجْرِه، ومقاطعةَ مَنْ لم يُبَدِّعْه، ويجعلُ الخلافَ في الأشخاص خلافًا في المنهج؛ فيسَبِّبُ ذلك تفريقًا بين الشباب، وزرعًا للعداوة بينهم، فنرجو إفادتكم([196]).

فأجاب الشيخ -حفظه الله- وقال: «وهذا الذي ذُكِرَ من الأخطاء الواضحة، والواجبُ هو الاعتدالُ والتوسطُ في الأمور، والتحرزُ من آفات اللسان، وما يحصل بسببه ما لا تُحْمَد عُقباه».

قال: والنبي –عليه الصلاة والسلام- قال: «مَنْ يَضْمَنُ لي ما بين لِحْيَيْهِ وبين رِجْلَيْه؛ أَضْمَنُ له الجنة»، والمقصود بذلك اللسانُ والفرجُ، وكذلك قوله –عليه الصلاة والسلام- في وصيته لمعاذ: «وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم -أو قال على مَنَاخِرِهم- إلا حصائدُ ألسنِتَهِم».

فالواجب على الإنسان أن يتحرز من لسانه، وألا يُطْلِقَهُ فيما يعود عليه بالمضرة».

قال: «ثم أيضًا كونُ الشخص يحصلُ منه الخطأ، ثم يقال كما جاء في السؤال: (أَخْبَثُ من كذا)، و(أَخْطَر من كذا)؛ هذا أيضًا زيادة في كون الإنسان يَضُرّ نفسه بكونه يأتي بمبالغات، ويأتي بكلام لا يكون صحيحًا، ولا يكون مستقيمًا، ولا يكون مطابقًا للواقع».

قال: «ثم أيضًا ما يحصل بسبب ذلك من الفوضى، ومن إساءة الظن بالإخوان، بعضِهِم ببعض، ومن هَجْرٍ، وما إلى ذلك، كُلُّ هذا من الأمور التي هي مِنْ عَمَل الشيطان، والتي يَكيدُ فيها الشيطانُ للإنسان؛ فَيُوقِعُهُ في المهالك، ويُوقِعُهُ فيما يَعُود عليه بالمضرة».

قال: «والواجب: أن الإنسان يحاسب نَفْسَه، ويحفظُ لسانه، وآفاتُ اللسان شأنُها خطير، وأَمْرُها عظيم، ومن حق الإنسان أن يَحْفظ لسانه عن أن يتكلم بشيء يَعُود عليه بالضرر، وما يحصُل من بعض الإخوان من أهل السنة أنه يهتم بالنيل من بعض؛ هذا من الأمور التي فيها كَيْد الشيطان للإنسان، والكلام في بعضٍ، وتُصْرَفُ الجهود في ذلك، ويُتْرَكُ الأعداء الذين يُفْسِدون في الأرض ولا يُصْلِحون».

قال: «هذا من الأمور التي فيها كيد الشيطان للإنسان، بأن يَصْرِفَهُ عما ينبغي أن يكون عليه، وأن يَصْرِفَه إلى شيء ينبغي أن يَصُون نفسه عنه، ثم ما يترتب على ذلك من المبالغة في الكلام مثلِ الكلام المذكور».

وقد قال الأخ أنزل هذه الفتوى في الشبكة: «ثم أُقيمت صلاةُ العشاء في الحرم المدني، وقد أكمل الشيخ -سلمه الله- الجوابَ على السؤال السابق في الليلة التي تليها، ليلة إحدى وعشرين من رجب (1423هــ).

قال السائل: (جوابُ أَمْسِ، هل لكم فيه زيادة؟ قَطَعَتْ الإقامةُ دون إكمالِهِ، نرجوا من فضيلتكم الإجابةَ عما ورد في سؤال البارحة عن التسرع في التبديع والتفسيق لمن عُرف بسلامة العقيدة، وما يترتب على ذلك من الشحناء والهجر والخلاف، وجزاكم الله خيرًا).

فأجاب الشيخ -حفظه الله: (نعم، الواجبُ على كل مسلم أن يحتاط لنفسه، وألا يُقْحِم نفسه في أمور تَعُود عليه بالمضرة، بل الواجب هو التناصح بين المسلمين، وخاصةً أهل السنة والجماعة، يَنْصَح بعضُهم بعضًا، ويُحْسِن بعضُهم إلى بعض، ويتعاونون فيما بينهم على الخير، ويُحَذِّر بعضُهم بعضًا مما وقع فيه؛ ليرجع عنه، ولا ينقسم الناس بعد ذلك إلى من يُؤَيِّدُ هذا ضِدَّ هذا، أو هذا ضِدَّ هذا.

وإنما يكون الإنسان يحرِصُ على أن يكون الحقُّ هو ضالتُهُ، وأن يُحبَّ الخير لكل أحدٍ، وأن من أخطأ يُحبُّ منه أن يرجع، وأن حُصولَ الاختلاف، وشُغْلَ الأوقات فيما يَحْصُل بين أهل السنة والجماعة: من كلام بعضهم في بعض، ومتابعةِ طلبةِ العلم في ذلك، وانشغَالِهم به، يكون هو شُغْلُهم الشاغلُ؛ هذا لا يَليقُ بطالب العلم، بل على طالب العلم أن يحرص على الاشتغال بالعلم، وألا يَشْغَلَ نفسه بقال فلان أو قال فلان، ولا يجوز له أن يُتْبِع ذلك الذي اشتغل به من قول فلان أن يترتب على ذلك شحناء، أو أن يُتْبِعَ ذلك الذي اشتغل به، أو يترتب على ذلك شحناء وعداوة وهَجْر وتباغُضٌ، وتباعُدٌ.

فإن الواجب التناصح، والواجب الإحسان، كل واحد يُحْسِن إلى الآخر، ويُحِبُّ الخير لنفسه، ويَحْسُن التعاون على البر والتقوى.

وأما انقسام أهل السنة إلى متنازعِين ومتخاصِمِين، يتكلم بعضهم في بعض، ويُبَدِّع بعضُهم بعضًا، وينال بعضُهم من بعض، ويَهْجُر بعضُهم بعضًا؛ فهذا ليس فيه مصلحة، وإنما فيه مَضَرَّةٌ، وكان ينبغي أن تُشْغَل الأوقاتُ في الكلام على السنة والاشتغال بأعداء الإسلام، الذين يُفْسدون في الأرض ولا يُصْلحون.

وأما من كان من أهل السنة عنده خطأ؛ فإنه يُناصَحُ ويُجادَلُ بالتي هي أحسن، ويُحْرَصُ على هدايته وعلى تقريبه وعدمِ إبعاده ورَمْيِه ونَزْعه، فالواجب هو التوسطُ في الأمور، والاعتدالُ في الأمر، وعدمُ الإفراطِ والتفريطِ، وما يحصل من التفسيق والتبديع والهجر وما إلى ذلك؛ هذا من عمل الشيطان، وهذا من كَيْد الشيطان للإنسان، بل الواجب -كما أشرتُ- هو الاشتغالُ بالعلم، وعدمُ الانشغال بمتابعة ما يحصل بين أهل السنة من كلام بعضهم في بعض؛ لأن ذلك يَشْغَلُ عن العلم، ويترتب عليه أمورٌ منكرة، مثل ما أَشَرْتُ إليه من حصول الهجر من بعضهم لبعض، وهذا غَلَطٌ.

ولو كان كل مَنْ حَصَل منه خطأ يُهْجَر، أو يُهْجَر من يقرأ في كُتبه، أو يَسْمَع كلامَهُ؛ ما يَسْلَمُ أحدٌ من الخطأ، بعضُ العلماء حَصَل منهم أخطاء، والناس ما هجروهم، ولا تركوهم، ولا تركوا كُتبهم، وإنما استفادوا منهم، والخطأ يُرَدُّ على صاحبه، لكن لا يكون ذلك سببًا في انقسام الناس إلى أقسام أو أحزاب، كل واحدٍ يكون مع شخص، هذا ضِدُّ هذا، وهذا ضِدُّ هذا، فهذا من كيد الشيطان.

وينبغي للإنسان أن يَبْتَعِد عن أن يَقَع في مثل هذه الأمور التي تَضُرُّ ولا تَنْفَع، بل الإنسان يشتغلُ بالعلم، ويترك الاشتغالَ بمتابعة ما قال فلان، وما قال فلان؛ فإن هذا من كيد الشيطان للإنسان، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل).

انتهت فتوى صاحب الفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد –حفظه الله تعالى-.

قال الكاتب: وفي ليلة الأحد إحدى وعشرين من رجب سنة 1423، سئل شيخنا العباد السؤال التالي: هل القول بأن فلانًا لا تُخْطِئُ له فِراسةٌ، وإذا قال في أحدٍ جرحًا أو تعديلًا؛ فإنه يقع، هل هذا يُعتبر رَجْمًا بالغيب؟

  • قلت: هكذا يقول الغلاة في شيخهم وكبيرهم!! –

* قال: فأجاب الشيخ -حفظه الله-: «هذا الكلامُ ليس بمستقيم، نعم، قد يكون بالإنسان فِراسة، وأنه يُصيب كثيرًا، لكن كونه لا يخطئ، وأنه دائمًا وأبدًا كذلك؛ فهذا كلام غير مستقيم، وإذا جَرَح أحدًا عن عِلْم؛ فهو كغيره، لكن بعض الناس -كما هو معلوم- أشد تثبتًا بعضهم من بعض، مثل ما قال الذهبي –رحمه الله- في كتابه «من يعتمد قوله في الجرح والتعديل»، لما ذكر يحيى بن سعيدٍ القطان وابن مهدي، وأشار إلى تمكنهما في الجرح والتعديل، وقال: إذا جرحا شخصًا؛ فلا يكاد يَنْدَمِلُ جُرْحُه، يعني معناه: أنهما يصيبان، ومعناه أن الجرح قد حصل، وأنهما مصيبان.

لكنه كما هو معلوم: كلٌّ يصيب ويخطئ، (ولا تكاد تُخْطِئ له فِراسة) معناه: أن صوابه كثير، هذا ما أقول، وأما كونه يقال عن شخص: إنه لا يخطئ، لا، ما أحد يَسْلَم من الخطأ» انتهى.

* قلت: وفي هذا ردٌّ على من أنزلوا شيخهم وكبيرهم في الغلوّ منزلة المعصوم، وكلام شيخنا العبّاد -حفظه الله- كان بسبب الفتنة التي أثارها كبير هؤلاء الغلاة، وانقسم طلاب العلم بسببها، ويوجد عندنا في اليمن ذَنَبٌ آخرُ يَدَّعي لنفسه هذه المنزلة، وأنه صاحب فراسة صادقة، وأن فلاناً سيكون كذا وكذا، أو سيكون مثل فلان المنحرف!! فلا أدري: أهؤلاء انكشف لهم الغيب، واطلعوا على ما يُخْتَم به لفلان أو فلان؟ هل يعلمون أنهم سيبْقَوْن على الحق -إن كانوا هم عليه الآن- وخصمهم على الباطل؟ ألا يَدْعُون ربهم: يا مقلِّبَ القلوبِ والأبصارِ، ثبِّتْ قلوبنا على طاعتك، فيكون ذلك خيراً لهم من هذه الفراسة الكاذبة، والوسوسة التي تفتنهم وتصدهم عن السبيل؟!

o

p