(شروط وأوصاف الداعية إلى الله )
وهنا فائدة من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمة الله عليه- وكان الشيخ محمد بن إبراهيم -كما هو معروف- رئيس القضاة، وكان مفتي عام المملكة العربية السعودية -حفظها الله وجميع بلاد المسلمين- وكان الدعاة لا يُصَرَّح لهم بالدعوة في المناطق إلا بتزكيةٍ منه، أو من نائِبِه، وهذا أمرٌ فيه مصلحةٌ كبيرةٌ من جهة ضبط الأمور من الفوضى، وخشيةَ أن كُلَّ إنسان يتكلم بما عنده، فيقع الناس -والعياذ بالله- في اضطرابات واختلافات لا تُحْمد عقباها.
فطُلب من الشيخ أن يأذن لرجلين ليقوما بالدعوة إلى الله احتسابًا في قبيلتهما، فالشيخ اشترط لذلك شروطًا:
1- أن يكونا من أهل العقيدة الصحيحة.
2- أن يكونا من أهل المعرفة بدعوة أهل السنة والجماعة.
3- أن يكونا من أهل المعرفة بالمصالح والمفاسد.
4- أن يكونا من أهل المعرفة بالتعقل والرزانة والتسكين؛ تسكين الأمور وتهدئتها.
فإن كانا كذلك؛ فَيُولَّيَان الدعوةَ، وإلا فلا، وأريد أن أنظر في هذه الشروط، والفرق بينها وبين الحال الموجود الآن؛ ليعرف الناس ما هي نظرة العلماء للدعاة، ولينظروا في واقع هؤلاء الغلاة الآن -في القضايا المتنازَع فيها معهم- وإن كانوا لهم جهود مشكورة في جوانب أخرى، تقبَّلها الله مِنَّا ومنهم.
أما أن يقول أحدهم -وقد مات غفر الله لنا وله-: ليس من المعقول أن أبا الحسن يكون على الحق، وهؤلاء العلماء على الباطل!!
فيا ترى، من هم هؤلاء العلماء الذين يقصدهم هذا القائل؟
وهل هذا دليلٌ يستدل به طالب عِلْم؟ وهل هذا الدليل مقبول في الميزان العلميّ؟
هل هذا دليل يُرد به الحق، وتُرد به النقولات العلمية، والأدلة من كلام الله -جل شأنه- وكلام نبيه –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكذلك أقوال أهل العلم، الذين هم تاج رؤوسنا؟ وهل يكون العقل عاقلا إلا إذا عقل عن الله -جل قدره- وعن رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ صدق الله القائل: [ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ] {الرعد:17}.
* قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمة الله عليهم- كما في «مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم»([197]):
«من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكَّرم فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الرشيد قاضي «المندق» -سلمه الله- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقد وردنا خطاب من المدعو علي بن عبد الله الحمراني، ومرسي بن عمر زهراني، يَذْكُران فيه أنهما قد قاما منذ سنتين تقريبًا بنشر الدعوة في قبائلهما، وإرشادِ الناس إلى التوحيد، وتحذيرِهم من الشرك والمعاصي، تَطَوُّعًا لوجه الله -تعالى-، وابتغاءً لما عنده، وأنهما قد أسَّسَا مركزًا يَضُم مجموعة من أهل الدين والتقوى والصلاح في قبائلهم لتوجيه الناس إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك لمؤازرتك وتَعْضِيدِك، ويَطْلُبان مِنَّا أن نتوسَط لهما لدى جلالة الملك –حفظه الله- بالإذن لهما وإجازتهما على أن يكونا دعاةً في قبائلهما إلى الخير، وتوجيههم إلى ما فيه نجاتُهم من غضب الله وعقابه، وذلك تطوعٌ منهما، ويَطْلُبان تَعْمِيدَ مَنْ يَلْزَمُ من المسؤولين في بلادهم بمؤازرتهم».
قال: «فأنتم أفيدونا عن ديانة وتَقْوى المذكورَيْن، وتَمَسُّكِهما بالقواعد الشرعية قولًا وعملًا، ومعرفتهما بالدعوة إلى الله –سبحانه وتعالى-، وطُرقها، وقواعدها الموضَّحة في كتاب الله وسنة رسوله –عليه الصلاة والسلام-، ومكانتهما في معرفة المصالح والمفاسد، ومراعاة التَّسْكِين، والتَّعَقُّل، والرزانة، وفق الله الجميع إلى الخير والصلاح، والسلام عليكم». اهـ
فانظروا إلى هذا الشرط العظيم!!
نعم، لا يكون داعية مُصْلِحًا، إلا أن يفهم هذا الأمر، ليس الفقيه الذي يعلم أن هذا خير وذاك شرٌّ، خاصة في هذا الزمان؛ إنما الفقيه الذي يعرف خير الخيريْن فيتبعه، وشَرَّ الشريْن فيجتنبه، لاسيما كلما بَعُدَ العهدُ بالناس عن آثار النبوة، وطال العهد بيننا وبين عهد السلف الصالح؛ فإن الجهل ينتشر، ويقِلُّ العلم، ويختلطُ الحق بالباطل على كثير من الناس، والمصلحةُ بالمفسدة، وقَلَّما تفعل خيرًا إلا ويخالطه شيءٌ من الشر، وقَلَّما تترك شرًّا إلا وتترك معه بعض الخير، فلابد من فقه باب المصالح والمفاسد وتلازمهما وتزاحمهما، والموازنة بينهما، وتغليب ما فيه مصلحة غالبة، أو يُقَلِّلَ الشر، وإن لم يُزِلْه بالكلية.
فعن سفيان بن عيينة قال: قال عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: «لَيْسَ العَاقِلُ مَنْ يَعْرِفُ الخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ خَيْرَ الخَيْرَيْنِ، وشَرَّ الشَّرَّيْنِ».([198])
وتأمل قوله: (ومراعاة التسكين، والتعقل، والرزانة) أي تهدئة العامة، وعدم إثارة الأمور التي تُحْدِث الفتن بين الناس، والنظر إلى مآلات الأمور، وترك الكلام فيما لا تبلغه عقول المخاطَبين، والكلام مع كل مستوى بما يناسبه، فإنك ربما تتكلم في مسألة فتُحدث فتنة، وربما تفتي فتوى؛ فتورث -والعياذ بالله- مقتلة عظيمة، أو مَجْزَرة دامية بسبب هذه الفتوى، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى معاذًا أن يُبَشِّرُ الناس مخافةَ أن يَتَّكِلُوا([199])، وأيضا أنكر عمر على أبي هريرة أن يُحَدِّث الناس بفضل من قال: لا إله إلا الله، وأقره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بقوله لأبي هريرة: «خَلِّهم يعملون»([200]).
فلابد -يا طالب العلم- أن تنظر في هذه الفتوى وشروطها وما يُفْضي إلى تسكين الأمور، ولا تكون بوابة الفتن، وإلا فتكون مغلاق خير مفتاح شرٍ على الناس، هذ من شروط الداعية، فلا حماقة، ولا طيش، ولا خفة، ولا رعونة، ولا تشنج، ولا انتصار للنفس، ولا شماتة فيمن خالفك… وغير ذلك من الصفات المذمومة في آحاد الناس، فكيف بالداعية، ونحن نجد هذا أو كثيرًا منه موجودًا في كثيرٍ من المخالفين، بين مُقِلٍّ ومُسْتكْثر، هدانا الله وإياهم إلى سواء الصراط!!
أين هؤلاء من الشروط التي طلبها الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- في الداعية؟ فتجد أحدهم -مثلا- يحرص على الصلاة في النعال دون أن يعلِّم الناس ما ورد في ذلك، بل بلغني أن أحدهم قام يخطب على منبر، وقد لبس نَعْلا عسكرية طويلة العنق؛ ليراه من في المسجد من أي جهة، ويَظُنُّ هذا المسكين أنه يُحيي بذلك السنة، وهذا الأمر إذا كانت عقول الناس لا تحتمله، وربما حَصَلَتْ بسببه فوضى في المساجد، وقد نُهينا عن هَيْشات الأسواق فيها([201])؛ فالإبقاءُ على سلامة قلوب الناس، وتماسك صفوفهم مُقَدَّمٌ على مجرد إحياء السنة بالصلاة في النعال، فالواجب مُقَدَّمٌ على السنة، وغاية الصلاة في النعال أن هناك من قال بوجوبها لظاهر الأمر، ولو سلمنا بذلك؛ فسلامة قلوب الناس من القيل والقال، وسيئ الأفعال، وقد تفضي الخلافات في ذلك إلى القتال؛ فالسلامة من ذلك أوجب، وتعليم الناس هذه السنة يكون بالفتاوى النظرية، والمناقشات العلمية، حتى يتقبلوا هذا الأمر، فأين هذا الفقه من داعية من هذه الفِرْقة الغالية يقول: لو كنتُ في باب اليمن؛ لصليْتُ بنعلي!! وباب اليمن هو أكثر مناطق صنعاء ازدحاماً ما بين الداخلين للسوق والخارجين منه، وهذا -إن وقع- ربما أدى إلى فتنة أحد العوام، والمبادرة بطعن من يصلي بنعله، فهل هذا المفتي يفقه قواعد العلماء في تسكين الدهماء؟!!
ولذلك ترى الواحد منهم إذا استلم مسجدا من المساجد يُصلي فيه بالناس، يبدأ بالسنن التي يجهلها العامة، ويَنْفُرون منها؛ فإذا بدأ بها؛ ثار عليه العوام، فيظن أنه مُبْتًلًى في سبيل الله، ويقول: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {العنكبوت:2}؟؛ هذا ابتلاء، ويصبر ويكابد في هذا الأمر!!! فإذا طردوه من قريتهم؛ قال متمثلا قول الله تعالى عن الكفار [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {النمل:56}، وحديث «أَوَمُخْرِجِيَّ هُم»؟ فقال ورقة: إنه لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عُودِي!!
ثم بعد ذلك يأتي رجل حزبي ماكر حاقد أو صوفي خرافي؛ ليصلح بين هؤلاء: أهل القرية، وبين هذا الداعية الأحمق، فيقول لأهل القرية: الأمر سهل، نحن نُحْضِر لكم رجلا غير هذا الخطيب، ولا حاجة للفتنة في قريتكم، ويتم الأمر على هذا، ومن طَلَبَ الشيء كُلَّه؛ ضَيَّعَه كُلَّه!!!
وقد حَدَث في أماكن كثيرة أن ضاعت كثير من مساجد السنة بسبب فتاوى من لا يفقه هذا الباب، واسْتَفْتَى أحدُهم أحدَ هؤلاء المتعالمين، فقال: أنا أدعو في مسجدي إلى الله، إلا أنهم يلزمونني بالقول في نهاية خطبة الجمعة أن أقول: «أَقُولُ قولِي هذا، وأَسْتَغْفِر اللهَ لي ولكم».
فقال له المفتي الأحمق من هؤلاء: لا تفعل ذلك، فإن أصَرُّوا؛ فاترك لهم مسجدهم، وسيجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، فهل هذا يفقه باب تزاحم المصالح والمفاسد، وخير الخيرين وشر الشرين؟ وفي القرية من يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، ويذبح لغير الله، فهل كان الواجب عليه أن يسْعى لإصلاح هذه العقائد الزائغة، أم لا بد من عدم قول ذاك القول في الخطبة، وإلا ترك القرية ومسجدها وأهلها على ما هم عليه من العقائد؟!
ومسجد آخر كان مع أحد هؤلاء -كما أخبرني بعض الإخوة- وفَرِح العامة باستلام أحد الدعاة مسجدهم، ليصلي بهم، ويخطب فيهم، ويعلِّم أولادهم في الحلقات القرآنَ والعلومَ الشرعية؛ فما أن دخل هذا الداعية محراب المسجد إلا وأتى بأشجار يابسة ذات شوك، وأدخلها في المحراب؛ حتى لا يُصلِّي فيه أحد، وإن كان هناك من يرى أن المحراب ليس من السنة، لكن ما هكذا يُتَعامل مع العوام، وبهذا تضيع مساجد كان أهل التوحيد يرفعون فيها ذكر الله، ثم تتحول -بسبب هذه الفتاوى العمياء- إلى مساجد ترفع الخرافات والحزبيَّات فيها عقيدتها وعقيرتها!!
وقد سبق ذكر كثير من فتاوى وكلام العلماء، السابقين واللاحقين، وفيها التحذير من هذا الحال، والأمر كما يُقال:
| فهذا الحقُّ ليس به خفاءٌ | فَدَعْني مِنْ بُنَيَّاتِ الطريقِ |
وقول من قال:
| أولئك آبائي فجِئْني بِمِثْلِهِم | إذا جمعتنا يا جَريرُ المجامِعُ |
o
p
(فصل:













