أُصُوْلُ وضَوَابِطُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في التَّفْسِيْقِ والتَّبْدِيْعِ والتَّكْفِيْرِ
الترقيم الدولي: ؟؟-؟؟-997-977-978
رقم الإيداع: ؟؟؟/ 2023م
1445هـ / 2023 م
أُصُوْلُ وضَوَابِطُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في التَّفْسِيْقِ والتَّبْدِيْعِ والتَّكْفِيْرِ
كَتَبَهُ
أَبُو الْحَسَنِ مُصْطَفَى بْنُ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمَانِيُّ
غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ
شُكرٌ وتنبيهٌ
(شُكرٌ وتنبيهٌ)
لقد وفَّقني الله -جل ثناؤه- في هذا الكتاب بإخوة كرام، ساعدوني أيّما مساعدة في جمع مادة هذا الكتاب، وصبروا عليَّ أيّما صبر، في كتابة وتعديلات هذا الكتاب وهيكلته، وغير ذلك، حتى وصل إلى هذا الحال الذي بين يدي القارئ، ومنهم الشيخ أبو الخير كريم شاهين، والشيخ أبو سليمان محمد بن سلامة، وغيرهما -حفظهم الله، وأدام نفعَهُم وفضْلَهم وبركتهم- فأسأل الله أن يجعل ما قاموا به في ميزان حسناتهم، ووقايةً لهم ولوالديْهم وأهلهم وذرياتهم من كل سوء ومكروه؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
كما أتقدم بالشكر الجزيل، لأخينا الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن مصطفى آل بحبح – حفظه الله ووفقه لكل خير – على جهوده ومتابعته لإخراج هذا الكتاب وغيره.
وصلَّى الله وسَلَّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كَتَبَهُ
أبو الحَسَنِ مُصْطَفَى بنُ إسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمانيُّ
غفر الله له ولوالديه وأهله وذويه وذريته.
رئيس رابطة أهل الحديث باليمن، والقائم على دار الحديث الخيرية بمأرب
الـمقـدمـــة
(الـمقـدمـــة)
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يَهْدِهِ الله؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن إجراء الأحكام على الناس بالميزان الشرعي مما لا بد منه في الحياة، حتى يكون التعامل بين الناس مُنضبطًا مُحْكَمًا، غير تابع لأهواء البشر، وأحوالهم في الغضب والرضا، ويكون التعامل بينهم خاضعا للشرع المنزَّل من عند الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فلا يكون هناك إفراط ولا تفريط.
والحكم على المخالف بالكفر أو بالفسق أو بالبدعة من أَخْطَر القضايا التي طار شَرَرُها في الأمة قديمًا وحديثًا، وإذا كان الحكم في الدرهم والدينار بجهلٍ، أو هوًى، من أسباب دخول النار([1])، فكيف الحكم بهوًى وجَهْلٍ وعَصَبية في عقائد الأفراد والطوائف والجماعات، وفي مسألة خطيرة عظيمة، كمسألة التكفير أو التفسيق أو التبديع الموجبة لعذاب الله وغضبه في الدارين؟
فهذه الأحكام الجائرة على الناس من غير موجِبٍ لذلك تَشْتَمِل على عِدَّةِ مخالفاتٍ شرعيةٍ، فمن ذلك:
1- الجرأة على الله وعلى عباده، فالحكم إنما هو لله ثم للربانيين من العلماء، الـمُبَلِّغين عن الله -سبحانه وتعالى- الذين يَأْتُون البيتَ من بابه، فالمنازعة لله ولأهل العلم الراسخين في هذا الأمر لا تخلو من جرأة مقيتة، وحماقة مشينة، ومن تَصَدَّر قبل أَوَانِهِ؛ فقد َتَصَّدى لهوانِهِ!!!
2- الوقوع في ظُلْم المحكوم عليه، وإذا كان ظلمه في الدرهم والدينار مُوجِبًا لغضب الواحد القهار؛ فكيف بظلمه بجعله فاسقا مارقًا -سواء فسق الشهوة أو الشبهة المُفْضِية للبدعة- أو إخراجه من دائرة الإسلام والمسلمين بلا مُوجِب لذلك، وإلْحاِقهِ بالكافرين، وتجريده من أعظم نعمة امتن الله بها على عباده بقوله -تعالى جَدُّه-: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ] {المائدة:3}، وقوله -تعالى شأنه-: [ﯗ ﯘ ﯙ ] {الحج:78}.
3- ما يترتب على التكفير والتفسيق والتبديع للمخالف من أحكام شديدة، بعضها خاصة بالكفر، وبعضها بما دونه، ومنها:
أ) إهدارُ عصمة دمه وماله وعرضه، وربما استحلال قَتْلِهِ أو قتاله، وأَخْذِ ماله، والولوغِ في عرضه.
ب) هَجْرُه، والتشنيعُ عليه، والتحذير منه.
ج) تَرْكُ الصلاة خلفه، أو عليه إذا مات، وعدمُ الاستغفار له، وتركُ المشي في جنازته، والقيام على قبره، وذلك كله في حالة الحكم عليه بالكفر الأكبر.
4- هَتْكُ النسيج الاجتماعي للمجتمع، بوقوع التنافر والتدابر بين أهله، ومن ثَمَّ إسقاطُ هيبته، وتَسلُّطُ العدو عليه من الداخل والخارج.
5- بَذْرُ بذور الغلو والإفراط بين الشباب, وسَنُّ السنة السيئة التي أنتجت جماعاتٍ إرهابيةً فكرًا وحالا، وعصاباتٍ دمويةً, فشَقِيَتْ بها البشريةُ, وبالذات الأمة الإسلامية!!!
ولما كان الناس في إطلاق هذه الأحكام بين طرفين ووسط، والوسط هو ما كان عليه أهل السنة والجماعة؛ فكان لزامًا على المشتغلين بالعلم والتصدي للأفكار المنحرفة، أن يحرروا أصول أهل السنة في هذا الباب الخطير، وأن يقرروا صحة هذه الأصول بالأدلة النقلية والعقلية، وأن يُشِيعوا ذلك بين طلاب العلم؛ حتى تنطفِئَ نارُ هذه الفتنة، ويَنْجُوَ الشبابُ من مسالك الإفراط والتفريط، ويتحصَّنوا من الشبهات الخطّافة.
(أسئلة عبارة عن شبهات والجواب عنها بين يدي الكتاب):
المراد من ذلك سياق عدة أسئلة، قد تناول الكتابُ الجواب على بعضها وغيرها؛ وذلك لكونها شبهاتٍ عالقةً في أذهان بعض الغلاة في التكفير، وإن لم يتعرض لها البحث مباشرة، فمن ذلك:
السؤال الأول: يقول بعض الغلاة: إن ردّكم على من تسمونهم بـ «الغلاة في التكفير» إنما هو تزلُّفٌ منكم للحكام؟
والجواب: إن هذا الكتاب قائم على دراسة علمية مستمدة من الكتاب والسنة، ومنهج سلف الأمة، والمقصود منه الحفاظ على أصول أهل السنة، ونشرها بين المحبين لمنهجهم، والمنتمين إلى طريقتهم، كما يراد منه الحفاظ على تماسك المجتمع، وسلامة النسيج الاجتماعي من التهتك والتنازع والتدابر بغير موجِب مُتعيِّن، الأمر الذي يُفضي إلى وَهَن الكلمة، وشَقِّ العصا، واسْتِئْصَال الأمة بالصراع بين حكامها وعوامها، أو بالاصطدام بين طوائفها، أما كثير من الحكام فما سلم منهم لا الرادّ ولا المردود عليه، بل بعض الحكام هو الذي يسعى لإحداث فوضى في البلاد باسم الأعمال الإرهابية، إما لِيَهْتَبِلَ الفرصةَ لضَرْب الدعوة المعتدلة، وإما ليحْصُل على دَعْمٍ من بعض الدول أو المنظمات، بزعم مكافحة الإرهاب، والله — لا تخفى عليه خافية، فليس لنا إلا الصبرُ، وعدمُ الانجرار إلى أعمال تخالف ما كان عليه سلف الأمة، من الصبر، ولزومِ الجماعة التي لها الغلبة والتمكين، وعدمِ شَقِّ العصا، والدعاءِ للولاة بالصلاح في أنفسهم ورعيتهم!!!
السؤال الثاني: يقول بعض الغلاة: كما تُنْكِرون علينا تكفير المسلم -في نظركم- بغير وجه حق؛ فنحن ننكر عليكم حُكْمَكُم بالإسلام لمن هو كافر عندنا؟
والجواب: نعم، إذا صدر الحكم بالإسلام أو الكفر من غير متأهل، أو بهوى وعصبية، أو مخالفًا للأدلة وقواعد السلف؛ فالقول على الله بغير علم كيفما كان، وممن كان لا يجوز، ومع ذلك فليس الخطأ في الحكمين سواءً، فالخطأ في مسائل العفو لا يستوي مع الخطأ في مسائل العقوبة، ولأن استدراك الخطأ في الحكم بإسلام من ليس بمسلم ممكن وميسور، بخلاف محاولة استدراك الخطأ في الحكم بكفر من ليس بكافر؛ لأن هذا الحكم يترتب عليه أحكام، منها: استحلالكم لدم من كفرتموه، فإذا اتضح أنكم أخطأتم في هذا الحكم بعد عدة سنوات من قَتْلِكم هذا الشخصَ؛ فكيف يمكن استدراك حياة من قتلتموه ظلما وجهلا؟ والأدلة على هذه التفرقة مبسوطة في هذه الدراسة.
السؤال الثالث: يقول بعض الغلاة: كما أنكم تَرَوْن أننا غلاةٌ في التكفير، فنحن نرى أنكم غلاة في الإرجاء؟
والجواب: الإرجاء هو قول المرجئة، والمرجئةُ فرقةٌ معروفة بأصولها، وهي التي لا تجعل عمل الجوارح من مسمّى الإيمان، ولا ترى أن الإيمان يزيد وينقص، وترى أن الإيمان كُلِّيَّة واحدة لا تَتَبَعَّض، وترى الاستثناء في الإيمان شكًّا وكُفرا، فأين هذا من قولنا بعكس هذا كله، ونرى أن تَرْكَ عَمَلِ الجوارح كُلِّه تَرْكٌ لركن من أركان الإيمان؛ فإن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأنه لا يمكن أن يَقْوَى إيمانُ الباطن دون إيمان الظاهر، فهما متلازمان قوةً وضعفًا، ووجودًا وعدمًا، لكننا نرى أنكم كفّرتم الحاكم لعموم وظاهر أدلة، لها تفسير وتأويل وقيود عند علماء السنة سلفًا وخلفًا، ولكنكم لم تُراعوا أصول أهل السنة في تنزيل الحكم العام على المعين؛ بل لم تَأْبهوا بها!!
ثم إن واقعَكُم في تكفير مخالفيكم من المسلمين -وإن كانوا علماء أجلاء- وحُكْمَكُم على بلاد الإسلام بأنها بلاد كُفْر، أو مجتمعاتٌ كافرة، وشقَّكم لعَصا المسلمين، واستحلالَكُم لدماء كثير منهم، بل فجّرتم المسلمين في المساجد، وهم يُصَلُّون صلاة الجمعة والجماعة، وكفّرتم من خالفكم في اجتهادكم؟ فإن لم يكن هذا غلوا في التكفير؛ فمتى يكون الغلو في التكفير إذًا؟
وكيف يكون مخالفُكم في هذا مرجئا، فضلا عن أن يكون غاليًا في الإرجاء بعد تصريحه بما سبق؟
السؤال الرابع: يقول بعضهم: إذا كانت الآيات قد أَطْلقتْ الحُكْمَ بكُفْر من فَعَلَ كذا، فلماذا تضعون أنتم أصولا تُقَيِّدُ هذا المطلقَ؟
والجواب: إننا لم نضع هذه الأصول من عند أنفسنا، بل هي أصول لها أدلتها القرآنية والحديثية، وسار على فهمها والعمل بمقتضاها سلفُ الأمة: من الصحابة الكرام –رضي الله عنهم– وأئمة القرون المفضلة، وعلماء الأمصار، وفقهاء المذاهب المعتمدة في الأمة، وأنتم تَدَّعون -أو كثير منكم يَدَّعِي– أنه على منهج الصحابة والسلف الصالح ومشاهير علماء السنة يسير، فنحن نحاجِجُكم بما الْتَزَمْتُم به نظريا، وجَعَلْتموه وراءكم ظِهْرِيًّا من الجهة العملية، ولو أنكم رفضتم القول باتباع فهم السلف؛ لحاجَجْناكم في ذلك، وبسطْنا لكم الأدلة الدامغة على ضرورة فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، كقوله -سبحانه وتعالى- فيهم: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ] {التوبة:100}، وقوله -جلَّ شأنه-: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {النساء:115} … إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على إلزام الخلف بمنهج السلف.
السؤال الخامس: يقول بعضهم: هل أنتم تنكرون التكفير أصلًا؟
الجواب: نحن ننكر الغلو في التكفير فقط، أما تكفير من كفّره الله ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعينه أو مَن أَجْمَعَتْ الأمةُ على كُفْره بعينه، أو كفَّره بعينه كبارُ العلماء وأهل العلم والاجتهاد من الأئمة المعاصرين، دون اختلاف بينهم في تنزيل هذا الحكم على فلان بن فلان بعينه، ولا يكون ذلك منهم إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، حسب ما هو مُفَصَّل عنهم في موضعه؛ فهذا أمر شرعي، نتعبّد الله — به، ونحن لا نستطيع أن نحقق المراد الشرعي في هذا المقام الحَرِجِ إلا باتباع أصول السلف الصالح، الذين هم أَعْلَمُ الناس بمسائل الألفاظ والأحكام، ومسائل الوعد والوعيد، والإيمان والكفر، والعموم والتعيين.
السؤال السادس: ويقول آخر: معلوم أن الولاء والبراء أَصْلٌ من أصول الدين، فإذا لم تُكَفِّرُوا مَنْ وَقَع في الكُفر؛ فكيف تُطَبّقون عليه مبدأَ البراء والمعاداة، ولذلك يلزمكم تكفير من كفّرناه؟
والجواب: هذا ليس بلازم؛ لأنكم لسْتُم بأحكامكم القائمة على الجهل والعواطف حُجَّةً على عباد الله، إنما يلزمنا تكفير من كفره الله — ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو أَجْمَعَتْ الأمةُ على كُفْره، ولا يتم لنا معرفة ذلك إلا بالرجوع إلى أصول كبار الأئمة وسادة الأمة في ذلك، وهذا ما هُدينا إليه بتوفيق الله، أما أنتم فقد أَعْرَضْتُم عنه؛ فضَلَّت بكم السُّبل، وتخبَّطَت بكم الأهواء!!
ثم إنكم كيف تنزّلون مبدأ الولاء والمناصرة على من كفرتموه، وهو ليس بكافر على أصول الأئمة، وإن وقع في المعصية؟ ومعلوم عند علماء السنة أن الولاءَ يتبعّض، والبراءَ يتبعّض، والمدحَ والذمَّ يتبعضان، ولكن مشكلتكم: أنكم جعلتم هذا كله شيئا واحدًا: إما أن يَبْقَى الولاءُ كُلُّه، أو يذهبَ كُلُّه، وهذا مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، القائم على الأدلة النقلية والعقلية، ومخالفة مذهبُ أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية!!!
السؤال السابع: قال بعض الغلاة: تقولون: مَن ثَبَتَ إسلامُهُ بيقين؛ فلا يُنْقل عنه إلا بيقين، فمن أين حصل لكم اليقينُ بإسلامه، هل عَلِمْتُم الغيبَ، أم جاءكم وَحْيٌ بذلك؟
والجواب: الإسلام يثبت بالأدلة والقرائن اليقينية، أو الظنّية الراجحة، ولا يلزم لذلك نزول وحْي على من حَكَم على شخص بالإسلام، بل يكفي أن تظهر منه القرائن التي حكم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بإسلام من ظَهَرَتْ منه، كقول غير المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وتوبة الكافر عن كُفْره، وإعلانِهِ الدخولَ في الإسلام، وبراءتِهِ من كل دينٍ سِواه، وقد يكون صادقا في ذلك، وقد يكون كاذبًا -كالمنافقين، ومن اليقين عند علماء الإسلام أن من كان كذلك؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد حَكَم له بالإسلام، وعامَلَهُ معاملةَ المسلمين- ونحن قد أُمِرْنا بالعمل بالظاهر، والله يتولى السرائر، فإن ظهر لنا فيما بعد خلافُ ذلك: كُفْرًا كان أو فِسْقًا من الشخص المعين؛ راعينا أصول الأئمة -التي نحن بصدد بيانها- في ضرورة استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وحَكَمْنا عليه بما تقتضي هذه الأدلة وتلك الأصول، والله أعلم.
فليس المراد باليقين إطلاع الحاكم على سريرة المحكوم عليه، ولكن المراد باليقين: أن الحُكْم عليه بالإسلام كان بعد ثبوت أعمال وأقوال صَدَرَتْ من المحكوم عليه، وهذه الأدلة التي تشهد له بالإسلام ثابتة ثبوتًا يقينِيًّا، وقائمة على قواعد يقينيَّة، تَشْهد لها أدلة كثيرة، كقاعدة: الحُكْم عندنا بالظاهر، والله يتولَّى السرائر، كما هو الحال في تعامل الصحابة، اتِّباعًا لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في معاملته للمنافقين، بإجراء أحكام الإسلام عليهم، وتَرْك سرائرهم إلى علَّام الغيوب -جلَّ وعلا-.
ثم نحن نَقْلِبُ كلامكم عليكم، فنقول: أنتم عندما تكفّرون شخصا، وتُجرون عليه أحكام معاملة الكفار من قتلٍ وغيره، هل أنتم على شك مما تقومون به، أم على يقين؟ فإن كنتم على شك؛ فكيف تفعلون هذه الفعال القبيحة بالشك، وقد عاب الله على الكفار حالهم وقولهم: [ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ] {الجاثية:32}، وإن ادعيتم أنكم على يقين بصحة ما تفعلون؛ فهل ينزل عليكم وَحْيٌ بذلك، أم جاءكم نبأ من الغيب، فلا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب؟ [ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ] {الأنعام:143}.
الأهداف المقصودة من الكتابة في هذا الباب
هذا الكتاب يُراد من ورائه -إن شاء الله تعالى- تحقيقُ عدة أهداف، منها:
1- إحياءُ الأصول العلمية التي قرّرها أئمة أهل السنة والجماعة، والتي هي بمثابة سياج الأمان لأبناء الأمة من الزيغ والانحراف، لاسيما في مسألة التكفير والتبديع والتفسيق.
2- الحفاظُ على تماسك أهل السنة المعاصِرين على ضَوْء مسيرة أسلافهم -رحمهم الله- الذين ضربوا أَرْوَعَ الأمثلة في الائتلاف والتعاضُد، ونَبْذِ موجِبات الاختلافِ والاضطراب والتعارُضِ.
3- الحفاظُ على تماسك المجتمع المسلم باستلال أسباب الفُرقة والتنازع من بين أفراده.
4- الحفاظُ على هَيْبة المسلمين، وسَدِّ البابِ أمامَ ذوي المآرب والأطماع في الأمة ومُقَدَّراتها.
5- تحقيقُ مَبْدَأ عِصْمَة المسلم في دَمِهِ ومَالِهِ وعِرْضِهِ.
6- إشاعةُ مبدأ الموالاة بين المؤمنين، والتراحُمِ فيما بينهم، والوقوفِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ في إعمار بلادهم، والحفاظ على أَمْنها واستقرارها.
7- التصدي لأفكار الغُلُوّ في التكفير والتبديع والتفسيق، وكَشْفُ عَوَارِها، وبيانُ مخالفتها لأصول أهل السنة والجماعة، النقلية والعقلية.
8- تَصْفِيَةُ الإسلام والمناهج الإسلامية مما يُلْصَق بها -زورًا وبهتانًا، سواء كان عن عِلْمٍ ومَكْرٍ أو جَهْل وتقليد- من كونها مناهجَ تُرَبّي وتفرّخ الإرهاب.
9- تبرئةُ علماء الأمة السائرين على مذهب السلف الصالح مما يُلْصَقُ بهم -جهلا أو خُبْثًا ودهاءً- من كونهم يفرّخون الإرهاب، وذلك ببيان مخالفة المتورِّطِين في الإرهاب الدموي والفكري بأفعالهم الشاذة للمنهج الإسلامي الصافي، ولسبيل أهل العلم النقي، وهو سبيل المؤمنين، الذي من خالفه؛ ضَلَّ وإن كان يَحْسَبُ أنه يُحْسِنُ صُنْعًا!!
10- تفويتُ الفرصة على المتربصين بالأمة -بل بعض أبنائها- الذين يَزْرَعُون بين صفوفها من يُشَوّه سماحةَ هذا الدين، ثم يتذرعون بذلك لِوَأْد هذه اليَقَظَةِ المباركةِ في الأمة، أو لضرب الأمة بعضِها ببعضٍ، ثم يجْنون النصر الذي ما تحقق للأعداء إلا بإزهاق الأرواح المؤمنة، وشلالات الدماء المسلمة، وتناحُرِ الأجيال اللاحقة!!!
بيان أن أولَ خلافٍ وَقَعَ في الأمة كان في الأسماء والأحكام













