تعريفات عنوان البحث لغة واصطلاحًا
هذا البحث بعنوان: «أصول وضوابط أهل السنة والجماعة في التفسيق والتبديع والتكفير» ولما كان التعريف هو الحد الجامع المانع للشيء المراد تعريفه؛ فيحسن البدء بذلك لتحديد مادة البحث وموضوعه.
تعريف الأصول لغةً واصطلاحًا:
أ- الأصل لغةً: الأصل واحِدُ الأصول، ويُطلق لغةً على معانٍ، منها: ما بُني عليه غيره، وأساسُ الشيء أَصْلُه، وأَسْفَلُ كل شيء أصلُه، ومنه: قَعَدْتُ في أَصْل الجبل أو الحائط، وأصلُ الشيء ما يُسْتَنَدُ إليه في وجوده، وما منه الشيء، أو مَنْشَؤُه، كالوالد للولد، والنهر للجَدْول، أو ما يَسْتَنِدُ تَحَقُّقُ الشيء له([17]).
ب – الأصل اصطلاحًا: يُطْلَق الأصل في الاصطلاح على عدة معانٍ، منها: الدليل، كأصول الفقه: أي أدلته، ومنه قولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي دليلها، ومنها: الرجحان، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز، ومنها: القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة أكل الميتة للمضطر على خلاف الأصل، ومنها: الصورةُ المَقِيسُ عليها، وأمثلته كثيرة في إلحاق حكم الفرع بالأصل المقيس عليه في باب القياس.
والأصل في اصطلاح العلماء: ما له فرع؛ فإن الفرع لا ينشأ إلا عن أصل([18]).
تعريف أهل السنة لغةً واصطلاحًا:
قولهم: «أهل السنة» مضافٌ ومضافٌ إليه، ومعلوم أن أهل الدار سُكَّانُها وأصحابُها، وأهل الشيء أصحابه وذووه، وأخصُّ الناس وأَلْصَقُهُم به، ولما كانت الإضافة إلى السنة؛ تعيّن تعريفها:
أ- السُّنّة لغةً: مأخوذة من السَّنن، وهو مأخوذ من السَّنِّ: وهو جريانُ الشيء واطّرادُهُ في سهولة، ومنه اشْتُقَّتِ السنة، والسنة: هي الطريقة والسيرة والعادة، قال شَمِر([19]): السنة في الأصل: سُنة الطريق، وهو طريقٌ سَنَّه أوائل الناس، فصار مسلكا لمن بعدهم.
وتُطْلَقُ السنة على الطريق والسيرة، سواء كانت حميدة أو قبيحة، وسواء كانت مَرْضِية أو غير مَرْضِية، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم — أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَن سَنّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً؛ كان له أَجْرُهَا وأَجْرُ مَنْ عَمِل بها مِنْ بَعْدِهِ … ومن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً؛ كان عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ بَعْدِهِ …»([20]).
* إلا أن الخطابي([21]) — قال: أَصْلُها الطريقة المحمودة، فإذا أُطْلِقَتْ انصرفَتْ إليها، وقد تستعمل في غيرها مُقَيَّدَةً.
وقولهم: «السنّي»، منسوبٌ إلى السنّة، وحُذفت التاء للنسبة([22]).
ب- السنة اصطلاحًا: تُطْلَقُ السنة في الاصطلاح على عدة معان بحسب الفنّ الذي تَرِدُ فيه، وبحسب استعمال علماء هذا الفن لها، والجهة التي ينظرون منها إلى السنة.
فالمحدثون، الذين بحثوا في أحوال وأقوال الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باعتباره محلَّ القدوة والأسوة في كل شيء، واهتموا بنقل كل ما يتصل به –صلوات الله وسلامه عليه– من أقوال، وأفعال، وتقرير، وسيرة، وخُلُق، وشمائل، وأخبار، ولذا فالسنة عند المحدثين هي: ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من قول، أو فعل، أو تقرير، أو هَمٍّ بفعل، أو وَصْفٍ خُلُقِي وخِلْقي.
وأمّا الأصوليون، الذين يَبْحَثُون في أحوال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- باعتباره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المُشَرِّعَ لأمته، والذي يَضَعُ القواعِدَ للمجتهدين من بعده، ويؤصِّلُ الأصولَ التي يُسْتدَلُّ بها على الأحكام؛ فالسنة عندهم، هي: كل ما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مما يصلح أن يكون دليلا شرعيا، وحُجَّةً يُحْتَجُّ بها على شيء من الأحكام الخمسة.
وأما الفقهاء، الذين يبحثون عن حُكْم الشرع على أفعال وأقوال العباد: وُجوبا، أو حرمة، أو ندبا، أو كراهة، أو إباحة، فالسنة عندهم ما يقابل الفرض والواجب، فهي أحد الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والحرام، والسنة -أي المستحب- والمكروه، والمباح.
وأما علماء الاعتقاد، الذين يبحثون في أصول الدين ومُحَكماته، ويحرصون على التمسك بالأمر العتيق، ويُحَذِّرُون من البدع والمحدثات في الدين، فالسنة عندهم مقابل البدعة والضلالة، ولذا فالسنّة في اصطلاحهم هي: ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه الكرام -رضي الله عنهم- من العلم والعمل والهَدْي في أصول الدين ومحكماته، وما تبعهم عليه الأئمة التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وفي هذا المعنى ورد حديث: «عليكم بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المَهْديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور؛ فإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»([23]) .
* وقد عبّر الحافظُ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ –- عما مَضَى من أقوال العلماء بقوله: «والسنة هي الطريقة المسلوكة: فتشمل التمسُّكَ بما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشتمل ذلك كُلَّهُ»([24]).
والذي يَهُمُّنَا في هذا المقام هو تعريف علماء الاعتقاد للسنة، والذي على ضوئه تَمَيَّزَ أَهْلُ السنة عن أهل البدعة، وتميّزتْ الفرقةُ الناجيةُ عن الفِرَقِ الهالِكَةِ.
تعريف الجماعة:
لما كان من شعار أهل البدع التفرق والتشتت؛ عُرِفَ أهلُ السنة بالاجتماع والائتلاف، ووُصِف أهلُ السنة بالجماعة أيضًا، إشارة إلى الاتّباع والاجتماع، أي القوة النظرية والعملية، ولذا فمن المستحسن تعريف الجماعة.
أ- الجماعةُ لغةً: الجماعة: عَدَدُ كلِّ شيء وكَثْرتُهُ، يقال: جَمَعْتُ الشيءَ المتفرقَ فاجتمع، والرجل المجتَمِع الذي بَلَغَ أَشُدَّه، وتجمّع القوم، أي اجتمعوا من هاهنا وهاهنا، والمجموع: الذي جُمع من هاهنا وهاهنا، وإن لم يُجعل كالشيء الواحد، والجَمْعُ أيضًا اسمٌ لجماعة الناس([25]).
ب- الجماعة اصطلاحًا: تُطلق الجماعة على عدة معان، وبعضها جاء ذِكْره في الحديث صريحا أو ظاهرا، وخلاصة هذه المواضع التي أُطْلِقَ عليها لَفْظُ الجماعة الآتي:
1– الجماعة: هم القوم المتمسكون بالحق، والثابتون عليه، وإن قلّ عددهم، وكَثُر مخالفوهم، وعَبَّروا عن ذلك بقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: الجماعةُ: هي الحقُّ وإن كُنْتَ وَحْدَكَ([26])، وقول نعيم بن حماد –: تَمَسَّكْ بما كانت عليه الجماعةُ قبل أن تَفْسَد الجماعةُ([27]).
والأصل في الجماعة أنها جماعة الحق، وإلا فأهل الباطل وإن كَثُروا فلا عبرة بهم في معرفة الحق من الباطل، وقد قال تعالى: [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ] {الأنعام:116}.
2- الجماعة: هم الصحابةُ -رضي الله عنهم- لأنهم خير هذه الأمة بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد اختارهم الله -جلَّ شأنه- لصحبة نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد بَرُّوا وصَدَقوا في صحبتهم، فالحقُّ يَتَمَثَّلُ في هَدْيِهِم وسَنَنِهم أَكْثَرَ من غيرهم.
3- الجماعة: هم الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون لهم بإحسان من أئمة القرون المفضلة.
4– الجماعة: هم أهلُ الحديث، وهذا القول داخل فيما قبله، لأن المراد به: من تمسك بما كان عليه الصحابةُ والتابعون لهم بإحسان، ومَنْ عَظَّمَ الدليلَ وقدَّمَهُ على الرأْي المُجَرَّدِ، وليس المراد حَصْرَهم في مُجَرَّدِ المشتغلين بعلم الرواية والرحلة في طلب الحديث، بل منهم الفقهاء والقراء والمفسِّرين … وغيرهم ممن يتمسك بما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- والأئمة التابعون لهم بإحسان.
5- الجماعة: هم المجتمعون على السمع والطاعة للأمير الشرعي، ويقومون بما استطاعوا عليه من الحق، فما كانوا عليه من أَمْرِ دينهم؛ فهو الحق، سواء كان في الشريعة، أو الإمام والسلطان؛ لأن العلماء من جملتهم، وأما من شَذَّ عنهم، وافْتَأَتَ عليهم؛ فلا يكون على هُدَى.
6- الجماعة: هم جماعة أئمة العلماء، وهذا القول داخل فيما قبله.
7- الجماعة: هم السَّوَادُ الأعظم، والجمهور الأكبر، وهو داخل فيما قبله أيضًا، ما داموا قائمين بما استطاعوا عليه من الحقّ([28]).
تعريف التفسيق لغة واصطلاحًا:
التفسيق مأخوذ من الفِسْق، وهو نسبة المرء إلى الفِسْق، وهو ضِدُّ التعديل، وهذا يجرّنا إلى تعريف الفسق لغةً واصطلاحًا:
أ- الفِسْق لغةً: أَصْلُ الفسق: الخروج من الشيء، ومنه قوله تعالى: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ] {الكهف:50} أي خَرَجَ، وفَسَقَتْ الرُّطَبةُ إذا خَرَجَتْ من قِشْرِها، وسُمِّيَ الرجلُ فاسقا لانْسِلَاخِهِ من الخير، وسُمِّيت الفأرةُ فُوَيْسِقَة؛ لخرُوجها من جُحْرها لتُفْسِد على الناس، وذَكَرَ الخطابي أن إدخال الغراب والفأرة في الفواسق لخروجهما من الحُرْمة -أي خروجهما من تحريم القتل- والفواسِقُ خَمْسٌ، لا حُرمة لهن، ولا بُقْيا عليهن، ولا فدية على المُحْرِم فيهن إذا أصابَهن، وإنما أباح قَتْلَهُن دَفْعًا لعادِيَتِهِنَّ؛ لأنهن كُلَّهن مِنْ بين عادٍ قَتَّالٍ، أو مُؤْذٍ ضَارٍّ([29]).
والفِسّيق والفُسَق دائم الفِسْقِ، والأصل في الفِسْق الخروجُ عن الاستقامة، والفُسُوق: الخروجُ عن الدين، والمَيْلُ إلى المعصية([30]).
ب- الفسق اصطلاحًا: الترك لأمر الله –– والميل إلى المعصية، وهو مقابل الاستقامة والطاعة، ويُطْلَقُ الفِسْقُ على الكفر وعلى ما دونه، فهو خروجٌ أكبر، وخروجٌ أصغر.
تعريفُ التبديع لغةً واصطلاحًا:
التبديعُ: نِسْبَةُ الرجلِ إلى البدعة، وهاكَ تعريفَ البدعة.
أ- تعريف البدعة لغة: البدعة: اسْمُ هيئةٍ من الابتداع، وهو الشيء المخْتَرَع، أو ابتداء الشيء وصُنْعُه لا على مثالٍ سابقٍ، ومنه قول الله
–- لرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: [ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {الأحقاف:9} أي ما كُنْتُ أولَ رسولٍ، فقد أُرسِل قبلي رُسُلٌ كثير.
وعليه؛ فالبدعة لغةً: ما أُحْدِثَ لا على مِثَالٍ سابق، وتُطْلَقُ على الشيء المُسْتَحْدَثِ، تقول: ابْتَدَعَ فلانٌ الرَّكيَّ([31])، إذا اسْتَنْبَطَهُ، أي حَفَرَهُ حتى اسْتَنْبَطَ منه الماء، وركيَّةٌ بديعٌ، أي جديدةُ الحَفْرِ، وكُلُّ مَنْ أَنْشَأَ ما لم يُسْبَقْ إليه يُقال له: أَبْدَعْتَ([32]).
ب- تعريف البدعة اصطلاحًا: عرّف العلماء البدعة بعدّة تعاريف، وأوفاها وأدقها ما قاله الشاطبي –-:
«هي طريقةٌ في الدين مخترعةٌ، تُضَاهِي الشرعيةَ، يُقْصَدُ بالسلوك عليها المبالغَةُ في التَّعَبُّدِ لله سبحانه»([33]).
فقد شَمَلَ هذا التعريفُ: الإِحْدَاثَ في الدين، والمداوَمَةَ عليه، بِقَصْدِ التَّعَبُّدِ.
وعرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية –- بأنها: «ما خالف الكتابَ والسنةَ وإجماعَ سلفِ الأمة من الاعتقادات والعبادات»([34]).
تعريف التكفير لغةً واصطلاحًا:
التكفير مأخوذ من الكُفْر، وهو مصدر كَفَّرَ، أي حَكَم عليه بالكُفر، وأخرجه من الإسلام، أو نَسَبَه إلى الكُفر، وهذا يجرّنا إلى تعريف الكُفر:
أ- تعريف الكُفْر لغةً: أَصْلُ الكُفر التغطيةُ على الشيء والسِّتْرُ له، فكأنّ الكافر مُغَطَّى على قلبه، والكافر يُغَطِّي نِعَمَ الله وتوحيدَهُ، وأُخِذَ هذا من قول العرب: كَفَرتُ المتاع في الوعاء، أكْفُره كُفرا: إذا سَتَرْتُهُ فيه، ولهذا سُمِّي الليلُ كافرا؛ لأنه يُغَطِّي الأشياءَ بظُلْمَتِهِ، وسُمِّيَ الزارعُ كافرا؛ لأنه يُلْقِي البِذْرَ في الأرض، ويُغَطِّيه بالتراب، ويقال للابس السلاح الذي يُغَطِّي جَسَدَهُ به كافرا، ويُطْلَق الكافر على الدِّرْع، والبَحْر، والنَّهْر العظيمِ، والوادي العظيمِ، والسَّحَابِ المُظْلِمِ([35]).
ب- تعريف الكُفر اصطلاحًا: الكُفر ضِدُّ الإيمان، كما قال تعالى: [ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ] {المائدة:5}، وضِدُّ الشُّكْر أيضًا، قال تعالى: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ] {البقرة:152}، وقال -سبحانه وتعالى-: [ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ] {إبراهيم:7}.
وللكُفْر شُعَبٌ كما أن للإيمان شُعبًا، ومن الشُّعَب ما فَقدُه فَقْدٌ للإيمان كُلِّه، ومنها ما فَقْدُه نَقْصٌ للإيمان، والكُفْر أنواعٌ، منه: كُفْرُ الجحود، وكُفْرُ التكذيب، وكُفْرُ الإباء والاستكبار، وكُفْرُ الاستهزاء والسبّ والسخرية، وكُفْرُ الشك، وكُفْرُ الإعراض، وكُفْرُ النفاق ..»([36]).













