سَبَبُ اختيار العمل في هذا الموضوع
لما كان أمر التكفير والتبديع والتفسيق خطيرًا على الفرد والمجتمع، وكَثُر الخائضون فيه دون بصيرة وإحاطة بالأدلة الشرعية والقواعد الأثرية، بل نَظَرَ بعضُ الجهلة إلى الشباب المتهور في التكفير نَظْرَة إعجابٍ وفَخْر، وكانوا يروْن أنه كلما كان الرجل أكثر تكفيرا للمجتمعات والحكام والأفراد -دون تَرَيُّثٍ أو تَأَمُّل- كان أكثر غيرة على الدين وحرماته، وأكثر كراهية للمعاصي وأهلها!!! ولما كان أهل السنة هم أَعْلَمُ الناس بالحق وأَرْحَمُ الناس بالخلق، وأَكْثَرَ الفِرَقِ إحاطةً بأدلة التكفير، وتنزيلا لها في مواضعها الصحيحة؛ رغِبْتُ في نَشْر هذه الأصول والضوابط التي عَصَمَهم الله بها من الإفراط والتفريط، وحرصْتُ على بيان أدلة هذه الأصول والبراهين التي تستند إليها، عسى أن يتقبل الله -جل شأنه- مني مشاركتي في علاج هذا الداء العُضَال، الذي اسْتَفْحَلَ في شباب الأمة، واسْتَحْكَمَتْ به الغُمَّة.
وقد حاولْتُ في هذا الكتاب الاجتهاد في الإجابة على عددٍ من الشبهات التي قد تُثار حول هذه الأصول والضوابط، سواء من أهل الإفراط أو التفريط، وغَلّبْتُ جانب الرد على أقوال أهل الإفراط؛ لأن الاغترار بضلالات وجهالات من يَنْتَسِب إلى الدين والصلاح أَكْثَرُ وأَظْهَرُ من الاغترار بأهل الفِسْق والفجور في معاصيهم الظاهرة والمستنكرة عند أهل الصلاح.
ولا شك أن الكلام في الموضوع يَكتسب أهميته بقدر الحاجة إليه، وعموم الانتفاع به، ولا يخفى كم تعاني الساحة الدعوية من تهارج وصراعات بسبب إلقاء الأحكام -بالكُفْر والبدعة والفسق- جزافا دون رويّة أو مراعاة للأصول العواصم من تلك القواصم.
ومع وجود عدّة كتابات في هذا الشأن –جزى الله أهلها خيرًا كثيرًا، وتقبل جهادهم وجُهْدهم- إلا أنني رأيتُ الكتابة في هذا الموضوع أيضًا: مُغَلّبًا جانبَ تفنيد الشبهات التي تحول دون العمل بهذه الأصول، مع زيادة بعض الفصول والضوابط والمباحث فيما لم أقف عليه في تلك الدراسات، ومن ذلك:
الفَصْل الثاني كُلُّه، في نَفْي التسوية بين الخطأ في تكفير مسلم، والخطأ في الحكم بإسلام كافر، وأَقَمْتُ الأدلةَ على ذلك من السنة النبوية القولية والعملية، ومن القواعد الشرعية، ومن تفرقة أهل العلم بين الأمرين.
كما وَضَّحْتُ أن مراعاة شروط التكفير والتفسيق للمعيَّن قبل تنزيل الأحكام المطلقة عليه تشمل مراعاة هذه الشروط في التبديع أيضًا؛ فالبدعة المحرمة: إما بدعة مُكفِّرة، وإما بدعة مُفَسِّقة.
وذكرتُ ما يدل على ضرورة مراعاة هذه الأصول في حق من دخل في الإسلام، لا في حق من لم يرفع بالإسلام رأسا، وانتمى إلى دينٍ غيره، على أي ملَّةٍ كان.
كما بيّنْت المراد من عدة أصولٍ، قد وَجَدْتُ آخرين أَجْملوا القول فيها بما لا يَدْفَع أو يزيل الشبهة من عقول كثير ممن ابْتُلِيَ بها.
مراعاةُ أصول الأئمة قبل تنزيل الأحكام المطلقة على الأعيان في التكفير والتفسيق
ثالثًا:













