مراعاةُ أصول الأئمة قبل تنزيل الأحكام المطلقة على الأعيان في التكفير والتفسيق تَشْمَلُ مراعاةَ ذلك في التبديع أيضًا
فالأصول التي يجب مراعاتها في إطلاق أحكام الكفر والفسق على المخالف ليست مقتصرة على ذلك، بل لا بد من مراعاتها والتقيد بها عند إطلاق البدعة أيضًا على المخالف؛ فإن البدعة في الشريعة قسمان: منها المكفِّر، ومنها المفسِّق.
ومن ادّعى أن أصول أهل السنة في التكفير والتفسيق لا تشمل التبديع؛ فقد أخطأَ وأساءَ، والجواب عليه من وجوه:
أ- يلزم على قوله أن إطلاق البدعة على المخالف لا يُتَقَيَّدُ فيه بأصولٍ تُحْكِمُهُ، كما هو الحال في إطلاق الكفر أو الفسق على المخالف، وهذا تناقض، وتفريق بين المتماثلين.
ب- إما أن يُقرّ صاحب هذه التفرقة بأن البدعة منها المكفِّر ومنها المفسِّق، وإما أن يُنكر ذلك!!
فإن أنكره؛ فما هو جوابه على تقسيم الأئمة للبدعة بالمُكَفِّر والمُفَسِّق؟ وإن أقرّ به؛ فبأيّ شيء أخرج البدعة من هذا العموم، ومنها المُكَفِّر والمُفَسِّق؟
ج- معلومٌ أنَّ البدعةَ أَضَرُّ من المعصية أو الذنب، من جهتين:
الأولى: كون أكثر الواقعين في البدع ممن ينتسبون إلى العلم والدين والعبادة والزهد، والفتنة بهم أكثر من الاغترار بأهل المجاهرة بالمعاصي، الذين يغلب عليهم أنهم من أوباش الناس وفسَدَتهم وسَفَلَتهم، ومَن كان مِن عِلْيَةِ القوم في نظر الفُسَّاق؛ فليس هو كذلك في نظر أهل الدين والصلاح.
الثانية: أن الواقعين في البدع يغلب عليهم التعبّد لله بما يعتقدونه، ويتقربون إليه –سبحانه وتعالى- ببدعهم، التي يظنون أنها الحق المنزَّل من عند الله، بل يدْعون إلى ذلك غيرهم، ولا يَتَأَثَّمون ولا يَتَحَرَّجون من ذلك، بخلاف أهل المعاصي، فالفتنة بالمبتدعة أكثر.
فهل يُعقل أن يكون الحكم عليهم وبيان كيفية التعامل معهم متروكا في الشرع بلا قيود ولا تفاصيل، فيُوجِب مراعاة هذه الشروط في الحكم على المجاهرين بالمعاصي، ولا يُوجب ذلك في المتأوّلين الذين أحدهم -إذا كان من أهل الاجتهاد- بين أجر أو أجرين؟!
د- هذه التفرقةُ موجودةٌ عند بعض الغلاة في التبديع، ويريدون من ورائها فَتْحَ الباب على مصراعيْه لهم في انحرافهم عن منهج السلف في باب التبديع!! حتى لا يُلْزِمَهُم أحدٌ عند تبديعهم من يخالفهم بعينه؛ بضرورة استيفاء شروط التبديع، وانتفاء موانعه، لأن هذه الضوابط تُبْطِل تَهَوُّرهم في التبديع، وتُضَيِّق عليهم الخَنَاقَ في إطلاقهم الأحكامَ الجائرة على عباد الله الأبرياء من كل هذه الافتراءات!! والله أعلم.













