(تنبيه)
أهلُ السنة لا يُغْلِقُون باب التكفير أو التفسيق إذا كان بضوابطه وأصوله المعلومة عند أئمة السنة سلفًا وخلفًا، وإنما يُحذّرون من الغُلُو أو الجفاء فيه، وأن يتناولَه الأحْدَاث وأهل الأهواء -غُلُوًّا أو جَفَاءً-
تعريف الغلوّ لغةً واصطلاحًا، والأدلة على ذَمِّ الغلوّ في الدين:
أ- الغلو لغة: هو مجاوزة الحدّ وتعدّيه، وأصل الغلاء: الارتفاعُ ومجاوزةُ القَدْرِ في كل شيء، وغلا في الدين والأمر يَغْلُو غُلُوّا: جاوزَ الحَدَّ، وغلا في الدين غلوّا من باب قَعَدَ يَقْعُدُ: تَصَلّب وتَشَدَّدَ حتى جاوَزَ الحَدَّ، وغالى في أَمْرِهِ مغالاةً، أي: بالَغَ([37]).
ب- الغُلُوُّ اصطلاحًا:
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –-: «الغلو: مجاوزةُ الحَدِّ، بأن يُزاد في الشيء في حَمْدِهِ أو ذَمِّهِ على ما يستحقه، ونحو ذلك»([38]).
* وعرّفه الحافظ ابن حجر([39]) –- بقوله: «المبالغةُ في الشيء، والتشديدُ فيه بتجاوُزِ الحَدِّ فيه»([40]).
ج- الأدلة على ذَمِّ الغُلُوّ: لما كان الغُلُوُّ مجاوزةً للحَدِّ الشرعي؛ فلا عجبَ أن تَرِدَ الأدلة في النهي عنه، كما في قوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ] {النساء:171}، وقوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ] {المائدة:77}.
ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- وقد أمرَ ابنَ عباس -رضي الله عنهما- بلَقْطِ حَصَيَاتٍ له غداةَ مُزْدَلِفَةَ: «هَلُمّ الْقُطْ لي الحَصَى» ثم وضَعَهُنَّ في يده، وقال: «نَعَمْ، بأمثال هؤلاء، وإياكم والغُلُوَّ في الدين؛ إنما أَهْلَكَ من كان قبلكم الغُلُوُّ»([41]).
ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هَلَكَ المتنطعون» قالها ثلاثًا»([42]).
* قال الإمام ابن القيم([43]) –-: «ما أَمَرَ الله بأَمْر إلا وللشيطان فيه نَزْعَتَانِ: إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغُلُوٍّ، ودينُ الله وَسَطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جَبَلَيْن، والهُدَى بين ضَلَالَتَيْنِ، والوَسَطُ بين طَرَفَيْنِ ذَمِيمَيْنِ، فكما أن الجافي عن الأمر مُضَيِّعٌ له؛ فالغالي فيه مُضَيِّعٌ له، هذا بتقصيرِهِ عن الحَدِّ، وهذا بتجاوُزِهِ الحَدَّ»([44]).
تعريف الجفاء لغة واصطلاحًا:
(أ) تعريف الجفاء لغة: نَقِيضُ البِرِّ والصِّلَةِ، وجَفَوْتُ الرجُلَ: أَعْرَضْتُ عنه، وقد يكون مع بُغْضٍ، والجفاء: البُعْدُ.
والجفاء مصدر (جفا) وهو الكراهية والنفور، وجفا الشيءَ: ثَقُلَ عليه، وجفا الشيءَ جفاءً وجَفْوا: نَبَا، وجَفَا صَدِيقَهُ: أَهْمَلَهُ وأَعْرَضَ عنه، وقَطَعَ بِرَّهُ، وجفا الشيء: أَبْعَدَهُ وطَرَحَهُ([45]). اهـ .
(ب) تعريف الجفاء اصطلاحًا: قال المناوي([46]) – -: «الجَفاء (بفتح الجيم): الغِلظ في العشرة، والخُرق في المعاملة، وترك الرفق في الأمور». وقال العيني: «هو الغِلَظُ في الطَّبْع لقلة مخالطة الناس»([47]).
وأُحِبُّ التنبيهَ هنا على أمور قبل الكلام على هذه الأصول والضوابط













