(وأُحِبُّ التنبيهَ هنا على أمور قبل الكلام على هذه الأصول والضوابط)
* فمن ذلك:
- أولًا: أهل السنة إنما يُحَذِّرون من الإفراط أو التفريط في هذه الأحكام، أو صدورها من غير عالم متأهل لما يتكلم فيه؛ أما إذا كان الحكم الصادر من العالم المتأهِّل لذلك، وقد رُوعِيَتْ فيه ضوابطُه وأصولُه؛ فإنهم لا يَمْنَعون من جواز إطلاق هذا الحكم حينئذٍ, بل يتقربون إلى الله تعالى بذلك, وإلا وقعوا في الحكم بغير ما أنزل الله؛ إذْ عرفوا حُكْم الله -جل شأنه- في المسألة، وأَعْرَضُوا عنه، وحَكَمُوا بخلافه، وهم -رحمهم الله- إنما يَذُمُّون التجاوزَ للحد, أو التقصيرَ عنه, ولذا فَهُمْ يذمون منهج الفِرَق المـُفْرِطة في ذلك: كالخوارج, والمعتزلة, والرافضة, والجهمية، وغيرهم, كما يَذُمُّون منهج الفرق الـمُفَرِّطة في ذلك، كمتكلمة المرجئة والغلاة منهم؛ فإنَّ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذَمِيمُ، والفَرْقُ واضحٌ بين التحذير من التكفير أصلا، والتحذير من الإفراط أو التفريط في التكفير.
- ثانيًا: اعلم أن الخلل في هذا الباب الخطير يؤدي إلى الفوضى, واستحلال الدماء والأعراض والأموال, ويُقطِّع أَوْصَالَ المجتمعِ المسلمِ تقطيعًا, وهذا مما يريده الشيطانُ وحِزْبُهُ, يقول الله -سبحانه وتعالى-: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ] {الأنعام:159}، وقال تعالى: [ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ] {آل عمران:103}، وقال –: [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ] {الشورى:13}، وقال -جل وعلا-: [ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ] {الروم:31، 32}. ويقول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا؛ يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعض»([48]).
فلا بد من تحرير هذه الضوابط, ومراعاتها بدقة بالغة؛ اتباعًا لمنهج القرون المفضَّلة، ومَنْ تَبِعَهُم بإحسان، وحتى لا تصل الأمة إلى هذا الحد المُدَمِّرِ مِنْ فَسَاد ذَاتِ البَيْنِ، وليحافظوا على وَحْدتهم، وأُلْفتهم، وقوتهم، وهَيْبَتهم، وسيادتهم.
* قال ابن الوزير([49]) -– في «إيثار الحق على الخلق»([50]): «ولا أَفْحَشَ في التفرقة من التوصُّل إلى التكفير بأدلة مُحْتَمَلة، تُمْكِنُ معارَضَتُها بمثلها، ويُمْكِنُ التوصُّلُ بها إلى عَدَمِ التكفير، وإلى جَمْعِ الكلمة، وإنما قُلنا: إنه لا أَفْحَشَ من ذلك في التفرقة المَنْهِيِّ عنه؛ لما فيه مِنْ أَعْظَمِ التَّعَادِي والتنافُرِ والتبايُنِ …». اهـ.
وقد جاء في أبحاث هيئة كبار العلماء ما نصه: فقد درس مجلس (هيئة كبار العلماء) -في دورته التاسعة والأربعين- المنعقدة بالطائف، ابتداء من تاريخ (2/4/1419) ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها، من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء، وتخريب المنشآت.
ونظرًا إلى خطورة هذا الأمر، وما يترتب عليه من إزهاقِ أرواحٍ بريئةٍ، وإتلافِ أموالٍ معصومةٍ، وإِخَافةٍ للناس، وزَعْزَعَةٍ لِأَمْنِهم واستقرارِهم؛ فَقَدْ رَأَى المجلسُ إصدارَ بيانٍ يُوَضِّحُ فيه حُكْمَ ذلك؛ نُصْحًا لله وعباده، وإبراءً للذمة، وإزالةً لِلَّبْس في المفاهيم -لدى من اشْتَبَهَ عليه الأمْرُ في ذلك، فنقول
-وبالله التوفيق-:
أولًا: التكفير حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، مَرَدُّهُ إلى الله ورسوله؛ فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب: إلى الله ورسوله؛ فكذلك التكفير.
وليس كل ما وُصِفَ بالكُفْر من قولٍ أو فِعْلٍ، يكون كُفرا أكبر مُخْرِجًا عن الملة.
ولما كان مَرَدُّ حُكْم التكفير إلى الله ورسوله؛ لم يَجُزْ أن نُكَفِّر إلا مَنْ دَلَّ الكتاب والسنة على كُفْرِه -دلالةً واضحةً- فلا يَكْفي في ذلك مُجَرَّدُ الشُّبهة والظَّنِّ؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة.
وإذا كانت الحدود تُدْرَأُ بالشبهات -مع أن مما يترتب عليها أَقَلُّ مما يترتب عل التكفير- فالتكفير أَوْلَى أن يُدْرَأَ بالشبهات.
ولذلك حَذَّر النبي – صلى الله عليه وسلم – من الحُكْم بالتكفير على شخص ليس بكافر، فقال: «أَيُّمَا امْرِئٍ قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدُهما، إن كان كما قال؛ وإلا رَجَعَتْ عليه» متفق عليه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- .
وقد يَرِدُ في الكتاب والسنة ما يُفْهَمُ منه أن هذا القولَ أو العملَ أو الاعتقادَ كُفْر، ولا يَكْفُر من اتَّصَفَ به؛ لوجود مانِعٍ يَمْنَعُ مِنْ كُفْره.
وهذا الحُكْم كغيره من الأحكام، التي لا تَتِمُّ إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها، كما في الإرث، فسَبَبُهُ القرابةُ -مثلا- وقد لا يرث بها؛ لوجود مانع؛ كاختلاف الدين، وهكذا الكفر يُكْرَه عليه المؤمن؛ فلا يُكَفَّر به.
وقد يَنْطِقُ المسلِمُ بكلمة الكُفْر؛ لغلبة فَرَحٍ، أو غَضَب، أو نحوهما؛ فلا يَكْفُر بها؛ لعدم القَصْد، كما في قصة الذي قال: «اللهم أنت عَبْدِي وأنا رَبُّك، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» رواه مسلم من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
والتَّسَرُّعُ في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة: من استحلالِ الدم والمال، ومَنْعِ التوارث، وفَسْخِ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة؛ فكيف يَسُوغُ للمؤمن أن يُقْدِمَ عليه لأدنى شُبهة؟!
وإذا كان هذا في ولاة الأمور؛ كان أَشَدَّ؛ لما يترتب عليه من التمرُّدِ عليهم، وحَمْلِ السلاح عليهم، وإشاعَةِ الفوضَى، وسَفْكِ الدماء، وفسادِ العِبادِ والبلادِ؛ ولهذا منع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من مُنَابَذَتهم، فقال: «… إلا أن تَرَوْا كُفْرا بَوَاحًا، عندكم فيه من الله بُرْهان» متفق عليه من حديث عبادة -رضي الله عنه- .
– فأفاد قولُه -عليه الصلاة والسلام-: «إلا أن تَرَوْا» أنه لا يَكْفِي مجردُ الظَّنِّ والإشاعَةِ.
– وأفاد قولُه -عليه الصلاة والسلام-: «كُفْرا» أنه لا يَكْفِي الفسوقُ -ولو كَبُرَ- كالظلم، وشُرْب الخمر، ولُعْبِ القمار، والاسْتِئْثَارِ المُحَرَّمِ .
– وأفاد قولُه -عليه الصلاة والسلام-: «بواحًا» أنه لا يَكْفِي الكُفْر الذي ليس ببواحٍ، أي: صريحٍ ظاهرٍ.
– وأفاد قولُه -عليه الصلاة والسلام-: «عندكم فيه من الله برهان» أنه لا بد من دليل صريح، بحيث يكون صحيحَ الثُّبُوتِ، صريحَ الدلالة؛ فلا يَكْفِي الدليلُ ضعيفُ السند، ولا غامضُ الدلالة.
– وأفاد قولُه -عليه الصلاة والسلام-: «من الله»: أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء -مهما بَلَغَتْ منزلَتُهُ في العلم والأمانة- إذا لم يَكُنْ لقوله دليلٌ صريحٌ صحيحٌ من كتاب الله، أو سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – .
وهذه القيود تَدُلُّ على خطورة الأمر.
وجملة القول: أن التَّسَرُّعَ في التكفير له خَطَرُهُ العظيم؛ لقول الله
–-: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ] {الأعراف:33}.
ثانيًا: ما نجم عن هذا الاعتقاد الخاطئ من استباحة الدماء، وانتهاك الأعرض، وَسْلب الأموال الخاصة والعامة، وتفجير المساكن والمَرْكَبَات، وتخريب المنشآت، فهذه الأعمالُ وأمثالُها محرمةٌ شرعًا بإجماع المسلمين؛ لما في ذلك من هَتْكٍ لحرمة الأنفس المعصومة، وهَتْكٍ لحرمات الأموال، وهَتْكٍ لحرمات الأمن والاستقرار، وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغُدُوِّهم ورَواحِهِم، وفيه هَتْكٌ للمصالح العامة التي لا غِنَى للناس في حياتهم عنها.
وقد حَفِظَ الإسلامُ للمسلمين أموالهم، وأعراضهم، وأبدانهم، وحَرَّم انتهاكها، وشَدَّدَ في ذلك، وكان من آخر ما بَلَّغ به النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – أُمَّتَهُ، فقال في خُطبة حجة الوادع: «إن دماءَكُم، وأموالَكُم، وأعراضَكُم عليكم حرامٌ: كحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا، في شَهْرِكم هذا، في بَلَدِكم هذا»، ثم قال
– صلى الله عليه وسلم -: «ألا هل بَلَّغْتُ؟ اللهم فاشْهَدْ» متفق عليه من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- .
* وقال – صلى الله عليه وسلم -: «كُلٌّ المسلم على المسلم حرام: دَمُهُ، ومَالُهُ، وعِرْضُهُ» رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- .
* وقال -عليه الصلاة والسلام-: «اتقوا الظُّلْمَ؛ فإن الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يوم القيامة» رواه مسلم من حديث جابر -رضي الله عنه-.
وقد توعَّد الله -سبحانه- مَنْ قَتَلَ نفسا معصومةً بأَشَدِّ الوعيد، فقال
-سبحانه- في حق المؤمن: [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] {النساء:93}.
* وقال -سبحانه- في حق الكافر الذي له ذِمَّةٌ إذا قُتِلَ خَطَأً: [ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {النساء:92} .
فإذا كان الكافر الذي له أمانٌ إذا قُتِلَ خَطَأً؛ فيه الدِّيَةُ والكفارة؛ فكيف إذا قُتِلَ عَمْدًا؟! فإن الجريمةَ تكون أَعْظَمَ، والإثمُ يكون أَكْبَرَ .
* وقد صحَّ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «مَنْ قَتَل معاهَدًا؛ لم يَرِحْ رائحةَ الجنة» متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
ثالثًا: إن المجلس إذْ يُبَيِّنُ حُكْم تكفير الناس -بغير برهان من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وخطورة إطلاق ذلك؛ لما يترتب عليه من شرور وآثام-؛ فإنه يُعْلِنُ للعالم: أن الإسلامَ برئٌ من هذا المعتقَدِ الخاطئ، وأن ما يجري في بعض البلدان من سفك للدماء البريئة، وتفجير للمساكن والمَرْكَبَات، والمرافق العامة والخاصة، وتخريب للمنشآت: هو عَمَلٌ إجرامِيٌّ، والإسلامُ منه برئٌ، وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر برئ منه، وإنما هو تَصَرُّفٌ من صاحبِ فِكْر مُنْحَرِفٍ، وعقيدةٍ ضالةٍ، فهو يَحْمِلُ إِثْمَهُ وجُرْمَهُ، فلا يُحْتَسَبُ عَمَلُهُ علي الإسلام، ولا علي المسلمين المهتدين بهَدْيِ الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنة، المستمسكين بحبل الله المتين، وإنما هو مَحْضُ إفسادٍ وإجرام، تَأْباه الشريعةُ والفطرةُ؛ ولهذا جاءتْ نصوصُ الشريعة بتحريمه؛ مُحَذِّرةً من مصاحبة أهله:
* قال تعالى: [ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] { البقرة: 204 – 206}.
والواجب على جميع المسلمين -في كل مكان- التواصي بالحق، والتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن؛ كما قال الله -سبحانه وتعالى-: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}.
* وقال -سبحانه-: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {التوبة:71}.
* وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «الدين النصيحة» [ثلاثا]، قيل: لمن يا رسول الله ؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمةِ المسلمين، وعامَّتِهِم» رواه مسلم من حديث تميم الداري -رضي الله عنه-.
* وقال -عليه الصلاة والسلام-: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهِم وتراحُمِهِم وتعاطُفِهِم: مَثَلُ الجَسَدِ؛ إذا اشْتَكى منه عُضْوٌ تداعَى له سائِرُ الجَسَد بالسَّهَرِ والحُمَّى» متفق عليه من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- والآيات والأحاديث -في هذا المعنى- كثيرة.
نسأل الله سبحانه -بأسمائه الحسنى وصفاته العلى- أن يَكُفَّ البأس عن جميع المسلمين، وأن يُوَفِّق جميع ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد، وقَمْعُ الفساد والمفسدين، وأن يَنْصُرَ بهم دِينَهُ، ويُعْلِيَ بهم كَلِمَتَهُ، وأن يُصْلِحَ أحوال المسلمين -جميعا- في كل مكان، وأن يَنْصُر بهم الحق؛ إنه وَلِيُّ ذلك، والقادرُ عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه» انتهى .
* وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين([51]) — كما في «لقاءات الباب المفتوح»: التكفير والتفسيق والتبديع كلُّها أوصاف مُرَتَّبَةٌ على معانٍ، إذا وُجِدتْ -أي هذه المعاني-؛ وُجِدتْ هذه الأوصافُ، فإذا وُجِدَ السببُ أو المعنى الذي من أجله يستحق مَنْ وُجِد فيه أن يُوصَفَ بهذا الوصف؛ فإنه ينطبق عليه، فلا يجوز لنا أن نقول: فلان كافر؛ حتى نتحقَّق من أمرين:
الأمر الأول: ثبوتُ أن هذا العمل من الكُفْر، فإن لم نَعْلَمْ وشَكَكْنا؛ فالأَصْلُ أن المسلم باقٍ على إسلامه، ولا يَحِلُّ أن نُكَفِّره، مثال ذلك: لو قال قائل: إن الذي يشرب الخمر كافر؛ فهذا حرام؛ ما نقول: كافر، حتى نَعْلَمَ أن الشرع نَصَّ على كُفْره.
والأمر الثاني: أن نتحقق من انطباق هذا الوصف على هذا الشخص، أي: انطباق هذا المعنى الذي عَلَّقَ عليه الشارعُ الحكمَ عليه بالتكفير، لابد أن نعلم أنه مُنْطَبِقٌ على هذا الشخص، بحيث تتم فيه شروط التكفير، ومن الشروط: أن يكون عالمًا، وأن يكون قاصدًا، فإن كان غير عالم؛ فإننا لا نُكَفّره؛ لأنه لم تَقُمْ عليه الحجة بَعْدُ، كما قال الله تبارك وتعالى: [ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ] {القصص:59}، وقال تعالى: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ] {النساء:163} إلى قوله: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ] {النساء:165}، وقال تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {الإسراء:15}، والآيات في هذا المعنى متعددة، فإذا كان الإنسان لا يَعْلَمُ أن هذا الشيءَ من الكُفْر؛ فإننا لا نَحْكُم بكُفْره.
الشرط الثاني: أن يكون الشخص مريدًا لما قال من كلمة الكفر، أو لما فَعَلَ، فإن كان مُكْرَهًا، أو سَبَقَ لسانُه على قول كلمة الكفر؛ فإنه لا يَكْفُر، ودليل ذلك قوله تعالى: [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ] {النحل:106}، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَلهُ أشَدُّ فَرَحًا بتوبة عبده من أحدكم» -وذَكَرَ أنه- «كان على راحلته، عليها طعامُهُ وشرابُهُ، فأَضَلَّها، فضَاعَتْ عنه، وجَعَلَ يَطْلُبُها، ولم يَجِدْها، ثم اضْطَجَعَ تحت شجرةٍ يَنْتَظِرُ الموتَ، فبينما هو كذلك؛ اسْتَيْقَظَ وخِطَامُ ناقته مُتَعَلِّقٌ بالشجرة؛ فأخَذَ به، فقال: اللهم أنت عَبْدِي، وأنا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفرح» كلمة: «أنت عَبْدِي، وأنا رَبُّكَ» كُفْر، لكن هل قَصَدَها؟ لا. وإنما سَبَقَتْ على لسانه، إذًا لابد من هذين الشرطين: العلم، والثاني: الإرادة والقصد، فإنْ لم يُرِدْ ولم يَقْصُد؛ فلا.
ومن ذلك -أيضًا- قِصَّةُ الرجل الذي كان ظالمًا لنفسه، فجَمَعَ أَهْلَهُ، وأَمَرَهُم أن يَحْرِقُوه إذا مات، وأن يذْرُوه في اليَمِّ؛ لئَلا يُعَذِّبه الله، فَجَمَعَهُ الله
— وسأله: «لماذا فَعَلْتَ هذا؟ قال: ربِّي؛ خوفًا من عذابِكَ؛ فَغَفَرَ الله له» فإن هذا الرجل كان جاهلًا في كون الله تعالى يَقْدِر على أن يَجْمَعَهُ ويحاسِبَهُ، إذًا لابد من أمرين: الأمر الأول: أن نَعْلَم بأن هذا الشيء مُكَفِّر. الأمر الثاني: أن نَعْلَمَ انطباقَ الشروط، أو إتْمَامَ الشروط على من قام به، فلابد من أن نعلم أن شروط التكفير قد انْطَبَقَتْ عليه، ومنها: العلم، والقصد، ولهذا يُفَرَّقُ بين كون المقالة أو الفعالة كُفْرًا، وبين كون القائل لها أو الفاعل لها كافرًا، قد تكون المقالة أو الفعالة كُفْرًا، ولكن القائل لها أو الفاعل لها ليس بكافر؛ لعدم انطباق الشروط عليه، ومن ثَمَّ نحن نُحَذِّر غايةَ التحذير من التَّسَرُّع في إطلاق الكفر على قوم لم يَتَبَيَّنْ فيهم الشروطُ، أي: شروطُ التكفير؛ لأنك إذا كَفَّرْتَهُ؛ فلازِمُ تكفيرِكَ إياه: أن تَشْهَدَ بأنه في النار، فأنت الآن شَهِدْتَ بالحُكْمِ وبما يقتضيه الحُكْمُ، المسألةُ خطيرةٌ جدًا، ثم إن الحكم بالتكفير يستلزم بُغْضَهُ، والبراءةَ منه، والبُعْدَ عنه، وعدمَ السمع له والطاعة إن كان أميرًا، وما أَشْبَهَ ذلك مما يترتب على هذه المسألة، التي يجب على الإنسان أن يَكُفَّ لسانه عنها».
ثالثًا: أسبابُ وقوع الخلل في هذا الأمر العظيم الخطير, ووسائلُ اجتنابها:
(أ) عدم الرجوع إلى الكتاب والسنة في معرفة الأحكام الشرعية, إنما يحْتكم هؤلاء الخائضون في هذا الأمر الخطير إلى قواعد مُحْدَثة, وأقوالٍ عارية عن الأدلة, وحظوظٍ نَفْسِيَّةٍ, وعَصَبِيَّةٍ جاهلية, وعباراتٍ ورثوها عن سادتهم وقادتهم، والله — يقول: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {البقرة:231} وقال -تعالى وتَقَدَّس- في أهل الضلالة: [ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ] {النجم:23}، ويقول -تعالى ذكره-: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ] {الحجر:9}، والذِّكْر يَشْمَل الكتابَ والسنةَ، فالسنةُ: كلامُ من لا [ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ] {النجم:3، 4} -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكلامُ من قال الله — في حقه: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ] {النساء:115} والسنة مُوَضِّحَةٌ للقرآن، وسَمَّاها الله — ذِكْرا أيضًا -فهي من الذكر المحفوظ- فقال تعالى: [ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ] {النحل:44} فالسنة المبينة لِمَا أَنْزَلَ الله وهو القرآنُ، سماها الله — في هذه الآية ذكرا؛ فإن تفاصيل الأحكام موجودة في السنة لا في القرآن الكريم، ويجب فَهْمُ هذا كُلِّهِ على منهج السلف والقرون المفضلة.
فترى بعض الناس هَمُّه إطلاقُ أحكام الكفر أو البدعة على الآخرين، فإذا ذكرْتَ له ضوابط أهل السنة في ذلك، وحررْتَ له أدلَّتَها، وأَخْبَرْتَه أن هذا المقامَ ليس كَلأً مباحًا لكل أَحَدٍ، وشَعَر بتضييق الخناق عليه في هذا؛ فإذا به يقول مُنْكرًا عليك: فبِنَاءً على هذا؛ فلا يُوجَد كافر في الدنيا!! أو من ذا الذي سَنُكَفِّره إذًا؟ وكأن الغلوَّ في التكفير، وتوسيعَ دائرته على الأفراد والمجتمعات غايةٌ شرعيةٌ عنده، ومَقْصَدٌ من مقاصد الشريعة، التي لا غِنَى للناس عنها!!
أَلَمْ يَعْلَمْ هذا القائلُ أن الواجب شرعًا: دعوةُ الناس إلى الله -تبارك وتعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة، والشفقةُ عليهم، والحرصُ على هدايتهم، والفرحُ باستقامتهم، والتألُّمُ لإعراضهم، كما وَصَف الله -جلَّ قدره- رسولَهُ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بحِرْصِهِ على المؤمنين، ورَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ بهم، فقال -سبحانه وتعالى-: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ] {التوبة:128}، بل قال الله — مُسَلّيًا نَبِيَّهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صَبْرِهِ على دعوة الكفار إلى الإسلام، وحِرْصِهِ على هدايتهم ودخولهم في هذا الدين: [ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ] {الكهف:6} .
* قال شيخ المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري — في تفسير هذه الآية: «يعني -تعالى ذِكْرُهُ- بذلك: فلعلك يا محمد قاتِلٌ نَفْسَك ومُهْلِكُها على آثار قومك الذين قالوا لك: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ] {الإسراء:90} تَمَرُّدًا منهم على ربهم، إنْ هُمْ لم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلتُهُ عليك، فيصدِّقوا بأنه من عند الله؛ حُزْنًا وتلَهُّفًا ووجْدًا، بإدبارِهم عنك، وإعراضهم عما أَتَيْتَهُم به، وتَرْكِهِم الإيمانَ بك»([52]). اهـ.
فإذا كان هذا حالَ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في دعوة قومه المشركين الصادِّين عن سبيل الله؛ فأين الحرص من هؤلاء الغلاة على هداية الخلْق أولًا، والسعي في تبليغهم دينَ الله، وإزالةِ الشبهاتِ عنهم –لهدايتهم، ونجاتهم من عذاب الله، لا للتسرع في إلقاء الأحكام عليهم إن لم ينقادوا-؟ وأين التلطُّف في دعوتهم، وعدم إعانة شياطين الإنس والجن عليهم؟ ثمَّ أين هذا كلُّه قبل الاندفاع بلا وَرَعٍ إلى تكفير المسلمين، والحكم بخروجهم من ملة الإسلام؟ ومن ثَمَّ الحكمُ على مجتمعاتهم بالكفر، ومن ثَمَّ استحلالُ الدماء، وإثارةُ الفوضى والقلاقل، وحَدِّث -إن شئت- فلا حرج عليك عما يتضمن هذا المنهج من هَتْكٍ لحرماتُ معصومة، وقتْل لأبرياء، فضلًا عن أطفال ونساء، وقَتْلٍ بالظِّنّة والشبهة، ورمْي بكثير من قواعد الإسلام وراء النَّجْم، وإنا لله وإنا إليه راجعون!!
ألا يعلم من يكفِّر المسلمين أن هذا خلافُ منهج أهل السنة، واشتغالٌ بعلوم وقواعد أهل البدع؟
* فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «ولهذا قال الشافعي: لأن أَتَكَلَّم في عِلْم يُقال لي فيه: أَخْطَأْتَ؛ أَحَبُّ إلي من أن أَتَكَلَّم في عِلْم يُقال لي فيه: كَفَرْتَ، فمن عيوب أهل البدع: تكفيرُ بعضِهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم: أنهم يُخطِّئون ولا يُكفِّرون، وسَبَبُ ذلك: أن أَحَدُهم قد يظُن ما ليس بكُفر كُفرا، وقد يكون كُفرا؛ لأنه تَبَيَّنَ له أنه تكذيبٌ للرسول، وسَبٌّ للخالق، والآخَرُ لم يَتَبَيَّنْ له ذلك؛ فلا يَلْزَمُ إذا كان هذا العالِمُ بحاله يُكَفِّر إذا قالَهُ؛ أن يُكَفِّر مَنْ لم يَعْلَمُ بحاله»([53]). اهـ.
نعم، تكفير من لم يدخل في الإسلام أصلًا، أو من ارتد ردة صريحة، وأفتى بذلك العلماء، بعد استتابته، وبيان الحق له؛ فلا بأس بذلك، بل هذا من الدين، وكُلُّ ذلك لا يتعارض مع دعوته بالحكمة، ومجادلته بالتي هي أحسن من أهل العلم، أو إقامة الحد عليه إذا استوفى شروط ذلك كُلِّه، وانتفتْ عنه موانعه، مِنْ قِبَل من له الولاية الشرعية من الأمراء والعلماء، وكل هذا مما جاءت به الشريعةُ الشاملةُ، والباقيةُ الكاملةُ، وقيل في الكُفْر يُقال في البدعة والفِسق.
فلا تهوُّرَ في الإقدام، ولا انهزاميةَ في الإِحْجام، ولا تَجَرُّؤَ على الحرمات، ولا خَجَلَ من العمل بمقتضى البراهين البينات والقطعيات، والحَقُّ وَسَطٌ بين طرفين، ووادٍ بين جَبَلَيْن، وهُدىً بين ضلالتين.
(ب) ومن أسباب الخلل -أيضًا- في هذا الباب أيضًا: التأويلاتُ الفاسدة, وأَخْذُ أحكام هذا الباب عن غير أهله الفقهاء فيه، ولا شك أن الرجوع إلى فهم الصحابة -رضي الله عنهم- ومن تَبِعَهُم بإحسانٍ من علماء هذه الأمة هو سبيلُ النجاة، والأدلةُ والتاريخُ يَشْهَدان بذلك.
* وقد ذكر الإمام ابن القيم — تقسيمَ الكفر إلى أَكْبَرَ يُخْرج من الملة، وأَصْغَرَ لا يُخرج من الملة، ثم قال: «وهذا التفصيلُ هو قولُ الصحابة، الذين هم أَعْلَمُ الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تُتَلَقَّى هذه المسائلُ إلا عنهم؛ فإن المتأخرين لم يَفْهَمُوا مرادَهُم؛ فانْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ…»([54]) الخ.
ثم ذكر — انقسامَ الكُفر، والشرك، والنفاق، والفسق إلى أكبر وأصغر، وهذا عَيْنُ الفقه في هذا الباب الخطير، وغايةُ العمل بالأدلة الواردة من جميع جوانبها في هذه المسائل.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية — في فَضْل الأئمة المتقدمين، وعُلُوِّ شأنهم ومكانتهم: «وَلِهَذَا كَانَ مَعْرِفَةُ أَقْوَالِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَأَعْمَالِهِمْ خَيْرًا وَأَنْفَعَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَعْمَالِهِمْ فِي جَمِيعِ عُلُومِ الدِّينِ وَأَعْمَالِهِ: كَالتَّفْسِيرِ، وَأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَالزُّهْدِ، وَالْعِبَادَةِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَالْجِهَادِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ خَيْرٌ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمَعْرِفَةُ إجْمَاعِهِمْ وَنِزَاعِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ خَيْرٌ وَأَنْفَعُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا يُذْكَرُ مِنْ إجْمَاعِ غَيْرِهِمْ وَنِزَاعِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَا يَكُونُ إلَّا مَعْصُومًا، وَإِذَا تَنَازَعُوا؛ فَالْحَقُّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، فَيُمْكِنُ طَلَبُ الْحَقِّ فِي بَعْضِ أَقَاوِيلِهِمْ، وَلَا يُحْكَمُ بِخَطَأِ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ حَتَّى يُعْرَفَ دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِ»([55]). اهـ.
* وقال أيضًا –: «وأما أهل الحديث والسنة والجماعة فقد اخْتُصُّوا باتباعهم الكتابَ والسنةَ الثابتةَ عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- في الأُصول والفروع، وما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»([56]). اهـ.
ويُذْكَر هنا -في مقام التحذيرات من تأويلات الجهلة بباب الإيمان والكفر- ما أخرجه الخطيب –([57]): أن أحد الخوارج أُدخل على المأمون، فقال له المأمون: ما حَمَلَكَ على خلافنا؟ قال: آيةٌ في كتاب الله تعالى، قال: وما هي؟ قال: قولُهُ: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} فقال له المأمون: أَلَكَ عِلْمٌ بأنها مُنَزَّلَةٌ؟ -أي هل أنت متيقن من كونها آية مُنَزَّلَةٌ، وأنها من القرآن الكريم؟- قال: نعم، قال: وما دليلك؟ قال: إجماعُ الأمة، قال -أي المأمون-: فكَمَا رَضِيتَ بإجْمَاعهم في التنزيل؛، فارْضَ بإجماعهم في التأويل، قال: صَدَقْتَ، السلام عليك يا أمير المؤمنين. اهـ([58]).
وهذه الحكاية وإن لم يصح سندها؛ إلا أن المعنى صحيح -أي أن المراد من الكفر في الآية الكريمة، أنه كُفْر لا ينقل عن الملة بمجرد الحكم بغير ما أنزل الله- أي فكما صَدَّقْنَا الصحابةَ -رضي الله عنهم- ومن تبعهم بإحسان في الرواية، أو القول بأنها آية مُنزَّلة في القرآن الكريم؛ فلْنأخذ بمنهجهم في الدراية، وكما قَبِلْنا نقْلهم للتنـزيل؛ فلْنقْبلْ فَهْمَهُم للتأويل، ففي هذا إشارة نفيسة إلى قاعدة عزيزة، وهي ضرورة الرجوع إلى فهم السلف الصالح إجماعا أو اختلافا، فلا نخرج عن قولهم إذا أَجْمَعُوا، ولا عن مجموع أقوالهم إذا اخْتَلَفُوا؛ فلا نُحْدِثُ قولًا لم يَقُلْ به أَحَدٌ من السلف، وبهذا ينضبط المقام، ولا يكون السائر إلى الله تعالى كَمَن يسير في بيداءَ لا مَعَالِمَ لها!!!
(ج) ومن أسباب هذا الخلل في باب التكفير: لَبْسُ الحق بالباطل, وترْكُ بعض الحق, وأَخْذُ بعض الباطل, وهذا ناتج عن الكلام في أمر لم تُجْمَع أدلته، ولم يُرْجَع فيه إلى أهله، ولو جَمَعَ الخوارج أدِلَّة الباب؛ لما كفَّروا بالمعصية، وكذا لو أخذ المرجئة في الجهة المقابلة لهم جميع أدلة الباب؛ لما قالوا بكمال إيمان أَفْسَقِ الناس وأَفْجَرِهم، وقد رَحِمَ الله أَهْلَ السنة بجَمْعِ الأدلة، وحُسْن الفهم لها، فلله الحَمْدُ والمِنَّةُ.
(د) التساهلُ في ظُلْم الناس, ووجودُ النزعة العدوانية عليهم, وانتشارُ الفوضى، وضعْفُ أهل الحق عن إظهار الحق عند قِلَّةِ النصير، وكَثْرَةِ الأعداء، وقد جرى من الخوارج أمور فوق الوصف في ظُلْمِهم وتكفيرهم للصحابة، وقَتْل بعض الخلفاء الراشدين المبشَّرين بالجنة، والذين لا تُحْصَى مناقِبُهم -وإن أَلْبس الخوارج ذلك لباس التديُّن والتأويل- بل تجرَّأ أَصْلُهُم ذو الخويصرة على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: «اعدل يا محمد»([59]) فما أقبح البدعة والهوى وأَهْلَهُمَا، وما أَقَلَّ أَدَبَهُم، وأَكْثَرَ وَقَاحَتَهُم!!
(هـ) تفسير المصطلحات الشرعية بغير فهم السلف للشرع, وتوسُّع بعضهم في الرجوع في هذا الباب إلى كُتَّابٍ عَصْرِيِّين، وشبابٍ مُتَهَوِّرِين، واقتصار كثير منهم على كتب اللغة في تفسير القرآن والسنة, مع أن المصطلحات منها ما هو شرعي لا يفسِّره إلا الشرعُ وأهلُ العلم المتخصصون فيه: كالصلاة، والصوم, والإيمان, والكفر, ومنها كلام لغوي يُرجع فيه إلى كتب اللغة: كالشمس والقمر, ومنها ما هو عُرْفي يُرجع فيه إلى العُرف: كالمرض والسفر المرخِّصَيْن في الفِطْرِ والقَصْر، ولقد قابلتُ رجلا من هؤلاء المتهورين -منذ قرابة خمسين عامًا، وسألته عن تفسير القرآن الكريم من أين يأخذه؟ فقال: عندي المصحف والقاموس المحيط، فأقرأ الآية، وأنظر مفرداتها في القاموس، وأعرف تفسيرها!!! وأنا على ثقة أنه لا يُحْسِن حتى البحث في «القاموس»، ولا يُحسن رَدَّ المفردات اللغوية إلى المادة التي أُخِذَتْ منها في اللغة، فضلا عن حرمانه من معرفة سَبَبِ النزول، وفِقْهِ علماء التفسير والتأويل، وكيفية جَمْعِهِم بين ما ظاهره التعارض من الآيات والأحاديث، ناهيك عن النكت العلمية التي ينبه العلماء عليها في الفروق بين الآيات المتشابهة، وغير ذلك مما لا يحيط به إلا العاملون في الشريعة، رزقنا الله حُسن الاتباع لهم، والاقتداء بمنهجهم.
(و) عدمُ إعذارِ بعضِهِم الناسَ بالعجز والجهل والخطأ, ويرون ذلك تفريطًا منهم يُعاقَبون عليه بالتكفير، ومِنْ ثَمَّ الحكْمُ باستحلال دمائهم، زاعمين أن الله — لو أراد بهم خيرا لجعلهم قادرين عالمين، فلما لم يكونوا كذلك؛ دلَّ -في نظرهم الخاطئ- على أن الله لا يريد هدايتهم، ومن ثَم تجرؤوا على تكفيرهم !!.
وبعضهم يستدل على تكفير بعض الجهلة من المسلمين، الحريصين على العمل بالحق، إلا أن تلبيس علماء السوء عليهم أو تقليدهم -عن جهل- لما وجدوا عليه أباءَهم، كل ذلك أوقعهم في المخالفات الشرعية، ومع ذلك يستدلون على تكفيرهم بقوله تعالى: [ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ] {الأنفال:23}، وهذا وضْع لكلام الله -جل ثناؤه- في غير موضعه!!!
(ز) ومن خِلال الضوابط التي ستُذْكَر في هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى- يمكن القول: بأن الإخلال بأي ضابط منها سببٌ من أسباب الإخلال بهذا الباب الخطير, والله أعلم.
رابعًا: إبطالُ إطلاقِ التسوية بين الخطأ في تكفير مسلم، والخطأ في الحكم بإسلام كافر:
اعلم -رحمك الله- أن الخطأ في تكفير مسلم أَعْظَمُ عند الله من الخطأ في الحكم بإسلام كافر، وفي هذا -بعد إثباته بالأدلة- رَدٌّ على كثير ممن يقولون: كما تعيبون علينا تكفير المسلم في نظركم، فنحن نعيب عليكم الحُكْمَ منكم بإسلام من هو كافر في نظرنا، فقد قال ابن الوزير –: «الوجه التاسع: أن الوقْفَ عن التكفير عند التعارُض والاشْتِبَاهِ؛ أَوْلَى وأَحْوَطُ من طريقٍ أُخْرى([60])، وذلك أن الخطأ في الوقْفِ -على تقديره تقصيرٌ في حقٍّ من حقوق الغنيِّ، الحميدِ، العَفُوِّ، الواسِعِ، أَسْمَحِ الغرماء، وأَرْحَمِ الرحماء، وأَحْكمِ الحُكماء -سبحانه وتعالى-؛ والخَطَأَ في التكفير -على تقديره- أَعْظَمُ الجنايات على عباده المسلمين المؤمنين، وذلك مُضَادٌّ لما أَوْجَبَ الله من حُبِّهِم ونَصْرِهم والذبِّ عنهم»([61]). اهـ.
واعلم أن الخطأ في هاتين المسألتين ليس سواء, وكثير ممن اختل عندهم الميزان الشرعي في باب التكفير, وغَلَوْا في ذلك؛ يهدِّدون مخالفيهم بأن الخطأ في الحكم بالتكفير لمسلم، أو بإسلامٍ لكافر سواء, ويقولون لمخالفهم: كما تُنْكِرُ علينا الإقْدَامَ على التكفير لمسلم في نظرك؛ فنحن نُنْكِرُ عليك الإِحْجَام عن تكفير الكافر في نظرنا، وهذه مكيدة شيطانية يصطادون بها كثيرًا ممن لم يستبصر بأدلة هذا الباب, فيندفع -مجاريًا لهم- في تكفير المسلمين؛ خَشْيَةَ أن يَقَع في الحكم بغير ما أنزل الله إنْ لم يكفِّر الكافر الذي هو كذلك في نظرهم!! وبيانُ خَلَلِ ذلك من وجوه:
(أ) لقد وَرَدَ التحذير من التجرؤ على تكفير المسلم, وكذا الخطأ في هذا الباب دون أهلية لذلك، ولم يرِدْ مِثْلُهُ في الخطأ في إبقاء حُكْم الإسلام على مسلم وقع في مُكَفِّر: قولًا أو فعلًا, أو اعتقادًا, أو الخطأ في الحكم بإدخال كافر في الإسلام، بعد ما أظهر شعيرة من شعائر الإسلام.
فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أيّما امْرِئٍ قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدُهما, إنْ كان كما قال؛ وإلا رَجَعتْ عليه»([62]) وفي رواية: «لا يَرْمِي رجلٌ رجلًا بالفسوق, ولا يَرْمِيه بالكُفْر؛ إلا ارْتَدَّتْ عليه, إنْ لم يَكُنْ صاحِبُهُ كذلك»([63]) وفي رواية أخرى: «مَنْ لَعَنَ مؤمنًا؛ فهو كَقَتْلِهِ, ومن قَذَفَ مؤمنًا بكُفْرٍ؛ فهو كَقَتْلِهِ»([64]) ولما قال عابد بني إسرائيل لفاجرهم: والله لا يَغْفِر الله لك أبدًا([65]) قال تعالى -كما في الحديث القدسي-: «من ذا الذي يتألَّى عليّ؟ هل كُنْتَ بي عالمًا؟ أم كُنْتَ على ما في يَدِي قادرًا؟ اذْهَبُوا به -أي بالرقيع الفاجر- إلى الجنة برحمتي, وقال للآخر -أي العابد المتجرئ على الله- اذهبوا به إلى النار» فقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال كلمة أَوْبقتْ دنياه وآخرته([66]).
فهذه أدلة كلها في التحذير من الإفراط في التكفير والتفسيق، فأين الأدلة التي وَرَدَتْ في مقابلها بتهديد من أخطأ في الحكم بإسلام كافر إذا كان مُدَّعِي التسوية من جميع الوجوه مصيبًا؟! فمن لم يكن معه أدلة صريحة في هذا الموضع الخاص، تدل على صحة ادعائه التسويةَ بين الأمرين؛ فَلْيَتَّقِ الله من القول على الله — وعلى رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعلى شريعة الإسلام بغير عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منير، وليحْذَرْ من كان مغترًّا به، أو لَبَّس عليه بشبهاته!!
(ب) المتأمل في سيرة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يجد أنه كان يَقْبَل إسلام الأفراد, والجماعات, والقبائل من العرب في الوفود بمجرد كلمة: «أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمدًا رسول الله» مع أن بعضهم قد يُسْلم طمعًا في دنيا, أو خوفًا من سيف, أي عن رغبة أو رهبة, أو لمكيدة خبيثة، ولا يُخْلِص دينه لله, كالمنافقين, فكان قبول دخولهم في الإسلام سهلًا, وكذا الوفودُ التي اشْتُرِطَ عليها بعضُ الشروط الزائدة على كلمة التوحيد، كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقْبَلُ منهم الإسلام، ويعاملهم به، بمجرد الإقرار بذلك، ثم تَجْرِي عليهم أَحْكَام الإسلام مباشرة, حتى لو كان دخولهم فيه بكلمة واحدة, أو بإشارة, أو بكلمةٍ ظَاهِرُها سَيِّءٌ، لكنهم ما قَصَدُوا هذا المعنى، كبني جَذِيْمة([67]) عندما قالوا: «صبأنا» وقد عجزوا عن قولهم: «أسلمْنا»([68]) أو نحو ذلك.
وأما إخراجهم من الإسلام بعد دخولهم فيه، والحكم لهم بأنهم مسلمون؛ فلا يكون إلا بعد الاستتابة, وإقامة الحجة, والاستفصال, وإزالة الشبهة, وقَطْع العذر, ولم يأت اشتراطُ شيء من ذلك قبل الحكم بإسلامهم -عند إرادتهم الدخولَ في الإسلام- كما لم يَرِدْ إمهالُهُم عِدَّةَ أيام حتى يتعرفوا على الدين الجديد من جميع جوانبه، وأنه لا يُحْكَمُ لهم بالإسلام إلا بعد مرور هذه المدة، وبعد ثبوت تَيَقُّنِهم بكل ما هو مطلوب منهم إذا دخلوا في الإسلام، أو يتم التأكد من أنهم دخلوا في الإسلام عن رغبة، لا عن مكيدة للإسلام وأهله!!
وسيأتي -إن شاء الله تعالى- موقفُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مِنْ حاطِبٍ عندما فَعَلَ ما يدل على أنه والَى المشركين, وكيف استفصل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عما حَمَلَهُ على فِعْلِ ما نهى الله عنه، وهذا دليل على الفرق في إجراء الأحكام بين حالتَيْ الإدخالِ في الإسلام لمن كان كافرًا في الأصل، وحالةِ إخراج المسلم من الإسلام بعد دخوله فيه, وكل هذا من باب الترغيب في الدخول في الإسلام, والمبالغة في حَقْنِ الدماء المعصومة, والعمل بالظاهر دون الغَوْصِ في السرائر، أما فِكْر الغلو في التكفير للأفراد والمجتمعات فيغلِّب جانب إهدارِ الدماء، وإخراجِ المسلمين من الإسلام جماعاتٍ وأفرادًا, علماءَ وعامةً، وهذا بخلاف مقصود الشرع، أو على الأقل؛ فإن هذا الفكر يؤدي إلى فتح الباب المؤدِّي إلى ذلك، وهذا كله على خلاف ما أراد الشرعُ الحنيف([69]).
فإن قيل: لا يُحكم بإسلام رجل أصلًا إلا بعد معرفته معنى «لا إله إلا الله» نفيًا وإثباتًا، ثم يدخل في الإسلام وهو بهذا القدر من المعرفة، وإلا فلا؟!
فالجواب: أن هذا القول مع مخالفته للأدلة العامة والخاصة؛ فهو قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ، وخلافُ الأدلة والواقع العملي، وأسأل صاحب هذه المقالة: معلوم أن الناس كانوا يدخلون في الإسلام وفودًا وأفرادا، بل كانوا يعلنون الدخول في الإسلامـ وهم أبناء مجتمع كامل، إذا فَتَحَهُ الفاتحون، وكثير من أبناء هذه الدول كانوا أعاجِمَ: فرسًا كانوا، أو أتراكًا، أو بربرًا، أو أقباطًا، أو كتابِيِّين، أو غير ذلك، فقد كانوا أصحابَ دياناتٍ مختلفةٍ: كتابية، ووثنية، كُلُّهم أو جُلُّهم لا يَنْطِقُ بالعربية أصلا، فضلا عن فَهْمِهِم لمعاني المصطلحات الشرعية، والفرق بين الرب والإله، ومعنى الدين والعبادة، وكون كلمة التوحيد تتضمن نَفْيًا وإثباتًا … إلخ؟
فحال الفاتحين معهم لا يَخْرُج عن ثلاثِ حالاتٍ:
أ- إما أن الفاتحين بعلمائهم وقادتهم كانوا يَحْكمون لهذه المجتمعات والطوائف والأفراد بالإسلام، بمجرد إعلان إِذْعَانِهم للدين الجديد، ودخولهم فيه، وقبولهم له في الجملة، بالقول، أو الفعل، أو الإشارة، مع أنهم لا يَفْهَمُون العربيةَ أصلًا، فضلًا عن معنى كلمة التوحيد، التي لا يَفْهَمُهَا كثيرٌ من أبناء العرب اليوم، إلا بعد دراسة، وشرح، وتفصيل، بل النُّخبة وعِلْيةُ القوم في زماننا لا يكاد يعرف الكثير أو الأكثر منهم أن هذه الكلمة تَنْفِي شيئًا وتُثْبِتُ آخَرَ، إلا بعد الدراسة في كتب أهل العلم الشرعي، السائرين على منهج السلف، فأكثرهم يظن أن كلمة: «لا إله إلا الله» معناها أن الله موجود، أو لا خالق ولا رازق إلا الله، فإذا كان الأمر كذلك -وهم من أبناء العرب، وربما كانوا من وُجهاء الناس وأعيانهم، بل ومن عِلْيتهم، بل ومن علمائهم- وأن الفاتحين حَكَموا للأعاجم بالإسلام عندما أعلنوا دخولَهم فيه، مع جَهْلِهِم بالنَّفْيِ والإثباتِ، بمجردِ النُّطْقِ بالشهادتين، وعدم إظهار ما يخالفهما، ولم يشترطوا عليهم حال الحُكْمِ بإسلامهم ضرورة العِلْمِ بمعنى الشهادتين قبل الحكم لهم بالإسلام، مع احتمال أنهم دخلوا في الإسلام عن رغبة في حطام الدنيا، أو رهبة من جيوش الفاتحين؛ فهو رَدٌّ مُفْحِمٌ بلا شك على قائل هذه المقالة.
ب- وإما أن الفاتحين كانوا يُبْقُونهم على أحكام الكُفر التي كانوا عليها قبل ذلك، ولا يَشْهَدون لهم بالإسلام، حتى يتعلموا اللغة العربية أولًا، ثم يتعلموا مدلول الشهادتين، وماذا يجب عليهم في الدين الجديد، وإنْ أخذ ذلك وقتًا طويلًا من الزمن!! فهذا قَوْلٌ مردودٌ، يَشْهَدُ التاريخُ ببطلانه، وإلا فَلْيَذْكُر مُدَّعي ذلك مَرْجِعًا واحدًا، أو نَقْلًا عن إمامٍ مُعْتَبَرٍ واحدٍ يَدُلُّ على ذلك!!
ج- وإما أنهم كانوا يتوقفون في إسلام هذه المجتمعات بجُمْلتها، أو الوفود، فلا يَحْكُمُون لهم بالكُفر ولا بالإسلام؛ حتى يُعَلِّموهم اللغة العربية، ومدلول كلمة التوحيد، وغير ذلك، ولا دليل لصاحب هذا القول المُبْتَدَعِ على قوله!! والأمر لا يخرج عن هذه الحالات الثلاث.
فَثَبَتَ يقينًا صحة القول الأول، وهو الحكم بإسلام من أعلن دخوله في الإسلام، ثم يُعَلَّم من عقائد الإسلام وشرائعه شيئًا فشيئًا بما يُمْكِنُه العِلْمُ والعَمَلُ به -مع تقديم الأوْلى من ذلك- وإن طالتْ المدة، أو ماتَ الرجلُ قبل البدء معه في ذلك أو إتْمَامِهِ، فإن أتى بنقيض ذلك كُفرًا أو فسقًا؛ بقي في دائرة الإسلام، وعُلِّم الحُكْمَ الشرعي فيما صدر منه، ويُحكم عليه بما يستحق حسب قبوله أو رفضه بعد ذلك، وحسب حاله ومعرفته، والله أعلم.
(ج) ومن الأدلة على ذلك: قصة الرجل المشرك الذي كان إذا مَالَ على طائفة من المسلمين قتلها, وأَنْزَلَ بها النكاية، فلما رآه أسامة بن زيد -حِبُّ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وابنُ حِبِّهِ رضي الله عنهما- أَخَذَتْهُ الغيرةُ الإيمانيةُ على الدماء المسلمة التي أراقها -ظُلمًا وإسرافًا- هذا المشركُ, فلما رَفَع أسامَةُ -رضي الله عنه- عليه السيف لِيَقْتُلَه؛ قال هذا المشركُ عندما رَأَى بريقَ السيف: لا اله إلا الله, فظن أسامةُ أنه ما قالها إلا تعوذًا من السيف؛ إذْ لو كان مؤمنًا حقًّا، ويريد بكلمته هذه الدخولَ صادقًا في الإسلام؛ لَرَدَعَهُ إيمانُه عن فِعْلِه القبيح بالمسلمين قُبيْل كلمته هذه بقليل, فَقَتَلَهُ أسامةُ -رضي الله عنه- غضبًا منه لله — ولدينه، وأوليائه, فلما عَلِمَ رسول الله -صلى الله عليه وعلى وآله وسلم- بذلك أَنْكَر عليه، وقال: «أَقَتَلْتَهُ بعد أن قال لا إله إلا الله» فاعْتَذَر أسامةُ بما سَبَقَ, ولولا إنكارُ رسولِ الله -صلى عليه وعلى آله وسلم- عليه؛ لكان لِعُذْره -رضي الله عنه- وجاهةٌ ما عند كثير من الناس؛ لِمَا سَبَقَ من حال هذا المشرك قبل هذه الكلمة, لكن العِبْرَةَ في إنكار رسول الله -صلى عليه وعلى آله وسلم- لا فيما اعْتَذَر به أسامةُ, فقد قال أسامة معتذرًا: ما قالها إلا تَعَوُّذًا يا رسول الله, فقال له رسول الله -صلى عليه وعلى آله وسلم-: «هلا شَقَقْتَ عن قلبه؛ لتعْلَم أَقَالَها تعوُّذًا أم لا؟» فقال أسامَةُ -وقد أدرك خطأَهُ-: اسْتَغْفِرْ لي يا رسول الله, فقال له رسول الله -صلى عليه وعلى آله وسلم-: «كيف أنتَ إذا جاءَتْ لا إله إلا الله يومَ القيامة»؟! فكرر أسامة طَلَبَ الاستغفار, ورسولُ الله -صلى عليه وعلى آله وسلم- لم يَزِدْ على قوله: «كيف أنت إذا جاءتْ لا إله إلا الله يوم القيامة»؟! حتى قال أسامةُ: حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لم أَكُنْ أَسْلَمْتُ قبل يومئذ!!([70]).
وَجْهُ الشاهد من هذه القصة: أن رسول الله -صلى عليه وعلى آله وسلم- حَكَمَ بإسلام الرجل لمجرد الكلمة التي قالها مع قيام الشبهة حوله, وهي أنه قال ما قال تعوُّذًا من السيف، لا رغبة في الإسلام، وقَبِل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الرجل إسلامَهُ مع هذا الحال دون تَرَدُّدٍ، وأَهْمَل العَمَل بالشُّبهة في حالة الحكم بالدخول في الإسلام، ولم يرفُضْ كلمته للشبهة الواردة، أو لم يتوقف في الحكم بإسلامه مُدَّةً من الزمن، حتى يطمئن إلى صحة قَصْدِه واختياره للإسلام عما سواه من الأديان!!
وكذلك الشبهة إذا قامت حول مسلمٍ قد ثَبَتَ دخولُه في الإسلام، ثم وقع في مُكَفِّر, وكان هناك احتمالٌ بتكفيره, واحتمالٌ آخر ببقائه على الإسلام؛ فنحن نحكم ببقائه على الإسلام؛ حَقْنًا لدمه، وعملًا بالأصل المتيقَّن -وهو كونه من جملة المسلمين قبل الطارئ عليه- حتى يَثْبُتَ خلافُه؛ إذ لا تكفير مع الاحتمال، فالشبهة تُراعَى عند الإخراج من الإسلام لا عند الإدخال في الإسلام, وهذا من باب تغليب حَقْن الدماء على إهدارها, والترغيب في الدخول في الإسلام، الذي هو دين الرحمة، فأين هذا ممن يدّعي أن الخطأ في الحكم بإسلام مَنْ حَوْلَ إسلامه شُبْهة، كالخطأ في تكفير مَنْ حَوْلَ تكفيره شُبْهة، فهل يَسْتَوِيَان مَثَلًا؟!
* قال النووي — في «شرح مسلم»([71]): «وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلا شَقَقْتَ عن قلبه؛ حتى تَعْلَمَ أقالها أم لا»؟ الفاعلُ في قوله: «أقالَها» هو القلبُ، ومعناه: أنك إنما كُلِّفْتَ بالعمل بالظاهر وما يَنْطِقُ به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فَأَنْكَرَ عليه امتناعَهُ من العمل بما ظَهَر باللسان، وقال: أفلا شَقَقْتَ عن قلبه؛ لتنظر: هل قالها القلب واعتقدَها، وكانت فيه أم لم تَكُنْ فيه، بل جَرَتْ على اللسان فَحَسْبُ، يعني وأنت لَسْتَ بقادر على هذا؛ فاقْتَصِرْ على اللسان فحَسْبُ، ولا تَطْلُبْ غيره». اهـ
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية — كما في «مجموع الفتاوى»([72]): «وَلَمَّا قَالَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَقَتَلْته بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا. قَالَ: «هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبِهِ»؟ وَقَالَ. «إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» وَكَانَ إذَا اُسْتُؤْذِنَ فِي قَتْلِ رَجُلٍ يَقُولُ: أَلَيْسَ يُصَلِّي، أَلَيْسَ يَتَشَهَّدُ؟ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: إنَّهُ مُنَافِقٌ. قَالَ: «ذَاكَ» فَكَانَ حُكْمُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ كَحُكْمِهِ فِي دِمَاءِ غَيْرِهِمْ، لَا يَسْتَحِلُّ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا بِأَمْرِ ظَاهِرٍ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ نِفَاقَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ؛ وَفِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ نِفَاقَهُ…. اهـ
وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة»([73]): «ومنها: أنهم -أي أهل السنة- لا يُكَفِّرون أحدا معينا، أو طائفة معينة من أهل القبلة، ويَتَحَرَّجُون من ذلك؛ لإنكار النبي -صلى الله عليه وسلم- على أسامة بن زيد بن حارثة قَتْلَه رجلا من الكفار بعد أن قال: لا إله إلا الله، ولم يَقْبَلْ من أسامة اعتذاره عن قَتْلِهِ بأنه قالها متعوذًا؛ لِيُحْرِزَ بها نَفْسَهُ، بل قال له: «أفلا شَقَقْتَ عن قلبه؛ حتى تَعْلَمَ أقالها أم لا» يعني: أقالها خالصا من قلبه أم لا؟ إلا إذا أتى بما هو كُفْر واضحٌ، كإنكاره لمعلوم من الدين بالضرورة، أو مخالفةٍ لإجماعٍ قاطعٍ، وتأويلِهِ لنصوصٍ صريحةٍ لا تَقْبَلُ التأويلَ، ثم لم يرجع عن ذلك بعد البيان، وقد لَزِمَ إمامُ الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب — طريقةَ أهل السنة والجماعة، وسار على أصولهم، فلم يُكَفِّر أحدا معينا، ولا طائفةً مُعَيَّنة من أهل القبلة بمعصية أو تأويل أو بدعة إلا إذا قام الدليل على الكفر بذلك، وثَبَتَ البلاغُ والبيانُ». اهـ
* وقال شيخنا الألباني([74]) — كما «في موسوعة العلامة الألباني في العقيدة»([75]): «فلذلك ينبغي التحفظُ والاحتياطُ من إطلاق الكفر على مسلم يَشْهَد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وبهذه المناسبة أُذَكِّر بالحديث الصحيح المعروف بأن رجلًا من أصحاب الرسول — لَقِيَ مُشْرِكًا، وبَدَءَا بالمبارزة والمقاتلة، فلما صار المشركُ تحت ضربة سيف المسلم؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالاه، بل قَتَلَهُ، فلما بَلَغَ خبرُه النبيَّ – صلى الله عليه وآله وسلم – غَضِبَ غَضَبًا شديدًا، وأنكر على الرجل المسلم الصحابي الذي قَتَلَ ذلك المشرك، حينما سمع منه تلك الكلمةَ الطيبةَ: «لا إله إلا الله»، قال: يا رسول الله! ما قالها إلا فرارًا من القَتْل، قال: «هلَّا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ» هنا الشاهد «هَلَّا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ» ظاهر هذا المشرك الذي كان يقاتل المسلم على دينه في تلك اللحظة، التي شَعَر بأنه أَصْبَحَ تحت ضربة سيف الصحابي قال: أشهد أن لا إله إلا الله، الظاهر أنه ما قالها إلا تَقِيَّةً، لكن مع ذلك اعْتَدَّ -عليه الصلاة والسلام- بهذه الكلمة الطيبة، ونهى ذلك الصحابيَّ عن فِعْلَتِهِ التي فَعَلَها». اهـ
نعم، ولا يَلْزَمُ من الحُكْم بالإسلام عَدَمُ التَّحَرِّي مطلقًا ممن تقوم حول إيمانه شُبْهَةٌ، فقد حَكَمَ الله -جل شأنه- بإيمان المهاجرات، مع طلب الامتحان لهن، بسبب الشبهة الطارئة على صِدْقِهِن في الهجرة والإيمان، حيث شاع أن هناك من تهاجر منهن وراء رَجُلٍ تريد أن تتزوجه، وأن هناك من تهاجر منهن نكاية بزوجها المشركِ، لا حُبًّا في الإسلام، ولما سَيَنْبَنِي على ذلك أيضًا مِنْ رَدِّ المَهْر لأزواجِهِن الكفارِ، وغير ذلك.
ومع وجود هذه الشبهة القوية، ومع وجود الأمر بالامتحان؛ فقد حكم الله بإيمانهن، كما قال تعالى: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ] {الممتحنة:10} فسمّاهن -سبحانه وتعالى- «مؤمنات» مع وجود الشبهة والأمر بالامتحان، وإنما جُعِل الامتحان لما سيترتب على ذلك من أحكام، ومنها جواز نكاحهن من رجال المسلمين، لا التوقُّفُ في حُكْم بإيمانهن، فإن الحكم بإيمانهن مجزوم به في أول الآية، ولاشك أن الأحكام المترتبة على إيمانهن لا يُكْتَفَى فيها بمجرد الإيمان الظاهر، فلا تعارض بين قبول إسلام مَنْ أَظْهَر ما يدل على إسلامه، وبين التحري والحذر عند الشبهة التي تقوم حوله في التعامل معه، أو مع مَنْ يَتَعَلَّقُ أَمْرُه به، مع إبقاء حُكْم الإسلام عليه، وأما التوقُّف في إسلام من أَظْهَر شعيرةً إسلاميةً حتى يُمْتَحَن، فلا هو بمسلم ولا هو بكافر طيلة هذه المدة؛ فَبِدْعَةٌ وضَلَالَةٌ لم يَقُلْ بها أَحَدٌ من سلف الأمة وأئمة القرون المفضلة، وعلى القائل بها أن يُشَيِّدَ أركانَها بأَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ، وإلا فما أَسْهَلَ الدعاوى العريضةَ على كثير من الناس، فإذا جاء التحقيقُ والتوثيقُ؛ قَعْقَعَ وانْقَطَعَ!!!
(د) وبنحو ذلك في عدم الالتفات إلى الشبهة عند الحكم بالدخول في الإسلام أو عصمة الدم: ما ذكره المقداد بن الأسود -رضي الله عنه- لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا رسول الله, أرأيت لو أن رجلًا ضربني بسيف, وأراد قَتْلِي, فقطَع يدي, ولاذَ مِنِّي بشجرة, فلما تَمكَّنْتُ منه؛ قال: أَشْهَد أن لا إله إلا الله, أفَأَضْرِبُهُ؟ قال: «لا تَقْتُلْه؛ فإنه بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أن تَقْتُلَهُ, وإنك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أن يقول كَلِمَتَهُ التي قال»([76]).
وللعلماء -رحمهم الله- كلامٌ في تفسير المراد بالمنزلة هنا: وأن المراد بذلك مَنْزِلَةِ عِصْمَةِ الدم وإهدارِهِ.
فقد قال ابن حبان — في «صحيحه»([77]): «قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن قَتَلْتَهُ؛ كان بمنزلتك قبل أن تَقْتُلَه» يريد به أنك تُقْتَل قَوَدًا؛ لأنه كان قبل أن يُسْلِمَ حلالَ الدم، وإذا قَتَلْتَهُ بعد إسلامه؛ صِرْتَ بحالةٍ تُقْتَلْ ومِثْلَهُ قَوَدًا به، لا أَنَّ قَتْل المسلم يوجب كُفْرا يُخْرج من الملة؛ إذِ اللهُ قال: [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ] {البقرة:178}.
* وقال الخطابي –: «معناه: أن الكافر مباحُ الدَّمِ بحُكْمِ الدين قبل أن يُسْلِم، فإذا أَسْلَم؛ صار مُصَان الدم كالمسلم، فإنْ قَتَلَهُ المسلمُ بعد ذلك؛ صار دَمُهُ مباحا بحق القصاص، كالكافر بحق الدين، وليس المرادُ إلحاقَهُ في الكُفر، كما تقوله الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة، وحاصِلُهُ: اتِّحَادُ المنزلتين مع اختلاف المَأْخَذِ، فالأول: أنه مِثْلُكَ في صَوْن الدم، والثاني: أنك مِثْلُهُ في الهَدْر…»([78]). اهـ
* وقال القاضي عياض –([79]): «قال ابن القصار([80]) وغيره: «معناه: أنه بمنزلتك قبل أن تَقْتُلَهُ، من تحريم الدم والعصمة من القتل لإيمانه، وأنت مِثْلُهُ من إباحة دمه لِكُفْرِهِ قبل أن يقولها، وأنت بعد قوله بإباحة دمك لقتلك إياه، والقصاصِ له، يريد لولا علة التأويل المسقط عنك حُكْمَ القصاص، وقيل: معناه: إنك مِثْلُه قبل أن يقولها في مخالفة الحق، وارتكاب الإثم، وإن اختلفتْ أنواعُ المخالفة والإثم، فَيُسَمَّى إِثْمُهُ كفرًا وشركًا، وإثمُكَ معصيةً وفسوقًا»([81]). اهـ. ومعلوم أن أهل السنة لا يكفِّرون المسلم بكبيرة القتل إلا إذا استحلها.
فهذا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد حَكَم بإسلامه وعِصْمة دمه مع الشبهة، وهذا بخلاف صنيع المخالفين.
(هـ) وبنحو ذلك أيضًا قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {النساء:94} وسبب نزولها الذي يذكره المفسرون: أن سَرِيَّةً من المسلمين مرُّوا على رجل في غُنيمات له, ولعله كان يُخْفِي إسلامه، فلما رآهم؛ فرِح بهم، وقال: السلام عليكم؛ فقتلوه, ظنًّا منهم أنه ما قال ذلك إلا تَعوُّذًا من السيف, فنزلت الآية تأمرهم بالتَّثَبُّتِ والتَّبَيُّنِ قبل التكفير والعقوبة, بل ذُكِر الأمر بالتبين مرتين في آية واحدة؛ لأهمية التبين قبل الإقدام على تكفير مسلم, وقَتْلِهِ.
هذا، ولم يُؤمَر بالتَّبَيُّنِ في الحكم بدخول كافر في الإسلام، وإبقاء اسم الكفر عليه -أو التوقف في الحكم عليه- حتى يَتَّضِحَ أمره، هذا مع وجود احتمالُ أنه ما أظْهَر الإسلام إلا مَكِيدَةً في الإسلام وأهله, أو أنه أسلم وهو لا يفهم اللغة العربية، ولا يدري أكثر وأهم الأمور المطلوبة منه في الدين الجديد، والآية عامة إلى قيام الساعة؛ فتشمل من تَشَهَّد وهو عربي، يعرف معنى كلمة: «لا إله إلا الله»، ومن هو أعجمي، أظهر أي علامة تدل على رغبته في الإسلام، ولو بالإشارة إن عجز عن نُطق الشهادتَيْن، وقد سبق بيان حُكْمِ الله تعالى بامتحان المؤمنات المهاجرات لما قامتْ حولهن شُبْهة تَقْدَحُ –إن صحَّتْ- في أصل إسلامهن، ومع ذلك سماهن مؤمنات, ولم يكفِّرْهُنَّ، ولم يحكم بالتوقف في الحكم بإيمانهن، فلا هُنَّ مؤمنات، ولا هن كافرات!!! فإن ذلك مصادم لصريح الآية: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ …] {الممتحنة:10} فالآية أثبتت لهن حكم الإيمان والهجرة، ولو كُنَّ مشركات؛ لَحَبِطَتْ هجرتُهن وبقيةُ أعمالهن، ولم يُطْلَق عليهن لا وصف الإيمان ولا الهجرة، فصح أن الحكم بالإسلام حَسَب الظاهر لا ينافي الامتحان بسبب شُبْهَةٍ طارئَةٍ، كما سبق.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: [ﯕ ﯖ ﯗ ] بعد الامتحان؟
فالجواب: فإن تأكدتم من إيمانهن، وعلمتم أنهن هاجَرْنَ يُرِدْن الإسلام؛ فلا ترجعوهن إلى الكفار … فالعلم المستفاد بعد الامتحان عِلْمُ تحقيق، والحكم بإيمانهن قبل الامتحان؛ هو حُكْمٌ بالظاهر، الذي أُمِرْنا بالعمل به.
(و) ومن ذلك: الحكمُ بإسلام المنافقين مع ما يظهر منهم من خَبِيثِ سرائرهم في لَحْنِ القول.
فكل هذا يدل على أن الشريعة جاءت بالتسهيل في قبول ما يدل على الإسلام؛ ترغيبا للناس في دخولهم في الإسلام، وعدم نُفْرَتِهِم منه، ومبالغةً في حَقْنِ الدماء وصيانتها، وأما الإخراج من الإسلام فشديد، ويترتب عليه سَفْكُ الدماء وغير ذلك، ولذا فلا بد فيه من استيفاء شروط ذلك الحكم وانتفاء موانعه، والخطأ في العَفْو أهْوَنُ ضررًا من الخطأ في العقوبة، فأين التسوية المزعومة بين الأمرين؟!
فإن قيل: إننا أُمرنا بمعاملة المنافقين حسب ظاهرهم، وهم يظهرون الإسلام، ونكِل سرائرهم إلى الله — فليس لك دليل في هذا علينا.
فالجواب: المنافقون مع إظهارهم الإسلام، كانت تَظْهَر منهم فَلَتَاتٌ على ألسنتهم تدل على قبيح سريرتهم، وهذه شبهةٌ تدور حول صِدْقِ إيمانهم، وهي كافية إن ظَهَرَتْ منهم على الحكم بردتهم، وكان الرسول
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يكتفي بوعظه إياهم، وتذكيرهم بالله
— ولم يُلْغِ حُكْمَ الإسلام السابق لهم، مع أن المنافقين دخلوا في الإسلام بنية غير صادقة، ولم يَسْلم المسلمون من أذيتهم ووشايتهم وخيانتهم، وكل هذه قرائنُ لو لا العمل بالأصل الأصيل -وهو التقيد في الحكم بالظاهر دون السرائر- لَسُفِكَتْ دماؤهم، وسُلِبَتْ أموالهم … إلخ!!!
وسيرة المنافقين تدل على ذلك: فقد قال ابن سلول: [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ] {المنافقون:8}، وهذا كُفْر مُجَرَّدٌ، إذْ جَعَلَ الرسولَ –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن معه من المؤمنين المهاجرين الأَذَلِّين، وهو ومن معه ممن هم على شاكلته الأعزاء، وكانوا إِذَا [ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ] {البقرة:14} وأي كُفْر بعد هذا؟ ودبَّروا المكايد مع اليهود والمشركين لاستئصال المسلمين، وإزالة دولتهم، وما أَمْرُ مسجد الضرار عنا ببعيد، وهل هناك موالاةٌ كبرى بعد هذا؟ ورَبَطُوا مصيرَهم بمصير الكفار والمشركين من أهل الكتاب، كما قال تعالى ذاكرًا كلامهم: [ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ] {الحشر:11} وخَذَلُوا صفوف المسلمين يوم أُحد والخندق، ورجع ابن سلول بثلث الجيش، حتى هُزِم المسلمون، وكانوا يَغْتَمُّون لنصر المسلمين، ويَفْرحون بهزيمتهم، فإذا ضَعُفَتْ قوةُ المسلمين في موقفٍ ما؛ أظهروا شيئًا من مكنونهم القبيح، وسلَقوا المؤمنين بأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، فإذا كانت الدائرة للمؤمنين؛ اتخذوا أيمانهم جُنَّةً وَوِقَايَةً من العقوبة، وهذه كلها شبهاتٌ قويةٌ، أو تكاد أن تكون دلائلَ قَطْعِية، تَقْدَحُ في صحة مَقْصَدهم وإخلاصِهم، وقد نزل القرآن يؤيد ذلك، والنفاق كفر أكبر، بل هو من أَشَدُّ الكفر وأَقْبَحُه، ولذا قال تعالى: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ] {النساء:145} ومع ظهور أشياء من مكنونهم الفاسد، وإخبار القرآن بحقيقة ما هم عليه، وأي دليل أعظم من إخبار العليم بمكنوناتهم؛ فقد كان رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقْبَلُ منهم أَيْمانهم، ويستغفر لهم، ويَكِلُ أَمْرَهُم وسرائرهم إلى الله، ويستمر في الحكم بإسلامهم؛ إذْ لم يُظْهروا الإصرار على قولهم، ولِحِرْصِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على تثبيت قاعدة: الحُكْم بالظاهر، وظاهرهم الإسلام، ولم يُصِرُّوا على بقائهم على ما ظهر منهم من مُكَفِّرات، بل يعتذرون، ويقولون: كُنَّا نخُوضُ ونلعب، وفي النهاية حلفوا أيمانًا فاجرة على براءتهم، ومع إخبار القرآن بحقيقتهم إلا أننا مطالبون في الدنيا بالعمل بالظاهر، وإقامة الحجَّة قبل العقوبة، وعند إقامة الحجة يفْلتون من العقوبة بما سبق ذِكْره من قبيح حالهم!!
وفي صلاة رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على ابن سلول -رأس النفاق- وكلام عمر –رضي الله عنه- مع الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بترك ذلك؛ خَيْرُ دليلٍ على هذا، كل هذا مع الشبهة، بل هي حقيقة المنافقين، لا أنها في حقهم مجرد شبهة؛ لتصريح القرآن بذلك، لولا شبهة في الظاهر باتخاذهم أَيْمَانَهُم الفاجرةَ جُنَّةً لهم، والإكثارِ من قَسَمِهِم بأنهم ما أرادوا كذا، أو أنهم فعلوا ما فعلوا لعجزهم، أو لخوفهم… أو نحو ذلك من الأعذار التي نَسَفَها القرآن الكريم نَسْفًا!!
وهل يَشُكُّ عاقل في أن الشبهة التي كانت تُثار حول عدم صِدْق المنافقين في الدخول في الإسلام، أقوى وأشد من شبهة جَهْل من أعلن دخوله في الإسلام حُبًّا له، وفرحًا بتعاليمه السامية، التي ترجمها له الفاتحون -إلى حَدٍّ ما- واقعًا عمليًّا: من العدل، والعفة، والأمانة، والرحمة، والوقوف عند حدود الله …الخ، غير أنه لا يفهم اللغة العربية، ولا يدري أن القرآن حَرَّمَ صُوَرًا مُعَيَّنةً من الشرك، فوقع فيها وهو يظنها من الإسلام، أو أنها مما يُتقرَّب بها إلى الله –؟! فإذا حُكم بإسلام المنافق المُتَمَرِّد الفاجر، الذي قال الله فيه وفي إخوانه: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ] {النساء:145} مع وجود الشبهة حوله؛ فلَأَنْ يُحْكَم بإسلام الجاهل المحب للإسلام، الفَرِح بدخوله فيه، السعيد بانتصاراته، ولكنه يَقَعُ في الشرك عن جهل أو خطأ من باب أَوْلَى، والله أعلم.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية — كما في «مجموع الفتاوى»([82]): «وتجوز الصلاة خَلْفَ كُلِّ مسلم مستور باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أُصَلِّي جُمْعَةً ولا جماعةً إلا خَلْفَ مَنْ أَعْرِفُ عقيدتَهُ في الباطن؛ فهذا مُبْتَدِعٌ، مخالِفٌ للصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم. والله أعلم».
(ز) ومما يدل على الاستفصال عند ورود الاحتمال في الإخراج من الإسلام أيضًا: قصةُ حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- عندما أَرْسَل كتابًا إلى كُفار قريش، يُخْبِرُهم بتجهيز الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جيشًا لفتح مكة([83]) وقد سَمَّى الله — هذا الفِعْلَ منه موالاةً للكفار, وإلقاءً إليهم بالمودة، وإسرارًا إليهم بها، فقال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {الممتحنة:1} فَسَمَّى الله -جل جلاله- فِعْلَهُ موالاةً للكفار, وإلقاءً وإسرارًا بالمودة إليهم, وَوَصَفَ مَنْ فَعَل ذلك بأنه قد ضَلَّ سواء السبيل, ومع ذلك فلم يُكَفِّر الله -جَلَّ شأنه- ولا رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حاطبًا -رضي الله عنه- بعينه, بل ذكر الله -جَلَّ وعلا- الخطابَ للمؤمنين عامةً، فقال سبحانه: [ﭿ ﮀ ﮁ …] وحاطِبٌ داخل في عموم ذلك دخولًا أوليًّا, لأنه هو الذي اتخذ الأعداء أولياء في هذه الواقعة، وهو سبب نزول هذه الآيات، وسبب النزول قَطْعي الدخول، كما يقول أهل الأصول([84]).
والمراد: أن الشخص الذي كان سببًا في النزول داخل في معنى الآية بلا شك؛ لأنها نزلت بسببه، وأمّا ما كان في معناه؛ فيدخل في الآية على وجه الرجحان، ويقال: الأَصْلُ عمومُ المعنى، وليس خصوصَ السبب.
وأيضًا: فالموالاة تنقسم إلى قسمين:
– موالاةٌ تامةٌ مُكَفِّرةٌ, وهي ما كانت عن حُبٍّ ممن يدَّعي الإسلامَ لدينهم, ورغبةٍ في نُصْرَتهم, وإجلالٍ وتعظيمٍ لهم.
– وموالاةٍ ناقصةٍ غير مُخْرِجة من الإسلام، وهي ما كانت عن حُبٍّ في دنياهم, أو خشيةِ المسلم على دنياه، مع كراهية دينهم الباطِلِ، وحِرْصه على بقائه على الإسلام.
«قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ: أَرَأَيْت الْمُسْلِمَ يَكْتُبُ إلَى الْمُشْرِكِينَ من أَهْلِ الْحَرْبِ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ غَزْوَهُمْ، أو بِالْعَوْرَةِ من عَوْرَاتِهِمْ، هل يُحِلُّ ذلك دَمَهُ، وَيَكُونُ في ذلك دَلَالَةٌ على مُمَالَأَةِ الْمُشْرِكِينَ؟ قال الشَّافِعِيُّ – تَعَالَى-: لَا يَحِلُّ دَمُ من ثَبَتَتْ له حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ؛ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ، أو يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصَانٍ، أو يَكْفُرَ كُفْرًا بَيِّنًا بَعْدَ إيمَانٍ، ثُمَّ يَثْبُتَ على الْكُفْرِ، وَلَيْسَ الدَّلَالَةُ على عَوْرَةِ مُسْلِمٍ، وَلَا تَأْيِيدُ كَافِرٍ بِأَنْ يَحْذَرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ منه غِرَّة؛ لِيَحْذَرَهَا، أو يَتَقَدَّمَ في نِكَايَةِ الْمُسْلِمِينَ بِكُفْرٍ بَيِّنٍ» فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ: أَقَلْتَ هذا خَبَرًا، أَمْ قِيَاسًا؟ قال: «قُلْتُهُ بِمَا لَا يَسَعُ مُسْلِمًا عَلِمَهُ عِنْدِي أَنْ يُخَالِفَهُ، بِالسُّنَّةِ الْمَنْصُوصَةِ، بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ» فَقِيلَ لِلشَّافِعِيِّ: فاذكر السُّنَّةِ فيه، … فَسَاقَ خَبَرَ حاطِبٍ([85]). اهـ.
فهذا الشافعي — لم يَحْكُم بكُفْر من فعل ذلك بمجرد هذا الفعل، وهي لا شك موالاةٌ، كما سماها القرآن الكريم، والشافعي في جماعة من العلماء لا يَرَوْنَ قَتْلَ الجاسوس المسلم، بل يَرَوْن تعزيره فقط، ومعلوم أن الجاسوس ينقل أخبار المسلمين للكفار، ويُحِبُّ نَصْر الكفار طمعًا في دنياهم، أو أَخْذهم الحذَر من المسلمين … إلخ ما جاء في قصة حاطب -رضي الله عنه-.
* قال القرطبي –: «مَنْ كَثُر تَطَلُّعُهُ على عورات المسلمين، ويُنَبِّه عليهم، ويُعْرِّف عَدُوَّهم بأخبارهم؛ لم يَكُن بذلك كافرا، إذا كان فَعَله لغرض دنيوي، واعتقادُهُ على ذلك سليم، كما فَعَلَ حاطبٌ حين قَصَدَ بذلك اتِّخَاذَ اليَدِ، ولم يَنْوِ الرِّدَّةَ عن الدين»([86]). اهـ. وهناك تفاصيل أخرى في أمر العَيْن أو الجاسوس ليس هذا موضعها.
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «وَقَدْ تَحْصُلُ لِلرَّجُلِ مُوَادَّتُهُم؛ لِرَحِمِ أَوْ حَاجَةٍ، فَتَكُونُ ذَنْبًا يَنْقُصُ بِهِ إيمَانُهُ، وَلَا يَكُونُ بِهِ كَافِرًا، كَمَا حَصَلَ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بلتعة: لَمَّا كَاتَبَ الْمُشْرِكِينَ بِبَعْضِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ] {الممتحنة:1} وَكَمَا حَصَلَ لِسَعْدِ بْنِ عبادة: لَمَّا انْتَصَرَ لِابْنِ أُبيّ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ، وَاَللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَلِهَذِهِ الشُّبْهَةِ سَمَّى عُمَرُ حَاطِبًا مُنَافِقًا، فَقَالَ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: «إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا» فَكَانَ عُمَرُ مُتَأَوِّلًا فِي تَسْمِيَتِهِ «مُنَافِقًا» لِلشُّبْهَةِ الَّتِي فَعَلَهَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أُسَيْد بْنِ حُضْير لِسَعْدِ بْن عبادة: كَذَبْت لَعَمْرُ اللَّهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ، إنَّمَا أَنْتَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُم: مُنَافِقٌ، وَإِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ نَوْعِ مُعَاشَرَةٍ وَمَوَدَّةٍ لِلْمُنَافِقِينَ»([87]). اهـ.
* وقال العلامة السعدي([88]) –: «لأن التولِّيَ التامَّ يُوجِب الانتقالَ إلى دينهم، والتولِّيَ القليلَ يَدْعُو إلى الكثير، ثم يَتَدَرَّجُ شيئًا فشيئًا؛ حتى يكونَ العَبْدُ منهم»([89]). اهـ.
* وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن([90]) –: «إن المولاة تنقسم إلى قسمين:
أولًا: موالاةٌ مطلقةٌ عامةٌ: وهذه كُفْر صريح، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التَّوَلِّي، وعلى ذلك تُحْمَل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كَفَر.
ثانيًا: موالاة خاصَّةٌ: وهي موالاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سِرِّ رسولِ الله –صلى الله عليه وسلم- في غزوة مكة، كما هو مذكور في سبب نُزُول سورة الممتحنة»([91]). اهـ.
* وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن –-: «وأما قوله تعالى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ] {المائدة:51}، وقوله: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {المجادلة:22} وقوله: [ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ] {المائدة:57} فقد فَسَّرَتْه السنة، وقَيَّدَتْه وخَصَّتْه بالموالاة المطلقة العامة.
وأصل الموالاة هو: الحُبُّ والنُّصْرَةُ والصَّدَاقَةُ، ودون ذلك مراتبُ مُتَعَدِّدَةٌ، ولكل ذنب حظُّه وقِسْطُه من الوعيد والذم؛ وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروف في هذا الباب وفى غيره، وإنما أُشْكِل الأَمْرُ، وخَفِيَتْ المعاني، والْتَبَسَتْ الأحكامُ على خُلوف من العَجَم والمولَّدين، الذين لا درايةَ لهم بهذا الشأن، ولا ممارسةَ لهم بمعاني السنة والقرآن»([92]). اهـ.
وقد نهى الله — عن موالاة الكفار, فقال -سبحانه وتعالى-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ] {المائدة:51}، وقال -تبارك وتعالى-: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ] {النساء:138، 139}. ويقول -سبحانه وتعالى-: [ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ] {الحشر:11} .
* ومما يدل أيضًا على أن الموالاة قسمان: أن البراءةَ من المشركين وموالاةَ المؤمنين كلاهما أَصْلٌ من أصول الدين، وهما قرينان، ومتلازمان، ولا يلزم من التقصير في أمر موالاة المؤمنين الكفر، فإن المؤمن قد يقع في معاداة المؤمنين -وهو مأمور بموالاتهم- ومن ذلك ظُلْمُهم، والبغْيُ عليهم، وربما قَتَل بعضُهُم بعضًا، ومعلوم أن أهل السنة لا يُكَفِّرون من قتل مسلمًا لمجرد القتل، وأيُّ عداوةٍ عمليةٍ أَشَدُّ من القتل؟ وأيُّ تضييعٍ لجزء عظيم من موالاة المؤمن أَعْظَمُ من قَتْلِهِ، وتَيْتِيم أَطْفَاله، وتَرْمِيلِ نسائه؟ فهذا تضييع لجزء كبير من أصل موالاة المؤمنين، ومع ذلك فلا يلزم منه الكفر، فكذلك قد يقع من المسلم تضييع لجزء كبير من البراءة من المشركين -ومن ذلك مَوَادَّتُهم، وإِفْشَاءُ سِرَّ المسلمين لهم حبًّا في الدنيا، لا رغبة في دينهم- وهذا كله موالاةٌ لهم، ولا يَلْزَمُ من ذلك الكُفْرُ، سواءٌ بسواءٍ.
فإن قيل: إن حب دين المشركين وتفضيله على دين المسلمين كفْر أكبر بمجرده من غير موالاة عملية، أَيْ أنه يلزم من ذلك التكفير بمجرد الموالاة العملية دون التقييد بقول من يقول: «حبًّا لهم في دينهم» أو نحو ذلك.
فالجواب: ليس هذا بلازم؛ لأننا نقول: من استحل قتل المؤمن لإيمانه يَكْفُر -بعد مراعاة الشروط وانتفاء الموانع- وإن لم يَقْتُل أصلًا، مع أنه لا يَكْفُر بمجرد القتل مع إقراره بحرمة دم المؤمن لإيمانه، وكذا من اسْتَحَلَّ أيَّ كبيرة يَكْفُر، وإن لم يرتكبها أصلًا، مع أن الكبيرة لا يُكفَّر بها لمجردها.
وفي قول الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لحاطب: «ما حَمَلَكَ على ما صنعتَ يا حاطب»؟ دليل وتربية لنا على التريُّث في أمر المعين قبل إطلاق التكفير على أمر يَحْتَمِلُ التكفير وما دونه؛ لأن فِعْلَ حاطب يحتمل الأمر المكفِّر من الجهة النظرية -إن كان عن رغبة في دين المشركين- كما يحتمل ما دونه، إن كان قد صدر منه ذلك عن رغبة في دنياهم فقط، أو للمحافظة على دنياه معهم، ومع ذلك فالمرء إذا أَتَى بأَمْرٍ لا يحتمل إلا الكفر؛ فهناك أمر زائد على ذلك، وهو: أنه ينبغي التريُّث في إطلاق الكُفْر عليه بعينه، حتى نتأكد من استيفائه شروطَ الحكم بالتكفير وانتفاء موانعه عنه, أم لا؟ فإذا تخلّف شَرْطٌ, أو وُجِدَ مانِعٌ؛ فلا تكفير، هذا في الفعل الصريح في الكفر، فكيف بالفعل الذي يحتمل التكفير وما دونه؟!
ولما حَمَل عمر -رضي الله عنه- فِعْلَ حاطب -رضي الله عنه- على الكُفر الأكبر -وهو النفاق الموجب لضرب العنق- بَّين له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن الأمر ليس كذلك.
ولما قال حاطب -رضي الله عنه-: والله يا رسول الله, ما فَعَلْتُهُ رغبةً في الكفر, ولا رِدَّةً عن ديني, ولكن لكل واحد منكم قرابةٌ في مكة, وأنا أَعْلَمُ أن الله ناصِرُكَ, وليس لي عندهم قرابةٌ, ولي صبيانٌ عندهم, فأَرَدْتُ أن تكون لي يَدٌ عندهم؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَدَقَ حاطبٌ» فلما استأذن عمر في قَتْله؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما يُدْرِيك يا عُمَرُ، لَعَلَّ الله اطَّلَعَ على أهل بَدْرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم؛ فقد غَفَرْتُ لكم» وفي هذا الجواب عدة فوائد، منها:
1- الاسْتِفْصَال عند وُرُود الاحتمال في مقام الحكم بالكفر والعقوبة عليه، لقوله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما حَمَلَكَ على ما صَنَعْتَ يا حاطب»؟
2- العِبْرَةُ بجواب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقبوله ما قال حاطب -رضي الله عنه- لا باستئذان عمر في القتل؛ لأن الرسول
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَدَّ على عمر رَأْيَهُ بقَتْل حاطب، فهو دليل خاص في إعْذار حاطبٍ، أمام الدليل العام الذي اسْتَدَلَّ به عمر، بأنه منافق لما فَعَلَ، فالخاص يُقَدَّم على العام.
3- أن إخبار الكفار بأحوال المسلمين وعوراتهم عَمَلُ المنافقين، الذين يَسْتَحِقٌّون عليه أَلِيمَ العقاب؛ لأن رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُنْكِر على عمر -رضي الله عنه- حُكْمَهُ على حاطب ابتداء، باعتبار أن حُكْم عمر -رضي الله عنه- مَبْنيٌّ على ظاهر الحال، الذي أُمِرْنا بالعمل به لا بالسرائر، وقد يكون هذا كفرًا مخرجًا من الملة، وقد يكون دون ذلك، كما سبق من كلام القرطبي.
4- لقد حدّد جوابُ حاطب –رضي الله عنه- متى تكون الموالاة كُفرًا أو دونه، وهذا بيّنٌ من قوله -رضي الله عنه-: «والله ما فَعَلْتُهُ رَغْبَةً في الكُفْر، ولا رِدَّةً عن ديني، … ولي صِبْيَانٌ -أي في مكة عند قريش- فَأَرَدْتُ أن تكونَ لي يَدٌ عندهم» وإلا كان هذا الجواب في حق حاطب غير مطابق للسؤال: «ما حَمَلَكَ على ما صَنَعْتَ»؟ ولولا صِحَّةُ هذا الجواب، ومطابقتُه لحقيقة ما عليه حاطب؛ ما قال رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَدَقَ حاطب».
5- قول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- السابقُ في أهل بدر ليس معناه: وإن كَفَرَ الرجل من أهل بدر؛ فهو مغفور له؛ لأن الكفر يُحْبِطُ عَمَل صاحب الرسالة -لو فرضنا عقلا إمكان وقوع ذلك منه, فضلًا عن الرجل البدري- إلا أن الله — قد عصم رُسُلَهُ -على نبينا وعليهم أَفْضَلُ الصلاة والسلام- ومع ذلك فلو وقع هذا منهم؛ لَحَبِطَ عَمَلُ من وقع منه ذلك، لقوله تعالى: [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ] {الزمر:65} فهل يكون مَنْ شَهِدَ بدرًا لا يَكْفُر إن وقع –فرضًا- في الكفر، فيكون بذلك أَعْظَمَ مكانَةً عند الله من صاحب الرسالة ؟
6- معلوم أن الذنوب ثلاثة أقسام: صغائر, وكبائر, وشرك, أو كفر، فالصغائر: تُغْفَر باجتناب الكبائر، وذلك حُكْم عام لأهل بدر وغيرهم, لقوله تعالى: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ] {النساء:31} أي نكفِّر عنكم ما دون الكبائر من السيئات، وهي الصغائر, ومعلوم أيضًا أن الشرك لا يُكَفِّره إلا التوبة، لقوله تعالى: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ] {النساء:48} وهذا أيضًا عامٌّ في أهل بدر وغيرهم, إذًا فماذا بقي خَصِيصَةً ومَزِيَّةً لأهل بدر عن غيرهم، كما يدل عليه الحديث السابق؟ يُنْظر هذا في موضعه، وللعلماء عدة تفسيرات لهذا الحديث([93]).
والكبائر لا يُكَفِّرها إلا التوبة, وإلا فصاحبها المُصِرُّ عليها معرَّض للوعيد, وأهل بدر وغيرهم في ذلك سواء، لكن أهل بدر لم يُعْلم عن أحد منهم الإصرارُ على انتهاك حرمة الله دون تأويل، وأما إقامة الحد: فقد نقل القاضي عياض — الإجماعَ على إقامة الحَدَّ على البَدْرِيِّ أيضًا إذا ارْتَكَبَ ما يوجِبُهُ, وقد أقام الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الحَدَّ على مِسْطَحٍ، وهو بَدْرِيٌّ([94])، وأقام عُمَرُ الحَدَّ على قدامة بن مظعون بعد استشارة بعض الصحابة، وقدامةُ بَدْرِيٌّ أيضًا.
* قال النووي — في «شرح مسلم»([95]): قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لعل الله اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم؛ فقد غُفِرَ لكم» قال العلماء: معناه: الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإنْ تَوَجَّهَ على أحد منهم حَدٌّ أو غيره أُقِيم عليه في الدنيا، ونَقَل القاضي عياضُ الإجماعَ على إقامة الحد، وأقامه عمر على بعضهم. قال: وضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- مِسْطَحًا الحَدَّ، وكان بدريا.
* وقال الإمام ابن القيم — في «مفتاح دار السعادة»([96]): «من قواعد الشرع والحكمة أيضًا: أن من كَثُرَتْ حسناتُهُ وعَظُمَتْ، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهِرٌ؛ فإنه يُحْتَمل له مالا يُحْتَمل لغيره، ويُعْفَى عنه ما لا يُعْفَى عن غيره؛ فإن المعصية خَبَثٌ، والماءُ إذا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِل الخَبَثَ، بخلاف الماء القليل؛ فإنه يَحْمِلُ أَدْنى خَبَثٍ، ومِنْ هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر: «وما يُدْرِيك، لَعَلَّ الله اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم؛ فقد غَفَرْتُ لكم» وهذا هو المانع له -صلى الله عليه وسلم- مِنْ قَتْل من جَسَّ عليه وعلى المسلمين [يعني: تجسس، ونقل أخباره إلى الأعداء] وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه شَهِدَ بَدْرًا، فدل على أن مُقْتَضِي عقوبته قائم، لكن مَنَعَ من تَرَتُّبِ أَثَرِهِ عليه ما له من المَشْهَد العظيم، فوقَعَتْ تلك السَّقْطَةُ العظيمةُ مُغْتَفَرةً في جَنْب ما له من الحسنات .
وهذا أمر مَعْلُومٌ عند الناس، مُسْتَقِرٌّ في فِطَرِهم: أن من له أُلُوفٌ من الحسنات؛ فإنه يُسامَحُ بالسيئة والسيئتين ونحوها …
* كما قيل:
| وإذا الحَبيبُ أَتَى بذنْبِ واحِدٍ | جاءتْ محاسنُهُ بألفِ شفيعِ |
* وقال آخر:
| فإن يَكُنِ الفعلُ الذي ساءَ واحدًا | فأَفْعَالُهُ اللاتي سَرَرْن كثيرُ» |
انتهى .
* وقال السهارنفوري — في «بذل المجهود»([97]): «كأنه تعالى عَلِمَ منهم أنه لا يجيء منهم ما ينافي المغفرة، فقال لهم: «اعْمَلُوا ما شِئْتُم»؛ إظهارًا لكمال الرضا عنهم، وأنه لا يُتَوقع منهم من الأعمال بحسب الأعَمَّ الأغلب إلا الخير، فهذا كناية عن كمال الرضا، وصلاح الحال، وتوفيقهم غالبًا للخير».
وذكر الحافظُ ابنُ حجر — في «الفتح» اتفاقَهُم على أن البِشَارَةَ المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا: من إقامة الحدود وغيرها، وبهذا تَظْهَر المزيةُ التي لأهل بدر –رضي الله عنهم-.
وأما حاطبٌ فلم يُقِمْ النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الحَدَّ عليه، وقَتْلُ الجاسوس المسلم موضعُ خلافٍ بين العلماء، فمنهم من يرى تَعْزِيرَهُ كالشافعي وطائفةٍ، ومنهم من يرى قَتْلَهُ إن لم يَتُبْ، ومنهم من يرى قَتْلَهُ وإن تاب، ومنهم من يرى أن الأمر راجِعٌ إلى الإمام، يَقْتُلُهُ أو يُعَزِّرُهُ بغير القتل… إلخ، والله أعلم.. اهـ
فظهر من هذا: أن جواب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على عمر يُشير إلى أن ما حَصَل من حاطب موالاةٌ من قِسْمِ الكبيرة، لا من قِسْمِ الشركِ الموجِبِ للنفاق والقتل.
والمقصود هنا: أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي قَبِلَ إسلام مَنْ قَتَلَهُ أسامةٌ -رضي الله عنه- لنُطْقِه بالشهادة مع وجود الشُّبهة، وحذَّر المقدادّ -رضي الله عنه- من الإقدام على قتْل مَنْ ضَرَبَهُ بسيفه، وقَطَع يده, وقد أراد قَتْلَهُ، فمنعه من ذلك رسولُ الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِنُطْقِهِ بالشهادة مع وجود الشبهة أيضًا, وَوَدَى بني جَذِيمة الذين قَتَلَهُم خالدٌ -رضي الله عنه-, ولم يُحْسِنوا أن يقولوا: أَسْلَمْنا, فقالوا, صَبَأْنا, صَبَأْنا, وقال: «اللهم إنِّي أَبْرَاُ إليك مما صَنَعَ خالدٌ»([98]) قاله مرتين، وكان في كَلِمَتِهِم بالإسلام شبهة من أَجْلِها قَتَلَهُم خالد -رضي الله عنه-.
كما قَبِلَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إسلامَ الوفود مع احتمال أن يكون بينهم كثير أو قليل من المنافقين الذين مَرَدُوا على النفاق من الأعراب الذين هم حول المدينة, وهو -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا يَعْلَمُهم, والله — وحده هو الذي يَعْلَمُهم، كما قال تعالى: [ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {التوبة:101}، والمنافقون يًضْمرون العداوة، وتَظْهَر بعضُ سرائرهم القبيحة في لَحْن القول وغيره، وهذه شُبْهَةٌ تَقْدَحُ في صحة إيمانهم لو أظهروها، وكلُّ هذا التَّسْهِيل في جهة الإدخال في الإسلام.
ولما حَدَثَ مِنْ حاطب أَمْرٌ يحتمل التكفير وغيره -وهذا في جهة الإخراج من الإسلام- لم يَحْمِلْه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- على الكفر ابتداءً, بل سأَلَهُ واسْتَفْصَلَه, فقال: «ما حَمَلَكَ على ما صَنَعْتَ يا حاطِبٌ؟» وصَدّقَهُ على قوله بأنه لم يَفْعَلْ ما فَعَلَ رغبةً في الكفر, وأَنْكَرَ على عمر عندما حَمَلَ فِعْلَه على النفاق الموجِب للقتل, واسْتَأْذَنَ النبيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ضَرْب عُنُقِهِ, وإن كان غيرُ حاطب قد يفعله نفاقًا وردةً، كل هذا يدل على أن الشريعة جاءتْ بالتسهيل والتيسير وإهمال الشبهة في أمر الإدخال في الإسلام, كما جاءتْ بالتشديد والاستفصال ومراعاة الشبهة في أمر الإخراج منه, فكيف يُدَّعى أنهما سواء؟! أو أن المخطئ في الحكم بإسلام كافر، بمنزلة المخطئ في الحكم بتكفير مسلم؟!
(ح) ومن الأدلة أيضًا على التفرقة بين الخطأ في الحكم بالإسلام، والخطأ في الحكم بالتكفير قاعدة: «الخَطَأَ في العَفْوِ أَسْهَلُ من الخطأ في العقوبة»، وهي مأخوذة من عمومات في الشريعة، ومن حديث: «لأن يخطئ أحدكم في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»([99])، وهو مع ضَعْفِهِ من جهة الإسناد؛ إلا أنه موافق لمقاصد الشريعة، وعليه عمل العلماء سلفا وخلفا، ومن ذلك الحِفَاظُ -ما أَمْكَنَ- على الدماء والأموال والأعراض، ولا يُنْتَهَكُ شيءٌ من ذلك إلا بحجة لا تُدْفع، وذلك أن من أخطأ في العفو, وظَهَرَ له خَطَؤه بعد ذلك؛ فإنه يُمْكِنُهُ الاستدراكُ لما فاتَهُ, بخلاف من أخطأ، فكفَّر رجلًا, فقُتِلَ هذا الرجلُ رِدَّةً, ثم اتَّضَحَ له بعد ذلك أن الحُكْمَ بكُفْره كان خطأ -والخطأ واردٌ على الجميع- فلا يُمْكن الاستدراكُ بعد ذلك!! فكيف تُدَّعى التسوية بين الأمرين مع وجود هذه الأدلة النقلية والعقلية المفرِّقة بينهما؟
(ط) وكذا قاعدة: ادْرَأُوا الحدود بالشبهات, وقد رُوي ذلك مرفوعًا، ولا يَصِحُّ([100])، إلا أن العمل عليه؛، لما سبق.
(ي) وأيضًا: فإن الأصل إبقاء ما كان على ما كان، ولا يُنْقل عنه إلا ببينة، والشريعة قد بينت لنا متى نَحْكُم على المسلم بالكفر، فمن حُكِمَ له بالإسلام؛ فلا يُخْرَجُ منه إلا بيقين, فالأصْلُ إِبْقَاءُ ما كان على ما كان، حتى يَرِدَ دليلٌ لا يُدْفَعُ، يكون ناقلا لهذا الأصل، وحصولُ اليقين هذا لا يكون مع وجود شَكٍّ في تكفيره، أو احتمالٍ في ذلك, بخلاف الحال عند الحكم بدخوله الإسلام، ولأنه لا تكفير مع الاحتمال، وفي المقابل: فإنه يُحْكم بإسلام من أَظْهَرَ الإسلام مع احْتِمَالِ أن لا يكون كذلك، ثم تَجْرِي عليه أحكامُ الإسلام، حتى يَظْهَر منه ما يخالف ذلك كفرًا أو فسقًا أو عصيانًا بأمرٍ واضحٍ جليٍّ.
فهذه أدلة ظاهرة على عدم التسوية بين الخطأ في تكفير مسلم, والخطأ في الحكم بإسلام كافر, ومع أن الواجب التحري في الحق ما أمكن؛ إلا أن الخطأ في تكفير مسلم أَعْظَمُ عند الله, وسيرةُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- القولية والعملية تدل على ذلك أيضًا, وكذا أحكام وقواعد علماء وقضاة الإسلام، والله أعلم.
(شُبْهَةٌ والجوابُ عليها):
فإن قيل: قال الإمامُ المُجَدِّدُ محمدُ بن عبد الوهاب –: «وبالجملة: فيجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، ولْيَحْذَرْ من إخراجِ رجلٍ من الإسلام بمجرد فَهْمِه؛ فإنّ إخراجَ رجلٍ من الإسلام، أو إدخالَهُ فيه من أعظم أمور الدين … وقد استزلّ الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة؛ فَقَصَّرَ بطائفة؛ فحَكَمُوا بإسلام من دَلَّتْ نصوصُ الكتاب والسنة والإجماع على كُفْرِه، وتعدّى بآخرين؛ فَكَفَّرُوا مَنْ حَكَمَ الكتابُ والسنةُ والإجماعُ بأنه مُسلم»([101]).
والجواب عنها: كلام الشيخ -رحمة الله عليه- صريح في عدم تكفير إلا مَنْ دَلَّتْ نصوصُ الكتاب والسنة والإجماع على كُفْره، والمراد بذلك من كفَّره الله ورسوله والإجماع بعينه، كفرعون وقومه، وأبي لهب، … وغيرهم، أو كفَّر طائفة هو منهم، كتكفير من قال: إن الله ثالث ثلاثة، ونَحْوِهِ من مقالات اليهود والنصارى، وليس المراد من كفَّرتموه أنتم باجتهادكم العاري عن أصول وضوابط أهل السنة والجماعة، وقد نقلتُ في هذا الضابط كلامَ أَهْلِ العلم في تفسير قولهم: «من لم يُكفِّر الكافر؛ فهو كافر» فارجع إليه.
- خامسًا: ومن الأمور التي يجب التنبيه عليها: أن كلامنا في هذا الكتاب إنما هو في الرجل المسلم المحكوم بإسلامه, إذا وقع في مُكَفِّر, فلا بد عند إخراجه من الإسلام الذي ينتمي إليه من مراعاة شروطٍ وموانِعَ, أما الكافر الأصلي –الذي لم يَدْخُلْ في الإسلام أصلًا: كتابيًّا كان أو وثنيًّا- فردًا كان أو طائفة, أو أمة, فليس كلامنا في ذلك, بل من حكم على اليهود والنصارى الذين بلغهم خبر نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يؤمنوا به، فأعرضوا عنه، وكَفَرُوا به، وحاربوا دينه وأتباعه، وتَمَسَّكُوا بدينهم الذي قبل البعثة النبوية، فحكم عليهم بأنهم مسلمون، مؤمنون، وأنهم أهلُ حق وديانة صحيحة ومُحْكَمة، وأهلٌ لدخول الجنة بعد بلوغهم خبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ فهو إما جاهل مُلَبَّس عليه, أو شاكٌّ في حُكْم الله, الذي أنزله في كتابه، أو ما جاء عن نبيه –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو معانِدٌ، والأَمْرَان الأخيران مُكَفِّران بعد الاستتابة؛ والجاهِلُ الملبَّسُ عليه يُعَلَّم, وذلك لأن الله قد نفى الإسلام عمن كان كذلك في القرآن الكريم، وحَكَمَ الله بكُفْر هؤلاء في القرآن في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: [ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ] {البينة:1}، وقوله تعالى: [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ] {المائدة:73}، وقوله سبحانه: [ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ] {المائدة:72}، وقوله تعالى: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ] {المائدة:82}، وقول رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «والذي نَفْسُ محمد بيده, لا يَسْمَعُ بي أحدٌ من هذه الأمة: يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ, ثم يَمُوتُ، ولم يُؤْمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به؛ إلا كان من أصحاب النار»([102])، فلو اتبعوا –حقا- رُسُلَ الله المرسَلين إليهم -على نبينا وعليهم الصلاة والسلام- لآمنوا بالنبي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فهذا حُكْم الإسلام فيمن لم يؤمن برسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأما مسألة كيفية التعامل معهم، والتفرقة بين المحارب وغيره ومراعاة المصالح والمفاسد، وحالة القوة والضعف؛ ففيها تفاصيل أخرى، معروفة في كتب أهل العلم، يُرجع إليها في مواضعها.
* قال أبو محمد ابن حزم([103]) –: «فصح بما قُلْنَا: أن كُلَّ من كان على غير الإسلام، وقد بَلَغَهُ أَمْرُ الإسلام؛ فهو كافر، ومن تأول من أهل الإسلام فأخطأ، فإن كان لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ، ولا تَبَيَّن له الحقُّ؛ فهو معذور مأجور أَجْرًا واحدا لطلبه الحقَّ، وقَصْدِهِ إليه، مغفور له خطؤه؛ إذْ لم يَعْتَمِدْهُ؛ لقول الله تعالى: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ] {الأحزاب:5} وإن كان مصيبًا؛ فله أجران: أَجْرٌ لإصابته، وأَجْرٌ آخر لطلبه إياه، وإن كان قد قامت الحجةُ عليه، وتَبَيَّنَ له الحَقُّ؛ فعَنَدَ عن الحق، غَيْرَ معارض له تعالى ولا لرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فهو فاسِقٌ لجراءته على الله تعالى، بإصرارِهِ على الأمر الحرام، فإن عَنَدَ عن الحق معارِضًا لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فهو كافر مرتد حلال الدم والمال، لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد في أي شيء كان من الشريعة، وبين الخطأ في الفتيا في أي شيء كان على ما بينا قبل»([104]). اهـ.
لذا فقول من قال: «من لم يكفِّر الكافر؛ فهو كافر» محمول على من لم يُكَفِّر الكفار الأصليين الذين صرح القرآن وصَرَّحَتْ السنة بتكفيرهم، وكذلك مَنْ صَرَّح الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكفره بعينه: كفرعون, وأبي لهب, وهامان, وقارون…الخ.
* قال القاضي عياض — في «الشفاء»([105]): «ولهذا نُكَفِّر من لم يُكَفِّر من دان بغير ملة الإسلام من الملل، أو وَقَفَ فيهم، أو شَكَّ، أو صَحَّحَ مَذْهَبَهم، وإن أَظْهَر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطالَ كُلِّ مذهَبٍ سواه؛ فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك».
وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة»([106]): ومن أصول الإسلام: أنه يجب اعتقادُ كُفْر كُلِّ من لم يَدْخُلْ في الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم، وتسميتُهُ كافرا ممن قامت عليه الحجة، وأنه عَدُوُّ الله ورسوله والمؤمنين، وأنه من أهل النار، كما قال تعالى: [ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ] {البينة:1}، وقال -جل وعلا-: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] {البينة:6}، وقال تعالى: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ] {الأنعام:19}، وقال تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {إبراهيم:52} وغيرها من الآيات، وثَبَتَ في «صحيح مسلم» أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «والذي نَفْسِي بيده، لا يَسْمَع بي أَحَدٌ من هذه الأمة: يهودِيٌّ ولا نصرانِيٌّ، ثم يَمُوتُ، ولم يُؤْمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به؛ إلا كان من أهل النار». ولهذا فمن لم يُكَفِّر اليهود والنصارى؛ فهو كافر، طردا لقاعدة الشريعة: «من لم يُكَفِّر الكافر بعد إقامة الحجة عليه؛ فهو كافر».. اهـ
قلت: فتأمَّل أين استدل علماء اللجنة -جزاهم الله خيرًا- بهذه القاعدة؟ لقد أنْزَلُوها على مَن لم يُكَفِّر الكافر الأصلي، لا على المسلم الذي وقع في مُكَفِّر، وتوقَّف في تكفيره من يقول: لابد قبل تكفيره من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع؛ بل ظاهر كلامهم هنا اشتراطُ إقامة الحُجَّة قبل تكفير اليهودي والنصراني، فإن حُمِلَ هذا على من لم يسمع بالإسلام أصلًا؛ فذاك، وإلا فلا تشترط إقامة الحجة في تكفير اليهودي والنصراني الذي يسمع بالإسلام منذ عَقَل، ولكنه على دين قومه، فهو كافر بدخوله في دين قومه، وإعراضه عن الإسلام، سواء أقيمت عليه الحجة أم لا، والله أعلم.
* وقال الشيخ بكر أبو زيد — في «معجم المناهي اللفظية»([107]): «يجب على كل مسلم اعتقاد كُفْر من لم يدخل في هذا الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم، وتسميتُهُ كافرًا، وأنه عَدُوٌّ لنا، وأنه من أهل النار… ولهذا: فمن لم يُكَفِّر اليهودَ والنصارى؛ فهو كافر، طَرْدًا لقاعدة الشريعة: من لم يُكَفِّر الكافر؛ فهو كافر».. اهـ
قلت: فتأمل كلام الشيخ — أيضًا؛ فهو على منوال كلام اللجنة الذي قبله.
أما المسلم الذي فعل فعلًا ما، واختُلف في تكفيره بسبب الأمر الطارئ عليه، سواء كان ذلك للاختلاف في دلالة الدليل: هل هذا الفعل أو الترك صريح في التكفير أم لا؟ وكذلك إذا سلمنا بصراحة الدليل في الكفر؛ فهل المعيَّن قد استوفى شروط التكفير وانتفت عنه موانعه، وزالتْ عنه شُبْهَته أم لا؟ ففي هذه الحالة أو تلك لا تُطبَّق قاعدة: «من لم يُكفِّر الكافر؛ فهو كافر» والحالُ كذلك، وإلا لزم من ذلك تكفير كثير من الأئمة الأعلام، الذين اختلفوا في تكفير كثير من الأعيان، والله أعلم.
وقد صرّح بعض أهل العلم بضرورة التريّث في تكفير المسلم:
فقد نَقَل القاضي عياضٌ — في «الشفا»([108]) في (فصل تحقيق القول في إكفار المتأَوِّلين) عن العلماء المحققين قولَهم: «إنه يجب الاحترازُ من التكفير في أهل التأويل؛ فإن استباحَةَ دماء المُصَلِّين المُوَحِّدِين خَطَرٌ، والخَطَأُ في تَرْك أَلْفِ كافِرٍ أَهْوَنُ من الخطأ في سَفْكِ مَحْجَمَةٍ من دَمِ مسلمٍ واحدٍ».
* وقال الغزالي –([109]): «والذي ينبغي: الاحتراز عن التكفير ما وَجَدَ له سبيلا؛ فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأُ في تَرْكِ ألف كافر في الحياة؛ أَهْوَنُ من الخطأ في سَفْكِ دمٍ لمسلم واحد»([110]).
وكذا الكلام في السني الذي وقع في بدعة تُخْرِج من دائرة السنة، وإن لم تُخرج من الإسلام -على تفاصيل في بعض البدع- وذلك بخلاف من لم ينتسب إلى أهل السنة أصلًا: كالرافضة، والجهمية، والخوارج، وغيرهم من أهل البدع، الذين يتبرؤون من الانتساب إلى منهج السلف، بل يُكَفِّرون السلفَ وأتْبَاعَهم من الأئمة، أو يُضَلِّلُونهم، أو يُفَسِّقونهم، فهؤلاء مبتدعة: علماؤهم وعوامُّهم، ولَسْنا بحاجة إلى الحكم عليهم بأنهم من أهل السنة -وهم يتبرؤون منها ومن أهلها وعلمائها، وينكرون على من نسبهم إلى أهل السنة، ويفتخرون بعداوتهم لأهل السنة- فلسنا بحاجة إلى التوقف في كونهم أهلَ بدعة أو أهلَ سنة حتى نُقِيمَ عليهم الحجة، بل نُسَمِّيهم بالفرقة التي انْتَسَبوا هم إليها، وفاخروا بنسبتهم إليها، فنقول: فلان رافضي، وفلان معتزلي، أو جهمي، أو خارجي، أو من المرجئة، ….الخ، بعد مراعاة القيود والأوصاف المذكورة بعد قليل.
وعلى ذلك؛ فهناك فَرْقٌ بين تبديع سُنّي وَقَعَ في بدعة، وتبديع من لم يَقْبَلْ طريقَةَ أهلِ السنة أَصْلًا، وانتمى إلى البدع الكبرى، المخالفة للأصول الكبرى عند أهل السنة:
فاعلم أن تبديع رجل من أهل السنة لبدعةٍ وقع فيها؛ لا بد فيه من استيفاء شروط التبديع في الشخص وانتفاء موانعها عنه، كما هو الحال في تكفير مسلم، أو تفسيقِ عدلٍ، بخلاف من لم يقبل طريقة أهل السنة أصلا، وانتصر لفرقةٍ ضالة، وانتمى إليها، ودافعَ عن أصولها المنحرفة، وعابَ على أهل السنة طريقتهم؛ فهذا يُنسب إلى الفرقة الضالة التي انتمى إليها، سواء كان داعية أو عامّيّا، كمن انتمى إلى دينٍ غير الإسلام، وعابَ على المسلمين إسلامَهُم؛ فيُلْحَقُ بالملة الكافرة التي انْتَمَى إليها، ويُدعَى المبتدع إلى السنة، ويُدعى غير المسلم إلى الإسلام.
والدليل على ذلك: صنيعُ العلماء -رحمهم الله- سلفا وخلفا، فلم يقولوا في يهودي -مثلا-: الأصل فيه أنه مسلم حتى نقيم عليه الحجة، ونراعي في أمره استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، فإن أصَرّ حكمنا بعدم إسلامه!!
بل وجدناهم يَحْكُمون عليه وعلى كل من انتمى إلى ملة غير الإسلام -سواء كان عالما أو جاهلا- بأنه غير مسلم، ويَدْعونه بدينه الذي ينتمي إليه، فيقولون: يهودي، ونصراني، ووثني، … وغير ذلك.
وكذلك الحال فيمن يتبرأ من أهل السنة، وينتمي إلى فرقة ضالة أخرى: كالرافضة، والجهمية، والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة .. وغيرهم، ويُعْلِنُون ذَمَّهم لأهل السنة، ويُكَفِّرونهم، أو يَصِفُونهم بأنهم حَشْوِيَّة، أو نواصب، أو غير ذلك من أوصاف الذم، فإذا قيل لأحدهم: أنت من أهل السنة؛ سارع في نفْي ذلك، وأَعْلَنَ البراءةَ منهم، فهذا يُنسَب إلى الفرقة التي يَفْتَخِر بانتمائه إليها، ولا يُنسَب إلى أهل السنة، ولا يقال في أمره: هو من أهل السنة، ولا يُنسَب إلى الفرقة التي ينتمي إليها، ويُوضّح له الحق، ويُدعَى إلى السنة، ثم بعد إصراره على ما هو عليه؛ يقال: هو رافضي، أو جهمي، أو خارجي ….الخ!!! فإن هذا بخلاف إطلاق العلماء عليهم لَقَبَ الفِرَق التي ينتمون إليها.
وهذا بخلاف من ينتمي إلى طريقة أهل السنة، وينافِحُ عن ذلك، ويَذُمُّ من خالفهم، ويتبرأ منهم، إلا أنه لجهله أو لخطأ في التأويل قد يوافقَ أهلَ البدع في كثيرٍ أو قليلٍ فيما يَظُنَّ -تأويلًا أو تقليدًا لعالِمٍ ما- أن ما هو عليه مما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابُهُ الكرامُ
-رضي الله عنهم- ومن تَبِعَهُم من علماء السنة، فهذا تُطبّق في حقه قاعدة: استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، قبل إطلاق حُكْمِ ما يَصْدُر منه عليه -قولا أو فعلا أو اعتقادا- والله أعلم.
- سادسًا: يجب الحَذَر عند مجالسة الدعاة إلى هذا الفكر الغالي في الأحكام على الآخرين؛ فإن هذا العمل بدعة وضلالة، ولا يلزم أن يكون الواقعُ في ذلك مبتدعًا بعينه إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، لكن مع ذلك يُحْذر من الاغترار بهم عند مجالستهم أو النظر في كُتُبهم، إلا مَن يُؤْمَن عليه من ذلك؛ لكونه راسخًا في السنة، قادرًا على ردِّ شبهات مَن تَلَوَّث ببدعة، وإن كان في الأصل من أهل السنة، فينبغي الحذرُ من كُتبهم، ورسائلهم، ومواقعهم على شبكة «الانترنت» ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها، وكذا يُحذر من مجالسة الدعاة إلى الجهة المقابلة، وهي جهة التفريط في باب الأحكام على الآخرين, والطامسين لمعالم الدين، وقواعده في الولاء والبراء، والتحذير من صُوَر الشرك، فكلاهما حاكمٌ بغير ما أنزل الله, معارضٌ لما جاء به القرآنُ الحكيمُ، والسنةُ الثابتةُ، والإجماعُ المتيقَّنُ، وقد قال تعالى: [ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ] {النساء:140}، ويقول سبحانه: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ] {الأنعام:68}.
والنصوصُ كثيرة جدًّا عن السلف في عدم مجالسة مَنْ أَحْدَثَ في الدين, إلا بتفاصيل وشروط معروفة عند أهل العلم, وأهم ذلك -هنا- أن الحَدَث أو المبتدئ يُمْنعان من ذلك، حتى تَقْوَى شوكتُهُ بمعرفة ما عليه أهلُ السنة وعلماؤهم سلفًا وخلفًا، ويُمَيِّزَ بين الحق والباطل، ويَعْرِفَ الشبهاتِ والرَّدَّ عليها، فعند ذاك يُرجَى له النجاة، والله أعلم.
* قال الإمام أحمد — كما في «النبلاء»([111]): «إياكم أن تَكْتُبوا عن أحد من أصحاب الأهواء قليلًا ولا كثيرًا؛ عليكم بأصحاب الآثار والسنن».
وفي «السنّة» للخلال([112]): عن حرب بن إسماعيل قال: سألتُ إسحاق بن راهوية، قلت: رجل سَرَقَ كتابًا من رجُلٍ فيه رَأْيُ جَهْمٍ، أو رَأْيُ القَدَرِ؟ قال: يَرْمِي به، قلت: إنّه أُخِذَ قَبْلَ أن يَحْرِقَهُ أو يَرْمِيَ به، هل عليه قَطْعٌ؟ قال: لا قَطْع عليه، قلت لإسحاق: رجل عنده كتاب فيه رَأْيُ الإرجاء، أو القَدَرِ، أو بِدْعَةٌ، فاسْتَعَرْتُه منه، فلما صار في يَدِي؛ أَحْرَقْتُهُ أو مَزَّقْتُه؟ قال: ليس عليك شيء .
* وقال أبو محمد بن أبي حاتم -رحمهما الله- كما في «شرح أصول اعتقاد أهل السنّة» للالكائي([113]): «وسمعت أبي وأبا زرعة: يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع، يُغَلِّظان في ذلك أَشَدَّ التغليظ، وينكران وَضْع الكتب برأي في غير آثار، وينهيان عن مجالسةِ أهل الكلام، والنظرِ في كتب المتكلمين، ويقولان: لا يُفْلِحُ صاحبُ كلامٍ أبدًا».
* وقال نعيم بن حماد كما في «الميزان»([114]): «أَنْفَقْتُ على كتبه -يعني إبراهيم بن أبي يحيى- خمسة دنانير، ثم أخرج إلينا يومًا كتابًا فيه القَدَرُ، وكتابًا فيه رَأْيُ جَهْمٍ، فقرأته، فعرفتُ، فقلت: هذا رأْيُك؟! قال: نعم، فَحَرَقْتُ بعضَ كُتُبِهِ، فَطَرَحْتُها».
* وقال أبو نصر عبيد الله بن سعيد السِّجزي في «رسالته إلى أهل زَبِيدٍ في الرَّدِّ على من أَنْكَرَ الحَرْفَ والصَّوْتَ»([115]): «الفصل الحادي عشر في الحذر من الركون إلى كل أحد، والأَخْذِ من كل كتاب؛ لأن التلبيس قد كَثُر، والكذبَ على المذاهب قد انْتَشَر، اعلموا -رحمنا وإياكم اللهُ سبحانه- أن هذا الفصل مِنْ أَوْلَى هذه الفصول بالضبط لعموم البلاء، وما يدخل على الناس بإهماله، وذلك أن أحوالَ أهل الزمان قد اضطربتْ، والمُعْتَمَدَ فيهم قد عَزَّ، ومن يبيع دينَهُ بعَرَضٍ يسيرٍ، أو تحَبُّبًا إلى من يراه قد كَثُر، والكذبَ على المذاهب قد انتشر، فالواجب على كل مسلم يحب الخلاصَ: أن لا يَرْكَنَ إلى كل أحد، ولا يَعْتَمِدَ على كل كتاب، ولا يُسَلّم عَنَانَهُ إلى مَنْ أَظْهَرَ له الموافَقَةَ، فمن رام النجاةَ من هؤلاء، والسلامةَ من الأهواء؛ فَلْيَكُن ميزانُهُ الكتابَ والأثرَ في كل ما يَسْمَع ويَرَى؛ فإن كان عالمًا بهما؛ عَرَضَهُ عليهما واتباعَهُ للسلف، ولا يقبل من أحد قولًا إلا طالبه على صحته بآية مُحْكَمَةٍ، أو سُنَّةٍ ثابتَةٍ، أو قولِ صحابيٍّ من طريق صحيح، ولْيَحْذَرْ تصانيفَ مَنْ تَغَيَّرَ حالُهم؛ فإن فيها العقارِبَ، وربما تعذّر التَّرْياق».
* وقال الحافظ أبو عثمان سعيد بن عمرو البردعي، كما في كتاب «الضعفاء» لأبي زرعة ضمن كتاب «أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية»([116]): «شَهِدْتُ أبا زرعة وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكُتُبِهِ، فقال للسائل: إياك وهذه الكُتُبَ، هذه كُتُبُ بدعٍ وضلالات، عليك بالأثر؛ فإنك تجد فيه ما يُغْنيك عن هذه الكُتب، قيل له: في هذه الكتب عِبْرة، فقال: من لم يكن له في كتاب الله عِبْرَةٌ؛ فليس له في هذه الكتب عِبْرَةٌ، بَلَغَكُم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صَنَّفُوا هذه الكُتُبَ في الخطرات والوساوس، وهذه الأشياء؟! هؤلاء قوم خالفوا أَهْلَ العلم، ثم قال: ما أَسْرعَ الناسَ إلى البدع».
* وقال ابن قدامة — في «لمعة الاعتقاد»([117]): «ومن السنة: هُجْرَانُ أَهْلِ البدع، ومبايَنَتُهم، وتَرْكُ الجدال والخصومات في الدين، وتَرْكُ النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكُلُّ مُحْدثةٍ في الدين بِدْعَة».
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية — كما في «مجموع الفتاوى»([118]): «ومن هذا الباب سماعُ كلامِ أهل البدع، والنظرُ في كُتبهم لمن يَضُرُّه ذلك، ويَدْعُوه إلى سبيلهم، وإلى معصية الله».
* وقال الذهبي — في «السير»([119]) بعد أن ذكر بعض كتب أهل الضلال: «فالحذارِ الحذارِ من هذه الكتب، واهْرَبُوا بدينكم من شُبَهِ الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز؛ فَلْيَلْزَمْ العبودية، ولْيُدْمِن الاسْتِغَاثَةَ بالله، ولْيَبْتَهِلْ إلى مولاه في الثبات على الإسلام، وأن يُتَوفَّى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين، والله الموفق».
* وقال ابن مفلح — في «الآداب الشرعية»([120]): وذَكَر الشيخ موفق الدين — في المنع من النظر في كتب المبتدعة، قال: «كان السلف يَنْهَوْن عن مجالسة أهل البدع، والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم».
* وقال الشيخ محمد خليل هراس — في «شرحه لنونيّة ابن القيم» —([121]) معلقًا على هذه الأبيات: «ولا يَظُنَّنَّ أحد أننا نتجنى على القوم، أو نتهمهم بغير الحق، فتلك كُتبهم تُخْبِرُ عنهم كلَّ من ينظر فيها، وتَشْهَد عليهم شهادةَ صِدْقٍ، فليقرأْها من شاء؛ ليتأكد من صحة ما نسبناه إليهم، لكنا مع ذلك نَنْصَحُ كُلَّ أَحَدٍ أن لا يقرأَ هذه الكتبَ؛ حتى لا يقعَ في حبائلها، ويَغُرَّهُ ما فيها من تزويق المَنْطِقِ، وتَنْمِيق الأفكار، لا سيما إذا لم يكن ممن رَسَخَ في علوم الكتاب والسنة قدمُهُ، ولا تَمَكَّن منهما فَهْمُهُ، فهذا لا يَلْبَثُ أن يَقَعَ أَسِيرَ شِبَاكِها، تَبْكِيهِ نائِحَةُ الدَّوْح على غُصْنها، وهو يجتهد في طلب الخلاص فلا يستطيع، والذَّنْبُ ذَنْبُهُ هو، حيث تَرَكَ أَطْيَبَ الثمرات على أغصانها العالية، حُلْوةَ المُجْتَنَى، طَيِّبةَ المَأْكَلِ، وهَبَطَ إلى المزابل وأَمْكِنَة القذارة، يتقمّم الفَضَلَات، كما تَفْعَلُ الدِّيدَانُ والحَشَرَاتُ، وما أَرْوَعَ تشبيهَ الشيخ — حال من وقع أَسِيرَ هذه الكتبِ وما فيها من ضلالاتٍ مُزَوَّقَةٍ، قد فُتِنَ بها لُبُّه، وتَأَثَّر بها عَقْلُه، بحال طَيْرٍ في قَفَصٍ، قد أُحْكِم غَلْقُه، فهو يَضْرِبُ بجناحَيْهِ طالبًا للخَلاصِ منه، فلا يَجِدُ فُرْجَةً يَنْفُذُ منها لِضِيقِ ما بين العِيدان من فُرَج، وما أَجْمَلَ أيضًا تشبيهَهُ لعقائد الكتاب والسنة بثمرات شَهِيَّةٍ كريمةِ المذاقِ على أغصانٍ عاليةٍ، بحيث لا يَصِلُ إليها فَسَادٌ، ولا يَلْحَقُها تَلَوُّثٌ، وتشبيهَه لعقائد هؤلاء الزائغين بفَضَلَاتٍ قَذِرَةٍ، وأَطْعِمَةٍ عَفِنة، أُلْقِيَتْ في إحدى المزابل، فلا يأوي إليها إلا أصحاب العقولِ القَذِرَةِ، والفِطْرَةِ المُنْتَكِسَةِ».
أصولُ وضوابطُ أهل السنة والجماعة في التفسيق والتبديع والتكفير













