(أصولُ وضوابطُ أهل السنة والجماعة في التفسيق والتبديع والتكفير)
وبعد الفراغ من هذه الأمور التي لَزِمَ التنبيهُ عليها بين يَدَي الكتاب؛ فهذا وَقْتُ الشُّروع في ذِكْر الأصول والضوابط التي أكّد عليها علماءُ السنة؛ حَذَرًا من الإفراط والتفريط:
الأول من الأصول والضوابط: الحكمُ بالكُفر أو الفِسق حُكْمٌ شرعيٌّ سَمْعيٌّ، وليس حُكْمًا عَقْليًّا، أو قائمًا على النَّظَرِ وعِلْمِ الكلام، وأدلةُ ذلك:
التكفير والتفسيق حُكْم شرعيٌّ سَمْعيٌّ, فهو حقٌّ خالِصٌ لله — ولرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو كغيره من الأحكام الشرعية من هذه الجهة, لكنه من أهم الأحكام الشرعية التي يجب الرجوع فيها إلى دليل من الكتاب والسنة والإجماع, فلا يجوز أن يكون التكفير, أو التفسيق, أو التبديع، أو التضليل راجعًا إلى هَوًى, أو عَصَبِيَّةٍ, أو ذَوْقٍ, أو عادةٍ, أو سياسةٍ, أو مَنَامٍ, أو انْتِقَامٍ وانتصار للنفس…أو غير ذلك؛ لأن الحاكم أو المُفْتي مُبَلِّغٌ عن الله — فلا بد أن يستند في كلامه إلى نَصٍّ شرعي, والأدلة على ذلك كثيرة, منها:
(أ) قوله تعالى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ] {الأعراف:33}، ويقول -سبحانه وتعالى-: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ] {الإسراء:36} ويقول
-سبحانه جلَّ شأنه-: [ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ] {النور:15} وغير ذلك من آيات.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «فلهذا كان أهلُ العلم والسنة لا يُكَفِّرون من خالفهم -وإن كان ذلك المخالفُ يُكَفِّرهم- لأن الكُفْر حُكْمٌ شَرْعيّ؛ فليس للإنسان أن يعاقِبَ بمثله: كَمَنْ كَذَبَ عليك، وزَنَى بأهلِكَ؛ ليس لك أن تَكْذِب عليه، وتَزْني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرامٌ لِحَقِّ الله تعالى، وكذلك التكفير حَقٌّ لله، فلا يُكفَّر إلا مَنْ كَفَّرَهُ الله ورسوله»([122]). اهـ.
* وقال — أيضًا: «الكفرُ حُكْمٌ شرعِيٌّ، مُتَلَقّىً عن صاحب الشريعة، والعَقْلُ قد يُعْلَم به صوابُ القول وخطؤه، وليس كُلَّ ما كان خطأ في العقل يكون كُفْرًا في الشَّرع، كما أنه ليس كل ما كان صوابًا في العقل تَجِبُ في الشَّرْع مَعْرِفَتُهُ»([123]).
وجاء في بيان مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، في دورته التاسعة والأربعين، المنعقدة في 2/ 4/ 1416هـ، برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز([124]) –: «التكفير حُكْمٌ شرعي، مَرَدُّه إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والإيجاب إلى الله ورسوله؛ فكذلك التكفير، وليس كل ما وُصِف بالكفر من قول أو فعل يكون كُفْرا أكبر مُخْرِجًا عن الملة، ولما كان مَرَدُّ حُكْمِ التكفير إلى الله ورسوله؛ لم يَجُزْ أن نكفّر إلا من دَلَّ الكتاب والسنة على كفره دلالةً واضحةً، فلا يكفي في ذلك مُجَرَّدُ الشبهة والظَّن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تُدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أَقَلُّ مما يترتب على التكفير؛ فالتكفير أَوْلَى أن يُدرأ بالشبهات، ولذلك حذر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر .. والتسرُّعُ في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة: من اسْتِحْلَالِ الدَّمِ والمَالِ، ومَنْعِ التوارث، وفَسْخِ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يَسُوغُ للمؤمن أن يُقْدِم عليه لأَدْنى شبهة؟ … وجُمْلَةُ القول: أن التَّسَرُّعَ في التكفير له خطره العظيم، لقول الله –: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ] {الأعراف:33}. اهـ([125]).
وقد تَرْجَمَ الصحابةُ الكرامُ -رضي الله عنهم- ومن بعدهم من علماء أهل السنة هذه النصوص وما في معناها ترجمةً عمليةً واضحةً صافيةً رائقةً في هذا الباب, فلم يُكفِّروا إلا من قام الدليل على كُفْره, بل إن من كفَّرهم -ظلمًا وعدوانًا وإسرافًا- لم يُكَفِّروه إذا كان لا يستحق ذلك, فالخوارج كفَّروا عليًّا وكثيرًا من الصحابة -رضي الله عنهم جميعًا-، ومع ذلك لما سئل عنهم علي -رضي الله عنه- فلم يُكَفِّرهم, مع أنهم يُكَفِّرونه, وآل أمرهم إلى أن استحلوا دمه بالتأويل الفاسد, فلما قيل له: أَكُفَّارٌ هم؟ قال: «مِنَ الكُفْر قد فرُّوا», قيل: أمنافقون؟ قال: «المنافق يَذْكُر الله قليلًا، وهم يَذْكُرون الله كثيرًا», قيل له: فما هُمْ؟ قال: «قَوْمٌ بَغَوْا علينا؛ فقاتلناهم»([126])، فلم ينتصر -رضي الله عنه- لنفسه ولإخوانه الذين قتلهم الخوارج -والواحد منهم أفضل من ملء الأرض من الخوارج- ولم يَقُل: لقد كفَّروني، وأنا مُبَشَّر بالجنة، ومناقبي مشهورة؛ إذًا فَهُمْ كُفار؛ لأن من كفَّر مسلمًا بدون حق؛ فهو أوْلى بهذه الكلمة!! هكذا كان فقْه أئمة الصحابة ومن بعدهم لهذه النصوص، لا فقه كثير من الخلف الذين لا زمام لهم ولا خطام.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –-: «فَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ بِالرَّسُولِ وَمَا جَاءَ بِهِ، وَقَدْ غَلِطَ فِي بَعْضِ مَا تَأَوَّلَهُ مِنْ الْبِدَعِ؛ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرِ أَصْلًا، وَالْخَوَارِجُ كَانُوا مِنْ أَظْهَرِ النَّاسِ بِدْعَةً، وَقِتَالًا لِلْأُمَّةِ، وَتَكْفِيرًا لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يُكَفِّرُهُمْ، لَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ حَكَمُوا فِيهِمْ بِحُكْمِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ الظَّالِمِينَ الْمُعْتَدِينَ»([127]). اهـ.
وهذا الإمامُ أحمد -إمامُ أهل السنة والجماعة- وعلماءُ عصره: قد كفَّرهم الجهميةُ, وعذّبوهم, وعاملوهم معاملة الكفار, وقتلوا بعض العلماء، كأحمد بن نصر الخزاعي, وسجنوا وعذَّبوا الآخرين لَمَّا لمْ يجيبوهم إلى مقالتهم…الخ, ومع ذلك لم يكفِّرهم بأعيانهم -في الجملة- أحمد ولا غيره لجهلهم, ودخول الشبهة عليهم, وإن كانت مقالة خَلْق القرآن قد كفَّر السلف من قال بها، بل صرَّح بكفرهم خمسمائة أو أكثر من العلماء، كما ذكر أسماءهم اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»([128])، وقال الإمام ابن القيم في «نونيته»([129]):
| ولقد تقلَّد كُفْرَهم خمسون في | عَشْرٍ من العلماء في البُلْدَانِ | |
| واللالَكائيُّ الإمامُ حكاه عنهم | بل قد حكاه قبْلَه الطبرانِي |
ومع هذا التكفير العام لمن قال بهذه المقالة لم يَحُمِ السلفُ حوله، فقد كان السلف يُصَلُّون وراء هؤلاء الأئمة, وهم يقولون بخلْق القرآن, ولا يرون نزع اليد من الطاعة, بل قد حَلَّل الإمام أحمدُ -أي سامح- الأئمة الذين عذبوه, ولو كانوا كفارًا عنده ما حَلَّلَهم, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية
–([130]).
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم – رحمهما الله- قَد عُذِّبا, وأُهينا من مبتدعة وسلاطين زمانهما, ومع ذلك فهما مِنْ أَبْعَدِ الناس عن تكفير من أساء إليهما, دَعْ عنك من هو دونهم في الإساءة إليهما!! بل قد أفتى علماء عصر شيخ الإسلام ابن تيمية بتكفيره، وقَتْلِهِ، وحِلِّ دمه، فلما تغيرت الأحوال، وأراد الأمير قتل هؤلاء؛ فزع ليستصدر الفتوى بحل دمائهم من شيخ الإسلام، فأبى عليه، وقال: «فشرعْتُ في مَدْحِهِم، والثناء عليهم، وشُكْرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجِدْ مِثْلَهم في دولتك، أما أنا فَهُمْ في حِلٍّ من حَقِّي، ومن جِهَتِي…» قال: «فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف – رأس خصوم شيخ الإسلام، وقاضي المالكية- يقول بعد ذلك: ما رأينا أَتْقَى من ابن تيمية؛ لم نُبْقِ مُمْكِنًا في السعي فيه، ولما قَدَر علينا؛ عفا عنا»([131]).
ومع أن العلماء ردُّوا على من خالفهم, وما تركوا لهم شاذّة ولا فاذَّة إلا ورجموها بشُهب الأدلة الساطعة, وحذّروا مِنْ طُرُق أهل الغواية والضلالة المكفِّرين لعلماء السنة؛ إلا أنه لم يُشْهَر عنهم -مع كثرتهم وتطاول القرون- أنهم كَفَّروا أحدًا ممن كفَّرهم بدون دليل شرعي, أو من باب رَدَّة الفعل والانتقام للنفْس، ولا يلزم الإصابة في كل الحالات, إلا أن الإصابة فيهم أكثر, وهم بين أجر وأجرين, ولذا شاع عن أهل السنة أنهم يُخطِّئون ولا يكفِّرون, فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «فمن عيوب أهل البدع: تكفيرُ بعضِهم بعضًا، ومن ممادِحِ أَهْلِ العِلْمِ: أنهم يُخطِّئون ولا يُكَفِّرون…الخ»([132])، وهذا محمول على من كان خطؤه ليس كفرًا صريحًا, أو من وقع في الكفر الصريح لكن عن خطأ, أو تأويل, أو جهل, ونحو ذلك, فكانوا حقًّا: أعلم الناس بالحق, وأرحم الناس بالخلق، بل أرحم بأهل البدع من بعضهم البعض.
* قال شيخ الإسلام كما في «منهاج السنة النبوية»([133]): «وليس في أهل الأهواء أَصْدَقُ ولا أَعْبَدُ من الخوارج، ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم; فإن الظلم حرام مطلقا كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خَيْرٌ وأَعْدَلُ من بعض الرافضة لبعض.
وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تُنْصِفُوننا ما لا يُنْصِفُ بَعْضُنا بعضًا.
وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أَصْلٌ فَاسِدٌ مَبْنِيٌّ على جهل وظلم، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين، فصاروا بمنزلة قُطَّاعِ الطريق المشتركين في ظلم الناس، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أَعْدَلُ عليهم وعلى بعضهم من بعض.
والخوارج تكفر أهلَ الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يُكَفِّرون من خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة، ومن لم يُكَفِّر فَسَّق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يَبْتَدِعُون رَأْيًا، ويكَفِّرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يَتَّبِعُون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول، ولا يكَفِّرون من خالفهم فيه، بل هم أَعْلَمُ بالحق، وأَرْحَمُ بالخلق، كما وصف الله به المسلمين بقوله: [ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {آل عمران:110}. قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس». اهـ.
ولا يلزم من ذلك أنه لا يوجد فيمن ينتمي إلى أهل السنة من هو خلاف ذلك, كلا, إلا أنهم ينكرون على من خالف ذلك منهم، وإن كان من أئمتهم, فضلًا عمن هو دونه, وهم على ما فيهم، فهم في الجملة أفضل من غيرهم من الطوائف, فما كان فيهم من شر-مع إنكاره على القريب والبعيد- فهو في غيرهم أكثر, وما كان عند غيرهم من خير؛ فهو فيهم أكثر, فلله دَرُّهم, وعلى الله أَجْرُهُم, وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى([134]).
واعلم أنه لا يمنع المرءَ من تكفير من كفَّره ظلمًا وعدوانًا إلا عِلْمٌ نافع، وورع نافذ، وإنصاف وافر، وإلا فالنفس تميل إلى الانتقام ممن أساء إليها، وإن كان محقًّا، فكيف إذا كان في ذلك مبطلًا ظالمًا؟!
الثاني من الأصول والضوابط: أن الأحكام على الناس لا تُقْبل إلا من الراسخين في العلم الشرعي, كالعلماء الكبار أهل الاجتهاد في العلم، والقضاة المُخْتَصِّين.
فإن قيل: من هم الراسخون في العلم؟ فالجواب: ذكر الإمام أحمد
— في «مقدمة الرد على الجهمية» كلاما نفيسا في مكانة أهل العلم الصادقين، وأوصاف علماء السوء، ودعاة الفتنة، فكان مما قال: «الحمد لله الذي جعل في كل زمانِ فترةٍ من الرُّسُل بقايا من أهل العلم، يَدْعُون مَنْ ضَلَّ إلى الهُدَى، ويَصْبِرون منهم على الأَذَى، يُحْيُون بكتاب الله الموتى، ويُبصِّرون بنور الله أهلَ العَمَى، فكَم مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قد أَحْيَوْه، وكَمْ مِنْ ضالٍّ تائهٍ قد هَدَوْه، فما أَحْسَنَ أَثَرَهُم على الناس، وأَقْبَحَ أَثَرَ الناس عليهم، يَنْفُون عن كتاب الله تَحْريفَ الغالين، وانْتِحَالَ المُبْطلين، وتأويلَ الجاهلين، الذين عَقَدوا أَلْوِيَةَ البدعةِ، وأَطْلَقُوا عِقَالَ الفِتْنَةِ، فهم مُخْتَلفون في الكتاب، مُخَالفون للكتاب، مُجْمِعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويَخْدعون جُهّال الناس بما يُشَبّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين».
* وقال شيخ الإسلام ابنُ تيمية — في تعريف الراسخين من أهل العلم: «.. ومَن له في الأمة لِسَانُ صِدْقٍ عامٍّ، بحيث يُثْنَى عليه، ويُحْمَدُ عليه في جماهير أجناس الأمة؛ فهؤلاء هم أئمةُ الهُدَى، ومصابيحُ الدُّجى، وغَلَطُهم قليلٌ بالنسبة إلى صوابهم، وعامَّتُهُ من موارد الاجتهاد، التي يُعْذَرون فيها ..»([135]).
* ويقول الإمام ابنُ القيم — في أوصاف الواحد من هؤلاء العلماء: «الراسخُ في العلم لو ورَدتْ عليه من الشُّبَهِ بعدد أمواج البحر ما أزالتْ يقينَهُ، ولا قَدَحَتْ فيه شَكّا؛ لأنه قد رَسَخَ في العلم، فلا تَسْتَفِزُّهُ الشبهاتُ، بل إذا وَرَدَتْ عليه ردّها حَرَسُ العلم»([136]).
* وقال –: «فقهاء الإسلام، ومن دارتْ الفُتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصّوا باستنباط الأحكام، وعُنُوا بِضَبْطِ قواعد الحلال والحرام؛ فَهُمْ في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يَهْتَدِي الحيرانُ في الظَّلْماء، وحاجةُ الناس إليهم أعظمُ من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتُهُم أَفْرَضُ من طاعة الأمهات والآباء بِنَصِّ الكتاب، قال تعالى: [ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ] {النساء:59}»([137]).
الأدلة الشرعية على هذا الأصلِ:
أ- الأدلة من القرآن الكريم:
* يقول الله تعالى: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {النحل:43}.
* ويقول -سبحانه وتعالى-: [ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] {النساء:83}.
* ويقول -جل شأنه-: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ] {السجدة:24}.
* ويقول –: [ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ] {فاطر:28}.
* ويقول –سبحانه وتعالى-: [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ] {الزمر:9}.
* وقد وَصَفَ الله -سبحانه وتعالى- أهلَ الجهل بأنهم يتّبِعُون المتشابه، ويَتِرُكُون المُحْكَمَ؛ فقال تعالى: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {آل عمران:7}.
* كما وصفهم بأنهم يَفْتَرون عليه الكذب بغير عِلْمٍ، فقال: [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ] {النحل:25}.
* ونهى الله -تعالى ذِكْره- عن القول عليه بغير علم، فقال: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ] {النحل:116}.
ب- الأدلة من السنة النبوية:
جعل الله بقاء العلماء أمانا للناس من الضلالة فقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله لا يَقْبِضُ العلمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُه، إنما يَقْبِضُ العلمَ بِنَزْع العلماء، حتى إذا لم يَبْقَ عالم؛ اتَّخَذَ الناسُ رؤوسا جهّالا، فسُئلوا فأَفْتَوْا بغير عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا»([138]).
* وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «العلماءُ ورثةُ الأنبياء ..»([139]) الحديث.
ومما يدل على جميل أَثَرِ العلماء في إطفاء الفتن: ما جاء عن يزيدَ الفقيرِ([140]) قال: كنتُ قد شَغَفَني رَأْيٌ من رَأْي الخوارج، فخَرَجْنا في عصابة ذوي عدد، نريد أن نَحُجَّ، ثم نَخْرجَ على الناس، قال: فَمَرَرْنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله([141]) يُحَدِّثُ القومَ -جالس إلى سارية- عن رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: فإذا هو قد ذَكَرَ الجَهَنَّمِيِّين، قال: فقلتُ له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تُحَدِّثُون؟ والله يقول: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ] {آل عمران:192}، و [ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {الحج:22}، فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أَتَقْرَأُ القرآنَ؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعتَ بمقام محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، يَعْنِي الذي يَبْعَثُهُ الله فيه-؟ قلتُ: نعم، قال: فإنه مقامُ محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المحمودُ، الذي يُخرج الله به مَنْ يُخْرج، قال: ثم نعتَ وَضْعَ الصراط، ومُرور الناس عليه، قال: وأخافُ أن لا أكون أَحْفَظُ ذاك، قال: غير أنه قد زعم أن قوما يَخْرُجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: -يعني- فيَخْرُجون كأنهم عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، قال: فَيَدْخُلون نَهْرا من أنهار الجنة، فَيَغْتَسِلُون فيه، فَيَخْرُجون كأنهم القراطيسُ، فرجعنا، قلنا: ويْحَكُم؛ أَتَرَوْن الشيخَ يَكْذِبُ على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فرجَعْنا، فلا والله، ما خَرَجَ منا غيرُ رجل واحد([142]).
* وقد ذكر الإمام ابن القيم — تقسيم الكفر إلى أكبر وأصغر، ثم قال: «وهذا التفصيلُ هو قولُ الصحابة، الذين هم أَعْلَمُ الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولَوَازِمِهِما؛ فلا تُتَلَقَّى هذه المسائلُ إلا عنهم؛ فإن المتأخِّرين لم يَفْهَموا مرادَهُم، فانْقَسَمُوا فريقين…»([143]) .
أما المبتدئون في الطلب, والخطباء المتحمسون بلا زمام ولا خطام، والكُتَّاب الذين اختلطت مشارِبُهم، والطلابُ الذين لم يتأهَّلوا لذلك؛ فليس لهم الحقُّ في الخوض في الأحكام على الأفرادَ -فضلا عن الطوائف والمجتمعات- وإلا أَفْسَدُوا أَكْثَرَ مما يُصْلحون, والواقعُ يَشْهَد بذلك؛ فقد كفَّر بعضُهم بعضًا بعد تكفيرهم المجتمعات، أو كثيرًا من الأفراد، فلما اختلفوا فيما بينهم في بعض المخالفين لهم؛ رَجع بعضهم على بعض بالتكفير، وربما بالتصفية الجسدية، بحجة وقوع مخالفيهم في الكفر أو العَمَالة والرِّدَّة؛ رجعوا فَكَفَّر بعضهم بعضا، وقُلْ نَحْوَ ذلك في غلاة التبديع والهجر؛ انقسموا في البلاد على فِرَقٍ شَتَّى، وهذا من شؤم الغلو والإفراط!!
والأدلة السابقة في التحذير من القول على الله بغير علم شامِلّةٌ لهذا أيضًا, ولو فُتح هذا الباب لمن دَبَّ ودَرَجَ؛ لأفسد الواحدُ منهم أمةً بأسْرها!!
ومن العجب: أنك تَجِدُ بعضَ الطلاب إذا سُئل عن شيء من أحكام المسح على الخفين، أو الشُّفْعة, أو الكفارات؛ قال: لا أَدْرِي, سَلُوا العلماء -ويُشْكر على ذلك- فإذا سُئِل عن مسائل الكُفْرِ والإيمانِ, ومَسْحِ الرقابِ, وإزهاقِ الأَنْفُس؛ أفتى في المجتمعات والأفراد -بل في السابقين واللاحقين- بجَسَارَةٍ لا تُوصَفُ، وأَفْتَى بِحِلِّ دماءٍ معصومةٍ!! فَهَلَّا تورّع عن الخوض في الأمر العظيم الخطير، وردَّ الأمر إلى أهله الكبار، كما تَوَرَّع عن الكلام في الأمر القليل اليسير؟! ألا يَسَعُهُ في الثانية ما وَسِعَهُ في الأُولى، فيقول: لا أدري, سلُوا العلماء؟! ألا يَحْمَدُ اللهَ — أن كَفَاه الله بمن يتولى هذه الأحكامَ، ويَكْفِيه المُؤَنَةَ؟! هل غاب عنه أن أمر الفتيا شديد، وأن زَلَّةَ اللسان أو القلم أَشَدُّ في الدنيا والآخرة من زلة القدم؟ لماذا هذه الجرأة في غير موضعها؟ لماذا هذه التضحية بالحسنات وتوزيعها على العِبَاد بسبب ظلمهم، وأيُّ ظُلْمٍ أَعْظَمُ من التكفير أو التبديع أو التفسيق لهم بالمجموع؟ فإذا نَفَدَتْ الحسناتُ؛ طارتْ سيئاتُ العِبَاد من ميزانهم إلى ميزانه؛ ظُلُماتٌ بعضُها فوق بعض!!
* قال الشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمهم الله جميعًا- في رَدِّهِ على مَنْ خاض في قضايا التكفير بدون أهلية:
«بسم الله الرحمن الرحيم
من: عبد اللطيف، بن عبد الرحمن، بن حسن: إلى عبد العزيز الخطيب، السلام على من اتَّبَعَ الهدى، وعلى عباد الله الصالحين؛ وبعد: فقرأتُ رسالتك، وعرفتُ مضمونها، وما قَصَدْتَهُ من الاعتذار…» إلى أن قال: «وقد رأيتُ سنة أَرْبَعٍ وسِتِّين([144]) رَجُلَيْن من أشباهكم المارقين بالأَحْسَاء، قد اعتزلا الجمعةَ والجماعةَ، وكفَّرا مَنْ في تلك البلاد من المسلمين، وحُجَّتُهم من جِنْسِ حُجَّتِكم، يقولون: أهلُ الأحساء يجالسون ابن فيروز، ويخالطونه هو وأمثالَهُ ممن لم يَكْفُر بالطاغوت، ولم يُصَرِّح بتكفير جَدِّه، الذي رَدَّ دعوة الشيخ محمد، ولم يَقْبَلْها، وعاداها .
قالا: ومَنْ لم يُصَرِّح بكُفره؛ فهو كافر بالله، لم يَكْفُرْ بالطاغوت، ومَنْ جالسه؛ فهو مِثْلُهُ، ورَتَّبُوا على هاتين المقدمتين الكاذِبَتَيْنِ الضَّالَّتَيْنِ ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام، حتى تركوا رَدَّ السلام، فَرُفِعَ إليَّ أَمْرُهُم، فأَحْضَرْتُهم، وتَهَدَّدْتُهم، وأَغْلَظْتُ لهم القولَ؛ فزعموا أولًا: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم، فَكَشَفْتُ شُبْهَتَهُم، وأَدْحَضْتُ ضلالَتَهم بما حَضَرَني في المجلس.
وأخبرتُهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يُكَفِّر إلا بما أَجْمَعَ المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورُسُله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة، وبلوغِهَا المُعْتَبَرِ، كتكفير مَنْ عَبَدَ الصالحين ودعاهم مع الله، وجَعَلَهم أندادًا له فيما يستحقه على خَلْقِهِ من العبادات والإلهية، وهذا مُجْمَعٌ عليه (عند) أهل العلم والإيمان، وكلُّ طائفةٍ من أهل المذاهب المُقَلَّدة يُفْرِدون هذه المسألةَ بباب عظيم، يَذْكُرون فيه حُكْمَها، وما يُوجب الرِّدَّةَ ويقتضيها، ويَنُصُّون على الشرك؛ وقد أَفْرَدَ ابنُ حَجَرٍ هذه المسألةَ، بكتاب سماه: «الإعلام بقواطع الإسلام».
وقد أَظْهَر الفارِسِيَّانِ المذكورانِ التوبةَ والنَّدَمَ، وزَعَمَا أن الحق ظَهَرَ لهما، ثم لَحِقَا بالساحل، وعادا إلى تلك المقالة، وبَلَغَنا عنهم تكفيرُ أئمةِ المسلمين بمكاتبة الملوك المصْريين، بل كَفَّروا من خالَطَ من كاتَبَهُم من مشائخ المسلمين، نعوذ بالله من الضلال بعد الهُدَى، والحَوْرِ بعد الكَوْرِ .
وقد بَلَغَنا عنكم نَحْوٌ من هذا، وخُضْتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة، والمكاتبات، وبَذْلِ الأموالِ والهدايا، ونَحْوِ ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات، والحُكْم بغير ما أنزل الله عند البوادي، ونحوهم من الجفاة، لا يَتَكَلَّم فيها إلا العلماءُ من ذَوِي الألباب، ومَنْ رُزِقَ الفَهْمَ عن الله، وأُوتيَ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخطاب .
والكلامُ في هذا يَتَوَقَّف على معرفة ما قَدَّمْناه، ومعرفة أصولٍ عَامَّةٍ كُلِّيَّةٍ، لا يجوز الكلام في هذا الباب وفى غيره لمن جَهِلَها، وأَعْرَض عنها وعن تفاصيلها؛ فإن الإِجْمَالَ والإطلاقَ، وعَدَمَ العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله؛ يَحْصُلُ به من اللَّبْس والخطأ وعَدَمِ الفقه عن الله ما يُفْسِدُ الأديانَ، ويُشَتِّتُ الأذهانَ، ويَحُول بينها وبين فهم السنة والقرآن، قال ابن القيم، في «كافيته»([145])، – تعالى-:
| فَعَلَيْك بالتفصيلِ والتَّبْيِينِ فالْـ | إطلاقُ والإجمالُ دون بيانِ | |
| قد أَفْسَدَا هذا الوجودَ وخَبَّطَا الـ | أذهانَ والآراءَ كُلَّ زمان |
وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مُكَفِّرات أهل الإسلام: فهذا مذهبُ الحرورية المارقين، الخارجين على عليِّ بن أبي طالب، أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة؛ فإنهم أنكروا عليه تحكيمَ أبي موسى الأشعري وعَمْرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهلِ الشام، فأَنْكَرَتْ الخوارجُ عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه، من قُرَّاء الكوفة والبصرة، وقالوا: حَكَّمْتَ الرجالَ في دين الله، ووالَيْتَ معاويةَ، وعَمْرًا، وتولَّيْتهما، وقد قال الله تعالى: [ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ] {الأنعام:57} وضَرَبْتَ المُدَّةَ بينك وبينهم، وقد قَطَعَ الله هذه الموادَعَةَ والمهادَنَةَ منذ أُنْزِلت براءة.
وطال بينهما النزاع والخصام، حتى أغاروا على سَرْح([146]) المسلمين، وقَتَلُوا من ظَفَرُوا به من أصحاب علي، فحينئذ شَمَّر -رضي الله عنه- لقتالهم، وقَتَلَهم دون النهروان، بعد الإِعْذار والإِنْذار، والْتَمَسَ: «المُخْدَجَ»([147]) المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره من أهل السنن، فوجده عليٌّ، فَسُرَّ بذلك، وسجد لله شكرًا على توفيقه، وقال: «لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَنَكَلُوا عن العمل»، هذا: وهم أكثر الناس عبادة وصلاة، وصومًا…». اهـ([148]).
فتأمل -أخي الكريم- هذا الكلامَ النفيسَ وتدَبَّرْهُ جيِّدًا من جميع جوانبه من هذا العالم الرباني، الذي يعرف حقيقة مذهب جَدِّه وعلماء الدعوة النجدية -عليهم من الله الرحمة والرضوان- وصاحِبُ البيت أدرى بما فيه، فأين هذا ممن تعلَّق بظاهر كلمات عنهم ولم يَفْقَهْ معناها، أو ما عرف مرادهم بها، ولم ينظر إلى باقي كلامهم؛ ليتضح له بذلك مرادُهُم؟ أليس أهل مكة أَدْرى بشعابها؟ أليس بلديّ الرجل -دعْ عنك من كان من كبار علماء بيته وسلالته- أَدْرى بمذهبه ومحصَّل كلماته من غيره؟
الثالث من الأصول والضوابط: أن الحُكْم على الناس – لاسيما في أمر التكفير- يجب أن يكون بعَدْلٍ وورع وعِلْم عميق بدقائق المسائل ودلالات النصوص:
* قال -سبحانه وتعالى-: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ] {المائدة:8}، وقال -جلَّ وعلا-: [ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ] {الشورى:15}، وقال -سبحانه-: [ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ] {الأنعام:152}، وقال –: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ] {النحل:90}.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية — في وجوب العدل -حتى مع الكفار- عند قوله تعالى: «[ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ] {المائدة:8} أي: لا يَحْمِلَنَّكم شنآنُ -أي بُغضُ- قومٍ وهم الكفارُ، على عَدَمِ العدل: [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ] {المائدة:8}»([149]).
* وقال –: «فنهى أن يَحْمِلَ المؤمنين بُغْضُهم للكفار على ألا يَعْدِلوا عليهم، فكيفَ إذا كان البغضُ لفاسقٍ، أو مُبْتَدِعٍ مُتَأَوِّلٍ من أهل الإيمان؛ فهو أَوْلَى أن يَجِبَ عليه ألا يَحْمِلَه ذلك على ألا يَعْدِلَ على مؤمن، وإن كان ظالما له»([150]). اهـ .
قلت: فكيف إذا كان البغض لدعاة السنة المخالفين للمرء المجازف المُسْرِف في أحكامه، وإن كانوا أَهْدَى سبيلًا وأَقْوَمَ قِيلًا منه ومن المغْتَرِّين به؟!
* وقال شيخ الإسلام — أيضًا في «الرد على المنطقيين»([151]): «فأَوْجَبَ الله العَدْلَ لكُلِّ أَحَدٍ، على كُلِّ أَحَدٍ، في كل حال، كما قال -تعالى-: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ] {النساء:135}، وقال -تعالى ذِكْره-: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}، وقال -تعالى-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {الحديد:25}، وقال -تعالى-: [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ] {النساء:58}، وقال -تعالى-: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {النحل:90}، ومثل هذا كثير». ا هـ.
* وقال أيضًا –: «والكلامُ في الناس يَجِبُ أن يكون بعِلْمٍ وعَدْلٍ، لا بجَهْلٍ وظُلْمٍ، كحال أهل البدع»([152]).
* وقال أيضًا –: «ولما كان أَتْبَاعُ الأنبياء هم أَهْلُ العلم والعدل؛ كان كلامُ أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهلِ البدع بالعلم والعدل، لا بالظَّنِّ وما تَهْوَى الأَنْفُسُ»([153]).
* وقال – تعالى- في «الرد على البكري»([154]): «وأئمةُ السنة والجماعة، وأهلُ العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة؛ فَيَعْلَمون الحقَّ الذي يكونون به موافقين للسنة، سالمين من البدعة، ويَعْدِلُون على مَنْ خَرَجَ منها -ولو ظَلَمَهُم- كما قال تعالى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8} ويَرْحَمُون الخَلْقَ، فَيُرِيدُون لهم الخير والهُدى والعلمَ، لا يَقْصُدون لهم الشَّرَّ…، فلهذا كان أهلُ العلم والسنة لا يُكَفِّرون مَنْ خالفهم، وإن كان ذلك المخالفُ يُكَفِّرهم؛ لأن الكُفر حُكْم شرعي». اهـ.
ومن صُور عدم العدل في الحكم أو الإجحاف فيه عند المنحرفين عن منهج الحق الآتي:
أ- إطلاقُ الحكم بالضلال والبدعة على جميع الطائفة أو الجماعة لخطأِ فَرْدٍ منها، دون النظر إلى مَوْقِعِ ومكانة هذا المخطئ في هذه الطائفة؟ وهل هذا القولُ قولُ كبارِها وأئمتها، أو قولُ أَحَدِ مشاهير علمائها، أو قولُ أَحَدِ أفرادها غير مشاهيرهم؟
ومعلومٌ أنه لا يُنْسَب إلى الطائفة إلا قولُ مُؤَسِّسِها، أو كبار علمائها، لا قول الجهلة والمغمورين فيها، وقد ردّ الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين([155]) — على من نَسَبَ إلى دعوة الإمامِ المُجَدِّدِ محمد بن عبد الوهاب — مذهبَ الخوارج، فقال بعد أن بَيَّنَ جَهْلَ هذا المُفْتَرِي وعنادَهُ، واعتمادَهُ على قول الجهلة من أتباع الشيخ –: «فلا يجوز أن يُنْسَبَ إلى جميع الطائفة، وإنما يُنسَب إليهم ما يقول شيخُهم، وعلماؤهم بَعْدَه، وهذا أَمْرٌ ظاهِرٌ للمُنْصِفِ، وأما المعانِدُ المتعصِّبُ فلا حِيلَةَ فيه». ا هـ([156]).
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية»([157]): «مُسَمَّى الحَشْوية في لغة الناطقين به ليس هو اسمًا لطائفة معينة، لها رئيسٌ، قال مقالًا فاتَّبَعَتْهُ: كالجهمية والكُلَّابية والأشعرية، ولا اسمًا لقولٍ مُعَيَّنٍ من قالَهُ كان كذلك، والطائفةُ إنما تتميز بِذِكْر قولها، أو بِذِكْر رئيسها». اهـ
* وقال في «درء تعارض العقل والنقل»([158]): «فعامة المنتسبين إلى السنة يَدَّعُون متابعَتَهُ والاقتداءَ به، سواء كانوا موافقين له في الفروع أو لا، فإنَّ أقوالَ الأئمة في أصول الدين مُتَّفِقَةٌ، ولهذا كلَّما اشْتَهَر الرجلُ بالانتساب إلى السنة؛ كانت موافقته لأحمد أَشَدَّ، ولما كان الأشعريُّ ونَحْوُه أَقْرَبُ إلى السنة من طوائِفَ من أهل الكلام؛ كان انتسابُهُ إلى أحمد أَكْثَرَ من غيره، كما هو معروف في كتبه». اهـ.
* وقال أيضًا في «درء التعارض»([159]): ولهذا قال أبو الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة»: «فإن قال قائل: قد أَنْكَرْتُم قولَ الجهمية والقدرية والحرورية والرافضة والمرجئة؛ فَعَرِّفُونا قَوْلَكم الذي به تقولون، وديانَتَكُم التي بها تَدِينُون؟ قيل له: قولُنا الذي نقول به، وديانتُنَا التي بها نَدِين: التمسكُ بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وبما رُوِيَ عن الصحابة والتابعين، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون، ولِمَا خَالَفَ قولَهُ مُجَانِبُون، …». اهـ.
ب- إطلاقُ الأحكام بِوَكْسٍ أو شَطَطٍ على المخالف أو الموافق, والمبالغة في المخالف والموافق جرحًا وتعديلًا، وهذا لا يكون إلا عن جهل أو هوَىً وتعصُّبٍ، وانظر موقف اليهود من إسلام عبد الله بن سلاَم -رضي الله عنه- وكذلك تعصُّب مقلِّدة المذاهب والأحزاب لأئمتهم ومشايخهم، فَيَقْبَلُون منهم كُلَّ شيء، ويَرُدُّون على غيرهم كُلَّ شيء!! وقد جَعَل الله لكل شيء قدْرا .
ج- تَحْمِيلُ كلامِ الرجل ما لا يحتمل أصلا، أو فوق ما يَحْتَمِل، كأن يكون خطؤه في مسألة اجتهادية، فيُجْعل خلافًا في مسائل أصول الدين وقطعياته المُجْمَع عليها، ومن ثَمَّ يُحكم على المخالف بالمروق من السنة أو الإسلام.
* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –: «فَهَذَا أَصْلُ الْبِدَعِ الَّتِي ثَبَتَ بِنَصِّ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَهُوَ: جَعْلُ الْعَفْوِ سَيِّئَةً، وَجَعْلُ السَّيِّئَةِ كُفْرًا، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْخَبِيثَيْنِ وَمَا يَتَوَلَّدُ عَنْهُمَا: مِنْ بُغْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَمِّهِمْ، وَلَعْنِهِمْ، وَاسْتِحْلَالِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهَذَانِ الْأَصْلَانِ هُمَا خِلَافُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِيمَا أَتَتْ بِهِ أَوْ شَرَعَتْهُ؛ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ السُّنَّةِ، وَمَنْ كَفَّرَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا رَآهُ ذَنْبًا، سَوَاءٌ كَانَ دِيْنًا أَوْ لَمْ يَكُنْ دِيْنًا، وَعَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ الْكُفَّارِ؛ فَهُوَ مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَعَامَّةُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ»([160]). اهـ.
د- نِسْبَةُ القولِ المنسوخِ أو الخطأ إلى الرجل مع العلم بتراجعه عنه وتوبته منه، أو التشكيكُ في تراجُعِهِ عنه بلا حُجَّة شرعية؛ لِمَرَضٍ في نفْس المُشَكِّك، أو لتحامله على مخالفه، وهذا إن دلَّ على شيء؛ فإنه يَدُلُّ على ضعف الورع، وقصْد التشويه، والرغبة في الشر وعدم الهداية للمخالف؛ حتى يستمر في التشنيع عليه، والمؤمن لا يرضى لأخيه ما لا يرضاه لنفسه، ومن ابتُلي بذلك؛ فإن وُفق للتوبة؛ وإلا سلَّط الله عليه مِن أتباعه أو غيرهم مَنْ يَسْقِيه من هذا الكأس الآسِنِ، «والأعمال بالنيات» «والجزاء من جنس العمل».
هـ- عَدَمُ أَخْذِ كلام الرجل جميعه, وحَمْلِ بعضِهِ على بعضٍ؛ لمعرفة حقيقة قولِهِ، قبْل تحميله ما لم يدُرْ بخَلَده من عقائد ومقالات، ومعلوم أن مُجْمَلَ كلام الرجل يُحْمَلُ على مُبَيَّنِهِ، وأن المُحْتَمَل والمُشْتَبَه فيه من كلامه يُحْمَل على المحكم والقطعي الصريح من كلامه الآخر، وقد فصَّلْتُ هذا في موضع مستقل في كتابي «الدفاع عن أهل الاتباع» في الرسالة الرابعة الموسومة بــ «الجواب الأكمل على من أَنْكَر حمل المجمل على المفصل»([161]).
وبنحو ذلك إغفالُ القرائن التي تَحُفُّ كلامَ الخصم: فَتُزِيلُ مُشْكِلَه, وتوضِّحُ غامِضَه, سواء كان ذلك في السياق، أو السِّبَاق واللِّحَاق، الذي لا يتجرد عنه كلام العقلاء، أو كان ذلك مما لا يُفْهَم إلا من خلال معرفة المنهج العام للرجل في غير هذا الموضع المشْكِل الموهِم، والله — يقول: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ] {المائدة:8} قال شيخ الإسلام ابن تيمية
–: «فنهى أن يَحْمِلَ المؤمنين بغْضُهم للكفار على ألا يَعْدِلوا عليهم، فكَيْفَ إذا كان البُغْضُ لفاسقٍ، أو مبتدعٍ مُتَأَوِّلٍ من أهل الإيمان؛ فهو أَوْلَى أن يَجِبَ عليه ألا يَحْمِلَهُ ذلك على ألا يَعْدِلَ على مؤمن، وإن كان ظالما له»([162]). اهـ.
فالكلمة الواحدة يقولها رجلان, فتكون ذَمًّا في حق أحدهما, ومدحًا في حق الآخر, باعتبار منهجه العام الذي يسير عليه، فقد ذكر الإمام ابن القيم
— كلامًا لأبي إسماعيل الهروي الملقب بـ(شيخ الإسلام)
— ظاهره القول بالاتحاد، وهذا قول فرقة ضلَّت ضلالًا بعيدًا، ومع ذلك فقد حَمَلَهُ — على مَحْمَلٍ حَسَنٍ -مع تخطئته إياه في العبارة-([163]) ثم قال: «والكلمةُ الواحدةُ يقولها اثْنَانِ، يريد بها أحدهما أعْظَمَ الباطل، ويريد بها الآخر مَحْضَ الحق، والاعتبارُ بطريقة القائل، وسيرته، ومَذْهَبِهِ، وما يَدْعُو إليه، ويناظِرُ عليه، وقد كان شيخ الإسلام -قدّس الله روحه-([164]) راسخًا في إثبات الصفات، ونَفْي التعطيل، ومعاداة أهله، وله في ذلك كُتُبٌ، مثل كتاب «ذم الكلام» وغير ذلك مما يخالف طريقة المعطلة، والحلولية، والاتحادية، … الخ»([165]). اهـ.
الرابع من الأصول والضوابط: مَنْ ثَبَتَ إسلامُهُ بيقينٍ؛ فلا يَزُول عنه إلا بيقين, وذلك بإقامة الحجة عليه؛ وإلا كان غيرُ ذلك تركًا لليقين وعَمَلًا بالشك: وهذا معيب عند العقلاء، فضلًا عن العلماء، ومن القواعد الكبرى التي اتَّفَقَ عليها العلماء، وعمّت فروعُها جميع مسائل الفقه: أنّ اليقينَ لا يَزُولُ بالشك.
تعريف اليقين، وبيان المراد به في هذا الموضع:
تعريف اليقين لغة:
اليَقَنُ: وهو إزاحَةُ الشكِّ، وتحقيقُ الأمر، وقال بعضهم: العلمُ وزوالُ الشك، أو: العلم الذي لا شَكَّ معه، وقد أَيْقَنَ يُوقِن إيقانا، فهو مُوقِنٌ، ويَقِنَ يَيْقَنُ يَقَنًا، فهو يَقِنٌ، وتيقّنتُ الأمر، واستيقنتُ به، كُلُّهُ واحِدٌ([166]).
تعريف اليقين اصطلاحًا:
«اعتقادُ الشيءِ بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لا يُمْكِنُ إلا كذا، مطابقًا للواقع، غَيْرُ مُمْكِنِ الزوال».
القيد الأول: جِنْسٌ يَشْتَمِلُ على الظَّنِّ أيضًا، والثاني: يُخْرج الظنَّ، والثالث: يُخْرج الجَهْلَ، والرابع: يُخْرِجُ اعْتِقَادَ المُقَلذِد المُصِيب([167]).
* وقال بعضهم: «اعتقادٌ جازِمٌ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّر من غير داعيةِ الشَّرْعِ»([168]).
واليقين درجتان: إحداهما: يقين السَّمْع، والأخرى: يقين النَّظَر، وهذا أَعْلَى دَرَجَتَيْ اليقين، فقد قال تعالى: [ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ] {التكاثر: 5 – 7} فذَكَرَ يقينَ النظر المبني على الرؤية بعد يقين العلم المبني على السمع، وقال الله -تبارك وتعالى- حكاية عن إبراهيم –: [ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {البقرة:260} أي: يقين النظر، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ليس المُخْبَر كالمعايِن» حين ذكر موسى؛ إذْ أَعْلَمَهُ الله -جل وعز- أن قومه عَبَدوا العِجْل، فلم يُلْقِ الألواحَ، فلما عايَنَهُم عاكِفين عليه؛ غَضِبَ، وأَلْقَى الألواحَ حتى انْكَسَرَتْ([169]).
وقد ذَكَرَ الإمامُ ابن القيم — عن عدد من العلماء تعريفاتٍ تدل على مراعاة الطمأنينة وعدم الشك([170]).
وربما عبّروا عن الظن باليقين، وباليقين عن الظن([171]):
* قال النووي –: «واعلم أنهم –يعني: الفقهاء- يُطلقون العلم واليقين ويريدون بهما الظنَّ الظاهِرَ، لا حقيقة العلم واليقين، فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم، وليس ذلك بشرط»([172]).
والفرقُ بين العِلْمِ واليقينِ: أن العِلْمَ هو اعتقادُ الشيء على ما هو به، على سبيل الثقة واليقين: هو سُكون النفس، وثلَجُ الصدر بما عَلِمَ، ولهذا لا يجوز أن يُوصف الله تعالى باليقين، ويقال: ثَلْجُ اليقين، وبَرْدُ اليقين، ولا يقال: ثَلْج العلم، وبَرْد العلم، وقيل: الموقن: العالم بالشيء بعد حَيْرَةِ الشَّكِّ، والشاهد أنهم يجعلونه ضِدَّ الشك، فيقولون: شكٌّ ويقينٌ، وقلّما يقال: شك وعلم، فاليقين ما يزيل الشك دون غيره من أضداد العلوم([173]).
أدلة العمل بهذا الأصل:
لما عابَ الله -جل وعلا- على الذين يعملون بالشك والظن المرجوح؛ دلّ ذلك على مدح الذين يعملون باليقين والظن الراجح، فمن ذلك:
1- قول الله -جل شأنه- عن الكفار: [ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ] {الجاثية:32}.
2- وقوله -تبارك وتعالى-: [ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ] {النجم:23} قال المُفَسِّرون: يعني أن الشك لا يُغني عن اليقين شيئا، ولا يقوم مقامَهُ».
3- وفي الحديث الذي رواه الشيخان([174]): «أنه شُكِيَ إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يَجِدُ الشيءَ في الصلاة؟ قال: «لا يَنْصَرِف حتى يَسْمَعَ صوتًا، أو يَجِدَ ريحا».
4- وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا شَكَّ أحَدُكم في صلاته، فلم يَدْرِ كَمْ صلّى: ثلاثا أم أربعا؛ فلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، ولْيَبْنِ على ما اسْتَيْقَنَ»([175]).
والأدلةُ التي سبقت في عدم إخراج المسلم من الإسلام لمجرد إتيانه بمُكفِّر، وذلك لوجود شبهة تمنع من تكفيره بعينه؛ صالحةٌ للاستدلال بها في هذا الضابط أيضًا.
وقد يُعبِّر بعضهم عن ذلك بقولهم: لا تكفير من الاحتمال أو الشبهة, ولأن التكفير بأمر يحتمل الكفر وما دونه: جُرْأَةٌ في أمر يجب فيه التورعُ والأخْذُ بالأحوط, والله أعلم.
ومن ذلك تكفير المعين حتى وإنْ قام به مانعٌ من تنزيل الحكم المُطْلق عليه؛ كالجهل، والخطأ، والتأويل، والعجر، وغيرها من الموانع.
وقد سُئل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن أهل النهروان: أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قال: «من الكُفر فَرُّوا»، فسُئل: أمنافقون هم؟ قال: «المنافقون لا يَذْكرون الله إلا قليلا، وأولئك يَذْكُرون الله صباحَ مساءَ، وإنمَا هم قوم بَغَوْا علينا»([176]).
* وقال شيخ الإسلام — في «مجموع الفتاوى»([177]): «وليس لأحد أن يُكَفِّر أحدًا من المسلمين -وإن أخطأ وغَلِطَ- حتى تُقَامَ عليه الحجةُ، وتُبَيَّنَ له المَحَجَّةُ، ومَنْ ثَبَتَ إسلامُهُ بيقين؛ لم يَزُل ذلك عنه بشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة».
* وقال — أيضًا كما في «مجموعة الرسائل والمسائل»([178]): «وإذا عُرِفَ هذا؛ فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم، بحيث يُحْكَم عليه بأنه مع الكفار؛ لا يجوز الإقدام عليه إِلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجةُ بالرسالة، التي يُبَيَّن بها لهم أنهم مخالفون للرسول، وإن كانت مقالتهم هذه لا رَيْبَ أنها كُفْرٌ، وهكذا الكلام في جميع تكفير المُعَيَّنِين».
الخامس من الأصول والضوابط: الأحكامُ في الدنيا تَجْرِي على الظاهر للعِبَاد، والله يتولَّى السرائر، أما في الآخرة فعلَى ما في عِلْم الله — والحقيقَةِ والموافاةِ, كما أن الأحكام على آخر الأَمْرَيْنِ مما عليه الرجل، لا على أَوَّل الأَمْرَيْنِ.
وهذا أصل لا شك فيه؛ لأن تَكَلُّف الوقوف على غير الظاهر مُتَعسِّر بل متَعذِّر؛ إذْ لا يَعْلَم ما في القلوب إلا الله — والأدلة على هذا الأصل كثيرة, منها:
أ- قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من صلَّى صلاتنا, واسْتَقْبَلَ قبلتنا, وأَكَل ذبيحتنا؛ فهو المسلم: له ما للمسلمين, وعليه ما على المسلمين»([179]).
ب- وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس؛ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله, فإذا قالوها؛ عَصَمُوا مني دماءَهُم وأموالَهُم إلا بحقِّ الإسلام, وحسابُهم على الله –-»([180]).
أي: ولستُ مُكَلَّفًا أن أطالبهم أو أعاقبهم على غير ما يلزمهم في الظاهر، أو على ما يُبطنونه.
جـ- وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إني لم أُومَرْ أن أُنَقِّب عن قلوب الناس, ولا أَشُقَّ بطونَهم»([181]).
د- والإنكار على أسامة بن زيد –رضي الله عنهما- في قَتْله من قال: «لا إله إلا الله», وقد سبق ذِكْره مفصَّلًا, وفيه: «هَلَّا شَقَقْتَ عن قلبه؛ لِتَعْلَمَ أقالها تَعَوُّذًا أم لا؟»([182]).
هـ- وحديث المقداد بن الأسود -رضي الله عنه-,([183]) وقد سبق.
و- ومعاملة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمنافقين حسب ظاهرهم, مع عِلْمِهِ بسوء طَوِيَّتهم, وخُبْثِ سريرتهم.
ز- وقَوْلُ عمر -رضي الله عنه- «إن أُناسًا كانوا يُؤاخَذُون بالوحْي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإن الوحْيَ قد انقطع, وإنما نأْخُذُكم الآن بما ظَهَرَ لنا من أعمالكم، فمن أَظْهَرَ لنا خيرًا؛ أمِنَّاه، وقَرَّبْناه, وليس إلينا من سريرته شيء, الله يحاسبه في سريرته، ومن أَظْهَرَ لنا سوءًا؛ لم نأمَنْه, ولم نُصَدِّقْه, وإن قال: إن سريرته حسنة»([184]).
ح- ومن الأدلة على أن الحكم على ما يظهر لنا بما مات عليه الرجل, أي حال الموافاة، أي على آخر الأمرين منه، قولُهُ -تعالى ذِكْرُه-: [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ] {آل عمران:91}، وقولُهُ -تعالى شأنه-: [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {البقرة:161}، وقوله -تبارك وتعالى-: [ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {البقرة:217}.
وحديث: «إن أَحَدَكُم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهلِ الجنة, حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراعٌ, فَيَسْبِقَ عليه الكتابُ، فيَعْمَلَ بعملِ أهلِ النار؛ فَيَدْخُلَها…»([185]).
ولو أخذنا الناس بالمنسوخ من أقوالهم، وعقائدهم التي تابوا منها؛ لَزِمَ من ذلك تكفيرُ الصحابة -رضي الله عنهم- الذين أخرجهم الإسلام من الكفر إلى الإيمان، وهذا قولٌ لا يَشُكُّ في بطلانه عاقِلٌ!!
التفريقُ في ذلك بين أحكامِ الدنيا والآخرة:
* قال الشاطبي([186]) –: «فإنَّ أَصْلَ الحكم بالظاهر مقطوعٌ به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا أيضًا؛ فإن سَيِّدَ البشر -صلى الله عليه وسلم- مع إعلامه بالوحي، يُجْرِي الأمورَ على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإنْ عَلِمَ بواطِنَ أَحْوالهم، ولم يكُنْ ذلك بِمُخْرِجِهِ عن جريان الظواهر على ما جَرَتْ عليه».
لا يقال: إنما كان ذلك من قَبيل ما قال: (خوفا من أن يقول الناس: إن محمدا يَقْتُلُ أصحابَهُ) فالعلَّةُ أَمْرٌ آخَرُ لا ما زَعَمْتَ، فإذا عُدِمَ ما عُلِّلَ به، فلا حَرَجَ؛ لأنا نقول: هذا أَدَلُّ الدليل على ما تَقَرَّر؛ لأن فتح هذا الباب يُؤَدِّي إلى أن لا يُحْفَظَ ترتيبُ الظواهر؛ فإن من وَجَبَ عليه القَتْلُ بسببٍ ظاهرٍ؛ فالعذر فيه ظاهِرٌ واضحٌ، ومن طَلَبَ قَتْلَه بغير سببٍ ظاهرٍ، بل بمجرد أمر غَيبي؛ ربما شَوَّشَ الخواطر، وران على الظواهر، وقد فُهِمَ من الشرع سَدُّ هذا الباب جُمْلَةً؛ ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المُدَّعي، واليمينَ على من أَنْكَر، ولم يَسْتَثْنِ من ذلك أحدًا، حتى إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتاج في ذلك إلى البينة، فقال: «مَنْ يَشْهَدُ لي؟» حتى شَهِدَ له خزيمة بن ثابت؛ فجعلها الله شهادَتَيْنِ، فما ظَنُّك بآحاد الأمة، فلو ادعى أَكْذَبُ الناس على أَصْلَحِ الناس؛ لكانت البينةُ على المُدَّعي، واليمينُ على من أَنْكَر، وهذا من ذلك، والنَّمَطُ واحِدٌ؛ فالاعتباراتُ الغيبيةُ مُهْمَلَةٌ، بحسب الأوامر والنواهي الشرعية»([187]). اهـ.
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «وقد يكون في بلاد الكفر مَنْ هو مؤمن في الباطن يَكْتُمُ إيمانَهُ، مَنْ لا يَعْلَمُ المسلمون حالَهُ إذا قاتلوا الكفار، فَيَقْتُلُونه ولا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه، ويُدْفَن مع المشركين، وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تَجْري عليهم في الدنيا أحكامُ المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحُكْمُ الدار الآخرة غَيْرُ أحكام الدار الدنيا»([188]). اهـ.
* وقد نقل الحافظ ابن حجر — الإجماعَ على هذا الأصل، فقال: «وكُلُّهُم أَجْمَعُوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر، واللهُ يَتَوَلَّى السرائِرَ، وقد قال -صلى الله عليه و سلم- لأسامة: «هَلَّا شَقَقْتَ عن قلبه»([189]). اهـ.
* وقال الإمام ابن القيم — ناقلًا عن الشافعي — ومقرًّا رَأيَهُ: «فَمَنْ حَكَم على الناس بخلاف ما ظَهَرَ عليهم استدلالا على أن ما أَظْهَروا خلافُ ما أَبْطَنُوا بدلالةٍ منهم، أو غير دلالةٍ؛ لم يَسْلَم عندي من خلاف التنزيل والسنة»([190]). اهـ.
* وقال البغوي — في «شرح السنة»([191]): «وفي الحديث «أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناسَ؛ حتى يَشْهَدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويُقِيمُوا الصلاةَ، ويُؤْتُوا الزكاةَ، فإذا فَعَلُوا ذلك؛ عَصَمُوا مني دماءَهُم وأموالَهُم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابُهم على الله» دليلٌ على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضًا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن مَنْ أَظْهَرَ شعارَ الدين؛ أُجْرِي عليه حُكْمُهُ، ولم يُكْشَف عن باطنِ أَمْرِهِ، ولو وُجِدَ مختونٌ فيما بين قَتْلى غُلْفٍ؛ عُزِلَ عنهم في المَدْفَن، ولو وُجِدَ لَقِيطٌ في بلد المسلمين؛ حُكِم بإسلامه».
* وقال النووي — في «شرح مسلم»([192]): وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلا شَقَقْتَ عن قلبه؛ حتى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أم لا»؟ الفاعل في قوله: «أقالها» هو القلب، ومعناه: أنك إنما كُلِّفْتَ بالعمل بالظاهر وما يَنْطِقُ به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه، فأَنْكَرَ عليه امتناعَهُ من العمل بما ظَهَر باللسان، وقال: «أفلا شَقَقْتَ عن قلبه»؛ لتنظر: هل قالها القَلْبُ واعْتَقَدَهَا، وكانت فيه، أم لم تَكُنْ فيه، بل جَرَتْ على اللسان فحسب، يعني: وأنت لَسْتَ بقادِرٍ على هذا؛ «فاقْتَصِر على اللسان فحسْب، ولا تَطْلُبْ غيره».
* وقال قال شيخ الإسلام — في «كتاب الإيمان»([193]): «فإن الإيمان الذي عُلِّقَتْ به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر، وهو الإسلام، فالمُسَمَّى واحد في الأحكام الظاهرة، ولهذا لما ذَكَر الأثرم لأحمد احتجاجَ المرجئة بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اعْتِقْهَا؛ فإنها مؤمنة» أجابه بأن المراد حُكْمُها في الدنيا حُكم المؤمنة، لم يُرِدْ أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لَقِيَتْهُ بمجرد هذا الإقرار….) (لأن الإيمانَ الظاهر الذي تَجْرِي عليه الأحكامُ في الدنيا لا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ في الباطنَ، الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة….».
ولذلك كان -صلى الله عليه وسلم- يعامِلُ المنافقين على ظواهرهم مع علمه بنفاق كثير منهم؛ ليقرر هذا الأَصْلَ العظيم؛ «فهم في الظاهر مؤمنون، يُصَلُّون مع الناس ويَصُومون، ويَحُجون ويَغْزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم .. ولم يَحْكُم النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنافقين بحكم الكفار المُظْهِرين للكفر، لا في مناكحتهم ولا موارثتهم، ولا نحو ذلك، بل لما مات عبدالله بن أبي بن سلول -وهو من أَشْهَر الناس بالنفاق- وَرِثَهُ ابنُهُ عبدالله، وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث؛ ورثوه مع المسلمين .. لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو عُلِّق بذلك؛ لم تُمْكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة؛ عُلِّق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهروه من موالاة المؤمنين .. وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين»….. «وهكذا كان حكمه -صلى الله عليه وسلم- في دمائهم وأموالهم، كحكمه في دماء غيرهم، لا يَسْتَحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم»….. ومع ذلك «يجب أن يُفَرَّق بين أحكام المؤمنين الظاهرة، التي يَحْكُم فيها الناسُ في الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة؛ لابد أن يكون مؤمنًا في الباطن، باتفاق جميع أهل القبلة».
* وقال الإمام الشافعي — في «الأم»([194]): «وإنما كُلِّفَ العبادُ الحُكْمَ على الظاهر من القول والفعل، وتَوَلَّى الله الثواب على السرائر دون خَلْقِهِ، وقد قال الله — لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ…] {المنافقون:1، 2}، ثم قال: «وأحكام الله ورسوله تدل على أنه ليس لأحد أن يَحْكُم على أحد إلا بظاهر، والظاهر ما أَقَرَّ به، أو قامتْ به بينة تَثْبُتُ عليه». ا هـ
* وقال — أيضًا في «الأم»([195]): «أَخْبَر — عن المنافقين بالكُفر، وحَكَمَ فيهم بعِلْمِهِ من أسرار خَلْقِهِ ما لا يَعْلَمُه غيره، بأنهم في الدرك الأسفل من النار، وأنهم كاذبون بأَيْمانهم، وحَكَم فيهم -جل ثناؤه- في الدنيا بأن ما أظهروا من الإيمان -وإن كانوا به كاذبين- لهم جُنَّةٌ من القتل، وهم المُسِرُّون الكفْرَ، المظهرون الإيمانَ، وبَيَّنَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم – إذْ حَقَنَ الله تعالى دماء من أظهر الإيمان بعد الكفر؛ أن لهم حُكْم المسلمين من الموارثة والمناكحة، وغير ذلك من أحكام المسلمين، فكان بَيِّنًا في حُكْم الله — في المنافقين، ثم حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ليس لأحد أن يحكم على أحد بخلاف ما أظهر من نفسه، وأن الله — إنما جعل للعباد الحكم على ما أظهر؛ لأن أحدا لا يَعْرِف ما غاب إلا ما عَلِمَه الله –. ا هـ
* وقال الشاطبي — في «الموافقات»([196]): «الأعمال الظاهرة في الشرع دليل على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرمًا؛ حُكِم على الباطن بذلك، أو مستقيما حُكِم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصل عام في الفقه، وسائر الأحكام العادِيَّات، والتجريبِيَّات، بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًّا». ا هـ
ولما ذَكَرَ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية — في «درء تعارض العقل والنقل»([197]) في مسألة الحكم على أولاد الكفار أقوالَ العلماء فيها؛ قال بعد ذلك: «ومَنْشَأُ الاشتباه في هذه المسألة: اشتباهُ أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة؛ فإن أولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا: مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم، وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبين آبائهم، واسترقاقهم إذا كان آباؤهم محاربين، وغير ذلك؛ صار من يظن أنهم كفار في نفس الأمر، كالذي تَكَلَّمَ بالكُفْر وعَمِلَ به، فإذا عُرِفَ أن كَوْنَهم وُلدوا على الفطرة؛ لا ينافي أن يكونوا تَبَعًا لآبائهم في أحكام الدنيا؛ زالَتْ الشُّبْهَةُ.
وقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن يكْتُم إيمانَهُ، من لا يَعْلَمُ المسلمون حاله، إذا قاتلوا الكفار، فيقتلونه، ولا يُغَسَّل، ولا يُصَلَّى عليه، ويُدْفَنُ مع المشركين، وهو في الآخرة من المؤمنين أهل الجنة، كما أن المنافقين تجري عليهم أحكام المسلمين، وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، فحُكْم الدار الآخرة غير حُكْم الدار الدنيا».. ا هـ
(تنبيه): الشروط التي ذكرها العلماء لقبول كلمة: «لا إله إلا الله» والانتفاع بها عند الله يُراد بها أحكامُ الآخرة، لا أحكام الدنيا:
ذكر العلماء لقبول كلمة «لا إله إلا الله» من قائليها سَبْعَةُ شروط:
الأول: العِلْم، والثاني: اليقين، والثالث: الإخلاص، والرابع: الصِّدْق، والخامس: المحبة، والسادس: الانقياد، والسابع: القبول.
وقد جَمَعَها بعضُهم بقوله:
| عِلْمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصِدْقُك مَعْ | محبةٍ وانقيادٍ والقَبُولِ لها |
وقد ظنّ بعضُ الطلبة أن هذه الشروط لا بد من توافرها مجتمعة فيمَن يُحكم له بالإسلام في الدنيا، فإذا جهل معنى لا إله إلا الله؛ كفّرهُ لانتفاء شرط من شروطها، وهو العلم، وكذلك بقية الشروط المذكورة هنا، وليس الأمر كذلك؛ إنما يُراد بهذه الشروط: أن هذه الكلمة لا تنفع صاحبها إذا لقي الله — إلا إذا حقّق هذه الشروط، فهي شروطٌ للنجاة في الآخرة، لا للحُكْم بالإسلام على المرء في الدنيا.
والدليل على ذلك: أن جميع هذه الشروط أو أكثرها مُنتفٍ في حق المنافقين، ولكنهم لما أظهروا الإسلام، ولم يُظهروا ما يضاده من الكفر الأكبر، ولم يُصرّوا عليه إذا ظَهَر منهم على فلتات ألسنتهم؛ عُوملوا في الدنيا معاملة المسلمين، وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار.
وبناء على ذلك؛ فمن أَسْلَم ولم يعرف معنى «لا إله إلا الله»، إما لكونه أعجميًّا أو شِبْهَ أعجمي وإن كان من أصْلٍ عربيٍّ، ولكنه أظهر الانقياد للإسلام، ولم يَظْهَر منه شركٌ أكبر يُناقض هذه الكلمة، وإذا ظهر منه شرك أكبر، وبُيِّنَ له حقيقة ما فعل، أَذْعَنَ وأنَاب؛ فإنه تجري عليه أحكام الإسلام في الدنيا، وأمره في الآخرة إلى علام الغيوب وحقيقة ما في القلوب، فإن ظهر منه ما يخالف ذلك؛ فلابد من مراعاة الشروط والموانع قبل الحكم عليه بغير الإسلام، والله أعلم.
السادس من الأصول والضوابط: الحكْمُ المُطْلَق أو العام لا يَلْزَمُ منه تنزيلُ هذا الحكْمِ على الفردِ المُعَيَّن إلا بعد مراعاة شروطٍ وموانعَ:
والمراد من هذا: أن العلماء يُقَرِّرون أن هناك فَرْقًا بين الحكم العام والحكم على الشخص المعيَّن, فَفَرق بين الحكم على القول أو الفعل أو الاعتقاد، وبين الحكم على القائل أو الفاعل أو المعتقِد، وليس كل من وقع في الكفر أو البدعة، وقع عليه اسْمُ أو وَصْفُ الكُفر أو البدعة مباشرةً.
ومع ذلك؛ فإن إطلاقَ الحُكْم العام القائم على الأدلة والبراهين فيه فوئد, منها:
أ- بيان حُكْم الشرع في الأقوال والأفعال والعقائد, ولا شك أن في هذا فائدةً عظيمة في نَشْرِ العِلْم, وبيان أحكام الشريعة, وفي هذا صيانة لها من الاندثار والضياع أمام مَوْجَات الجهل والتجهيل.
ب- رَدْعُ وزَجْرُ الناس عن الوقوع في المكفرات أو المفسِّقات, وفي ذلك فائدة عظيمة, وهي صيانة المجتمع المسلم من الْحَوْم حول ما حرم الله؛ فإن ذلك مُوجِبٌ لضياعه وتدميره, ولو لم يسمع الناس تحذير الشرع من القول أو الفعل الفلاني المحظور؛ لتقحَّموا فيه عن جهل أو لا مبالاة.
ج- الجريانُ على أسلوب القرآن والسنة وإطلاقات العلماء في الأحكام، وإن كان أَمْرُ تنزيل الأحكام الوصْفِيَّة على المُعَيَّن راجعًا إلى تفاصيل أخرى.
فظهر أن إطلاق الحكم العام بين الناس فيه صيانة للشريعة من الاندثار, وصيانة للمجتمع من المعاصي المفضية للهلاك والدمار.
لكن إنزال الحكم العام على المعيَّن لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط, وانتفاء الموانع, فإذا تخلَّف شرط من شروط التكفير أو التفسيق أو التبديع, أو بَقِيَ مانِعٌ من موانع هذا الحكم على المعيَّن؛ فلا يُحكم على المُعَيَّن بشيء من ذلك, والأَصْلُ أن يَبْقَى المرء على ما هو عليه من إسلام، أو سنة، أو عدالة- قبل إتيانه بما أَتَى به, حتى يَتِمذَ استيفاءُ جميعِ الشروط فيه، وانتفاءُ جميع الموانع عنه.
وهذا أصل أو ضابط لابد فيه في هذا المقام، وإن كان المُتَسَرِّعين في التكفير للمجتمعات والطوائف والأفراد تضيق صدورهم منه، ويحاولون فتح ثغْرة في تقريره، حتى يظفروا بما يشتهونه؛ لكن تقرير ذلك بجلاءٍ، وتَفْنِيدٍ لشبهاتهم حِصْنٌ منيع لما قرره العلماء المجتهدون سابقًا ولاحقًا، كما ستراه في هذا الموضع -إن شاء الله تعالى-.
الدليلُ على هذه التفرقة:
التفرقة بين إطلاق الحكم العام وتنزيله على المعين، مأخوذة من مجموع حديثين:
الأول: أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لعَن في الخمر عَشْرَةَ أشياء: عَاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمحمولَةَ إليه …» الحديث([198]).
الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنكر على بعض الصحابة لَعْنَهُم رَجُلا كان يَشْرَب الخمر كثيرا، فيُقَامُ الحدُّ عليه، ثم يعود لشُرْبها، حتى قال رجل: لعنه الله؛ ما أَكْثَرَ ما يُؤْتَى به، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تَلْعنوه؛ فوالله ما عَلِمْتُ إنه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه»([199])، وسواء كانت «ما» موصولةً أو زائدةً، فالمراد: ما عَلِمْتُ إلا أنه يحب الله ورسوله.
فمع كون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَعَنَ شارِبَ الخمر على وجه العموم؛ إلا أنه عندما لُعِنَ أحد مَنْ أكْثَر مِن شُرب الخمر، ومن شَمِلَهُ هذا العمومُ؛ نهى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من لَعْنِهِ، وذَكَر مانِعًا من جَعْلِ هذا الرجل من جملة من يَشْمَلُه عمومُ اللعنة، فذكر: أنه يحب الله ورسوله.
وهذا دليل على أن إطلاق نصوص الوعيد لا يلزم منها دائما إنزالُها على المعين، فقد يقوم بالمعين مانع من إنزالها عليه، وهذا مما يُستدل به على قاعدة التفرقة بين إطلاق الحكم العام وبين إنزاله على المعين.
وهذه بعض المواضع التي صرّح فيها شيخ الإسلام ابن تيمية –- بأنه لا يَلْزَمُ من إطلاق الحكم على القول أو الفعل أن يكون القائل أو الفاعل كذلك:
* فقد قال –: «وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ «الْوَعِيدِ» فَإِنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ فِي الْوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ، كَقَوْلِهِ: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ…] {النساء:10} الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: مَنْ فَعَلَ كَذَا؛ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا، ثُمَّ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الْوَعِيدِ فِيهِ: بِتَوْبَةِ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ»([200]). اهـ.
* وقال أيضًا –: «وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا، كَمَقَالَاتِ الْجَهْمِيَّة، الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ كُفْرٌ، فَيُطْلِقُ([201]) الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ الْقَائِلِ؛ كَمَا قَالَ السَّلَفُ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا يَكْفُرُ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ»([202]). اهـ.
* وقال أيضًا –: «إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ، قَدْ تَنْتَفي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ، وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ، يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ العمومات لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ»([203]). اهـ.
فعندنا هنا مسألتان:
الأولى: مسألة التأصيل: وهي قائمة على تقرير الحكم العام المأخوذ من نصوص الشريعة وقواعدها وأصولها, وتحريره بالأدلة الشرعية، والخطأُ في ذلك خطأٌ في تَبْلِيغ الشريعة للناس, وهذه المسألة يقوم بها العلماءُ, وطلابُ العلم, ولا بأس بالعاميِّ الحاذِقِ الفَطِنِ أو طالبِ العلم أن يَحْكِيَ كلامَ العلماء فيها، إن كان قد أَتْقَنَهُ، ولا يَسْتَقِلَّ هو بحكمٍ من عند نفسه.
الثانية: مسألة التنزيل: وهي قائمة على إنزال الحكم العام على المعين, أو الفرد, أو القائل, أو الفاعل, والخطأُ في هذه المسألة خطأٌ في حقِّ مَنْ يُحْكَم عليه, وتشويهٌ لأحكام الشريعة بوضعها في غير موضعها, ودون مراعاة لشروطها، ولذا فلا يقوم بهذه المسألة إلا العلماءُ العاملون، والقضاةُ العادلون، الذين سيترتب على حكمهم أمورٌ معلومةٌ في الشريعة, لكن لا بأس لطالب العلم أن ينصح الشخص, أو يُحَذِّره, أو يخبره بكلام أهل العلم فيما أتى به, كل ذلك لردع وزجر الفاعل عن فعله, أما الحكم على الشخص, وتفصيل كيفية معاملته على ضوء هذا الحكم؛ فلا يكون إلا بالرجوع إلى وليِّ الأمر -إن تَيَسَّر ذلك- الذي يَجْمَعُ للمخالف جماعةً من العلماء و القضاة ليناصحوه, أو يستتيبوه، ويبيِّنوا له حكم الشرع فيما وقع فيه, فإن كانت عنده شبهةٌ أزالوها, ويُبَيِّنوا له خطأه في فَهْمه, فإن رجع وأناب؛ فهذا من فضل الله, وهذا ما يحبه أهل الإيمان, فإنهم لا يفرحون بزلة أخيهم؛ لقوله تعالى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ] {الزمر:7} وإن أصَرَّ وعاند؛ حَكَمُوا عليه بما يستحقه, ونفَّذَ وليُّ الأمر حكمهم في الشخص المحكوم عليه, فإن اتفق العلماء وأهل الشأن على حُكْم ما؛ عَمِلَ ولاةُ الأمور بموجَب اتفاقهم, وإن اختلفوا؛ تأَنَّوْا في أمر الرجل؛ حتى يظهر الأمر بجلاء وإن استمر الشخص في الإصرار على ادعاء شبهة عنده؛ فإنهم سيميزون بين من يجادل بالباطل حفاظًا على أَتْباعه وأطماعه, وبين من يبحث عن الحق, وهو صادق في طلبه.
فإن لم يكن هناك وليّ أمر يقوم بذلك, واحتاج الناس إلى بيان حُكْم هذا الرجل -وإن لم تُطبَّق عليه الأحكام اللازمة لذلك؛ إذْ الرجوعُ في ذلك -في الجملة- إنما يكون إلى من له شوكة وولاية- فلا بأس أن يجتمع علماء القُطْر, أو البلدة أي مَنْ تَحْصُلُ به الكفاية في هذا الجانب -إذا كانوا متأهلين لهذا الأمر- ليقوموا بما سبق بيانه, إذا أُمِنَتْ الفتنةُ، وكان في ذلك القيامُ ببعض ما أمر الله به، وإلا فالأصل النصيحة بالتي هي أحسن, وبيان الحكم الشرعي العام فيما أتي به المرء, وأما الأحكام فلا يتناولها إلا المؤهلون لها.
فإن قيل: لماذا لا يُقبل ذلك من آحاد طلاب العلم؟
فالجواب: سبق أنه لا تكفير مع الشبهة والاحتمال, وأعلمُ الناسِ بالأحكام, وبدلالات الألفاظ, وبموارد الإجمال والاحتمال: هم أهل العلم والرِّفق والحِلْم, وهذه مسائل يَعْظُم الخَطْبُ بالخطأ فيها, فلا يتناولها إلا أهلها, وقد جَرَّبنا جرأة طلبة العلم -أعني المبتدئين، والمتعجلين، والغيورين منهم بلا ضوابط- في هذا الباب, فجَرَّ ذلك مفاسد لا قِبَل للأمة بها, ولأننا عبر تاريخ المسلمين لم نَعْلَمْ أن هذا الأمر قد رُدَّ إلى غير العلماء والقضاة, ولأن كبار العلماء هم أهل العلم والخشية من الله, والتُّؤَدَةِ والتثبُّتِ؛ فنأمن من جهتهم من ظُلْم أحد أو مجاملته على حساب الشريعة, بخلاف من هو دونهم في هذا كله, فحَدِّث ولا حرج، والله المستعان.
فلابدَّ من ضرورة استيفاء الشروط وانتفاء الموانع في حَقِّ المعيَّن:
* وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – تعالى- في «مجموع الفتاوى»([204]): «فقد يكون الفعل أو المقالة كفرًا، ويُطْلَق القول بتكفير من قال ذلك؛ فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القولَ أو فَعَلَ ذلك الفعلَ لا يُحْكَم بكُفره حتى تقوم عليه الحجة التي يَكْفُر تاركها، وهذا الأمر مُطَّرِد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة؛ فلا يُشْهَد على مُعَيَّنٍ من أهل القبلة بأنه من أهل النار؛ لجواز أن لا يَلْحَقَهُ؛ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، أو لِثُبُوتِ مانعٍ».
* وقال أيضًا — كما في «مجموع الفتاوى»([205]): «وليس لأحد أن يُكَفِّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغَلِطَ؛ حتى تُقَامَ عليه الحجةُ، وتُبَيَّنَ له المحجةُ، ومن ثَبَتَ إسلامُهُ بيقين؛ لم يَزُل ذلك عنه بشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة».
* وقال الإمام المُجَدِّدُ محمد بن عبد الوهاب — كما في «الدرر السنية»([206]): «ومسألة تكفير المُعَيَّنِ مسألةٌ معروفةٌ، إذا قال قولًا كان القولُ به كُفْرًا، فيقال: من قال بهذا القول؛ فهو كافر، ولكنَّ الشخصَ المُعَيَّنَ إذا قال ذلك؛ لا يُحْكم بكُفره؛ حتى تقوم عليه الحجةُ، التي يَكْفُر تاركها».
الكلام على الشروط والموانع













