كتب للقراءة

أصول وضوابط أهل السنة والجماعة في التفسيق والتبديع والتكفير

أُصُوْلُ وضَوَابِطُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ في التَّفْسِيْقِ والتَّبْدِيْعِ والتَّكْفِيْرِ

(الكلام على الشروط والموانع)

تعريف الشرط لغةً واصطلاحًا:

أ- تعريف الشَّرْط لغةً: الشّرَط –بالتحريك- العَلَامة، ومنه قوله تعالى في الساعة: (فقد جاء أشراطها) أي علاماتُها، والشرْط –بسكون الراء- معروف، وجَمْعُهُ شروطٌ، وكذلك الشريطة، وجَمْعُه شرائط، والشريطة كالشرط، والمراد به إلزامُ الشيء والتزامُهُ في البيع ونحوه، والاشتراط: العَلَامَةُ يجعلها الناسُ بينهم، والشرط: تَعْلِيقُ شيءٍ بشيء، بحيث إذا وُجِد الأولُ وُجِد الثاني، وسُمّي ما علّق به الجزاء شرطا؛ لأنه عَلَامَةٌ لنزوله([207]).

ب- تعريف الشرط اصطلاحًا: قيل: «ما يَتَوَقَّفُ عليه وجودُ الشيء، ويكون خارجا عن ماهِيَّتِهِ، ولا يكون مُؤَثِّرا في وجوده».

وقيل: «ما يُضاف الحُكْمُ إليه عند وجوده لا وجوبا».

وقيل: «ما يَلْزَمُ من انتفائه انتفاءُ الحكم، ولا يَلْزَمُ من وجوده الوجودُ ولا العدمُ لذاته».

وقيل: «وصْفٌ ظاهِرٌ مُنْضَبِطٌ، دَلَّ الدليل الشرعي على انتفاء الحكم عند انتفائه».

ومنه شَرْطُ وجوبٍ: وهو ما يَجِبُ وجودُه لوجود الشيء، كالعقل والبلوغ للصلاة.

ومنه شَرْطُ أَدَاءٍ: وهو ما يجب وجوده لصحة الشيء، كالطهارة للصلاة([208]).

تعريف المانع لغة واصطلاحًا:

أ- تعريف المانع لغةً: المنْع: أن تَحُولَ بين الرجل وبين الشيء الذي يريده، وهو خلاف الإعطاء، ويقال: هو تَحْجِير الشيء، مَنعه يمنعه منعا، فامتنع منه وتمنّع، ورجل ممنوع ومانع ومنّاع: ضَنِينٌ مُمْسِكٌ، وفي التنزيل: [ﮨ ﮩ] {ق:25} ومنيع: لا يُخْلَص إليه في قوم مُنعاء، ورجل منوع: يمنع غيره، ورجل مَنِعٌ: يمنع نفسه، والمنيع أيضًا الممتنع([209]).

ب- تعريف المانع اصطلاحًا: «هو ما يَلْزَمُ من وجوده عدمُ الحكم، ولا يَلْزَم من عدمه وجودُ الحكم ولا عدمُهُ لذاته» كالحيض مع الصيام، ووجَب العَكْسُ فيه: أن الشرطَ ينتفي الحكم لانتفائه، والمانعَ ينتفي الحكم لوجوده، فوجودُ المانع وانتفاءُ الشرط سواء في استلزامهما انتفاءَ الحكم، وانتفاءُ المانع ووجودُ الشرط سواء في أنهما لا يلزم منهما وجودُ الحكم ولا عدمُهُ([210]).

فإن قيل: ما هي الشروط الواجب توافرها, والموانع التي يجب انتفاؤها قبل الحُكم على المعين؟

فالجواب: أن الشروط عَكْسُها الموانع، واعلم أن هذه الشروط والموانع هي:

1- الشرطُ الأول: العَقْلُ, ووجْهُ تسمية العقل بذلك: أنه يمنع صاحبه عن التورط في المهالك، ويحبسه عن ذميم القول والفعل.

وفي الشرع: هو الغريزة التي في الإنسان، فيمتاز بها عن سائر الحيوان، فبها يَعْلَم، وبها يَعْقِل، وبها يقصد المنافع دون المضار، وهو مناط التكليف([211]).

ويقابله الجنونُ, وهو زوال العقل أو فسادٌ فيه، وفيه مُطْبِقٌ، أي تام، ومتقطِّع، ومنه أصْلِيٌّ وعارِضٌ.

فالعقلُ شَرْطٌ, والجنون مانع, فلا تكليف مع الجنون, لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يَبْلُغ, وعن النائم حتى يستيقظ, وعن المجنون حتى يُفيق»([212]).

2- الشرط الثاني: البلوغ, وله عِدَّةُ معانٍ في اللغة، منها: الوصول والانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانا، أو زمانا، أو أمرا من الأمور المقدرة، وربما يُعَبَّر به عن المشارفة عليه وإن لم يَنْتَهِ إليه، ومنه قوله تعالى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ] {الطلاق:2}، أي قَارَبْنَ بلوغ الأجل، ويأتي بمعنى الإدراك، يقال: بلغ في الجودة مبلغا، أي أدرك([213]).

وهو في اصطلاح الفقهاء: انتهاءُ حَدِّ الصِّغَر في الإنسان؛ ليكون أهلًا للتكاليف الشرعية، وارتفاع حَجْره عن التصرفات، أو تَحْدُثُ للشخص قوةٌ تَنْقُلُه من حالِ الطفولة ونحوها إلى مرحلة الرجولية بالنسبة للذكور، وكمال الأنوثة بالنسبة للأنثى.

وقبل البلوغ مرحلة الطفولة، أو الصِّبا، أو المراهقة، وهي مأخوذة في اللغة من قولهم: «راهق» أي اقترب من شيء.

وللبلوغ علاماتٌ معروفةٌ عند أهل العلم في الذَّكَر والأنثى, وتكون فيهما بالإنزال أو الاحتلام، أو إنْبَاتِ الشعر الخَشِنِ حول القُبل -على تفاصيل في الإنبات- وتزيد الأنثى على ذلك بالحيض، فإذا ظهرتْ علاماتُ البلوغ؛ فإن الأحكام تجري على المكلَّف، أما إذا لم تظهر عليه هذه العلامات؛ فلا يكون بالغًا إلا ببلوغ خمسة عشر عامًا قمرية عند جمهورهم, وعند المالكية بتمام ثماني عشرة سنة([214])، وإلا فلا تجري عليه أحكام التكفير أو التفسيق ونحوهما, للحديث السابق, وفيه: «…عن الصبي حتى يَبْلُغ…».

3- الشرط الثالث: العِلْمُ, ويُقابله الجَهْلُ, سواء كان الجهل بمعنى خُلُوّ النفْس من العلم, وعدمِ التلبُّس بضده، وهو الجهل اليسير, أو البسيط، أو بمعنى اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه, أو اعتقادٍ جازمٍ غيرِ مطابق للواقع، أو خُلُوّ النفس من العلم مع التلبس بما هو ضده، وهذا هو الجهل المرَكَّب، وهناك استعمالٌ آخر للجهل؛ حيث يُطْلق على العمل بخلاف ما يَعْلَمُه الإنسان؛ فإن هذا إصرارٌ على الذنب، وظُلْمٌ للنفس، كما قال لوط — لقومه: [ﭧ ﭨ ﭩ] {هود:29} فلم يكونوا جَهَلَةً بمعنى عَدَمِ العلم، بل كانوا فَجَرةً معاندين!!!.

ويقابل العلمَ أيضًا مانعان آخران، وهما: الخطأُ في التأويل من العالم، والخطأُ في التقليد مِن العامِّي، فظهر بذلك أن الخطأ في المسائل العلمية والعملية سببُه ثلاثة أشياء: الجهل، والتأويل مِن العالِم، والتقليدُ مِن العامِّي، أما الخطأُ الذي هو ضدُّ القَصْدِ فشيءٌ آخر، كالذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك؛ أخطأَ مِن شدة الفرح!!».

ومن الأدلة على أن الجهل وما في معناه عُذر([215]):

أ- قوله تعالى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ] {التوبة:115} ومع أن الآية نزلت في قوم استغفروا لأقاربهم المشركين، ولم يَكُنْ قد نَزَلَ نهْيٌ عن ذلك؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، فلم تَخُصَّ الآيةُ معصيةً دون أخرى، والجاهلُ بالحكم أَصْلا، ولم يَعْلَمْ به -مع عدم تفريطه في معرفة الحق حسب جهده وعلمه- في حُكم من لم يُنَـزَّل عليه الحكم أصلًا، ولم يُؤمر ولم يُنهَ، ولا تكليف إلا بعد العلم والبلاغ، والآية عامة في كل ما يُحكم به على المخالف بالضلال، بعد أن عُدَّ في جملة المهتدين، أي من جملة المسلمين؛ لقوله تعالى: [ﮕ ﮖ ﮗ ] {التوبة:115} .

* قال الحافظ ابن كثير – تعالى-: «يقول تعالى مُخْبِرًا عن نَفْسِه الكريمة وحُكْمه العادل: إنه لا يُضِلُّ قوما بعد بلاغ الرسالة إليهم؛ حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: [ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ] {فصلت:17}»([216]). اهـ.

* وقال الإمام ابنُ جرير الطبري –: «يقول -تعالى ذِكْرُه-: وما كان الله لَيَقْضِيَ عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذْ رزقكم الهداية، ووفقكم للإيمان به وبرسوله؛ حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا الانتهاء عنه، فأما قبل أن يُبَيِّنَ لكم كراهية ذلك بالنهي عنه، ثم تَتَعَدَّوْا نَهْيَهُ إلى ما نهاكم عنه؛ فإنه لا يَحْكُم عليكم بالضلال؛ لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهيّ، فأما من لم يُؤْمَرْ ولم يُنْهَ؛ فغير كائنٍ مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمَرْ به ولم يُنْهَ عنه»([217]). اهـ.

* وقال العلامة الشوكاني –: «أي أن الله -سبحانه- لا يُوقِعُ الضلالَ على قوم، ولا يُسميهم ضُلَّالا بعد أن هداهم إلى الإسلام والقيام بشرائعه؛ ما لم يُقْدِمُوا على شيء من المحرمات بعد أن يتبين لهم أنه مُحَرَّم، وأما قبل أن يَتَبين لهم ذلك؛ فلا إِثْمَ عليهم، ولا يؤاخَذُون به، ومعنى [ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {التوبة:115}: حتى يَتَبَيَّن لهم ما يجب عليهم اتقاؤه من محرمات الشرع»([218]). اهـ.

وقد سبق أن العبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب، والله أعلم.

ب- وبنحو ذلك قوله تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {النساء:115} فحكم الله — بإلحاقه بمن تولاهم، وإدخاله جهنم إذا شاقَّ الرسولَ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بعدما يتبين له الهدى والحقُّ، والجاهل ليس ممن تَبَيَّن له الهدى والحقُّ، ويدخل في هذه الآية من أسلم وجَهِلَ بعضَ ما حَرَّم الله، والله أعلم.

ج- قوله تعالى: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}، وفي «صحيح مسلم»([219]) أن الله — قال: «قد فَعَلْتُ» فإذا كان الله
— قد عَذَرَ الناسي، ولا يؤاخذه، والنِّسْيَانُ جَهْلٌ بعد عِلْمٍ؛ فَلَأَنْ يُعْذر الجاهِلُ أصلا -أي الذي لم يَعْلَمْ من قبل- من باب أَوْلى، والله أعلم.

د- وهناك آيات كثيرة -كما سيأتي من كلام أبي محمد بن حزم وابن الوزير -رحمهما الله تعالى- قَيَّدَتْ الذَّمَّ والمؤاخذةَ بالعلم، كما في قوله تعالى: [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {آل عمران:135} وغيرها من آيات.

ومن الأحاديث الدالة على العذر بالجهل أيضًا:

أ- قصة الرجل الذي أَوْصَى بَنِيهِ بإحْرَاقِهِ، وفيه: «لَئِنْ قَدَرَ الله عليَّ؛ لَيُعَذِّبَنَّي عذابًا ما عَذَّبه أحدًا من العالمين»([220])، قال شيخ الإسلام ابن تيمية
–: «فهذا الرجل ظَنَّ أن الله لا يَقْدِر عليه إذا تفرَّق هذا التفرُّق، فَظَنَّ أنه لا يُعيده إذا صار كذلك، وكل واحد: من إنكاره لقدرة الله، وإنكاره مَعَادَ الأبدان وإن تَفَرَّقَتْ؛ كُفْر، لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالاًّ في هذا الظن مخطئًا؛ فغفر الله له ذلك»([221]).

فإن قيل: هذا جَهْلٌ أو شَكٌّ في الصفة، وليس ذلك كُفرًا بإطلاق، أو أننا لا نكفِّر بجهل الصفة، إنما نكفِّر من وقع في الشرك الأكبر الذي ليس فيه خفاء.

قلتُ: فهذا النَّصُّ مِن شيخ الإسلام – – صريحٌ في قوله بعُذْرِ المُنْكِرِ لقدرة الله تعالى، والمُنْكِرِ للبَعْثِ والنشور – وكلاهما كُفْرٌ أَكْبَرُ وظاهرٌ وجَلِيٌّ، وليس بكفرٍ خفيٍّ -، فتأمل.

فالجواب أيضًا من وجهين:

1- أن الشك في القدرة كُفْر بالله، وليس من شك في ذلك كمن شك في صفة المجيء، أو النـزول، أو اليد، أو القدم ..ونحو ذلك من صفات الأفعال والذات، فَفَرْقٌ بين صفةٍ وصفةٍ، وإذا كان الشكُّ في قدرة الله كفرًا، فكيف بإنكار قدرة الله أصلًا، كما هو صريح كلام شيخ الإسلام – -.

2- أن هذا شك أيضًا في البعث بعد التفرق بالحرق والذرْي، وهذا كُفْرٌ مستقل.

فإن قيل: هذا محمول على أن الرجل قد غلبه الخوف والفزع من لقاء الله — بسبب سوء فِعْلِهِ.

فالجواب: نعم، إن الرجل قد أوصى بما أوصى به بسبب خوفه من عذاب الله، لكنه ظن أن فيما أوصى به مَخْرَجًا له، ونجاةً من هَلَكَته، ولم يبلغ الرجلُ حالَ الوصية درجةَ الهذيان، والكلام بما لا يَقْصُد معناه -وهي الدرجة التي لا يكون فيها مُكَلَّفًا، لا مجرد غلبة الخوف- وإلا لكان كلامه مضطربًا مُخَلَّطًا، وظاهر السياق أنه أتى بكلام مُحْكَم في غاية الإتقان لما قصده؛ فقد جمع أولاده، وذكَّرهم بأنه نعم الأبُ كان لهم، وأخبرهم بجرائمه، وأوصاهم بما أوصاهم به؛ ليضمن نجاته من العذاب، فأي هذيان أو اختلال في عقله وهو يأتي بهذا الكلام المحكم المتناسق، ويذكر هذه المقدمات، وتلك النتائج؟ ولو عَلِمَ أبناؤه أن أباهم كان يَهْذِي فيما أوصاهم به؛ لَمَا نفَّذ أولاده وصيته الجائرة، التي لا يكاد يُسمع بها في التاريخ، إلا ما عُرف عن بعض الوثنيين، ومعلوم أن أولاده نفّذوا الوصية، وهم أعلم بحاله ممن تأول له بهذا التأويل، فلو كانوا يعلمون من حال أبيهم أنه تكلم بما تكلم به، وهو في حالة ذهول أو هذيان لشدة الخوف؛ لما قاموا بحرق أبيهم، ولما نفَّذوا هذه الوصية المخالفة لبر الوالدين، فإن تعذيب الميت أو ضَرْبَهُ لا يجوز شرعًا وعقلًا وعُرْفًا، فكيف إذا كان والدًا؟ وكيف إذا كان تعذيبه بالحَرْق والذَّرْي؟ وهل هناك أشد في التعذيب من الحرق والذرْي في البر والبحر في يوم شديد الريح؟!

وأيضًا: فلو كان الأمر كما يقوله هذا القائل، لما سَأَلَهُ اللهُ — أصلًا عن سبب وصيته أولادَهُ بهذه الوصية الشاذَّة في الخليقة؛ لأنه عند ذاك غير مُكَلَّفٍ -على قول هذا القائل- ومعاذ الله أن يسأل الله – شأنه- المجنونَ وفاقِدَ العَقْل عما صَدَر منه حال فَقْدِه العَقْلَ.

ب- حديث آخر: وفيه: أن رجُلًا أهدى لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- راوِيَةَ خَمْرٍ، فقال له: «هل عَلِمْتَ أن الله قد حَرَّمها؟» فقال: لا، فسارَّه رجل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بم سارَرْتَه؟» قال: أَمَرْتُهُ أن يبيعها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الذي حَرَّم شُرْبها حَرَّمَ بَيْعَهَا»([222]) ففتح الرجل المزادتين؛ حتى ذهب ما فيهما, هذا والخمر حرمتها أكيدة، واسْتِحْلَالُ شُرْبِها، أو إهدائها، أو بَيْعِها بعد العلم بتحريمها كُفْر أكبر، ولكن الجاهل له حُكْم آخر، فلم يُحْكَم بالكفر على هذا الرجل، ولا على مَن سَارَّهُ ببيعها، لأن الرجل الأول كان لا يعلم بتحريمها أصلًا، وتحريمُها مِن المعلوم عند الصحابة – رضي الله عنهم – بالضرورة، ولم يُحكم بالكفر على الرجل الثاني الذي سارَّه ببيعها؛ لجهله بأن الله – – إذا حَرَّمَ شُرْبَ شيءٍ؛ حَرَّمَ بيعَه، وإن كان يعلم أن شربها حرامٌ.

وإذا كان هذا في زمن فيوض العدالة، وظُهور العلم، وقد يُوجَد من يجهل مثل هذا الحكم الظاهر؛ فلأَنْ يُوجَدَ مِثْلُ هذا وأَشَدُّ منه في زمن الغربة، واسْتِحْكَام الجهل، وقِلَّةِ العلم بآثار الرسالة، وكثرة الملبِّسين على الناس دينَهم من باب أَوْلَى، ولم تكُنْ هذه الحادثة قبل نزول تحريم الخمر، كما هو ظاهر، والله أعلم.

ج- حديثٌ آخر: قِصَّةُ ذاتِ أَنْوَاط([223]): وذلك أن بعض المسلمين -وهم حُدَثَاء عَهْدٍ بجاهلية- طلبوا من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يجعل لهم «ذات أنواط» مِثْلَ المشركين، وهي شجرة كان المشركون إذا مَرُّوا بها يُعَلِّقون بها سيوفهم، ويذبحون عندها([224])، ويَعْكُفون عليها، وهذا اعتقادٌ في ذاته مُكَفِّر([225])، ولما كان هؤلاء الصحابة المتكلِّمون بذلك، والراغبون فيه، والطالبون له حُدَثَاء عَهْدٍ بالإسلام، وظنوا أنَّ جَعْلَ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لهم هذه الشجرة؛ لِيَسْتَنْصِرُوا بها، أو لِتَجْلِبَ لهم نَفْعًا، أو تَدْفَع عنهم ضرًّا؛ لا يكون محظورًا، وإلا لاتخذوها هم من عند أنفسهم ابتداءً دون طلب من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلمّا كانوا كذلك، وطلبوا ما طلبوا عن جهل؛ عَذَرهم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يَحْكُم بكفرهم واستتابتهم، إنما حَذَّرهم من هذه المقالة المشابهة لمقالة بني إسرائيل لموسى -عليه الصلاة والسلام-: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ] {الأعراف:138}، وبنو إسرائيل مرُّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى – -: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ] فقال لهم موسى: [ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ] { الأعراف:138-139}، وجهلُ بني إسرائيل كان منهم بعد علمٍ، فهو جهلٌ مُرَكَّبٌ، وإصرار على الباطل، فقد قالوا ذلك بعد أن نجاهم الله من فرعون، وأغرقه وجنودَه في البحر، فهل يليق بعد هذه الآية العظيمة أن يطلبوا من موسى – – أن ينصب لهم إلهً يعبدونه غير الله – جل جلاله -؟!

وهذا يدل على أنهم طلبوا من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما حقيقته الشرك –حسب ظاهر المشابهة في الحديث-: «الله أكبر، قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ] » إلا أن القوم لما كانوا لا يَعْلَمُون أن ما طلبوه من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَنْهِيٌّ عنه؛ كانوا معذورين بجهلهم مع حُسْن مَقْصَدِهم عند أنفسهم، وسُرْعَة إنابتهم.

فإن قيل: هناك أدلةٌ على خلاف ذلك، ومنها:

(أ) قوله تعالى: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ] {الأعراف:30} فهؤلاء ذمَّهم الله — لكفرهم، مع أنهم لا يعلمون أنهم كفار؛ باتخاذهم الشياطينَ أولياءَ من دون الله، بل كانوا يظنون أنهم مهتدون.

* وقد قال الإمام ابن جرير الطبري –: «إن الفريق الذي حَقَّ عليهم الضلالةُ، إنما ضَلُّوا عن سبيل الله، وجارُوا عن قصد المحجة؛ باتخاذهم الشياطينَ نُصَرَاءَ من دون الله، وظُهَرَاءَ، جَهْلًا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، بل فَعَلُوا ذلك وهم يَظُنون أنهم على هُدًى وحَقٍّ، وأن الصواب ما أَتَوْه ورَكِبُوا.

وهذا من أَبْيَنِ الدلالة على خطأ قول من زعمَ أن الله لا يعذِّب أحدًا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركَبَها عِنَادًا منه لربه فيها؛ لأن ذلك لو كان كذلك؛ لم يكن بَيْن فريقِ الضلالة الذي ضَلّ وهو يحسَبُ أنه هادٍ، وفريقِ الهدى فَرْقٌ، وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية»([226]). اهـ.

والجواب: أن هؤلاء الذين حَقَّتْ عليهم الضلالة كفار أصليون، وخلافنا معكم في المسلم الذي دخل في الإسلام عندنا وعندكم، ثم وقع في أَمْرٍ مُكَفِّر، وهو لا يعلم أن الله — قد نهى عنه، أو تأوَّل – وهو من أهل العلم – فأخطأ، والخطأ في التأويل فرع عن الجهل بالصواب، أو عامّيّ مسلم قلَّد من يعتقد أنه عالم، فأفتاه هذا العالم – وهو في الحقيقة جاهل فيما أفتاه به – بأن ما يفعله من الشرك ليس شركًا، بل قد فعله رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أو الصحابة – رضي الله عنهم -، وذكر له عالمُ السوء آياتٍ كريماتٍ، ووضعها في غير موضعها، أو أحاديث صحيحة أو موضوعة ولبَّس عليه بها، فأين هذا من الدليل الذي ذكرتموه؟

* وقد قال البغوي –: «فيه دليل على أن الكافِرَ الذي يَظُن أنه في دينه على الحق والجاحدَ والمعاندَ سواء»([227]). اهـ.

فصرَّح — بأن هؤلاء كفار على غير الدين الحق، ومعلوم أن كثيرًا من الكفار قد عاند الرسل، بل سعى في قتلهم، وهو يظن أنه على هُدًى، فلا ينفعه هذا الظن، ونحن لا نشترط في التكفير للكافر الأصلي أن يُقِرَّ بأنه مُسْتَبْصِرٌ عالِمٌ بكُفْرِه، بل يكفي عندنا في الحكم عليه بالكفر: عَدَمُ إيمانه أصلًا، وإِعْرَاضه عن الدخول في دين الإسلام.

* وقال أبو حفص الدمشقي الحنبلي –: «وهذه الآية تدل على أنَّ الكافرَ الذي يَظُنُّ أنَّهُ في دينه على الحقِّ والجاحدَ المعاندَ سواء، وتدلُّ أيضًا على أنَّ مُجَرَّد الظن والحسْبَانِ لا يكفي في صحَّة الدين، بل لا بدَّ فيه من الجَزْمِ والقَطْعِ؛ لأنَّهُ تعالى ذَمَّ الكفار بأنهم يَحْسَبُون كوْنَهِم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم؛ وإلاَّ لما ذمهم بذلك»([228]). اهـ.

قلتُ: فتأمل ما جاء عن البغوي وأبي حفص الدمشقي الحنبلي – رحمهما الله – في تفسير الآية بأنها في الكفار، وأن الكافر الذي يظن أنه على الهدى بمنزلة الجاحد والمعاند، ولم يقولا: وهو بمنزلة الجاهل الذي يظن أنه على هدى أيضًا، كما يدعي المخالف!!

(ب) قالوا: وبنحو ذلك قوله تعالى: [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ] { الكهف:103-104}.

والجواب من وجوه:

1- هذه آية أيضًا نزلت في الكفار الأصليين، وليست في المسلم الذي يقع في الشرك جهلًا منه بتحريم ما أتى، وهذا خارجٌ عن نقطة النزاع، قال أبو محمد بن حزم –: «واحْتَجَّ بعضُهم بأن قال الله تعالى: [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ].

* قال أبو محمد: وآخر هذه الآية مُبْطِل لتأويلهم، لأن الله — وَصَلَ قولَهُ: [ﮢ ﮣ] { الكهف:104} بقوله: [ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ] { الكهف:105-106} فهذا يُبَيِّن أن أَوَّلَ الآية في الكفار المخالفين لديانة الإسلام جُمْلَةً، ثم نقول لهم: لو نزلت هذه الآية في المتأولين من جملة أهل الإسلام -كما تزعمون- لدخل في جملتها كُلُّ مُتَأَوِّلٍ مُخْطِئٍ في تأويلٍ في فتيا؛ لَزِمَهُ تكفيرُ جميع الصحابة -رضي الله عنهم- لأنهم قد اختلفوا، وبيقين ندري أن كُلَّ امْرِئٍ منهم فقد يُصِيب ويُخْطِئَ، بل يلزمه تكفير جميع الأمة؛ لأنهم كلَّهم لا بد من أن يُصِيبَ كلُّ امرئ منهم ويخطئ، بل يَلْزَمُه تكفيرُ نَفْسِهِ؛ لأنه لا بد لكل من تكلم في شيء من الديانة من أن يرجع عن قول قاله إلى قول آخر يتبين أنه أَصَحُّ، إلا أن يكون مُقَلِّدًا؛ فهذه أَسْوَأُ؛ لأن التقليد خَطَأٌ كلُّه لا يَصِحَّ([229])، ومن بَلَغَ إلى ها هنا؛ فقد لاحَ غوامِرُ قوله، وبالله تعالى التوفيق»([230]). اهـ.

* وقال أيضًا –: «فَصَحَّ بما قُلْنَا: أن كُلَّ من كان على غير الإسلام، وقد بَلَغَه أَمْرُ الإسلام؛ فهو كافر، ومَنْ تَأَوَّلَ من أهل الإسلام، فأخطأ، فإن كان لم تَقُمْ عليه الحجةُ، ولا تَبَيَّن له الحقُّ؛ فهو معذور مَأْجُورٌ أَجْرًا واحدا؛ لطلبه الحقَّ، وقَصْدِه إليه، مَغْفُورٌ له خطؤه؛ إذْ لم يَعَتَمِدْهُ، لقول الله تعالى: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {الأحزاب:5} وإنْ كان مصيبا؛ فله أَجْران: أَجْرٌ لإصابته، وأَجْرٌ آخر لطلبه إياه، وإن كان قد قامَتْ الحجةُ عليه، وتَبَيَّنَ له الحَقُّ؛ فعَنَدَ عن الحق، غَيْرَ معارض له تعالى ولا لرسوله -صلى الله عليه و سلم- فهو فاسِقٌ لجراءته على الله تعالى، بإصْرَارِهِ على الأمر الحرام، فإن عَنَدَ عن الحق معارضًا لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه و سلم- فهو كافر مُرْتَدٌّ حَلَالُ الدَّمِ والمالِ، لا فَرْقَ في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد في أي شيء كان من الشريعة، وبين الخطأ في الفتيا في أي شيء كان على ما بَيَّنَّا قَبْلُ»([231]). اهـ.

2- وأيضًا فهذه الآية نزلتْ فيمن أُقِيمَتْ عليهم الحجة، فَأَصَرُّوا وعاندوا، واستَهْزَؤوا برسُل الله -جلَّ شأنه- لا فيمن جَهِلُوا تحريم ما أَتَوْا به، وذلك بدليل قوله تعالى بعد ذلك في السياق نفسه: [ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ] {الكهف:105، 106}.

فهؤلاء جاءتهم رسل -على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام- واستهزأوا بهم؛ واستمروا على كفرهم بآيات الله، وتكذيبهم بلقائه، وبَعْثِهم بعد موتهم، وكل هذا كُفْر أكبر، فأين هذا من موضع النـزاع؟

(ج) هناك طائفة من المخالفين لنا في العذر بالجهل، ترى أن إقامة الحجة لا تُشترط في تكفير من أتى الكفر الأكبر، إنما تشترط عند العقوبة والعذاب فقط، وهؤلاء الكفار قد صرح الله بأن جهنم مصيرهم، فلابد أنهم قد أُقِيمَتْ عليهم الحجة، لكنهم أَصَرُّوا على ما هم عليه، وهذا خارج عن موضع النـزاع؛ فإن نزاعنا فيمن لم تَقُمْ عليه الحجة، أو قامت عليه بطريقة غير مجزئة، فلم تُذهب عنه الجهل أو الشبهة التي كانت سببًا في زيغه، وهو في الأصل ممن اختار الإسلام دينًا، وتبرأ من غيره من الأديان، وليس ذلك في الآية، فلا دليل فيها للمخالف، والله أعلم.

(د) قالوا: وهناك عدة آيات ظاهرها تكفير من لم يَفْهَم كلام الله
— وهذا يدل على عدم عذره بالجهل، كقوله تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ] {الأنعام:25}، وقوله تعالى: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ] {الأنفال:22} ونحو ذلك.

والجواب: أن هذه آيات نزلت في الكفار الأصليين، الذين قالوا: سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُون، فقد أُقيمت عليهم الحجة بما سمعوه من آيات، وفهموا معناها والمراد منها، لكنهم لم يُوَفَّقوا لسماع الهداية، فكونهم لا يعقلون، أي أنهم لم يستقيموا على أمر الله، لا أنهم فَقَدُوا عقولَهُم، وإلا لما كانوا مكَلَّفين في الدنيا، ومحل النزاع: في مسلم وقع في الكفر عن جهلٍ أو خطأٍ، وهو يظن أنه بذلك يُوَحِّدُ الله – جل وعلا – ويُعَظِّمه جهلًا أو تقليدًا لعالمٍ من علماء السوء، ولم تقم عليه الحُجةُ المزيلةُ لعذره، أو قامت عليه بطريقة غير مجزئة، ولم تُزل عنه الخطأ في الفهم الذي عنده، والإعذارُ بالشبهة قول كثيرٍ من أهل العلم، والله أعلم.

والخلاصة: أن هذا جَهْلُ عنادٍ، لا الجهل الذي هو خُلُوّ النفس عن العلم، والله أعلم.

وهذه عدة أقوال لبعض أهل العلم تَدُلُّ على العُذر بالجهل:

وأبدأ بكلام شيخ الإسلام — لأنه أكثر مَن قَرَّر هذا القول في مواضع متعددة من كتبه، وأجاب على بعض الإشكالات، وأتى بكلام مُحْكَم غير قابل لتأويله على خلاف ما صرَّح به، وذلك في غالب المواضع التي ذكر فيها هذه المسألة:

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «وَإِذَا عُرِفَ هَذَا: فَتَكْفِيرُ «الْمُعَيَّنِ» مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ -بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ- لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْحُجَّةُ الرساليةُ، الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا كُفْرٌ، وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ الْمُعَيَّنِينَ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضَ الْمُبْتَدِعَةِ يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ -وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ- حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينِ؛ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ، بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ، وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَاَللَّهُ الْمَسْؤولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَسَائِر إخْوَانِنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ»([232]). اهـ

فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية — يصرح بأن المرء لا يُكَفَّر بعينه بوقوعه فيما هو كُفْرٌ بلا رَيْبٍ لِجَهْلِهِ، حتى تقام عليه الحجة، وتُبَيّن له المَحَجَة، وتُزال عنه الشُّبه التي أوقعته في الشرك الأكبر، وليس كلامه هنا في إعذاره فقط قبل إقامة الحد أو العقوبة، كما يَدَّعِي البعضُ، الذين يدَّعون: أن كلام العلماء في العذر بالجهل خاصٌّ بما هو قبل إيقاع العقوبة وإقامة الحد عليه، وإلا فمن فَعَل الشركَ الكبر يَكْفُر -عندهم وفي نظرهم- جاهلًا كان، أو عالمًا متأولًا، أو عاميًا مقلدًا، ويُطْلَقُ عليه أنه كافر، دون إقامة الحجة، وعند العقوبة أو الحَدِّ فقط: تُقام عليه الحُجة، ثم يدّعون إجماع العلماء على ذلك!! مع أن كلام شيخ الإسلام ظاهر في الرد على هذا القول، فماذا عسى أن يحكموا على شيخ الإسلام بعد هذا التصريح، ولم يَسْتَثْنِ معيّنًا من آخر، ولا مقالةً من أخرى؟!

* وقال أيضًا –: «وأيضا؛ فإن تكفير الشخص المعين، وجوازَ قَتْلِهِ موقوفٌ على أن تَبْلُغَهُ الحجة النبوية التي يَكْفُر من خالفها، وإلا فليس كل من جَهِلَ شيئا من الدين يَكْفُر، ولهذا لما استحل طائفةٌ من الصحابة والتابعين كقُدامَةَ بن مظعون وأصحابِهِ شُرْبَ الخمر، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة؛ اتفق علماء الصحابة: كعمر، وعلي وغيرهما: على أنهم يُسْتتابون، فإن أصَرُّوا على الاسْتِحْلَال؛ كَفَروا، وإن أَقَرُّوا به؛ جُلِدُوا، فلم يُكَفِّروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشُّبهة التي عَرَضَتْ لهم، حتى يتبين لهم الحق، فإذا أَصَرُّوا على الجحود؛ كَفَروا، وقد ثبت في «الصحيحين» حديث الذي قال لأهله: «إذا أنا مِتُّ؛ فاسْحَقُوني، ثم ذَرُوني في اليَمِّ؛ فوالله، لئن قَدَرَ الله عليَّ؛ لَيُعَذِّبَنِّي عذابا ما عَذَّبه أحدا من العالمين، فأمر الله البَرَّ فَرَدَّ ما أَخَذَ منه، وأَمَرَ البحْرَ فَرَدَّ ما أَخَذَ منه، وقال: ما حَمَلَك على ما فَعَلْتَ؟ قال: خَشْيَتُك يا رب، فَغَفَر له».

* وقال –: «فهذا اعْتَقَد أنه إذا فَعَل ذلك لا يَقْدِر الله على إعادته، وأنه لا يُعيده، أو جَوَّز ذلك، وكلاهما كُفْر، لكن كان جاهلا، لم يَتَبَيَّن له الحَقُّ بيانا يَكْفُر بمخالفته؛ فَغَفَر الله له، ولهذا كُنْتُ أقولُ للجهمية من الحلولية والنفاة، الذين نَفَوْا أن الله تعالى فوق العرش، لما وَقَعَتْ مِحْنَتُهُم: أنا لو وافَقْتُكُم كنتُ كافرا؛ لأني أَعْلَم أن قولَكُم كُفْر، و أنتم عندي لا تَكْفُرون؛ لأنكم جُهَّال، وكان هذا خطابا لعلمائهم، وقضاتهم، وشيوخهم، وأمرائهم، وأَصْلُ جَهْلِهِم شبهاتٌ عقلية حَصَلَتْ لرؤوسهم، في قُصورٍ من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، وكان هذا خطابَنَا»([233]). اهـ.

فهذا شيخ الإسلام – – في النص السابق قبل الأخير عنه جعل إقامة الحجة شرطًا في التكفير وفي القتل، ولم يَخُصَّها بالقتل فقط، وفي النص الأخير: معلوم أن استحلال الخمر كُفْر؛ لأنه استحلال لما عُلم بالضرورة تحريمه في دين الإسلام، لكن لما كان ذلك من بعض الصحابة وغيرهم عن تأويل -والتأويل الخاطئ ضَرْبٌ من الجهل- دَفَعَ ذلك عنهم حُكْمَ التكفير، وإن عوقبوا على الشُّرْب، ولا فرق في الإعذار بالخطأ في التأويل بين نوع من الكفر ونوع آخر، إلا فيما لا يختلف فيه أحد، كمن تأَوَّل فأنكر الرب أصلًا، أو جعل للكون خالقًا غير الله سبحانه، أو نسب إلى الله الفواحش، أو سبَّ الله … الخ.

وأيضًا؛ فهذا شيخ الإسلام مع مناظرته لعلماء وقضاة وأمراء وشيوخ الجهمية الحلولية، وفي المناظرة بلوغ الحق إليهم بلا شك، لكنه – – كان لا يرى أن الحجة قد أُقِيمَتْ عليهم إقامةً تَقْطَع عُذْرهم، وتزيل شبهتهم – وإلا لكفَّرهم- وذلك لشبهات لازالتْ عالقةً في رؤوسهم؛ فإن إقامة الحجة لابد فيها من إزالة الشبهة، وقَطْعِ العذر، وتوضيح المحجة، لا مجرد البلاغ الذي لا يَفْهَم منه المخاطَبُ مراد المخاطِبِ، أو يفهمه لكن هناك شبهات تحول بينه وبين قبول الحجة، ويراها صاحبها -في ظنِّه- أقْوى حجةً ودلالةً من الأدلة التي يُلْقِيها عليه العالم المسلم السُّنِّي، بل بعضُ المُتأولين أحيانًا يُذكر له الدليلُ، فيقول لمن يناظره: هذا الدليلُ حُجَّةٌ لي عليك لا لك، وإقامةُ الحُجَّةِ تكونُ إقامةً حقيقيةً وحُكميةً؛ فالحقيقيةُ تكون بالبلاغ والفهم وإزالة الشبهة ووضوح الحُجَّةِ والمَحَجَّةِ، أما الحُكمية؛ فتكونُ بمجرد البلاغ أو تلاوة آيات، وسَرْدِ أحاديث ونحو ذلك، إلا أن المخاطَبَ لم يَفْهَمْ المراد مما يسمع، أو فهمه لكنه يحول بين معرفة الصواب منه شبهاتٌ عَلَقَتْ بذهنه، والله ولي التوفيق.

* وقال أيضًا –: «مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يُبَيِّنُ لَهُ الصَّوَابَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَفَرَ؛ إذْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يُخْطِئُ فِيمَا يَتَأَوَّلُهُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيَجْهَلُ كَثِيرًا مِمَّا يَرِدُ مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ مَرْفُوعَانِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْكُفْرُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ»([234]). اهـ.

فأين في هذا النص حَصْرُ الإعذار بالجهل أو الخطأ في حالة إنزال العقوبة، وإلا فالشخص الذي يقع في الكفر يُسمى كافرًا سواء أقيمت عليه الحجة أم لا؟

* وهذا شيخ الإسلاميقول: «فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَفَرَ».

* وقال أيضًا –: «هذا قول السلفِ وأئمةِ الفتوى: كأبي حنيفة، والشافعي، والثوري، وداود بن علي، وغيرهم: لا يُؤَثِّمون مجتهدا مخطئا، لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذَكَر ذلك عنهم ابنُ حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يَقْبَلُون شهادة أهل الأهواء إلا الخطَّابية، ويصحِّحون الصلاة خلفهم، والكافر لا تُقْبل شهادتُهُ على المسلمين، ولا يُصَلَّى خلفه، وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الدين: إنهم لا يُكَفِّرون، ولا يُفَسِّقون، ولا يُؤَثِّمون أحدا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عَمَلية ولا عِلْمية، قالوا: والفَرْقُ بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أَهْلِ البِدَعِ من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم، وانْتَقَلَ هذا القَوْلُ إلى أقوامٍ تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يَعْرِفُوا حقيقةَ هذا القولِ ولا غَوْرَه، قالوا: والفَرْقُ في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعَةٌ مُحْدَثَةٌ في الإسلام؛ لم يَدُلَّ عليها كتابٌ ولا سنةٌ ولا إجماعٌ، بل ولا قالها أَحَدٌ من السلف والأئمة؛ فهي باطلة عَقْلًا؛ فإن المفَرِّقين بين ما جعلوه مسائل أصول ومسائل فروع لم يُفَرِّقُوا بينهما بفَرْقٍ صحيحٍ يُمَيِّزُ بين النوعين، بل ذكروا ثلاثةَ فروقٍ أو أربعةً، كلّها باطلة»([235]). اهـ.

فهذا إعذار بالتأويل والخطأ والعجز وغيرها من الموانع في المسائل الأصولية والفروعية، أو في المسائل العلمية والعملية، أو في مسائل العقيدة والأحكام، وسواء كان ذلك في التكفير الذي يشمل الشرك والبدع المكفِّرة، أو في التفسيق الذي يشمل الكبائر والبدع المفسِّقة، كل ذلك لا يُقْدِم عليه المرءُ حتى تزال الشبهةُ، وتُبيَّن المَحَجَّة، وتُقام الحُجَّةُ، ويُلحق بالعالمِ المُتَأَوِّلِ المُخطئِ: العامِّيُّ المُقَلِّدُ له تقليدًا سائغًا، وقد ظهر بهذا أن التفريق في العذر للمسلم الجاهل أو المُتَأَوِّل المجتهد في الفروع دون الأصول، قولٌ لا دليل عليه، بل أحدثه أهل البدع من المعتزلة والجهمية، ثم تبعهم عليه بعض أهل العلم!! .

* وقال أيضًا –: «وَأَيْضًا، فَإِنَّ السَّلَفَ أَخْطَأَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ: مِثْلُ مَا أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْحَيِّ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمِعْرَاجُ يَقَظَةً، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ رُؤْيَةَ مُحَمَّدٍ رَبَّهُ، وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ، وَكَذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ فِي قِتَالِ بَعْضٍ وَلَعْنِ بَعْضٍ، وَإِطْلَاقِ تَكْفِيرِ بَعْضِ أَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ، وَكَانَ الْقَاضِي شُرَيْح يُنْكِرُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: [بَلْ عَجِبْتُ]([236]) وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا يَعْجَبُ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، فَقَالَ: إنَّمَا شريحُ شَاعِر يُعْجِبُهُ عِلْمُهُ، كَانَ عَبْدُ اللَّه أَفْقَهَ مِنْهُ، فَكَانَ يَقُولُ: [بَلْ عَجِبْتُ] فَهَذَا قَدْ أَنْكَرَ قِرَاءَةً ثَابِتَةً، وَأَنْكَرَ صِفَةً دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَكَذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ حُرُوفَ الْقُرْآنِ، مِثْلَ إنْكَارِ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ] {الرعد:31} وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ: [أولَمْ يَتَبَيَّنْ الَّذِينَ آمَنُوا] وَإِنْكَارِ الْآخَرِ قِرَاءَةَ قَوْلِهِ: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ] {الإسراء:23} وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ: [وَوَصَّى رَبُّك] وَبَعْضُهُمْ كَانَ حَذَفَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَآخَرُ يَكْتُبُ سُورَةَ الْقُنُوتِ، وَهَذَا خَطَأٌ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَكْفُرُوا، وَإِنْ كَانَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ»([237]). اهـ.

* وقال أيضًا –: «مَا ثَبَتَ قُبْحُهُ مِنْ الْبِدَعِ وَغَيْرِ الْبِدَعِ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إذَا صَدَرَ عَنْ شَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ، فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُعْذَرُ فِيهِ: إمَّا لِاجْتِهَادِ، أَوْ تَقْلِيدٍ يُعْذَرُ فِيهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ، كَمَا قَدْ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ»([238]). اهـ.

فها هو — جعل المخطئ في الاجتهاد، والمقلد تقليدًا يُعْذَر فيه إذا أخطأ أيضًا، أو غير القادر؛ جعل هؤلاء معذورين، وسواء كان ذلك في البدع أو غيرها، والغير هذا يشمل المكفِّرات والمفسِّقات، والبدعُ نفسُها تَشْمَل الكُفر وغَيْرَه، وقد سَبَقَ أنه يَعْذُره، فلا يُطْلَق عليه وَصْفُ الكفر أو الفسوق حتى تقام عليه الحجة، وتُزال عنه الشبهة، وانظر كلامه الآتي.

* فقد قال –: «هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى»([239]). اهـ.

فهل بعد هذا التصريح مِن شيخ الإسلام مِن تصريحٍ؟ وكلامه هذا شامل للمكفرات وما دونها، فأين الذين يقولون: لا إعذار عند علماء الأمة لمن وقع في بدعة، وإن كان جاهلًا، أو متأولًا مخطئًا، مع صحة إيمانه، بل وانتصاره لدين الله، وبراءته وبُغضه لكل ما خالفه من الأديان؟ ويضيف هذا المخالفُ قائلًا: إنما يُحكم عليه بالبدعة لمجرد وقوعه فيها!! وعلى ذلك فيلزمه أن يبدع عددًا من كبار علماء الأمة، لقولهم ببعض مقالات أهل البدع، لكن ذلك منهم وقع عن تأويل، مع صحة قَصْدهم، ومتين وَرَعِهم!!

هذا فيمن وقع في بدعة عن تأويل أو تقليد سائغين، وكذا من وقع في كفر عن تأويل وتقليد سائغين.

* وقال أيضًا –: «حتى يقوم فيه المقتضِي -أي للتكفير- الذي لا مُعارِضَ له»([240]).

* وقال أيضًا –: «لابد من إقامة الحجة، وإزالة الشبهة»([241]). اهـ.

* وقال — أيضًا: «فالإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه- تَرَحَّمَ عليهم (يعني الخلفاء الذين تَأَثَّرُوا بمقالة الجهمية الذين زعموا القول بخلق القرآن، ونصروه) واستغفر لهم؛ لعلمه بأنه لم يَتَبَيَّنْ لهم أنهم مُكَذِّبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تَأَوَّلُوا فأخطأوا، وقَلَّدُوا من قال ذلك لهم»([242]).

قلت: فتأمل كيف عذر المتأول القائل بمقالة الكفر، وكذا المقلد القائل بذلك!!

* بل جاء عنه — عُذْر طوائفَ جُهال مقلدةٍ لأئمة أَمْعَنوا في مذاهب الضلال والكفر([243])، ومع ذلك فقد قال: «فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَخْبَرَ بِبَاطِنِ هَذَا الْمَذْهَبِ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ؛ كَانَ أَظْهَرَ كُفْرًا وَإِلْحَادًا، وَأَمَّا الْجُهَّالُ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَفْهَمونَهُ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْمَشَايِخِ الْعَارِفِينَ، الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ صَحِيحٍ لَا يَفْهَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ فَهَؤُلَاءِ تَجِدُ فِيهِمْ إسْلَامًا وَإِيمَانًا وَمُتَابَعَةً لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِحَسَبِ إيمَانِهِمْ التَّقْلِيدِيِّ، وَتَجِدُ فِيهِمْ إقْرَارًا لِهَؤُلَاءِ، وَإِحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، وَتَسْلِيمًا لَهُمْ بِحَسَبِ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ إلَّا كَافِرٌ مُلْحِدٌ، أَوْ جَاهِلٌ ضَالّ»([244]). اهـ.

فتأمَّل قولَه فيمن يُحَسِّنُون الظَنَّ بأقوامٍ يَدْعُون إلى الكفر الصريح، ويصفهم بأنهم جُهَّالٌ ضالون، ولم يُكَفِّرْهُم لكونهم جُهَّالًا، وإن كانوا يذكرون كلام أئمة الكفر معجبين به، ظانين أنه من جُملة كلام المشايخ العارفين، وذلك لأنهم جُهَّالٌ لا يعلمون حقيقة ما يُرَدِّدُون مِن كلام هؤلاء!!.

* وقال أيضًا –: «وَأَمَّا الْمُنْتَسِبُونَ إلَى الشَّيْخِ يُونُسَ: فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ الْخَمْسِ، وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ بَلْ لَهُمْ مِنْ الْكَلَامِ فِي سَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ: مَا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَهُمْ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ عَامَّتِهِمْ -لَا يَعْرِفُ أَسْرَارَهُمْ وَحَقَائِقَهُمْ- فَهَذَا يَكُونُ مَعَهُ إسْلَامُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِي اسْتَفَادَهُ مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ لَا مِنْهُمْ»([245]). اهـ.

* وقد عَذَر — أيضًا كثيرًا مِمَّن أَسْلَمَ من التتار لجهلهم مع بقائه على بعض صُوَر الشرك، فقد قال –: «كذلك مَنْ دَعَا غير الله، وحَجَّ إلى غير الله؛ هو أيضًا مُشْرك، والذي فَعَلَهُ كُفْر، لكن قد لا يكون عالما بأن هذا شِرْكٌ مُحَرَّم، كما أن كثيرا من الناس دخلوا في الاسلام من التتار وغيرهم، وعندهم أصنام لهم صغار من لُبَدٍ وغيره، وهم يَتَقَرَّبُون إليها، ويُعَظِّمونها، ولا يَعْلَمون أن ذلك مُحَرَّم في دين الاسلام، ويَتَقَرَّبُون إلى النار أيضًا، ولا يَعْلَمُون أن ذلك مُحَرَّم، فكثير من أنواع الشرك قد يَخْفَى على بعض من دَخَلَ في الإسلام، ولا يَعْلَم أنه شِرْك؛ فهذا ضَالٌّ، وعَمَلُه الذي أَشْرَكَ فيه باطِلٌ، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة، قال تعالى: [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ] {البقرة:22} وفي «صحيح أبي حاتم»([246]) وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الشِّركُ في هذه الأمة أَخْفَى من دبيب النمل» فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، كيف نَنْجُو منه؟ قال: «قل: اللهم إني أَعُوذ بك أن أُشْرِك بك وأنا أَعْلَمُ، وأَسْتَغْفِرُك لما لا أَعْلَمُ» وكذلك كثير من الداخلين في الاسلام يعتقدون أن الحجَّ إلى قَبْرِ بعضِ الأئمة والشيوخ أَفْضَلُ من الحج أو مِثْلُهُ، ولا يَعْلَمُون أن ذلك مُحَرَّم، ولا بَلَّغهم أحد أن هذا شرك مُحَرَّم لا يجوز، وقد بسطنا الكلام في هذا في مواضع»([247]). اهـ.

وفي هذا النص عنه — نوع اشتباهٍ، قد يتسلَّلُ منه بعض القائلين بعدم العذر بالجهل، أجيب عنه – إن شاء الله – في هذا المقام من عِدَّة وجوه:

أ- سَبَقَ صريحُ قولِ شيخ الإسلام — في إعذار من وقع في الشرك الأكبر، حتى تقام عليه الحجة، وعدم تكفيره قبل إقامة الحجة، فهذا كالنص المحكم؛ لصراحته وكثرة إيراده في مواضع كثيرة من كتبه، وسَوْقِهِ الأدلة على إِعْذارهم، وعلى ذلك يُحمل عليه ما اشْتَبَهَ فَهْمُه من كلامه هنا.

ب- وفي قوله: «كذلك من دعا غير الله، وحَجَّ إلى غير الله؛ هو أيضًا مُشْرِكٌ، والذي فَعَلَه كُفْر» اشتباه، لقوله: «هو أيضًا مشرك» إلا أنه قال بعد ذلك: «فهذا ضالٌّ، وعَمَلُه الذي أَشْرَكَ فيه باطل» ولا يلزم من الضلال الكفر، وسيأتي عن شيخ الإسلام نَفْسِهِ الحُكْمُ بالضلال –دون تكفير- على من قَصَّر في طلب الحق، حتى وقع في الشرك، وقد سبق حكمُه بالضلال على بعض العوامِّ المُقلدين للقائلين بوحدة الوجود ونحو ذلك، والعوام المقلدين للشيخ يونس، مع إقراره إسلامَهم الذي استفادوه من غير هؤلاء الشيوخ، وعدم تكفيره لهم، بل خصَّ تكفيره لمن يقلد أئمة الكفر هؤلاء، وهو عالم بحقيقة قولهم!!

ثم إن قوله: «وعمله الذي أشرك فيه باطل» يشير إلى ذلك، وإلا فلو كان مشركًا خارجًا من الإسلام لَحَبِطَ عَمَلُهُ كلُّه، سواء الذي أشرك فيه، أو الذي أَحْسَنَ فيه، لقوله تعالى: [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {الزمر:65}.

ج- قوله: «لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة» ليس فيه دليل على حَصْر العذرُ بالجهل في حالة العقوبة في القتل أو الحد؛ فإن إطلاق الكفر على الشخص لارتكابه الكُفْرَ ضَرْب من العقوبة أيضًا –وأي عقوبة أعظم من التكفير- ويدل على ذلك كلامُه الصريحُ السابق يدل على أنه اشترط في نسبة الكفر أو الفسق لمن دخل في الإسلام إقامةَ الحجة أولًا، بل ذكر أن هذا -أي عدم تكفير المعينين- شَأْنُهُ ودَيْدَنُهُ، وكلّ مَن جالسَهُ يعرف ذلك عنه، وأنه من أعظم الناس نَهْيًا عن أنْ يُنْسَب مُعَيَّنٌ إلى كُفْرٍ، أو فِسْقٍ، أو معصية؛ حتى تُقَامَ عليه الحجةُ الرساليةُ، التي يكون مخالفها كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، والأصل أننا نجمع بين كلام العلماء -فضلًا عن كلام العالم الواحد- ليتعاضد ولا يتعارض، ولا يجوز أن يتمسك كل طرف منا بطرف من كلام العالم، بل يُجمع كلُّه، ويُعرف مرادُه من كلامه، ويُنسب إليه ما يريده، لا ما يريده كل طرف يستدل بجزءٍ من كلامه!!

ويدل على ذلك أيضًا: أنه أحال في آخر جوابه هذا على ما سبق من تقرير له في هذه المسألة، فقال هنا: «وقد بَسَطْنا الكلام في هذا في مواضع» فلما رجعنا إلى تلك المواضع؛ وجدناه يَعْذُر بالجهل والتأويل والتقليد لمن دخل في الإسلام، وينهى عن تكفيره وتفسيقه حتى تُقَامَ عليه الحجة، وتُبيَّنَ له المحجَّةُ، وتُزَالَ شبهتُهُ، ويُقْطَعَ عُذْرُهُ، فهذا يشير إلى صحة ما أوَّلتُ به كلامه –.

وقد سبق قولُه – -: «وأيضًا ‌فإن ‌تكفير ‌الشخص ‌المعيّن وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يُكفر».. اهـ([248])

فكيف يُقال بعد هذا كله: شيخُ الاسلام لا يَعذر بالجهل مَن وقع في الشرك الأكبر، ولا يَشترط لتكفيره إقامة الحجة عليه، وإزالةَ الشبهة عنه، إنما يشترط ذلك قبل إقامة الحد عليه فقط؟!!

* وقريب منه ما قاله الحافظ الذهبي –: «واعلم أن كثيرًا من الكبائر، بل عامتها إلا الأقل، يَجْهَلُ خَلْقٌ من الأمة تحريمَهُ، وما بَلَغَهُ الزجرُ فيه ولا الوعيد، فهذا الضرب فيه تفصيلٌ، فينبغي للعالم ألا يَسْتَعْجِلَ على الجاهل، بل يَرْفُقُ به، ويُعَلِّمه مما عَلَّمه الله، ولاسيما إذا كان قريبَ العهد بجاهلية، قد نَشَأَ في بلاد الكُفر البعيدة، وأُسِرَ وجُلِبَ إلى أرض الإسلام، وهو تُرْكِيٌّ، أو كُرْجِيٌّ مُشْرِكٌ لا يَعْرِف بالعربي، فاشتراه أميرٌ تُرْكي، لا عِلْم عنده ولا فَهْم، بالجَهْد إِنْ تَلَفَّظَ بالشهادتين، فإنْ فَهِمَ بالعربي حتى يَفْقَهَ معنى الشهادتين بعد أيام وليالٍ؛ فَبِهَا ونِعْمَتْ، ثم قد يُصَلِّي وقد لا يُصَلِّي، وقد يُلَقَّن الفاتحةَ مع الطُّول إن كان أستاذُهُ فيه ديِنٌ ما، فإن كان أستاذه شبيهًا به؛ فمِنْ أَيْنَ لهذا المسكينِ أن يَعْرِفَ شرائعَ الإسلام، والكبائرَ واجتنابَها، والواجباتِ وإتيانَها؟! فإنْ عُـرِّف هذا موبقاتِ الكبائر وحُذِّر منها، وأركانَ الفرائض واعْتَقَدَها؛ فهو سَعِيدٌ، وذلك نَادِرٌ، فينبغي للعبد أن يَحْمَدَ الله تعالى على العافية.

فإن قيل: هو فرَّطَ لِكَوْنِهِ ما سأل عما يَجِبُ عليه!! قيل: هذا ما دار في رَأْسِهِ، ولا اسْتَشْعَر أن سؤال من يُعَلِّمه يَجِبُ عليه، [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ] {النور:40} فلا يأْثَمُ أَحَدٌ إلا بَعْد العِلْمِ، وبعد قيامِ الحجةِ عليه، و[ﮊ ﮋ ﮌ ] {الشورى:19}]، رؤوف بهم، قال الله تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {الإسراء:15}.

وقد كان سادةُ الصحابة بالحبشة يَنْزِلُ الواجبُ والتحريمُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يَبْلُغُهم تحريمُهُ إلا بعد أَشْهُرٍ، فهم في تلك الأَشْهُرِ معذورون بالجَهْل حتى يَبْلُغَهُم النَّصُّ؛ فكذلك يُعْذَر بالجَهْل كُلُّ من لم يَعْلَم؛ حتى يَسْمَع النصَّ، والله تعالى أعلم»([249]). اهـ.

وهذا كلام – وإن كان في سياق الكلام عن الكبائر – فهو عام في كل ما نهى الله عنه، إذا كان من دخل في الإسلام، أو نشأ مسلمًا يجهل أن ما يفعله أو يقوله يناقض الإسلام، والله أعلم.

* وهذه قاعدةُ: «لا تأثيم إلا بعد العلم وإقامة الحجة» وهي عامة: سواء فيما يوجِبُ الكُفْرَ، أو البدعةَ، أو الفسقَ، وإذا كان الأعجمي يدخل في الإسلام، وبالجَهْدِ يَنْطِقُ بالشهادتين؛ فما ظنك ببقية مسائل التوحيد والعقيدة؟ ومع ذلك يبقى على الإسلام الذي ينتمي إليه، أو السُّنة التي ينافح عنها، حَسَبَ عِلْمِهِ وفَهْمِهِ أنها السُّنة التي كان عليها الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم-.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ضِمْنَ جوابه عَمَّن قال: «إن المرأة إذا وقع بها الطلاقُ الثلاثُ؛ فإنها تُباح بدون نكاحٍ ثانٍ»، فقال
–: «إذا وقع بالمرأة الطلاقُ الثلاثُ؛ فإنها تَحْرُم عليه حتى تَنْكِحَ زوجًا غيره بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم يَقُلْ أحدٌ من علماء المسلمين: إنها تُبَاحُ بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون زوجٍ ثانٍ، ومَنْ نَقَلَ هذا عن أحد منهم؛ فقد كَذَبَ، ومن قال ذلك، أو اسْتَحَلَّ وطأها بعد وقوع الطلاق الثلاث بدون نكاحِ زوجٍ ثانٍ: فإن كان جاهلا؛ يُعْذَرُ بجهله، مثل أن يكون نشأ بمكانِ قومٍ لا يَعْرِفُون فيه شرائع الإسلام، أو يكون حديثَ عَهْدٍ بالإسلام، أو نحو ذلك، فإنه يُعَرَّف دينَ الإسلام، فإن أَصَرَّ على القول بأنها تباح بعد وقوع الثلاث بدون نكاح ثان، أو على استحلال هذا الفعل؛ فإنه يُستتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتِلَ، كأمثاله من المرتدين، الذين يَجْحَدون وجوبَ الواجباتِ، وتحريمَ المحرماتِ، وحِلَّ المباحاتِ التي عُلِم أنها من دين الإسلام، وثَبَتَ ذلك بِنَقْلِ الأمةِ المتواترِ عن نبيها -عليه أفضل الصلاة والسلام– وظَهَرَ ذلك بين الخاص والعام، كمن يجحد وجوب مباني الإسلام: من الشهادتين، والصلواتِ الخمسِ، وصيامِ شهرِ رمضان، وحجِّ البيت الحرام، أو جَحَدَ تحريمَ الظلم وأنواعِهِ: كالربا، والمَيْسِر، أو تحريمِ الفواحش ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، وما يَدْخُل في ذلك من تحريم نكاح الأقارب، سِوَى بنات العمومة والخؤولة، وتَحْرِيمِ المحَرَّمات بالمصاهرة، وهُنَّ أمهاتُ النساء، وبناتُهن، وحلائِلُ الآباء والأبناء، ونحوِ ذلك من المحرمات، أو حِلَّ الخبز واللحم والنكاح واللباس، وغير ذلك مما عُلِمَتْ إباحته بالاضطرار من دين الإسلام: فهذه المسائل مما لم يتنازع فيها المسلمون: لا سنيهم ولا بدعيهم»([250]).

* وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية –-: «ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفورٌ للأمة، وإن كان ذلك في المسائل (العلمية)، ولولا ذلك لَهَلَكَ أَكْثَرُ فُضَلَاءِ الأمة، وإذا كان الله تعالى يَغْفِرُ لمن جَهِلَ وجوبَ الصلاة، وتحريمَ الخمر؛ لكونه نَشَأَ بأَرْضِ جَهْلٍ، مع كونه لم يَطْلُبِ العلم؛ فالفاضلُ المجتهدُ في طلبِ العلم بحسَب ما أَدْرَكَهُ في زمانه ومكانه إذا كان مقصودُهُ متابعةَ الرسول بحسب إمكانه؛ هو أَحَقُّ بأَنْ يَتَقَبَّلَ الله حسناته، ويُثِيبَهُ على اجتهاداته، ولا يؤاخذَهُ بما أخطأَهُ؛ تحقيقا لقوله تعالى: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}»([251]). اهـ.

ويُضاف إلى هذه النصوص أيضًا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية
–-: «وعلى هذا فالمُتَأَوِّلُ الذي أخطأ في تأويله في المسائل الخَبَرِيَّةِ والأَمْرِيَّةِ، وإن كان في قوله بدعةٌ يخالف بها نَصًا أو إجماعًا قديمًا، وهو لا يَعْلَمُ أنه يخالف ذلك، بل قد أخطأ فيه، كما يخطئ المفتي والقاضي في كثير من مسائل الفتيا والقضاء باجتهاده؛ يكون أيضًا مُثَابًا مِنْ جِهَة اجتهاده الموافق لطاعة الله تعالى، غَيْرَ مثابٍ من جهة ما أخطأ فيه، وإن كان مَعْفُوًّا عنه»([252]). اهـ.

* وقال أيضًا –: «وَكَثِيرٌ مِنْ مُجْتَهِدِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَدْ قَالُوا وَفَعَلُوا مَا هُوَ بِدْعَةٌ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بِدْعَةٌ: إمَّا لِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ظَنُّوهَا صَحِيحَةً، وَإِمَّا لِآيَاتٍ فَهِمُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهَا، وَإِمَّا لِرَأْيٍ رَأَوْهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ»([253]). اهـ.

* وذَكَرَ أيضًا –: «أَنَّ مَا ثَبَتَ قُبْحُهُ مِنْ الْبِدَعِ وَغَيْرِ الْبِدَعِ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إذَا صَدَرَ عَنْ شَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ: فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُعْذَرُ فِيهِ؛ إمَّا لِاجْتِهَادِ، أَوْ تَقْلِيدٍ يُعْذَرُ فِيهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ، كَمَا قَدْ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ»([254]). اهـ.

وقد سمعتُ بعض إخواننا الذين لا يعذرون بالجهل يومًا ما يقول لي: العلماء كلُّهم لا يعذرون بالجهل إلا ابن تيمية وحده، فهو الذي يعذر بالجهل، ثم قال: هاتِ لي واحدًا من العلماء غير ابن تيمية يعذر بالجهل!!

وهذا كلامُ مَن لم يَسْلُك منهج أهل العلم في البحث عن الحق، لم يَسْبُر غَوْرَ هذه المسألة، وإلا فقد ذكرتُ الأدلةَ الدالَّةَ على العذر بالجهل ونحوه، وأشار اليها أو إلى بعضها أيضًا شيخُ الإسلام – -، والعبرةُ بالدليل لا بالأقاويل، وعلى كل حال فهذا جوابه على سؤاله:

مَن هم العلماءُ الذين يعذرون بالجهل – وما في معناه أيضًا -؟

(1) الإمام الشافعي — (المتوفَّى: 204هـ): فقد جاء عنه أنه قال: «لله تعالى أسماءٌ وصفاتٌ جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه -صلى الله عليه و سلم- أُمَّتَهُ، لا يَسَعُ أحدا من خَلْقِ الله قامَتْ عليه الحجةُ رَدُّها؛ لأن القرآن نَزَلَ بها، وصح عن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- القولُ بها، فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه؛ فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة عليه؛ فمعذور بالجهل؛ لأنَّ عِلْمَ ذلك لا يُدْرَكُ بالعقل ولا بالرؤية والفِكْر، و لا يَكْفُر بالجهل بها أحدٌ إلا بعد انتهاء الخبر إليه»([255]). اهـ.

فهذا عُذْرٌ بالجهل في الأسماء والصفات، وفي بعضها ما يَلْزَمُ من الجهل به الوقوعُ في مُكَفِّرَات، كما لا يخفى، ثم ما هو الدليل على التفرقة بين الوقوع في الكفر بسبب الجهل بالأسماء والصفات وبين الوقوع في الكفر بسبب صرف بعض العبادات لغير الله عن جهل، فلا يعذر في هذه الحالة، كما يدَّعي البعض؟!

وكلام الأئمة صريح في العذر في الصنفين، كما سبق وسيأتي – إن شاء الله تعالى -، والله أعلم .

(2) الخطابي — (المتوفَّى: 388هـ) كما جاء في كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي: «قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ –: وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: «فَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ؛ فَلَعَلِّي أَضِلُّ اللَّهَ» يُرِيدُ: فَلَعَلِّي أَفُوتُهُ، يُقَالُ: ضَلَّ الشَّيْءُ إِذَا فَاتَ وَذَهَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ –: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {طه:52} أَيْ: لا يَفُوتُهُ، قَالَ: وَقَدْ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا، فَيُقَالُ: كَيْفَ يُغْفَرُ لَهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلْبَعْثِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إِحْيَائِهِ وَإِنْشَائِهِ؟ فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمُنْكِرٍ، إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ جَاهِلٌ، ظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ هَذَا الصَّنِيعُ؛ تُرِكَ، فَلَمْ يُنْشَرْ وَلَمْ يُعَذَّبْ، أَلا تَرَاهُ يَقُولُ: «فَجَمَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ» فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ — فَعَلَ مَا فَعَلَ خَشْيَةً مِنَ اللهِ — إِذَا بَعَثَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ جَهِلَ؛ فَحَسِبَ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ تُنْجِيهِ مِمَّا يَخَافُهُ»([256]). اهـ.

قلتُ: فهذا أنكر القدرة على بعثه إذا عمل أولاده بوصيته، وظن أنه إن فُعل به ذلك؛ لم يقدر الله – جل وعلا – على إعادته وحسابه، وهذا في نفسه كفرٌ أكبر، لكن كل هذا كان عن جهلٍ منه!!

(3) ابن حزم — (المتوفَّى: 456هـ)، فقد قال –: «قال أبو محمد: والحقُّ: هو أن كلَّ مَنْ ثَبَتَ له عَقْدُ الإسلام؛ فإنه لا يَزُول عنه إلا بنص أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا؛ فَوَجَبَ أن لا يُكَفَّر أحدٌ بقولٍ قالَهُ إلا بأن يخالف ما قد صَحَّ عنده([257]) أن الله تعالى قاله، أو أن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- قاله؛ فَيَسْتَجِيز خلافَ الله تعالى وخلافَ رسوله -عليه الصلاة و السلام- وسواءٌ كان ذلك في عَقْدِ دِينٍ، أو في نِحْلَةٍ، أو في فُتْيا، وسواء كان ما صَحَّ من ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه و سلم- منقولا نَقْلَ إجماعٍ تواترٍ أو نَقْلَ آحادٍ، إلا أن من خالف الإجماعَ المُتَيَقَّنَ المَقْطُوعَ على صحته؛ فهو أَظْهَرُ في قَطْع حُجَّتِهِ، ووجوبِ تكفيره؛ لاتفاق الجميع على معرفة الإجماع، وعلى تكفير مخالفه([258]) برهانُ صِحَّة قولنا: قولُ الله تعالى: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ] {النساء:115}»([259]). اهـ.

* وقال أيضًا –: «قال أبو محمد: وأمَّا ما لم تَقُمْ الحجةُ على المخالف للحقِّ في أيِّ شيءٍ كان؛ فلا يكون كافرا، إلا أن يَأْتِيَ نَصٌّ بتكفيره، فيُوقَفَ عنده، كَمَنْ بَلَغَهُ وهو في أقاصي الزِّنْج ذِكْرُ النبي -صلى الله عليه و سلم- فقط، فَيُمْسِك عن البحث عن خبره؛ فإنه كافر»([260]). اهـ.

وذلك لأنه لم يَدْخُل في الإسلام أصلا، بخلاف من ثَبَتَ له عَقْدُ الإسلام، ووقع في أمرٍ مُكفِّر عن جهلٍ ونحوِه؛ فلابد من إقامة الحجة عليه قبل تكفيره، كما صرَّح نفسه –.

* وقال أيضًا –: «قال أبو محمد: وكذلك من قال: إنَّ رَبَّهُ جِسْمٌ، فإنه إن كان جاهلا أو متأولا؛ فهو معذور لا شيء عليه، ويجب تعليمه، فإذا قامت عليه الحجة من القرآن والسنن، فخالف ما فيهما عنادا؛ فهو كافر يُحْكَم عليه بحكم المرتد، وأما من قال: إنَّ الله — هو فلانٌ لإنسان بعينه؛ أو إنَّ الله تعالى يَحِلُّ في جِسْمٍ من أجسام خَلْقه، أو إنَّ بعد محمد -صلى الله عليه و سلم- نَبِيًّا غَيْرَ عيسى بن مريم؛ فإنه لا يختلف اثنان في تكفيره؛ لصحة قيام الحجة بكل هذا على كل أحد([261])، ولو أمكن أن يُوجَد أحد يَدِينُ بهذا لم يَبْلُغْهُ قَطُّ خلافُهُ؛ لما وَجَبَ تكفيره حتى تقوم الحجة عليه»([262]). اهـ.

قلت: وفي بعض هذه الأمثلة ما يحتاج إلى تفصيل ونظر، ولا يُسلَّم لابن حزم في بعض ما قاله، لكن كلامه صريح في العذر بالجهل، خلافًا لمن يفهم من كلامه خلاف هذا، والله أعلم.

* وقال أيضًا –: «فَصَحَّ ضرورةً أن الجهل بكل ذلك لا يَضُر شيئا، وإنما يَلْزَمُ الكلامُ منها إذا خاض فيها الناس؛ فَيَلْزَمُ حينئذ بيانُ الحق من القرآن والسنة، لقول الله –: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {المائدة:8}، ولقول الله –: [ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ] {آل عمران: 187} فمن عَنَدَ حينئذ بعد بيان الحق؛ فهو كافر؛ لأنه لم يُحَكِّم رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ولا سلَّم لما قَضَى به، وقد صَحَّ عن رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- أن رجلا لم يَعْمَلْ خيرا قَطُّ، فلما حَضَرَهُ الموتُ؛ قال لأهله: إذا مِتُّ فاحْرِقُوني، ثم ذَرُّوا رمادي في يوم راحٍ، نِصْفَه في البحر، ونِصْفَه في البر، فو الله لئن قَدَرَ الله تعالى عليّ؛ لَيًعَذِّبَنِّي عذابا لم يُعَذِّبْه أحدا مِنْ خَلْقِهِ، وأن الله — جَمَع رمادَهُ، فَأَحْيَاهُ، وسأله: ما حَمَلَكَ على ذلك؟ قال: خَوْفُكَ يا رب، وأن الله تعالى غَفَر له لهذا القول.

قال أبو محمد: فهذا إنسانٌ جَهِلَ إلى أن مات أن الله — يَقْدِر على جَمْعِ رَمَادِهِ وإِحْيَائِهِ، وقد غَفَرَ له لإقراره وخوفه وجَهْلِهِ، وقد قال بعضُ من يُحَرِّفُ الكَلِمَ عن مواضعه: إن معنى «لئن قَدَرَ الله عليّ» إنما هو: «لئن ضَيَّقَ الله عليّ» كما قال تعالى: [ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {الفجر:16} قال أبو محمد: وهذا تأويلٌ باطلٌ لا يمكن؛ لأنه كان يكون معناه حينئذ: لئن ضَيَّقَ الله عَلَيَّ؛ لَيُضَيِّقَنَّ عَلَيَّ، وأيضا: فلو كان هذا؛ لما كان لِأَمْرِهِ بأن يُحْرَقَ ويُذَرَّ رمادُه مَعْنًى، ولا شك في أنه إنما أَمْرُهُ بذلك لِيَفْلِتَ من عذاب الله تعالى»([263]). اهـ.

فإن قيل: إن ابن حزم مُتَكَلَّم فيه في بعض مسائل الاعتقاد.

فالجواب: هو وإن كان كذلك في بعض مسائل الصفات؛ إلا أنه في باب الإيمان والوعد والوعيد والإرجاء أقومُ من غيره، ووافق فيه الأدلة وكلامَ علماء السنة، وما قرره في ذلك في «الفِصَل» قد مُدح فيه، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ فِيمَا صَنَّفَهُ مِنْ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ إنَّمَا يُسْتَحْمَدُ بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِ «الْقَدَرِ» وَ «الْإِرْجَاءِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا انْفَرَدَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي «بَابِ الصِّفَاتِ» فَإِنَّهُ يُسْتَحْمَدُ فِيهِ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ؛ لِكَوْنِهِ يَثْبُتُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَيُعَظِّمُ السَّلَفَ وَأَئِمَّةَ الْحَدِيثِ، وَيَقُولُ: إنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْإِمَامِ أَحْمَد فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ وَلَهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ.

لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّ وَنَحْوَهُ أَعْظَمُ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَالصِّفَاتِ، وَإِنْ كَانَ «أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ» فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْقَدَرِ أَقْوَمَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَعْلَمَ بِالْحَدِيثِ، وَأَكْثَرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَلِأَهْلِهِ مَنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ قَدْ خَالَطَ مِنْ أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ مَا صَرَفَهُ عَنْ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي مَعَانِي مَذْهَبِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَوَافَقَ هَؤُلَاءِ فِي اللَّفْظِ، وَهَؤُلَاءِ فِي الْمَعْنَى»([264]). اهـ.

(4) أبو القاسم الأصبهاني([265]) — ( المتوفَّى: 535 هـ )، فقد قال – -: «ومن تَعَمَّدَ خلافَ أصلٍ من هذه الأصول، وكان جاهلا، لم يَقْصِد إليه من طريق العناد؛ فإنه لا يَكْفُر؛ لأنه لم يقصد اختيارَ الكُفر، ولا رَضِيَ به، وقد بَلَغَ جَهْدَه، فلم يَقَعْ له غيرُ ذلك، وقد أعلم الله -سبحانه- أنه لا يُؤاخِذُ إلا بعد البيان، ولا يُعَاقِبُ إلا بعد الإنذار، فقال تعالى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {التوبة:115} فكل من هداه الله
— ودَخَلَ في عَقْد الإسلام؛ فإنه لا يَخْرج إلى الكُفر إلا بعد البيان
»([266]). اهـ.

وهذا كلامٌ واضحٌ وصريحٌ في أن العذر بالجهل إنما يكون لمن دخل في الإسلام، لا من لم يدخل فيه أصلًا، ويحمل قوله: «لأنه لم يَقْصِد اختيار الكُفر، ولا رَضِيَ به» على أنه أراد: أنه لم يَقْصِد اختيار طريقٍ يُفْضِي به إلى الكُفر، وإن كان لا يدري أنه كُفر، أما الكافر الأصلي فلا ينفعه أنه يظن أن ما هو عليه هو الدين الذي رضيه الله، فهو لا يقصد بما هو عليه الكفر، لكنه مع ذلك كافر، لأنه لم يدخل الإسلام .

(5) أبو بكر بن العربي([267]) — (المتوفَّى: 543 هـ)، فقد قال: «فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عَمِلَ من الكُفر والشرك ما يكون صاحبه مُشْرِكًا أو كافرًا؛ فإنه يُعْذَر بالجهل والخطأ، حتى تَتَبَيَّنَ له الحجةُ، التي يَكْفُر تاركُها بيانًا واضحًا، ما يَلْتَبِسُ على مِثْلِهِ، ويُنْكِرَ ما هو معلومٌ بالضرورة من دين الإسلام، مما أَجْمعُوا عليه إجماعا جليّا قطعيا، يُعْرِفه كلٌّ من المسلمين من غير نَظَرٍ وتَأَمُّلٍ، كما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- ولم يخالف في ذلك إلا أهلُ البدع»([268]). اهـ.

فهذا ابن العربي يَعُدُّ المخالفَ في إعذار الجاهل حتى يُبين له بيانا واضحا موافقا لأهل البدع، وإن كنتُ لا أُقِرُّهُ على إطلاق ذلك، إلا أن هذا يدل على أن القول بالإعذار قول مشهور –على الأقل- عند كثير من أهل العلم، والواقع يُثْبِتُ ذلك.

(6) ابن قدامة — (المتوفَّى: 620هـ)، فقد قال: «وكذلك كلُّ جاهلٍ بشيء يُمْكِنُ أن يَجْهَلَهُ؛ لا يُحْكم بكُفْره حتى يُعَرَّف ذلك، وتزولَ عنه الشُّبْهَةُ، ويَسْتَحِلَّه بعد ذلك»([269]). اهـ.

قلت: فهذا كلامٌ ظاهرٌ منه – – في عدم تكفير من وقع فيما يوجب الكفر إلا بعد التعريف، وإزالة الشبهة عنه، بل واستحلاله فعل ما يوجب الكفر بعد إعلامه وإزالة الشبهة عنه!!

(7) النووي([270]) — (المتوفَّى: 676هـ)، فقد قال: «وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما أَجْمَعَتْ الأمةُ عليه من أمور الدين، إذا كان عِلْمُهُ مُنْتَشِرًا: كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنى، والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلا حديثَ عَهْدٍ بالإسلام، ولا يَعْرِفَ حدودَهُ، فإنه إذا أنكر شيئا منها جَهْلًا به؛ لم يَكْفُر»([271]). اهـ.

والعلماء يمثلون في العذر بالجهل بمن نشأ في بادية بعيدة عن العلم، أو كان حديثَ عَهْدٍ بإسلام، إشارةً إلى من يمكن أن يقع في الشرك عن جهل، لا على سبيل الحصر، فالمناط في العذر هنا إنما هو الجهل، لا النشأة في البادية ولا غيرها، ومن الجهلة الذين يُعذرون: الذين نشأوا في بلادٍ خيَّمَ على أهلها ظلماتُ الشرك، وكان علماؤها علماءَ ضلالة، يُجَوِّزُون للناس الأعمالَ الشركيةَ من فوق المنابر، وفي وسائل الإعلام المختلفة، ولا يُوجد فيهم من يدعو إلى التوحيد الصافي، ويُفَنِّدُ شبهات من ضلَّ وهو يحسب أنه يُحسن صُنعًا، وربما كان فيهم من يستطيع ذلك، ولكنه حيل بينه وبين الناس بسجن أو نحوه، فمن أين يعرف الناسُ الحقَّ من الباطل، بل ربما كان بعض الناس في البوادي أعلمَ بالحق من كثيرٍ من هؤلاء الذين فُتِنوا بتلك الفتاوى، فمناطُ العذر: الجهل أو الخطأ في التأويل للعالِم، أو الخطأ في التقليد للعامي، لا سُكنى البادية أو الدخول في الإسلام حديثًا، إنما كان هذان الأمران من مظنة الجهل، ولا حصر للجهل فيهما، والله أعلم .

(8) ابن القيم — (المتوفَّى: 751هـ)، فقد قال: «فَصْلٌ: وَكُفْرُ الْجَحُودِ نَوْعَانِ: كُفْرٌ مُطَلَقٌ عَامٌّ، وَكُفْرٌ مُقَيَّدٌ خَاصٌّ.

فَالْمُطْلَقُ: أَنْ يَجْحَدَ جُمْلَةَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ، وَإِرْسَالَهُ الرَّسُولَ.

وَالْخَاصُّ الْمُقَيَّدُ أَنْ يَجْحَدَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ، أَوْ تَحْرِيمَ مُحَرَّمٍ مِنْ مُحَرَّمَاتِهِ، أَوْ صِفَةٍ وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ، أَوْ خَبَرًا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، عَمْدًا، أَوْ تَقْدِيمًا لِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ عَلَيْهِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ، وَأَمَّا جَحْدُ ذَلِكَ جَهْلًا، أَوْ تَأْوِيلًا يُعْذَرُ فِيهِ صَاحِبُهُ؛ فَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهُ بِهِ، كَحَدِيثِ الَّذِي جَحَدَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَحْرِقُوهُ، وَيَذْرُوهُ فِي الرِّيحِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَرَحِمَهُ لِجَهْلِهِ؛ إِذْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَهُ مَبْلَغَ عِلْمِهِ، وَلَمْ يَجْحَدْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِعَادَتِهِ عِنَادًا أَوْ تَكْذِيبًا»([272]). اهـ.

* وقال أيضًا –: «فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول: كالرافضة، والقدرية، والجهمية، وغلاة المرجئة ونحوهم؛ فهؤلاء أقسام:

أحدها: الجاهلُ المُقَلِّدُ الذي لا بصيرة له: فهذا لا يُكَفَّر، ولا يُفَسَّق، ولا تُرَدُّ شهادتُهُ إذا لم يَكُنْ قادرا على تَعَلُّم الهُدَى، وحُكْمُه حُكْمُ المُسْتَضْعَفِين من الرجال والنساء والولدان، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا؛ فأولئك عسى الله أن يَعْفُوَ عنهم، وكان الله عَفُوًّا غفورا.([273])

القسم الثاني: المُتَمَكِّنُ من السؤالِ وطلبِ الهداية ومعرفةِ الحق؛ ولكن يَتْرُكُ ذلك اشْتِغَالا بدنياه، ورياسَتِهِ، ولَذَّتِهِ، ومَعَاشِهِ، وغيرِ ذلك؛ فهذا مُفَرِّط، مُسْتَحِقٌّ للوعيد، آثمٌ بِتَرْكِ ما وَجَبَ عليه من تَقْوَى الله بحَسَب استطاعته، فهذا حُكْمُهُ حُكْم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غَلَب ما فيه من البدعة والهَوَى على ما فيه من السنة والهُدَى؛ رُدَّتْ شهادته، وإن غَلَبَ ما فيه من السنة والهدى؛ قُبِلَتْ شهادته.([274])

القسم الثالث: أن يَسْأَلَ ويَطْلُبَ ويَتَبَيِّنَ له الهدى، ويَتْرُكَه تَقْلِيدًا وتَعَصُّبًا، أو بُغْضًا، أو معاداةً لأصحابه؛ فهذا أَقَلُّ درجاتِهِ أن يكون فاسقا، وتكفيرُهُ مَحَلُّ اجتهادٍ وتفصيلٍ»([275]). اهـ.([276])

فتأمل القسم الأول، وكلام ابن القيم — بعدم تكفير أو تفسيق أو ردِّ شهادة الجاهل العاجز عن التعلم من أهل هذه البدع الكبار، وإن كان هذا لا ينفي إلحاقه بالفرقة التي ينتسب إليها، وأنه من جملتهم، وحُكْمُهُم العام حُكْمُهُ؛ لكونه يتبرأ من أهل السنة، ويفاخر بالانتساب إلى أهل هذه البدعة.

وإذا كان هذا حُكْمَ ابن القيم — في هؤلاء؛ فكيف سيكون حُكْمُه في جهلة أهل السنة؟!

إن هذا يؤكد لنا عدم تبديع السني لوقوعه – حقًا لا ادعاءً وزورًا من الغلاة – في بدعة حتى يتمكن من معرفة الحق، ويتركه بلا عُذْرٍ.

وتأمل أيضًا حُكْمَهُ — على من كان من القسم الثاني، وهم أَهْلُ الجَهْلِ الذي سببه التفريطُ في معرفة الحق، مع القدرة على إزالة الجهل، ومعرفة الحق، ومع ذلك فلم يحكم عليه بالكفر، وإن كان في بدعته ما قد يقتضي الكفر، إنما اقتصر على جعله آثمًا، تاركًا لواجب، واحْتَمَلَ قبولَ شهادته إذا غَلَبَتْ السنةُ في حقِّه على البدعة والهوى، فأين هذا التفصيل من إطلاق بعض الناس الأحكام دون الرجوع إلى تفاصيل أهل العلم؟

وتأمل حكمه على القسم الثالث، وما علقتُ به في الحاشية على كلامه
– – في هذه الأقسام، والله أعلم.

(9) الذهبي([277]) — (المتوفَّى: 748هـ)، فقد قال: «واعْلَمْ أن كثيرًا من الكبائر، بل عامَّتُها إلا الأقَلَّ، يَجْهَلُ خَلْقٌ من الأمة تحريمَهُ، وما بَلَغَهُ الزَّجْرُ فيه ولا الوعيدُ؛ فهذا الضَّرْبُ فيه تفصيلٌ؛ فينبغي للعالم ألا يَسْتَعْجِلَ على الجاهل، بل يَرْفُقَ به، ويُعَلِّمَه مما عَلَّمَه الله، ولاسيما إذا كان قريبَ العَهْد بجاهلية، قد نَشَأَ في بلاد الكفر البعيدة، وأُسِرَ وجُلِبَ إلى أرض الإسلام، وهو ترُكْيٌّ، أو كُرْجيٌّ مُشْرِكٌ، لا يَعْرِف بالعربي، فاشتراه أميرٌ تُرْكِيٌّ، لا عِلْمَ عنده ولا فَهْمَ، بالجَهْدِ إنْ تَلَفَّظَ بالشهادتين، فإن فَهِمَ بالعربي حتى يَفْقَهَ معنى الشهادتين بعد أيامٍ وليالٍ؛ فَبِهَا ونِعْمَتْ، ثم قد يُصَلِّي وقد لا يُصَلِّي، وقد يُلَقَّن الفاتحةَ مع الطُّول إن كانَ أستاذُهُ فيه دِينٌ ما، فإن كان أستاذُهُ شَبِيهًا به؛ فَمِنْ أَيْنَ لهذا المسكينِ أن يَعْرِف شرائعَ الإسلام، والكبائرَ واجتنابَها، والواجباتِ وإتيانَها؟! فإن عُـرِّف هذا موبقاتِ الكبائر، وحُذِّر منها، وأركانَ الفرائض، واعتقدها؛ فهو سَعِيدٌ، وذلك نادِرٌ، فينبغي للعبد أن يَحْمَد الله تعالى على العافية.

فإن قيل: هو فرَّط؛ لِكَوْنِهِ ما سَأَلَ عما يَجِبُ عليه، قيل: هذا ما دار في رَأْسِهِ، ولا اسْتَشْعَرَ أن سُؤَالَ من يُعَلِّمه يجب عليه، [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ] {النور:40} فلا يأْثَمُ أحد إلا بعد العلم، وبعد قيام الحجة عليه، و[ﮊ ﮋ ﮌ ] {الشورى:19}، رؤوف بهم، قال الله تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ] {الإسراء:15}.

وقد كان سادةُ الصحابة بالحبشة يَنْزِلُ الواجبُ والتحريمُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا يَبْلُغُهم تحريمُهُ إلا بعد أَشْهُرٍ، فَهُمْ في تلك الأَشْهُرِ معذورون بالجهل حتى يَبْلُغَهم النصُّ، فكذلك يُعْذَر بالجهل كُلُّ من لم يَعْلَم؛ حتى يَسْمَع النصَّ، والله تعالى أعلم»([278]). اهـ.

(10) ابن أبي العز الحنفي([279]) — (المتوفَّى: 792هـ)، فقد قال: «وأما الشخصُ المعيَّنُ، إذا قيل: هل تَشْهَدون أنه من أهل الوعيد، وأنه كافر؟ قلنا: لا نَشْهَد عليه إلا بأَمْرٍ تَجُوز معه الشهادةُ؛ فإنه من أعظم البَغْيِ أن يُشْهَدَ على معيَّنٍ أن الله لا يَغْفِرُ له، ولا يَرْحَمُه، بل يُخَلِّدُهُ في النار؛ فإن هذا حُكْمُ الكافر بعد الموت»([280]). اهـ.

(11) ابن الوزير — (المتوفَّى: 840هـ)، فقد قال: «الوجه الثالث: أنها قد تكاثَرَتْ الآياتُ والأحاديثُ في العَفْو عن الخطأ، والظاهر: أن أهل التأويل أخطأوا، ولا سبيل إلى العلم بتَعَمُّدِهم؛ لأنه مِنْ عِلْمِ الباطن الذي لا يَعْلَمُه إلا الله تعالى، قال الله تعالى في خطاب أهل الاسلام خاصة: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {الأحزاب:5}، وقال تعالى: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286} وصَحَّ في تفسيرها: أن الله تعالى قال: «قد فَعَلْتُ» في حديثين صحيحين: أحدهما عن ابن عباس، والآخر عن أبي هريرة، وقال تعالى: [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {آل عمران:135}، فَقَيَّدَ ذَمَّهُم بِعِلْمِهِم، وقال في قَتْلِ المؤمن مع التغليظ العظيم فيه: [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ] {النساء:93} فَقَيَّد الوعيد فيه بالتعمد، وقال في الصيد: [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ] {المائدة:95}.

وجاءتْ الأحاديثُ الكثيرةُ بهذا المعنى: كحديث سعد، وأبي ذر، وأبي بكرة، متفق على صحتها، فيمن ادعى أبًا غَيْرَ أبيه، وهو يَعْلَم أنه غَيْرُ أبيه، فَشَرَطَ العِلْمَ في الوعيد، ومِنْ أَوْضَحِهَا حُجَّةً: حديثُ الذي أَوْصَى لإسرافه أن يُحْرَق، ثم يُذْرَى في يوم شديد الرياح، نِصْفُهُ في البر، ونِصْفُهُ في البحر، حتي لا يَقْدِر الله عليه، ثم يُعَذِّبه، ثم أدركته الرحمةُ لخوفه، وهو حديثٌ متفق على صحته عن جماعة من الصحابة، منهم: حذيفة، وأبو سعيد، وأبو هريرة، بل رواته منهم قد بلغوا عدد التواتر، كما في «جامع الأصول» و«مجمع الزوائد» وفي حديث حذيفة أنه كان نَبَّاشا، وإنما أدركَتْهُ الرحمةُ لِجَهْلِهِ وإيمانِهِ بالله والمعاد، لذلك خاف العقابَ، وأما جَهْلُه بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالا؛ فلا يكون كُفْرًا إلا لو علم أن الأنبياء جاؤوا بذلك، وأنه مُمْكِنٌ مقدور، ثم كَذَّبهم أو أحدا منهم، لقوله تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {الإسراء:15}، وهذا أَرْجَى حديث لأهل الخطأ في التأويل([281])، ويُعْضَدُ ما تقدم بأحاديث: «أنا عند ظن عبدي بي؛ فليظن بي ما شاء» وهي ثلاثة أحاديث صحاح، ولهذا قال جماعة جِلَّةٌ من علماء الاسلام: إنه لا يَكْفُر المسلم بما يَنْدُر([282]) منه من ألفاظ الكفر، إلا أن يَعْلَم المتلفِّظ بها أنها كُفْر»([283]). اهـ.

(12) الإمام المجدِّد محمد بن عبد الوهاب النجدي — (المتوفَّى: 1206هـ)، فقد قال: «وأما التكفير: فأنا أُكَفِّر من عرَفَ دينَ الرسول، ثم بعد ما عَرَفَهُ سَبَّه، ونهى الناسَ عنه، وعادى مَنْ فَعَلهُ، فهذا هو الذي أُكَفِّره، وأَكْثَرُ الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك، وأما القتال: فلم نقاتِلْ أحدًا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أَتَوْنا في ديارنا، ولا أَبْقَوْا مُمْكِنًا، ولكن قد نقاتل بعضَهم على سبيل المقابلة، [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ] {الشورى:40} وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عَرَفَهُ، والسلام»([284]). اهـ.

فتأمل تصريحه بأنه لا يُكَفِّر إلا من كان على علم بما أتى به من الكفر، وتأمل أيضًا تصريحه بأن أكثر الأمة ليسوا كذلك، مع انتشار الشركيات في زمانه، فأين هذا ممن لا يكاد يحكم بإسلام أحد في الأمة اليوم إلا عدد يسير جدًّا؟ إن هذا دليل على أنهم يسيرون على قواعد غير قواعد هؤلاء العلماء.

* وقال أيضًا –: «وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نُكَفِّر بالعموم، ونُوجِبُ الهجرةَ إلينا على مَنْ قَدَرَ على إظهار دينه، وإنا نُكَفِّر من لم يُكَفِّر، ومن لم يقاتل، ومِثْلُ هذا وأضعافُ أضعافِهِ؛ فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يَصُدُّون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا: لا نُكَفِّر من عَبَدَ الصَّنَمَ الذي على عبد القادر، والصَّنَمَ الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهِما؛ لأجْلَ جَهْلِهِم، وعَدَمِ مَنْ يُنَبِّهُهُم؛ فكيف نُكَفِّر مَنْ لم يُشْرِكْ بالله، إذا لم يهاجِرَ إلينا، أو لم يُكَفِّر ويقاتل؟! [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] {النور:16}»([285]). اهـ.

فيا لله العجب: هل بعد هذا النص من هذا الإمام المجدِّد الذي ظلمه الظالمون، ورمَوْه بأنه يكفِّر المسلمين ظلمًا وعدوانًا، فهل بعده من دليل على براءته — من هذا الافتراء؟!

إن هذا كلام محكم صريح عنه، وإن كان له ولبعض علماء الدعوة كلام آخر في تكفير من وقع في الكفر الظاهر، وأنه لا يُعذر إلا في الأمر الخفي، وقد يُحمل هذا الكلام منهم على أنه في زمانهم قد ظَهَرَ للناس النهيُ عن هذه المظاهر الشركية، ويُستبعد في حقهم الجهلُ بتحريمها؛ لذيوع ذلك واشتهاره بعد أن كان خافيًا، فيُحمل كلامهم في عدم التكفير للمعين الجاهل على بداية الدعوة، وكلامُهم في عدم العذر إلا في المسائل الخفية بعدما ظهرت الدعوة وانتشرت في الدن والقرى والبوادي، وهذا من حيث الأصل صحيح لا غبار عليه، وعند التطبيق والتنزيل يختلف الكلام مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن مُعَيَّنٍ لآخر، ومن مسألةٍ لأخرى، والله أعلم.

إلا أن الجهل في زماننا قد خيَّم وضربَ أَطْنابَه على كثير من الذين يرون أنفسهم «مثقفين» دع عنك الجهَلَة!! ومع ذلك، فهناك مواضع من كلامهم -رحمهم الله- تحار الأفهام في تأويلها والجمعِ بينها وبين هذا الكلام، والله أعلم.

عِلْمًا بأن هذا الإمام — قد طَعَنَ فيه أعداؤه بأنه يكفِّر المسلمين، ونَسَبَ إليه كثير ممن يدَّعون اتباعُهُ مقالاتٍ، مما جَعَلَ أعداءَهُ يُشَنِّعُون بها عليه، فكثير ممن يكفِّرون المسلمين اليوم يحتجون -حسب فهمهم- بكلام هذا الإمام المجدد وبقية علماء الدعوة النجدية، وإن كان في ظاهر بعض كلام بعضهم ما يَتَعَلَّقُ به هؤلاء، إلا أنك عند جمع كلامهم تجد أكثر هذه التعلقات قابلة للتأول، وليست مُحْكَمَة كما في هذا النص عنه — والله أعلم.

* وقال أيضًا –: «إذا تَبَيَّن هذا، فالمسائل التي شُنِّع بها، منها: ما هو من البهتان الظاهر، وهي قوله: إني مُبْطِلٌ كُتُبَ المذاهب، وقولُهُ: إني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وقولُهُ: إني أَدَّعِى الاجتهاد، وقولُهُ: إني خارج عن التقليد، وقولُهُ: إني أقول: إن اختلاف العلماء نِقْمَةٌ، وقولُهُ: إني أُكَفِّر من تَوَسَّل بالصالحين، وقولُهُ: إني أُكَفِّر البوصيري لقوله: يا أكرمَ الخلقِ، وقولُهُ: إني أقول: لو أَقْدِرُ على هَدْم حجرة الرسول لهدمْتُها، ولو أَقْدِرُ على الكعبة لأَخَذْتُ ميزابَها، وجَعَلْتُ لها ميزابًا من خَشَب، وقولُهُ: إني أُنْكِر زيارةَ قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقولُهُ، إني أُنْكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أُكَفِّر من يَحْلف بغير الله، فهذه اثنتا عشرة مسألة، جوابي فيها أن أقول: [ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] {النور:16}»([286]). اهـ.

فإذا كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب — لا يُكَفِّر البوصيري القائلَ في بُرْدَتِه مخاطبًا رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:

يا أَكْرَمَ الخلْقِ ما لي مَنْ أَلُوذُ بهسواك عند حُلُول الحادثِ العَمَمِ

فكيف يُكَفِّر من دونه في العلم والمعرفة؟! وهل أَبْقَى البوصيري في هذا البيت لله — شيئًا يَفْزَع العبادُ فيه إليه عند اشتداد الكربات؟!

فإن قيل: أنتم لا تفهمون كلامَ الإمامِ المُجَدِّدِ – – فإنه لا يَعْذُرُ بالجهل؟

فالجواب: سبق أن ذكرتُ أن للشيخ، ولبعض علماء الدعوة – رحمهم الله جميعًا – بعض المواضع تَحَارُ في تأويلها والجمعِ بينها وبين هذه النصوص الصريحة الأفهامُ، وسبق أن ذكرتُ كلامًا صريحًا لشيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب – – في العذر، وسبق أن ذكرتُ كيفية الجمع بين ما ظاهرُه التعارض بين بعض الكلمات، أضِفْ إلى ذلك أن مِن علماء الدعوة النجدية وأبناء الشيخ وأحفاده – رحم الله الجميع – مَن صرَّحَ بنسبة العذر بالجهل للشيخ المجدد – -، ومن هؤلاء الشيخ حسين بن محمد بن عبدالوهاب، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب، والشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب، ونقله عن علماء الدعوة الشيخُ سليمان بن سحمان – رحم الله الجميع -، وكذلك الامام عبدالرحمن بن سعدي – – وغيرهم، والله أعلم.

(13) وقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- (المتوفَّى: 1250هـ ) كما في «الهدية السَّنِيَّة»([287]) عن بعض من يعمل الشرك: «إنه لا يَكْفُر؛ لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه؛ فلم تَقُمْ عليه الحجة، ولا وَضَحَتْ له المحجة». اهـ

(14) وذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
-رحمهم الله جميعًا- (المتوفَّى: 1293 هـ)، في رَدِّه على من نَسَبَ غُلُوَّه في التكفير إلى جدّه الإمامِ المُجَدِّد –، فقال: «وأخبرتُهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يُكَفِّر إلا بما أَجْمَعَ المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها، بعد قيام الحجة، وبلوغها المُعْتَبَرِ، كتكفير مَنْ عَبَدَ الصالحين، ودعاهم مع الله، وجَعَلَهم أندادًا له، فيما يَسْتَحِقُّه على خَلْقِهِ من العبادات والإلهية، وهذا مُجْمَعٌ عليه (عند) أهل العلم والإيمان»([288]). اهـ.

وهذا الإمام أَعْرَفُ بمذهب جده وآل بيته -رحم الله الجميع- في ذلك من غيره، وإن كان للشيخ ولعلماء الدعوة أيضًا كلام ظاهره بخلاف هذا في عدة مواضع، والله أعلم.

(15) القاضي محمد بن علي الشوكاني([289]) –- (المتوفَّى: 1250هـ)، فقد قال: «فلا بد مِنْ شَرْحِ الصدر بالكُفر، وطُمَأْنِيَنَةِ القلبِ به، وسُكونِ النفسِ إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك، لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فِعْلٍ كُفْريٍّ لم يُرِدْ به فاعِلُهُ الخروجَ عن الإسلام إلى مِلَّة الكُفر، ولا اعتبار بلفظ يَلْفُظُ به المسلم يَدُل على الكُفر، وهو لا يَعْتَقِدُ معناه»([290])اهـ.

قلت: من قَصَدَ فِعْلَ الكفر مختارًا بعد عِلْمِهِ بتحريم ما يَفْعَلُ -وإن لم يَعْلَم أنه يصل به إلى درجة الكفر الأكبر- فقد شَرَحَ به صدرًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {النحل:106} قِيلَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأَوَّلِهَا، فَإِنَّهُ مَنْ كَفَرَ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ، فَقَدْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا، وَإِلَّا نَاقَضَ أَوَّلُ الْآيَةِ آخِرَهَا، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِمَنْ كَفَرَ هُوَ الشَّارِحُ صَدْرَهُ -وَذَلِكَ يَكُونُ بِلَا إكْرَاهٍ- لَمْ يُسْتَثْنَ الْمُكْرَهُ فَقَطْ، بَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُسْتَثْنَى الْمُكْرَهُ وَغَيْرُ الْمُكْرَهِ إذَا لَمْ يَشْرَحْ صَدْرَهُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ طَوْعًا؛ فَقَدْ شَرَحَ بِهَا صَدْرًا، وَهِيَ كُفْرٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: [ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] { التوبة:64-66}، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّا تَكَلَّمْنَا بِالْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ لَهُ، بَلْ كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللَّهِ كُفْرٌ، وَلَا يَكُونُ هَذَا إلَّا مِمَّنْ شَرَحَ صَدْرَهُ بِهَذَا الْكَلَامِ، وَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ؛ مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ»([291]). اهـ.

فهذه كلها أقوال لعدد من العلماء الذين يرون العذر بالجهل، وليس ابن تيمية وحده الذي يرى ذلك، كما ذكر بعض إخواننا، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية — ذكر أدلته على ما قال، ونقل عن بعض أهل العلم في ذلك، كالإمام أحمد مع أئمة زمانه، وذكر بعض قواعد العلماء الدالة على العذر، ولم يَقُلْ هذا من عند نفسه، وسبق عن غيره من نسب القول بالعذر بالجهل إلى أهل السنة والعلم، بل منهم من عَدَّه إجماعًا، وعَدَّ خلافه من قول أهل البدع!!

ناهيك عن كثير من علماء هذا العصر، كمحدث العصر شيخنا الألباني، وعلَّامة الزمان الشيخ ابن عثيمين، وعلَّامة اليمن شيخنا مقبل بن هادي الوادعي – رحمهم الله جميعًا – وغيرهم؛ فإنهم قد صرحوا في غير ما موضع بعدم تكفير الجاهل، أو المتأول المُخطئ، أو المُقَلِّد المخطئ.

(تنبيه): هذه النصوص في إعذار من وقع في الكفر عن جهل وخطأ بتأويلٍ أو تقليدٍ سائغين، وبعضها فيه الإشارة إلى إعذار من وقع في فسوق، وهو يشمل ما كان عن شبهة وتأويل، وهو البدعة، وما كان عن شهوة وفجور، وهو المعصية، وأيضًا فهذه النصوص متضمنة للبدعة من باب أولى.

* ويقول شيخنا الألباني في نحو هذه المسألة: «إن كان ابتغى وَجْهَ الحَقِّ والصَّوَابِ، فأخطأه؛ فلا يجوز أن يقال: إنه ليس من أهل السنة بمجرد أنه وقع في خطأ، أو وقع في بدعة، لا فَرْقَ إِذَنْ بين عالمٍ يقع في اسْتِحْلال ما حَرَّم الله باجتهادٍ، هو مأجور عليه، وبين عالمٍ وقع في بدعة دون أن يقصدها، وإنما قَصْدُهُ السُّنةُ، فأخطأها، لذلك نحن نَشْكُوا الآن من هذه الثورة التي ثارتْ في السعودية([292]) بين أهل السنة أنفسِهم، حيث ظهر فيهم من يُظَنُّ بأنه خالف أهل السنة في بعض المسائل؛ فبدَّعوه، وأخرجوه عن أهل السنة…» إلى أن قال: «فإن عاند وأَصَرَّ؛ فيُبدَّع، أما إذا قال: لم يَظْهَرْ لي وَجْهُ الصواب فيما تقولون، بل هو يَعْكِسُ ذاك عليهم، وهو يُخَطِّئُهم بدَوْرِه؛ فتَبْقَى المسألةُ مسألةً خلافيةً بينهم وبينه»([293]). اهـ.

فتأمل إعذاره — لمن استحل محرمًا -وهو كُفْرٌ- عن اجتهاد، وكذا من وقع في بدعة لم يَقْصِدها، ولم يعْلم أنها بدعة، بل ربما خطَّأ من يخالفه.

وكلامُه عما جرى في السعودية يشير إلى الدعاة الذين ولغوا في أعراض من خالفهم، واشتغلوا بتصنيفهم، والدعوة إلى الهجر، واستنكار الشيخ — وتسميته للمختلفين من الجانبين بأهل السنة؛ كل ذلك يُبطل ما عليه الغلاة من الحكم على مخالفهم – وإن كان بعضُهم أهدى سبيلًا منهم – بأنه ليس من أهل السنة، وإن كان عند المخالف كلماتٌ ومواقِفُ لا يُقَرُّ عليها، بل تُنْكَر عليه، لكن الإخراج من أهل السنة لا يُقْبَل إلا من الأئمة الأعلام لا من الغلاة المُقَلِّدَة وأشْبَاهِ العوامّ!!

وتأمل أيضًا إعذاره لمن عنده شبهة حتى بعد إيراد الأدلة عليه، وكل هذا بخلاف صنيع كثير ممن ينتسب إلى العلم والسنة اليوم، بل يزعمون -زورًا وبُهْتانًا- أنهم وحْدَهم ومن كان على شاكلتهم هم أهل السنة!!

* وقال شيخنا الألباني — أيضًا: «أنت تَعْلَم أن هناك في بعض الأئمة المتَّبَعين اليوم، والذين لا يَشُكُّ عالمٌ مُسْلمٌ -عالم حقًّا- بأنه مُسْلم، وليس هذا فقط: بل وعالم فاضل، ومع ذلك فقد خالف الكتاب والسنة، وخالف السلف الصالح في غير ما مسألة، أعني بذلك مثلا: النعمان بن ثابت أبا حنيفة — الذي يقول: بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ويقول: لا يجوز للمسلم أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وأنه إذا قال: إن شاء الله؛ فليس مسلما، لا شك أن هذا القول بِدْعَةٌ في الدين؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة، لكن هو ما أراد البدعة، هو أراد الحقَّ فأخطأه، لذلك فَفَتْحُ هذا الباب من التشكيك في علماء المسلمين، سواء كانوا من السلف أو من الخلف؛ ففي ذلك مخالفة لما عليه المسلمون، وربنا — يقول في القرآن الكريم: [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ] {النساء:115}»([294]). اهـ.

وهذا إعذار واضح منه — لمن وقع في بدعة عن اجتهاد وتأويل خاطئ.

* وقال شيخنا الألباني — كما في جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة([295]): «لا يجوز الحكم من عالم متفقه في الكتاب والسنة، لا يجوز لهذا العالم أن يُطْلِقَ الكُفْر على شخصٍ، أو على جماعةٍ بالجملة، إلا بعد إقامة الحجة، وهذا طبعًا يتطلب أن يَسْتَوْعِبَ هذا العالمُ رَأْيَ ذلك الذي هو في صَدَد تكفيره، وعليه قبل كل شيء أن يَفْهَمَ رأيه فَهْمًا صحيحًا، ثم يَعْرِضَهُ على أدلة الكتاب والسنة، فإذا كانت هذه الأدلة تَشْهَد بأن هذا الإنسان يستحق الكُفْر، أو يستحق التكفير، مع ذلك لا يجوز إصدار الحكم في حَقِّه إلا بعد إقامة الحجة عليه، ولا شَكَّ ولا رَيْبَ أن طلاب العلم ليس هذا مجالَهُم، طلابُ العلم بحَسْبهم أن يستحضروا في ذوات أنفسهم قولَ ربهم
–: [ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {المائدة:105}، فطالب العلم يجب أن يَنْأَى وأن يَنْجُوَ بنفسه من أن يقع فيما يقع فيه من يريد أن يطلق لفظة الكفر عليه، وقولُه –: «من قال لأخيه: كافر، أو يا كافر؛ فقد باء به أحدهما» هذا فيه وعيد شديد للمسلم الذي يَتَسَرَّع في إطلاق لفظة الكفر على مسلمٍ يَشْهَد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإذا كان عند هذا طالبِ العلم وِجْهَةُ نَظَرٍ؛ فعليه أن يَعْرِضَها على من هو يريد أن يُوَجِّهَ التكفير إليه، وأن يُنَاقِشَه، فقد يكون هو المخطئ بدلًا من ذلك الذي يريد أن يُكَفِّرَه.

خلاصة القول: التكفير أمر خطير، وخطير جدًا، ولذلك قال بعض العلماء: إذا كان هناك مائة قول في خصوص شخص معين، تسع وتسعون قولًا منها بتكفيره، والقول الواحد بعدم تكفيره؛ فالحيطة والحذر أن نَتَبَنَّى هذا القولَ الفريدَ الوحيدُ، ولا نَتَبَنَّي قولَ التسعة والتسعين؛ لأن هذا فيه خطورة …([296])

* وقال شيخنا الألباني — في «الصحيحة»([297]): «ومن ذلك يتبين بوضوح: أنه ليس كل من وقع في الكفر من المؤمنين؛ وقع الكفر عليه وأَحَاطَ به، ومن الأمثلة على ذلك: الرجلُ الذي كان قد ضَلَّتْ راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها؛ قال من شدة فَرَحِهِ: «اللهم! أنت عبدي وأنا ربُّكَ»! وفي ذلك كله رَدٌّ قَوِيٌّ جدًا على فِئَتَيْنِ من الشباب المغرورين بما عندهم من عِلْمٍ ضَحْلٍ:

الفئة الأولى: الذين يطلقون القول بأن الجهل ليس بعذر مطلقًا؛ حتى ألف بعض المعاصرين منهم رسالة في ذلك! والصوابُ الذي تقتضيه الأصولُ والنصوصُ: التفصيلُ؛ فمن كان من المسلمين يعيش في جو إسلامي علمي مُصَفَّى، وجَهِلَ من الأحكام ما كان منها معلومًا من الدين بالضرورة- كما يقول الفقهاء- فهذا لا يكون معذورًا؛ لأنه بَلَغَتْهُ الدعوة، وأُقِيمَتْ الحجة، وأما من كان في مجتمع كافر لم تَبْلُغْهُ الدعوةُ، أو بَلَغَتْهُ وأَسْلَمَ؛ ولكن خَفِيَ عليه بعضُ تلك الأحكام؛ لحداثَةِ عَهْدِهِ بالإسلام، أو لعدم وجود من يُبَلِّغُه ذلك من أهل العلم بالكتاب والسنة؛ فمثل هذا يكون معذورًا. ومثله- عندي- أولئك الذين يعيشون في بعض البلاد الإسلامية التي انتشر فيها الشرك والبدعة والخرافة، وغلب عليها الجهل، ولم يوجد فيهم عالم يُبَيِّن لهم ما هم فيه من الضلال، أو وُجِدَ؛ ولكن بعضهم لم يسمع بدعوته وإنذاره؛ فهؤلاء أيضًا معذورون بجامع اشتراكهم مع الأولين في عدم بلوغ دعوة الحق إليهم؛ لقوله تعالى: [ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ] {الأنعام:19}، وقوله: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {الإسراء:15}، ونحو ذلك من الأدلة التي تَفَرَّع منها تَبَنِّي العلماء عدمَ مؤاخذة أهل الفترة؛ سواء كانوا أفرادًا أو قبائل أو شعوبًا؛ لاشتراكهم في العلة؛ كما هو ظاهر لا يخفى على أهل العلم والنُّهى.

ومن هنا يتجلى لكل مسلم غيور على الإسلام والمسلمين عِظَمُ المسؤوليةِ الملقاةِ على أكتاف الأحزاب والجماعات الإسلامية، الذين نَصَبُوا أنفسَهم للدعوة للإسلام، ثم هم مع ذلك يَدَعُون المسلمين على جهلهم وغفلتهم عن الفهم الصحيح للإسلام، ولسان حالهم يقول-كما قال لي بعض الجهلة بهذه المناسبة-: «دَعُوا الناس في غَفَلاتهم»! بل وزعم أنه حديث شريف!! أو يقولون-كما تقول العوام في بعض البلاد-: «كُلُّ مِين على دينه، الله يعينه»! وهذا خطأ جسيم لو كانوا يعلمون، ولكن صدق من قال: «فاقِدُ الشيءِ لا يُعْطِيه»!.

والفئة الثانية: نابتة نَبَتَتْ في هذا العصر؛ لم يُؤْتَوْا من العلم الشرعي إلا نَزْرًا يسيرًا، وبخاصة ما كان منه متعلقًا بالأصول الفقهية، والقواعد العلمية المستقاة من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومع ذلك اغتروا بعلمهم؛ فانطلقوا يُبَدِّعون كبار العلماء والفقهاء، وربما كفَّروهم لسوء فَهْمٍ أو زَلَّةٍ وَقَعَتْ منهم، لا يَرْقُبُون فيهم إلًّا ولا ذِمَّةً، فلم يَشْفَعْ عندهم ما عُرِفُوا به عند كافة العلماء من الإيمان والصلاح والعلم، وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة الكفر الذي يَخْرُج به صاحبُهُ من الإيمان؛ ألا وهو الجحد والإنكار لما بَلَغَهُ من الحجة والعلم([298])؛ كما قال تعالى في قوم فرعون: [ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ] {النمل:13، 14}. وقال في الذين كفروا بالقرآن: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ] {فصلت:28} ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه([299]):

* قال: «لا يجوز تكفير كل من خالف السنة؛ فليس كل مخطئ كافرًا، لا سيما في المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة».

* قال شيخنا –: يشير إلى مثل مسألة: كلام الله، وأنه غير مخلوق، ورؤية الله في الآخرة، واستواء الله على عَرْشِهِ، وعُلُوِّهِ على خلقه؛ فإن الإيمان بذلك واجب، وجَحْدَهَا كُفْرٌ، ولكن لا يجوز تكفير من تأولها من المعتزلة والخوارج والأشاعرة بشبهة وَقَعَتْ لهم؛ إلا من أُقِيمَتْ عليه الحجةُ وعانَدَ.

وهذا هو المثال بين أيدينا: الرجل النباش؟ فإنه مع شَكِّه في قدرة الله على بَعْثِهِ؛ غَفَرَ الله له؛ لأنه لم يكن جاحدًا معاندًا؛ بل كان مؤمنًا بالله وبالبعث على الجملة دون تفصيل لجهله.

* قال شيخ الإسلام بعد أن ساق الحديث برواية «الصحيح» وذكر أنه حديث متواتر([300]):

* قال – تعالى-: «وهنا أصلان عظيمان:

أحدهما: مُتَعَلِّقٌ بالله تعالى؛ وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.

والثاني: مُتَعَلِّقٌ باليوم الآخر؛ وهو الإيمان بأن الله يُعِيدُ هذا الميتَ، ويَجْزِيه على أعماله، ومع هذا فلما كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة: وهو أن الله يُثِيبُ ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملًا صالحًا- وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه-؛ غَفَرَ الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح».

* قال شيخنا –: «ولهذا؛ فإني أَنْصَحُ أولئك الشبابَ أن يتورعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم، وأن يستمروا في طلب العلم؛ حتى يَنْبُغوا فيه، وأن لا يَغْتَرُّوا بأنفسهم، ويَعْرِفوا حقَّ العلماء وأَسْبَقِيَّتَهُم فيه، وبخاصَّةٍ من كان منهم على منهج السلف الصالح، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وأَلْفِتُ نَظَرَهم إلى «مجموع الفتاوى» فإنه «كُنَيِّفٌ مُلِئَ علمًا»، وبخاصة إلى فصول خاصَّةٍ في هذه المسألة الهامة «التكفير»، حيث فَرَّقَ بين التكفير المطلق وتكفير المعين، وقال — في أمثال أولئك الشباب:

«ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع، قد تَنْتَفِي في حقِّ المعين، وأن تكفير المطلق لا يَسْتَلْزِم تكفير المُعَيَّنِ؛ إلا إذا وُجِدَتْ الشروطُ وانْتَفَتْ الموانعُ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أَطْلَقُوا هذه العمومات لم يُكَفِّروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه».

قلتُ: يعني شيخُنا – – الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، ومن قال: إن الله لا يُرَى في الآخرة؛ وأمثالهم.

* قال – -: فأقول: وملاحظة هذا الفَرْقِ هو الفَيْصَلُ في هذا الموضوع الهام، ولذلك فإني أَحُثُّ الشباب على قراءته وتَفَهُّمِهِ من «المجموع»([301]) الذي خَتَمَهُ بقوله: «وإذا عُرف هذا؛ فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم- بحيث يُحْكَم عليه أنه من الكفار- لا يجوز الإِقْدَامُ عليه؛ إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت مقالتهم لا رَيْبَ أنها كُفْر، (يعني: مقالة الدعاة إلى البدعة) وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعضَ هذه البدع أَشَدُّ من بعض، وبعضَ المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يُكَفِّر أحدًا من المسلمين- وإن أخطأ وغَلِطَ- حتى تُقام عليه الحجة، وتُبَيَّن له المحجة، ومَنْ ثَبَتَ إيمانُهُ بيقين؛ لم يَزُل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة». اهـ

* وقال العلامة العثيمين — كما في لقاءات الباب المفتوح: «إذا قلنا: هذا كُفْر: فلا نحكم على كل فاعلٍ أن يكون كافرًا؛ لأنه قد يكون معذورًا، أو يَشْتَبِهُ عليه الحقُّ، أو يكون مُضطرًا ارتكب هذا للضرورة، فنصبر حتى نَتَبَيَّنَ حال هذا المرء، فإذا تَبَيَّنَ حاله، وأن الرجل عنده عِلْم، ولكنه تجرأ على ما يَصِلُ به إلى الكُفر؛ كفَّرناه». اهـ([302])

* وسئل العلامة العثيمين — كما في «مجموع فتاواه»([303]): هل يُعْذَر الإنسان بالجهل فيما يتعلق بالتوحيد؟

فأجاب – -: «العذر بالجهل ثابت في كل ما يدين به العبدُ ربَّهُ؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {النساء:163} حتى قال –: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:165}، ولقوله -تعالى-: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {الإسراء:15}، ولقوله –تعالى-: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {التوبة:115}، ولقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده؛ لا يَسْمَع بي واحد من هذه الأمة: يهودي، ولا نصراني، ثم لا يؤمن بما جئت به؛ إلا كان من أصحاب النار».

والنصوصُ في هذا كثيرة، فمن كان جاهلا؛ فإنه لا يؤاخذ بجهله في أي شيء كان من أمور الدين، ولكن يجب أن نَعْلَم أن من الجهلة من يكون عنده نوع من العناد، أي إنه يُذْكَر له الحق، ولكنه لا يبحث عنه، ولا يَتَّبِعُه، بل يكون على ما كان عليه أشياخه، ومن يُعَظِّمُهم ويَتَّبِعُهم، وهذا في الحقيقة ليس بمعذور؛ لأنه قد بلغه من الحجة ما أدنى أحواله أن يكون شبهة يحتاج أن يبحث؛ ليتبين له الحق، وهذا الذي يُعَظِّم من يُعَظِّم من مَتْبُوعيه، شأْنُه شَأْنُ من قال الله عنهم: [ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ] {الزخرف:22}، وفي الآية الثانية: [ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ] {الزخرف:23} فالمهم أن الجهل الذي يُعْذر به الإنسان، بحيث لا يَعْلَم عن الحق، ولا يُذْكَر له، هو رافع للإثم والحُكْمِ على صاحبه بما يقتضيه عَمَلُهُ، ثم إن كان ينتسب إلى المسلمين، ويَشْهَد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ فإنه يُعْتَبَرُ منهم، وإن كان لا يَنْتَسِب إلى المسلمين؛ فإن حُكْمَه حُكْم أهل الدين الذي ينتسب إليه في الدنيا.

وأما في الآخرة: فإن شأْنَهُ شأْنُ أهل الفترة، يكون أمره إلى الله — يوم القيامة، وأَصَحُّ الأقوال فيهم أنهم يُمْتَحَنُون بما شاء الله، فمن أطاع منهم دَخَلَ الجنة، ومن عصى منهم دَخَلَ النار». اهـ.

نعم، هناك تفصيل بَيْنَ من تَمَكَّن من العلم، ولم يَحُلْ بينه وبين العلم حائل إلا الإعراض والزهد فيه وفي أهله، وبَيْنَ من كان جَهْلُه بسبب عَدَمِ تَمَكُّنِه من العلم، فالثاني معذور بخلاف الأول؛ فإنه آثم ضالٌّ، ومع ذلك فكلام بعض أهل العلم -وهو شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمهما الله- يدل على أنه لا يُكفَّر مسلم بذلك، وإن كان آثمًا تاركًا لواجب من الواجبات، وسيأتي كلام موسَّع في هذا -إن شاء الله تعالى- في موضعه من كتابي «المسلك السهل في العذر بالجهل».

لكن ظاهر كلام الشيخ ابن عثيمين – – أنه لا يُعذر وإن كان يفعل الكفر؛ فإنه يُكَفَّر، أو كان يفعل الفسقَ فإنه يُفَسَّق، لكن كلام ابن القيم
– – بخلاف ذلك، وقد سبق بتمامه مع تعليقي عليه.

وأيضًا: فالمرء الذي يقع في الشرك، ويَسْمَع النهي عن ذلك، قد يذهب فيسأل عن حُكْم فِعْلِهِ، لكنه قد لا يُوفَّق في طلبه الحقَّ لصاحب عِلْمٍ وسُنَّة، فقد يذهب ويسأل من يظنه من أهل العلم والفضل -وليس هو كذلك- فيستمر على ما هو عليه من الخرافات والمُكَفِّرات، مع أنه يظن أنه قد عمل بقوله تعالى: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {النحل:43} ولم تُحَدِّدِ الآيةُ أسماءً للعلماء المسؤولين، إنما ذَكَرَتْ وصفًا، ألا وهو: [ﭛ ﭜ]فقد يظن هذا السائل في رجل ضالٍّ أنه من أهل الذِّكْر -وهذا مَبْلَغُ عِلْمِهِ- فيسألُهُ؛ فيفتيه بصحة ما هو عليه من عمل الشرك، بل قد يُحَذِّره ممن يَنْهَوْنَهُ عن ارتكاب الشرك، ويُزَيِّن له فِعْلَهُ، ويَسْتَدِلُّ له بعمومات أدلة بعيدة عن موضع النـزاع، وبقصص وحكايات موضوعة، والعامي مسكين لا يفهم من قوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ] {يونس:62} إلا جواز بل وجوب الاستغاثة بهم من دون الله، والفزع إليهم في الشدائد في جَلْب نَفْعٍ أو دَفْع ضُرٍّ، وأين هذا من ذاك؟!

وحتى يصل الباحث في حال شخص ما إلى جَعْلِهِ أَحَدَ هذه الأنواع؛ فهذا يحتاج إلى وقت طويل، وجُهد جهيد، ونَظَر دقيق، وأثناء هذا كله: فالأصل عدم حَمْل الرجل المرتكب عمليًّا للشرك على المَحْمَل الأَسْوَأ حتى يَظْهَر أنه كذلك، عملًا بالأصل السابق: اليقين لا يزول بالشك، ومن دخل في الإسلام بيقين -وهو إعلان الشهادتين، وإقراره بأنه مسلم وبرئ من أي دينٍ سواه-؛ فلا يُخْرَج منه إلا بيقين، وأين اليقين مع هذه الاحتمالات!!

فإن قيل: إن العلماء لا يَعْذُرون إلا من كان حديثَ عَهْدٍ بالإسلام، أو نَشَأَ في بادية بعيدة عن العلم؟

فالجواب من وجهين:

  1. أن هذا القول منهم إنما هو على سبيل المثال لا الحصر، أو لأن الجهل في حق هذين الصنفين أكثر ظهورًا من غيرهما، أما مناطُ العذر عند العلماء فإنما هو الجهل، لا سُكْنى البادية، أو حَدَاثة العهد بالإسلام، وهذا لا يمنع من وجود جَهْلٍ عند بعض من يعيش في الحاضرة وما حولها لبعض الأمور جهلًا يُعْذَر به، وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- في أناس يفشو فيهم الجهل، حتى أنهم لا يعرفون مما كان عليه آباؤهم المسلمون إلا شهادة: «لا إله إلا الله» -وهذه حالة تُشير إلى توغُّلهم في الجهل بأصول الدين- مع كونهم لم يُذْكَرْ في الحديث أنهم من أحد هذين الصِّنْفَيْن المُسْتَثْنَيْن من كلام العلماء، ومع ذلك تنفعهم هذه الكلمة، ولو كانوا كُفَّارًا؛ ما نفعتهم!!

ب – سبق من كلام شيخ الإسلام – – قال: «فإن كان جاهلا؛ يُعْذَرُ بجهله، مثل أن يكون نشأ بمكانِ قومٍ لا يَعْرِفُون فيه شرائع الإسلام، أو يكون حديثَ عَهْدٍ بالإسلام، أو نحو ذلك، فإنه يُعَرَّف دينَ الإسلام، فإن أَصَرَّ على القول بأنها تباح بعد وقوع الثلاث بدون نكاح ثان، أو على استحلال هذا الفعل؛ فإنه يُستتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتِلَ، كأمثاله من المرتدين …»([304]) إلخ.

فقوله – -: «أو نحو ذلك» يدب على أنه لا يَحصر العذر في هاتين الصورتين، بل هو مَثَّل بهما فقط، وقد صَرَّحَ بذلك في أول كلامه؛ فقال: «… مثل أن يكون …» الخ.

ج- لو سلمنا بأن كلام العلماء في هذين الصنفين على سبيل الحصر، ثم رأينا من يقع في مُكفِّر، ولا ندري أهو جاهل مِن هذين الصنفين أم لا؟ ولا ندري: أهو من سكان البادية، أو حديث عهد بالإسلام أم لا؟ فمع هذا الاحتمال لا يمكن التسرع في تكفيره بعينه حتى يَثْبُتَ لنا أنه ليس من هذين الصنفين، فآل الأمر أيضًا إلى عدم المسارعة إلى تكفيره قبل إقامة الحجة، وإبلاغه الحكمَ الشرعي فيما فَعَلَ، ومن ثَمَّ يظهر رجوعُهُ إلى الحق، أو عنادُهُ وإصرارُه، أو إعراضُه وعدمُ مبالاته!!

(تنبيهٌ عامٌّ):

ويُشْتَرَطُ في إقامة الحجة التي يُكَفَّر من يخالفها، أو يُبدَّع، أو يُفسَّق، ومن ثَمَّ يُعاقَب على ما اقترفه، وكل ذلك مأخوذ من كلام أهل العلم، فيُشْتَرط الآتي:

أ- أَنْ يُقِيمَها أهلُ العلم والحلم المتأهِّلون لذلك أو أحدهم؛ لما سبق ذِكْرُهُ، سواء اختارهم الأمير المُخَوَّلُ بإقامة الحد، أو رضيهم الناس الصالحون.

ب- أن تكون الحُجةُ بِلُغَةٍ يَفْهَمُهَا المخاطَبُ، ويَفْهَمُ بها مراد المتكلم، أو معنى الأدلة التي يُخاطًبُ بها.

ج- أن تُزال عنه الشُّبَهُ، وتَنْقَطِعَ الأعذارُ التي يَحْتَجُّ بها قبل إقامة الحجة عليه، ولا يَبْقَى إلا العناد أو التلاعب.

وقد قال بذلك بعضُ أهلِ العلم:

* فهذا ابن العربييقول: «فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عَمِلَ من الكُفْر والشرك ما يكون صاحبه مُشْرِكًا أو كافرًا؛ فإنه يُعْذَر بالجَهْلِ والخَطَأِ، حتى تَتَبَيَّنَ له الحُجَّةُ التي يَكْفُر تاركُها بيانًا واضحًا، ما يَلْتَبِسُ على مِثْلِهِ، ويُنْكِرَ ما هو مَعْلومٌ بالضرورة من دين الإسلام، مما أَجْمَعُوا عليه إجماعا جَلِيًّا قَطْعِيًّا، يَعْرِفُه كلٌّ من المسلمين من غير نَظَرٍ وتَأَمُّلٍ، كما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- ولم يخالفْ في ذلك إلا أَهْلُ البدع»([305]). اهـ.

* وقال ابن حزم –: «وكُلُّ ما قُلْنا فيه: إنه يُفَسَّقُ فاعِلُهُ، أو يُكَفَّر بعد قيام الحجة عليه: فهو ما لم تَقُمْ عليه الحجةُ مَعْذُور مَأْجُور، وإن كان مخطئا، وَصِفَةُ قيامِ الحجةِ عليه: هو أن تَبْلُغَهُ، فلا يكونَ عنده شَيءٌ يُقَاوِمُهَا، وبالله تعالى التوفيق»([306]). اهـ.

* وقال ابن قدامة –: «وكذلك كُلُّ جاهلٍ بشيء يُمْكِنُ أن يَجْهَلَهُ؛ لا يُحْكَم بكُفْرِه حتى يَعْرِفَ ذلك، وتَزُولَ عنه الشبهة، ويَسْتَحِلَّه بعد ذلك»([307]). اهـ.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «وَإِذَا عُرِفَ هَذَا: فَتَكْفِيرُ «الْمُعَيَّنِ» مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ -بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ- لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا كُفْرٌ، وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ «الْمُعَيَّنِينَ» مَعَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبِدْع أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضَ الْمُبْتَدِعَةِ يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ -وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ- حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينِ؛ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ، بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ»([308]). اهـ.

فتأمل قوله: «حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُوَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ» هذا مع قوله قبل ذلك: «وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا كُفْرٌ، وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ «الْمُعَيَّنِينَ»….».

* وقال أيضًا –: «ولهذا كُنْتُ أقولُ للجهمية من الحلولية والنفاة، الذين نَفَوْا أن الله تعالى فوق العرش، لَمَّا وقَعَتْ مِحْنَتُهُم: أَنَا لو وافقتُكُم كنتُ كافرا؛ لأَنِّي أَعْلَمُ أن قولَكُم كُفْر، و أنتم عندي لا تَكْفُرون؛ لأنكم جُهَّال، وكان هذا خِطَابًا لعُلمائهم، وقُضاتهم، وشُيوخهم، وأُمرائهم، وأَصْلُ جَهْلِهِم: شُبُهَاتٌ عَقْلِيةٌ حَصَلَتْ لرؤوسهم، في قُصُورٍ من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، وكان هذا خطابَنَا»([309]). اهـ.

* وقال سليمان بن سحمان –: «الذي يظهر لي -والله أعلم-: أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يُحْسِن إقامتها، وأما من لا يُحْسِن إقامتها: كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه، ولا ما ذكره العلماء في ذلك؛ فإنه لا تقوم به الحجة». ا هـ([310])

إذًا فليست إقامة الحجة مُجَرَّدَ تلاوةِ آياتٍ، أو سَرْدِ أحاديثَ – كما يَفهم من قال: إقامة الحجة ببلوغها إياه فقط – لا يَفْهَمُ المخاطَبُ دلالتها على سوء ما جاء به، بل لابد من إزالة الشبهات التي تَحُولُ بين المرء ومعرفة الحق، وإذا كان كلام شيخ الإسلام مع من يُشَارُ إليهم في دعاة الجهمية: بأنهم من أهل العلم والقضاة والشيوخ والأمراء؛ فكيف بمن هم دونهم في القدرة على معرفة الدلالات وموضع الشاهد من الأدلة؟! ومع أن كلامه هذا عن هؤلاء كان بعد أو مع مناظرته إياهم!!

فإذا ما أُوقِفَ من وقع في الشرك أو البدعة على أدلة النهي عن ذلك، فانْقَدَحَتْ في نفسه شبهاتٌ أخرى -كما حصل من الجهمية الذين ناظرهم شيخ الإسلام، ولم ينقادوا له لشبهات عندهم، ولجهلهم كما صرَّح — لهم-؛ لَزِمَ الصَّبْرُ عليه حتى تزول عنه هذه الشبهات، أو لا يبقى له فيها مُتَعَلَّقٌ إلا اتباعُ هواه، أما ما دام هو يَقْلِبُ الدليلَ على قائله، ويَدَّعِي أنه دليل له لا عليه، وأنه ازداد به بصيرة على صحة ما ذهب إليه من الباطل؛ فما زال في شبهاتٍ يحتاج إلى الرفق به في بيانها له حتى تَذْهَبَ عنه؛ فيتوبَ، أو يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وبهذا يظهر لنا الفرق بين إقامة الحجة حقيقةً، وبها تُنَزَّلُ الأحكامُ على المُعَيَّنِ، وبين إقامة الحُجة حُكمًا، والأصلُ أنها لا تتنزل بها الأحكام على المُعَيَّن، إلا إذا ظهرت قرائنُ تدل على ذلك، والله أعلم .

أقول هذا؛ لأن بعض طلبة العلم يرى أن مجرد الرد على عالم ما في كتاب، أو مقال، أو شريط، ونحو ذلك كافٍ في إقامة الحجة عليه، مع أنه لا يَعْلَمُ هل وَصَلَ هذا الكتابُ أو الشريطُ إلى المردود عليه أم لا؟ وهل قرأه أو سمعه أم لا؟ وهل ظَهَرَ له الحَقُّ بذلك، ثم عاند، أو ازداد تَمَسُّكًا برَأْيِهِ؛ لضعف الرادِّ عليه، أو لهجوم شبهات أخرى عليه، أم لا؟ كل هذه احتمالات، ولا حُكْمَ بالكفر أو البدعة أو الفسق على المعيَّن مع الاحتمال، والله أعلم.

* وقال شيخنا الألباني — «فإنْ عانَدَ وأَصَرَّ؛ فيُبدَّع، أما إذا قال: لم يَظْهَرْ لي وَجْهُ الصواب فيما تقولون، بل هو يَعْكِسُ ذاك عليهم، وهو يخطئهم بِدَوْرِهِ؛ فَتَبْقَى المسألةُ مسألةً خلافيةً بينهم وبينه»([311]). اهـ، وهذا صريح فيما ذهبتُ إليه قبل قليل في معرفة كيفية إقامة الحجة، ولله الحمد والمنة.

فإن قيل: العبرة ببلوغ الحجة لا بِفَهْم الحجة!! أي لا يُشترط أن يفهم المخاطَب أن ما أتى به كُفْر أو بدعة من كلام من يقيم الحجة عليه.

فالجواب: هذا كلام مردود؛ لمخالفته ما سَبَق من كلام أهل العلم، ولأن من خاطب أعجميًّا مسلمًا وقع في كُفْر أو بدعة، ثم خاطبه بغير لُغَتِهِ؛ فإن الحجة لا تقوم عليه بذلك، والله حَكَم عدل، وهو رحمنُ الدنيا والآخرة ورحيمُهما، وهذا القول مخالف لِعَدْلِ الإسلام ورحمته وسماحته، وكذلك العربي الذي دَخَلَتْ عليه العُجْمَةُ، بل غَلَبَتْ عليه – كما هو حالُ أكثر هذا الزمان -، فأصبح لا يَفْهَمُ من كلمة: «لا إله إلا الله» غير أن الله موجود، وأنه الخالق، الرازق، المدبِّر لأمور الخلق، وهذا توحيد الربوبية، الذي أقرَّ به المشركون، ولم يكونوا مؤمنين بذلك، فهذا العربي لا يُجْزِئُ في حَقِّه مُجَرَّدُ تلاوةِ بعض آياتٍ قرآنيةٍ، أو سَرْدِ أحاديثَ نبويةٍ تدلُّ -عند المتكلِّم لا في فهم المخاطَب- على بطلان ما ذهب إليه.

* أمَّا ما قال شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –: «فإذا كان المُعَيَّن يُكَفَّر إذا قامَتْ عليه الحجةُ؛ فمن المعلوم أن قيامَهَا ليس معناه: أن يَفْهَمَ كلامَ الله ورسولِهِ مِثْلَ فَهْم أبي بكر -رضي الله عنه- بل إذا بَلَغَهُ كلامُ الله ورسوله، وخلا من شيء يُعْذَر به؛ فهو كافِرٌ، كما كان الكُفَّار كُلُّهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ] {الأنعام:25}، وقوله: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {الأنفال:22}»([312]). اهـ

* فالظاهر أنه — أراد أنه لا يُشْتَرَطُ الفَهْمُ التفصيليُّ المحيطُ بالمعنى الصافي في لغة العرب لهذه الكلمة المباركة، كفهم الصِّدِّيق –رضي الله عنه-، ونحن أنفسنا لم نفهم من الآيات والأحاديث فهمَ الصِدِّيق
– رضي الله عنه – ولا شَكَّ أن هذا غيرُ مراد هنا، أو يكون مراده — الإقرار من الرجل بأنه قد ظَهَرَ له أن الأدلة التي تُلِيَتْ عليه تَدُلُّ على أنه بما هو عليه كافر، ومع ذلك يُصِرُّ ويُعَانِدُ، وليست عنده أدلة تقاوم تلك الأدلة، التي اعترف بأن مخالفها يكفر، ومع ذلك أَصَرَّ وعانَدَ؛ فهذا خارجٌ أيضًا عن محل النزاع، وهو غير مراد أيضًا، أما الفهم المجملُ للحجة التي سَمِعَها، وأنها تَحْكُم على ما أَتَى به الرجلُ بالكفر دون مُعارضٍ لها عنده مِن شبهة ونحوه؛ فلابد منه.

وأيضًا: فقوله: – -: «وخلا مِن شيءٍ يُعذَرُ به ..» ونحن ندعي أن الجهل وعدمَ الفهم أو وجود الشبهة: كلُّ هذا يُعْذَرُ به، وبناءً على ذلك فليس في استدلال المخالف بهذا الكلام حجةٌ له على قوله، وأما الكفار الذين بلغهم القرآن؛ فقد كانوا عربًا أقحاحًا، يفهمون المراد مما بلغهم، فكانوا بذلك كفارًا على علمٍ وبصيرةٍ وعنادٍ وغطرسةٍ، وليس هذا حال من نختلف في الحكم عليهم مع الفريق المخالف، والله أعلم.

* وأما ما قاله الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن المشهور بـ «أبا بطين» شارحًا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله تعالى-: «فَبَيَّن
–: أنا لو لم نُكَفِّر إلا المعانِدَ العارفَ؛ لَزِمَنا الحُكْمُ بإسلامِ أَكْثَرِ اليهود والنصارى، وهذا من أَظْهَرِ الباطل؛ فقول الشيخ تقي الدين
–: إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة، يدل من كلامه على أن هذين الأمرين، وهما: التكفير، والقتل، ليسا موقوفين على فَهْمِ الحجة مطلقا، بل على بلوغها، فَفَهْمُها شيء، وبُلُوغُها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفًا على فَهْم الحجة؛ لم نُكَفِّر ونَقْتُل إلا من عَلِمْنَا أنه مُعَانِدٌ خاصَّةً، وهذا بَيِّنُ البطلان
»([313]). اهـ.

قلت: فإن كان المراد بفهم الحجة هنا: أنه يُشترط أن يُقر المخالف المشرك أو الكافر -كاليهود والنصارى- الذي يدين بغير الإسلام بأنه مشرك أو كافر، وأن الأدلة التي سَمِعَهَا تدل على ذلك، وأنه لن يترك ما هو عليه؛ فهذا قول ساقط مردود؛ فليس هذا شرطا في التكفير؛ فاليهود والنصارى لا يَشْهَدُون على أنفسهم بذلك، بل يَحْسَبُون أنهم مُهْتَدُون، ومع ذلك فهم كفار غير مسلمين؛ فلا حجة للمخالف المستدل بكلامٍ هذا معناه.

وإن كان المراد: أنه يُشترط أن يَسْمَعَ الأدلةَ، ويَفْهَمَ منها ومن كلام من يخاطِبه بها أنها تدل على كُفْرِ أو فِسْقِ ما أَتَى به، ولم يَكُنْ عنده دليلٌ يدفَع به هذه الدلالات، إلا أنه أَصَرَّ وعانَدَ بهواه؛ فنعم، وبهذا تقوم الحجة على الخلق، وإن كان المراد: أنه يُشترط أن يَفْهَم الحجة كما فَهِمَها سادَةُ الصحابة: كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي –رضي الله عنهم جميعًا- فهذا ليس بشرط، فنحن -مع اشتغالنا بطلب العلم ولله الحمد- حتى الآن لم نَفْهَمْ من الآيات والأحاديث من الفقه والدلالات والأسرار ما فَهِمَهُ آحادُ الصحابة، وعلماءُ التابعين، ومن بعدهم من أئمة السلف والخلف؛ فما الظن بفهم سادة الصحابة؟ فكيف يُشْتَرَطُ هذا فيمن أَتَى الشركَ وهو عامِّيٌّ جاهِلٌ، أو أَعْجَمِيٌّ غافل، أو من النُّخْبة الذين اخْتَلَطَتْ مشارِبُهم، فتَخَبَّطَتْ مذاهِبُهم؟!

وهذا المعنى الأخير هو الذي صرح به الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وبعض علماء الدعوة –رحمهم الله- وأن العبرة ببلوغ الحجة، لا بفهمها كَفَهْمِ أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-([314]).

وعلى ذلك: فلابد أن نفهم معنى إقامة الحجة بفهم شيخ الاسلام ابن تيمية – – طالما أن الشيخ أبا بطين – – يشرح كلامه، فلا يجوز أن ننسب لشيخ الاسلام ابن تيمية – – من هذا النص المجمل ما يخالف صريح كلامه مِن ضرورة بلوغ الحجة وبيان المحجة وإزالة الشبهة، أما مجرد بلوغ بعض الآيات، فلا تقوم بذلك الحجة عند شيخ الاسلام – – كما سبق من كلامه واضحًا، ولله الحمد.

  • (تنبيهٌ): (المعلوم من الدين بالضرورة مسألة إضافية نسبية):

قلت: ومما يدل على أن مسألة المعلوم من الدين بالضرورة مسألة إضافية نسبية، تختلف من زمن لآخر، ومن شخص لآخر بحسْب ظهورها وخفائها: ما قاله هؤلاء العلماء -رحمهم الله-:

فمن ذلك: ما جاء في قصة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- الذي كان «يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللهِ»([315]).

مع أن إنكار شيء من القرآن كُفْرٌ مجرد، لكن لما كان زمانُهُ -رضي الله عنه- لم يستقر فيه الأمر بعد، ولم يُجمع الجميع آنذاك على ذلك؛ فلم يظهر لابن مسعود -رضي الله عنه- القطْع بأنهما من القرآن؛ فلم يَكُنْ ما فعله كُفْرا منه في زمنه، ولو فعلها أحدٌ اليوم أو قبل اليوم بقرون – بعد وقوع الإجماع – وأنكر أنهما من القرآن؛ يَكْفُر بعد بيان الإجماع له وإصراره، كما سبق بيانه.

* يقول الحافظ ابن حجر – – في «فتح الباري»([316]): «وقد قال ابن الصباغ في الكلام على مانعي الزكاة: وإنما قاتلهم أبو بكر على منع الزكاة، ولم يَقُلْ: إنهم كَفَروا بذلك، وإنما لم يَكْفُروا؛ لأن الإجماع لم يَكُن استقر، قال: ونحن الآن نُكَفِّر من جحدها، قال: وكذلك ما نُقِلَ عن ابن مسعود في المعوذتين، يعني أنه لم يَثْبُتُ عنده القَطْعُ بذلك، ثم حَصَلَ الاتفاقُ بعد ذلك». اهـ

* وقد قال شيخ الإسلام — كما في «مجموع الفتاوى»([317]): «ولكن لما طال الزمان؛ خَفِيَ علي كثيرٍ من الناس ما كان ظاهرا لهم، ودقَّ على كثيرٍ من الناس ما كان جليًّا لهم، فكَثُر في المتأخرين مخالفةُ الكتاب والسنة مالم يكن كذلك في السلف، وإن كانوا مع ذلك مجتهدين معذورين، يغفر الله لهم، ويُثيبهم على اجتهادهم…؛ لأن السلف وجدوا من يعينهم على ذلك، أما هؤلاء المتأخرون فلم يجدوا من يعينهم». اهـ

* وقال أيضًا — في «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية»([318]): «إنَّ الأمكِنةَ والأزمِنةَ التي تَفتُرُ فيها النُّبوَّةُ؛ لا يكونُ حُكمُ مَن خَفِيَت عليه آثارُ النبُوَّةِ حتى أنكر ما جاءتْ به خطأً، كما يكونُ حُكمُه في الأمكِنةِ والأزمِنةِ التي ظهَرَت فيها آثارُ النبوَّةِ». اهـ

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية — أيضًا، كما في «مجموع الفتاوى»([319]): «فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل-يعني العقيدة-، واتفقوا على عدم التكفير بذلك، مثلما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد رَبَّهُ، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتالِ بعضٍ، ولَعْنِ بعضٍ، وإطلاق تكفير بعضٍ أقوالٌ معروفةٌ، وكان القاضي شُرَيْح يُنْكِر قراءة من قرأ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾، ويقول: إن الله لا يَعْجَبُ!!!». اهـ

ومما يدلّ على مراعاة علمائنا المذهب السائد في البلد في إعذار -أي في تخفيف النكير على- من وقع من أهل السنة في بدعة أهل بلده:

أن الإمام أحمد – – وغيره كانوا يعذرون من كان في الأصل سنيًّا من أهل البصرة على قولهم بالقَدَر؛ لأن بعض علمائهم البصريين قالوا بتلك البدعة، ولكثرة القدرية في بلدهم، وقلَّة أهل الآثار فيهم؛ لم يستطيعوا هجْرهم، فَعُذْرُهُم أن هذا ما نشأوا عليه، ورفض أهلُ الحديث تبديعَهُم، بل كان الإمام أحمد يُعَظِّمهم، ولا يُخْرِجهم من أهل السنة في الجملة (على الرغم من أنَّ إنكار القدر ليس بالأمر الهيِّن!).

ولما سمع الامام أحمد أن أحد القضاة من أهل السنة أراد أن يُضَيِّقَ على القدرية في البصرة؛ تَدَخَّلَ الإمام أحمد بنفسه هو وأصحابه، وأفهموه أن المكان الذي نشأوا فيه أَثَّر عليهم.

* قال عبد الله بن أحمد: «سمعت محمد بن يحيى بن سعيد القطان. قال: لما وَلِيَ معاذُ بن معاذ قضاءَ البصرة؛ أَبَى أن يُجيز شهادةَ القدرية , قال: فَكَلَّمَهُ أَبِي، وخالدُ بنُ الحارث , وقالا له: قد عَرَفْتَ أَهْلَ هذا المَصْرِ , قال: فكأنه تَسَاهَل بَعْدُ»([320]).

فظهر من هذا أن أئمة السنة كانوا يراعون أحوال أهل البلد التي انتشر فيها قولُ غير أهل السنة، وتأثير البيئة عليهم، والضرر الناتج عن التشديد في معاملتهم، كإسقاط شهاداتهم مما يُفضي إلى ضياع الحقوق، وكان أهل السنة يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لتجويزهم الكذب لصالح أصحابهم ومذهبهم، والله تعالى أعلم.

(تنبيه وخاتمة):

هذا، وقد بَسَطتُ القول هنا في مسألة العذر بالجهل والتأويل والتقليد؛ لكثرة التنازع فيها بين طلاب العلم في هذا الزمان، وإلا فهذه المسألة تحتاج إلى بَسْطٍ أَكْبَرَ من هذا، يُتناول فيه أدلة كُلِّ فريقٍ، وتُوضَعُ على بِسَاطِ البحْثِ العلمي، وهذا ما فَعَلْتُه في كتابي: «المسلك السهل في العذر بالجهل» وإنما أردتُ في هذه العجالة أن أوضح أن هناك عددًا كبيرًا من أهل العلم قالوا بعذر من سبق ذكره، والله أعلم.

هذا، وبعد أن توَسَّعْتُ هنا إلى حدٍّ كبير في الكلام على شرط العلم وما يقابله من مانع الجهل والتأويل والتقليد والخطأ؛ أَعُود إلى تتمة الكلام على بقية الشروط والموانع، فأقول -وبالله التوفيق-:

4- الشرطُ الرابعُ من شروط التكفير أو التفسيق: قَصْدُ الفِعْلِ أو القَوْلِ أو الاعتقادِ المُكَفِّر، بعد علمه بتحريمه شرعًا وإن لم يُقرَّ المرءُ أن حُكْمَهُ الكُفر؛ لأنه لا يُشترط في التكفير أن يَقْصُد الكافر فِعْلَ الكفر فيما يراه هو ويعتقده؛ فإن أكثر الكفار قديمًا وحديثًا ليسوا كذلك، إنما يَكْفي أن يَقْصُد المرءُ فِعْلَ الأمْر المُحَرَّم الذي عَلِمَ تحريمه في الشريعة، وأن الله قد نهى عنه؛ لأننا لو اشترطنا إقراره بأنه يقصد بفعله الكُفْرَ، أو يقصد بفعله أن يكون كافرًا خارجًا من الإسلام؛ لَمَا حَكَمْنَا بكُفْر الكفار الين كانوا يحاربون رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والوثنيين، ولا اليهود والنصارى؛ فإن أكثرهم كَفَر بمحمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو يَظُنُّ أنه يُحْسِن صُنْعًا، قال تعالى: [ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ] {الكهف:103-105} وقال تعالى: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ] {الأعراف:30}، وقال -جلَّ وعلا- في فريق من الكفار: [ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ] {الغاشية: 2 – 4}، فمن قَصَدَ الفِعْلَ المُكَفِّر -وإن لم يعلم أنه كُفْر- لكن عَلِمَ بأنه مَنْهِيٌّ عنه، وأن الله قد حَرَّمَهُ؛ فقد توافر فيه شَرْطُ القَصْد، ثم إذا ظهر أنه جاهل؛ فيُعَلَّم، فإن أَصَرَّ؛ كَفَرَ بهذا، ويُنْظَر من أجل تنزيل الحكم عليه في بقية الشروط والموانع من إكراه أو إغلاق …الخ، أي أنه إذا بَلَغَهُ حُكْمُ الله فيما أَتَى به من قولٍ أو فِعْلٍ، وأنه كُفْر مُخْرِجٌ من الإسلام، فلا يُشترط لتكفيره أن يُسلِّم لمن يقيم عليه الحجة بأنه يكون به كافرًا لو خالف هذه الأدلة، شريطةَ ألا يكون المحكومُ عليه عالمًا مجتهدًا متأولًا؛ لاحتمال أنه اجْتَهَدَ، ورَأَى مِنْ حُكْم الله في هذه المسألة خلافَ ما يرى العالمُ الذي يقيم عليه الحجة – وهذا لا يكون في المسائل المجْمَع عليها- وكذا المقلِّد تقليدا يُعذر فيه، كالعاميّ الذي يثق في عالم -لا عن تعصب وهوى- ويعتقد أنه أَعْلَمُ بدين الله وأحكامه من هذا العالم الذي يقيم عليه الحجة.

والخلاصة: أنه لا يُشترط أن يقول من أقيمتْ عليه الحجةُ: نعم أنا أَفْعَلُ الكفر، وأنا راضٍ به، وانْشَرَحَ صَدْرِي له، وسَأَسْتَمِرُّ على ذلك، إنما يُشترط أن يُبَلَّغ حُكْمَ الله -جل شأنه- ممن يَصِحُّ أن تقوم به الحجة، وأن يُخْبرَ أن ما هو عليه كُفْرٌ أكبر, ولم تَبْقَ له شُبْهَةٌ عالقةٌ في ذهنه، أو شيء يَدْفَع به هذه الأدلةَ، فإن أَصَرَّ وعاند؛ كَفَرَ، بعد مراعاة بقية الشروط والموانع، والله أعلم.

والقصد: منه عامٌّ وخاصٌّ:

والعامُّ المراد بالشرط في هذا المقام: هو تحقُّقُ أو وجودُ الإرادةِ الجازمة لتحقيقِ أو إيجادِ الفِعْلِ على وَجْهِ الرِّضَا والاخْتِيَار, بحيث يكون الإنسان مُخَيَّرًا بين أن يَفْعَلَ الفعل أَوْلا يفعله, وهذا هو مناطُ التكليف، فما كان في النفس مِنْ نِيَّةٍ قبل العمل؛ فهو عَزْم، وما قارَنَ العملَ من نية؛ فهو قَصْدٌ.

وأما القَصْدُ الخاصُّ: وهو إرادةُ فِعْلِ الكُفْرِ أو الفِسْقِ أو البدعة، مع العلم بحُكْم ذلك قبل الفعل أو القول, فقد سبق أن هذا ليس شرطًا في التكفير, بل يكْفِي في التكفير القَصْدُ العامُّ.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «وبالجملة: فمن قالَ أو فَعَلَ ما هو كُفْر كَفَر بذلك، وإن لم يَقْصُد أن يكون كافرًا، إذْ لا يَقْصُد الكُفْرَ أحدٌ إلا ما شاء الله»([321]). اهـ.

* وقال — أيضًا في مَعْرِضِ حديثه عن قوله تعالى: «[ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ] {التوبة:65}، فَاعْتَرَفُوا وَاعْتَذَرُوا؛ وَلِهَذَا قِيلَ: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ] {التوبة:66}:

فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ قَدْ أَتَوْا كُفْرًا، بَلْ ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكُفْرِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُفْرٌ يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ بَعْدَ إيمَانِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ إيمَانٌ ضَعِيفٌ، فَفَعَلُوا هَذَا الْمُحَرَّمَ الَّذِي عَرَفُوا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَظُنُّوهُ كُفْرًا، وَكَانَ كُفْرًا كَفَرُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا جَوَازَهُ»([322]). اهـ.

* وقالأيضًا: «ولهذا قال سبحانه وتعالى: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ] {التوبة:66}، ولم يَقُلْ: قد كَذَبْتُم في قولكم: إنما كُنا نخوض ونلعب، فلم يُكَذِّبْهم في هذا العُذْر، كما كَذَّبَهُم في سائر ما أَظْهَرُوه من العُذْر الذي يُوجِب براءتَهم من الكُفر لو كانوا صادقين، بل بَيَّنَ أنهم كَفَروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب»([323]). اهـ.

* وقال شيخ الإسلام — في «الصارم المسلول»([324]): «إنَّ سَبَّ الله وسَبَّ رسوله كُفْرٌ ظاهِرًا وباطِنًا، سواء كان السابُّ يعتقد أن ذلك مُحَرَّمٌ، أو كان مُسْتَحِلًّا، أو كان ذاهِلًا عن اعتقاده، هذا مذهبُ الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل».

* وقال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز كما في «مجموع فتاواه»([325]) في معرض التعليق على قول الطحاوي: (ولا يَخْرُجُ العَبْدُ من الإيمان إلا بجُحُود ما أَدْخَلَه فيه): «هذا الحَصْرُ فيه نَظَرٌ؛ فإن الكافر يَدْخُل في الإسلام بالشهادتين، إذا كان لا يَنْطِقُ بهما، فإن كان يَنْطِقُ بهما؛ دَخَل الإسلامَ بالتوبة مما أوجب كُفْرَه، وقد يَخْرُج من الإسلام بغير الجحود؛ لأسباب كثيرة، بَيَّنَها أهلُ العلم في باب حُكْم المُرْتَدِّ، من ذلك: طَعْنُهُ في الإسلام، أو في النبي، أو استهزاؤه بالله ورسوله، أو بكتابه، أو بشيء من شَرْعِهِ -سبحانه-؛ لقوله سبحانه: [ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {التوبة: 65، 66}, من ذلك عبادتُهُ للأصنام أو الأوثان، أو دعوتُهُ الأموات، والاستغاثَةُ بهم، وطَلَبُهُ منهم المَدَدَ والعَوْنَ، ونَحْوَ ذلك؛ لأن هذا يناقض قولَ لا إله إلا الله؛ لأنها تَدُلَّ على أن العبادة حق لله وحده، ومنها الدعاء والاستغاثة، والركوع والسجود، والذبح والنذر، ونحو ذلك، فمن صَرَفَ منها شيئا لغير الله من الأصنام والأوثان، والملائكة، والجن، وأصحاب القبور، وغيرهم من المخلوقين؛ فقد أَشْرَكَ بالله، ولم يُحَقِّقْ قولَ لا إله إلا الله، وهذه المسائلُ كُلُّها تُخْرِجُهُ من الإسلام بإجماع أهل العلم، وهي لَيْسَتْ من مسائل الجحود، وأَدِلَّتُهَا معلومةٌ من الكتاب والسنة، وهناك مسائلُ أُخْرَى كثيرةٌ يَكْفُر بها المسلمُ، وهي لا تُسَمَّى جُحُودا، وقد ذكرها العلماء في باب حُكْمِ المُرْتَدِّ، فراجِعْهَا إنْ شِئْتَ، وبالله التوفيق».

هذا، والقَصْد يقابله الخطأ والنسيان, وسبق أن قولهم: قَصَد الشيء، أي نواه وعزم عليه، وعَناه وأراده، وقَصَدَ المكانَ: توجَّهَ إليه عامدًا، والقَصْدُ: الاعْتِمَاد والأَمُّ، والقَصْدُ لا يكون إلا إذا كانت الإرادةُ جازمةً مقارِنَةً لِفِعْلِ المقصود، أو قريبةً من المُقَارَنَةِ، وهذا أَرْفَعُ من العَزْمِ، الذي قد يكون على فِعْلٍ في المستقبل، وقد يَضْعُفُ، أو يُحَوِّلُ([326]).

ويقابله: الخطأ، وهو لغةً: ضِدُّ الصواب، وضِدُّ التعمّد، وأخطأ الطريق: عَدَل عنه، وأخطأ الرامي الغرضَ: لم يُصِبْهُ([327]).

واصطلاحًا: هو ما ليس للإنسان فيه قَصْدٌ، وقال الآمدي: المُخْطِئُ: من أراد الصوابَ؛ فصَارَ إلى غيره، والخاطئ: مَنْ تَعَمَّدَ لما لا ينبغي، وقال في «التلويح»: هو فِعْلٌ يَصْدُر من الإنسان بلا قَصْدٍ إليه، عن مباشرة أَمْرٍ مقصودٍ سواه، وعَرَّفَهُ الراغبُ بأمور، منها: أن يريد ما يَحْسُن فِعْلُه، لكن يَقَعُ عنه بخلاف ما يُرِيد، فأصاب في الإرادة، وأخطأ في الفعل([328]).

ويَشْمَلُ في هذا الموضع التأويلَ الخاطئَ، وسَبْقَ اللسان، والنسيانَ.

وأما النّسْيان لغة: «فهو ضِدُّ الذِّكْر والحِفْظِ، يقال: نَسِيَهُ نِسيانا ونساوة، ونَسْيا ونِسْيا ونِسْوة، ويأْتي بمعنى التَّرْك، ومنه قولُه تعالى: [ﯓ ﯔ ﯕ] {التوبة:67} أي تَرَكُوا أَمْرَ الله فَتَرَكَهم، وأَعْرَضَ عنهم، ورَجُلُ نَسْيان ونَسِيٌّ: كثير النِّسْيان، والنسيان يُطلق على من تَرْكِ الشيء ذُهولا وغَفْلة، وعلى مَنْ تَرَكَهُ مُتَعَمِّدًا، ومنه قوله تعالى: [ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ] {البقرة:237} أي لا تَقْصُدوا التَّرْكَ والإِهْمَاَل»([329]).

والنسيان اصطلاحًا: قال الراغب: «هو تَرْكُ الإنسان ضَبْطَ ما استُودِعَ: إما لِضَعْفِ قَلْبِه، أو عن غفلة، وإما عن قَصْدٍ، حتى يَنْحَذِفَ عن القلبِ ذِكْرُهُ، وعرّفه ابن نجيم: بأنه عَدَمُ تَذَكُّرِ الشيء وَقْتَ حاجته إليه، وعرّفه بعضُهم بعزوب الشيء عن النفس بعد حضوره، وقال بعضهم: غَيْبَةُ الشيء عن القلب، بحيث يحتاج إلى تحصيلٍ جديدٍ، وعرّفه الأطباء: بنقصان، أو بطلان لقوة الذكاء»([330]).

والخطأ: قد يكون لِسَبْق اللسان، كما في حديث: «أخطأ من شدَّة الفرح»، وقد يكون عن تأويل المجتهد، ولذلك يدخل فيه التأويل عند من أخطأ من أهل الاجتهاد والصلاح في هذه الأمة، وكلاهما مانع من موانع التكفير، أو التفسيق، أو التبديع, ولهذا أدلة كثيرة, منها:

أ- قوله تعالى: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ] {الأحزاب:5} .

وقوله سبحانه وتعالى: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}، وعند مسلم([331]): أن الله — قال في الحديث القدسي: «قد فَعَلْتُ».

ب- وحديث: «إن الله وَضَعَ عن أمتي الخطأَ، والنسيانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه»([332]).

جـ- وقصة: الرجل الذي وجد راحلته بعد ما ضلَّتْ عليه, وقد أَيْقَنَ بالهلكة, فقال: «اللهم أنت عَبْدِي, وأنا رَبُّكَ» أخطأ من شدة الفرح([333]) وهذه مقالةُ كُفْرٍ صريحةٌ لو عَقَد بها قَلْبَه، لولا شِدَّةُ الفَرَح، التي جَعَلَتْهُ يَنْطِقُ بالكلام مَقْلوبًا، وفي مثل هذه الكلمات اليسيرة يُحْتَمَلُ الخطأُ والإبدالُ، بخلاف الذي أَوْصَى بنيه بِحَرْقِهِ، فإنه أتى بقصة أو وصية طويلةٍ مُحْكَمَةٍ، مع ذِكْر أسباب هذه الوصية لبنيه، وقد عَلِمَ أبناؤه من حالِهِ أنه يوصيهم وهو عاقِلٌ مُدْرِكٌ لما يقول، ولذلك نفَّذوا وَصِيَّتَهُ على قَسْوَتها على نفوس الأبناء تُجَاهَ الآباء، لاسيما بعد الموت، فأين شدة الفرح هنا من شدة الخوف هناك؟!

* قال القاضي عياض كما في «فتح الباري»([334]): «فيه أنّ ما قاله الإنسانُ مِنْ مِثْلِ هذا في حال دَهْشَتِهِ وذُهُولِهِ لا يؤاخذ به .. ويدل على ذلك حكاية النبيّ – صلى الله عليه وسلم – ذلك، ولو كان مُنْكَرًا ما حكاه».

* وقال الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين»([335]): «وقد تقدَّم أن الذي قال لما وجد راحلته: «اللهم أنت عبدي وأنا رَبُّكَ، أَخْطَأَ من شدّة الفرح» لم يَكْفر بذلك، وإن أتى بصريح الكفر؛ لكونه لم يُرِدْهُ».

* وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»([336]) في سياق حديثه عن الذي أَمَرَ بِحَرْقِ جَسَدِهِ بعد موته: «ولعلّ هذا الرجلَ قال ذلك من شدّة جَزَعِهِ وخَوْفِهِ، كما غَلِطَ ذلك الآخَرُ، فقال: «أنت عبدي وأنا ربّك …» وأظهر الأقوال: أنّه قال ذلك في حال دَهْشَتِه وغَلَبة الخوف عليه، حتّى ذهب بِعَقْلِهِ لما يقول, ولم يَقُلْهُ قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذّاهل والنّاسي، الذي لا يؤاخَذُ بما يَصْدُر منه» قلت: سبق أن الذي أوصى بحرق نفسه لم يكن في حالة الذهول والنسيان، إنما كان جاهلًا، وهذا خلاف ما اسْتَظْهَرَهُ الحافظ –، والله أعلم.

والخطأُ: ضِدُّ الصواب, والمخطئ: من أراد الصواب فصار إلى غيره, أو من أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل.

والمقصود بالخطأ الذي يُعذر به صاحبه في هذا المقام: هو ما صدر من باحِثٍ عن الحق، مجتهدٍ في الوصول إليه, إلا أنه لم يُوفَّق للصواب, أو من قلَّد عالمًا قد اعتقد أنه أَوْلَى بالتقليد من غيره، لا عن هوى، ولا عصبية، وهذا يشار إليه بقول بعض العلماء: «المقلد تقليدًا يُعْذر به» أو «المقلِّد تقليدًا سائغًا» كل هذا بخلاف المخطئ بتفريطه, وتَعَدِّيه حدودَ الله, وسلوكِهِ السبيلَ التي يُنْهَى عنها, فهذا هو الظالم لنفسه, وهو من أهل الوعيد, قاله شيخ الإسلام ابن تيمية — كما سبق([337]).

والمقصود بالإعذار في الخطأ والنسيان -المنافييْن للقَصْد-: رَفْعُ الإثم والحرج, لا رَفْعَ الحُكْم مطلقا, كما لو قَتَلَ مؤمنًا خَطَأً, أو أَتْلَفَ مالَ غيره؛ فالإثْمُ مُتَرَتِّبٌ على المقاصد والنيات, والناسي والمخطئ لا قَصْد لهما, فلا إِثْمَ عليهما, وأما رفْع الأحكام في مثل ما ذُكِر؛ فليس مرادًا, وبعض الأحكام تحتاج في ثبوتها أو نفيها إلى دليل آخر, قاله الحافظ ابن رجب
–([338]).

ومراده –: أن هناك مواضعَ يرتفع فيها الإثْمُ ويَبقَى الحُكْم، كفَرْضِ الدية والكفارة أو الصيام على من قَتَلَ مؤمنًا خَطَأً، وهناك مواضعُ يرتفع فيها الإثمُ والحكمُ، كمن قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك» أخطأ من شدة الفرح، ومما سبق يتضح أن من قصد بتأويله أو تقليده الحقَّ، وأخطأ فيه، بعد سلوكه المسلكَ الذي يستطيعه علمًا وعملًا؛ فهو ممن يرتفع في حَقِّه الإثْمُ والحكمُ، بل قد يكون مأجورًا أجرًا واحدًا، كما في مجتهدي الأمة، وأهل العلم والقصد الحسن، والله أعلم.

والخطأ في حق العلماء المجتهدين, أو طلاب العلم المؤهَّلين يكون عن تأويل في الاجتهاد, فخرج من باب الخطأ في التأويل: العامةُ وأشباهُهُم من المتجرئين غير المؤهَّلين، وقد يكون العذر للعامي الذي قَلَّد تقليدًا يُعذر فيه، ومعنى «يُعذر فيه»: كمن قَلَّدَ عالمًا، وقد ظَنَّ أنه أَحَقُّ من غيره من العلماء بالتقليد؛ لمزيد نَقَاوَة عِلْمِهِ وورعه وتقواه في ظنّ العاميّ، لا عن هوى وعصبية -وإلا كان آثما- فإذا أخطأ العالم الذي استفتاه هذا العامِّيُ باحِثًا عن الحق -لا باحثا عن الفتوى التي توافق هواه- وتَبِعَهُ العاميُّ على قوله؛ فهذا التقليد الذي يُعْذَر به، وإذا عذرنا العالمَ مع عِلْمِهِ وفَهْمِهِ إذا أخطأ لِحُسْن مَقْصَدِهِ؛ فمن باب أَوْلَى أن نَعْذُر العاجِزَ عن طلب العلم وفَهْم الأدلة، مع حُسْن مَقْصَدِهِ أيضًا، والله أعلم.

والخطأ في التأويل منه مذمومٌ يَأْثَمُ به صاحِبُه, وهو ما يُفضي إلى تعطيل أحكام الشريعة, فإنه من أكبر أصول الضلال والانحراف, حيث كان ذريعة لغلاة الجهمية([339])، والباطنية([340])، والرافضة([341])، والصوفية الحلولية، والاتحادية([342]) في تأويل التكاليف الشرعية على غير حقيقتها, أو إسقاطها, أو الإلحاد في أسماء الله وصفاته بنفْي جميعها أو أكثرها.

ومن التأويل ما يكون من قبيل الخطأ, وتكون المخالفة دون قصد, ويكون سببها الجهل بحقيقة المراد من الأدلة.

والتأويل السائغ: الذي يَسَعُ الخلافُ فيه المختلفين -دون ولاء أو براء- وإنْ أَصَرَّ المخالفُ على قوله؛ وهو ما كان من جنس التأويلات التي لها تعلق بالأدلة الشرعية، واللغة العربية، والتي تتعلق بالفروع العلمية والعملية, وليس فيه مخالفة بيِّنة للنص المحكم، أو الإجماع المتيقن، وقد قال الحافظ ابن حجر –: «يقول العلماء: كل مُتَأَوِّلٌ معذورٌ بتأويله, ليس بآثم: إذا كان تأويله سائغًا في لغة العرب, وكان له وَجْهٌ في العِلْمِ». اهـ([343]).

أما إذا كان تأويله يخالف نصًّا أو إجماعًا، سواء في المسائل العلمية -وهي العقائد والغيبيات- أو المسائل العملية -وهي الأحكام الفقهية- فَيُعْذَر حتى تُقَام عليه الحجة، فإذا أَصرّ على خطئه؛ فلا يَسَعُه الخلافُ، ويُعَامَل بما يستحق أمثاله من معاملة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «إن المُتَأَوِّلَ الذي قَصَدَ مُتَابَعَةَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يُكَفَّر, بل ولا يُفَسَّق إذ اجْتَهَدَ فأخطأ, وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية, أما مسائل العقائد فأكثر الناس كَفَّر المخطئين فيها, وهذا القولُ لا يُعْرف عن أَحَدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان, ولا عن أحد من أئمة المسلمين, وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع». اهـ([344]).

ومن الأدلة على أن الخطأ في التأويل مانع وعذر لمن قصد متابعة الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا مَنْ قصد إفساد الدين وتدميره ما يلي:

أ- حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ فأصاب؛ فله أَجْرَانِ, وإذا اجْتَهَدَ فأخطأ؛ فله أجر»([345]) وهذا الحديث عام في كل مجتهدٍ أَخْطَأَ في اجتهاده الذي يُراد به نُصْرَةُ الدين، وسواء كان ذلك في المسائل العملية، أي مسائل الأحكام، أو كان ذلك في المسائل العلمية، أي مسائل العقيدة.

ب- خَطَأُ قدامة بين مظعون -رضي الله عنه- في استباحته شُرْب الخمر –ومعلوم أن استحلال المحرم المجمع عليه كُفْر بذاته- وقد فَعَلَ ذلك متأولًا قولَه تعالى: [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ] {المائدة:93} فدفَع عمر حُكْم الكفر عنه لتأويله, وأقام عليه الحَدَّ لِشُرْب الخمر([346])، وذلك بعد استشارته -رضي الله عنه- من حضره من الصحابة، ولم يُنْكِرُه أحد؛ فكان في معنى الإجماع، والله أعلم.

جـ- فتوى ابن عباس -رضي الله عنهما-: «إنما الربا في النسيئة» وأجاز بذلك بَيْعَ الصاعَيْنِ بالصَّاع؛ لحصْرِه الربا في النسيئة، فأباح بعض صُوَرِ الربا المُحَرَّم عن تأويل، وإن كان قد رجع عن ذلك –رضي الله عنهما-([347]).

د- عدم تكفير الأئمة وجماهير السلف لأهل الأهواء جملةً, رغم ما ينتحلونه من عقائد تصادم أصول الدين وقواعده, وذلك للتأويل الذي زاغوا بسببه.

* فقد قال قوام السنة في «الحجة في بيان المحجة»([348]): «المتأول إذا أخطأ، وكان من أهل عَقْد الإيمان؛ نُظِرَ في تأويله: فإن كان قد تَعَلَّق بأَمْرٍ يُفْضِي به إلى خلاف بعض كتاب الله، أو سُنَّةٍ يُقْطَع بها العُذْر، أو إجماعٍ؛ فإنه يَكْفر ولا يُعْذر؛ لأن الشبهة التي يَتَعَلَّق بها من هذا ضعيفةٌ لا تقْوى قوةً يُعْذر بها؛ لأن ما شَهِدَ له أَصْلٌ من هذه الأصول؛ فإنه في غاية الوضوح والبيان، فلما كان صاحب هذه المقالة لا يَصْعُبُ عليه دَرْكُ الحقِّ، ولا يَغْمُضُ عنده بعضُ مواضع الحجة؛ لم يُعْذر في الذَّهاب عن الحق، بل عَمِلَ خلافَهُ في ذلك، على أنه عنادٌ وإصرَارٌ، ومن تَعَمَّدَ خلافَ أصلٍ من هذه الأصول، وكان جاهلًا، لم يَقْصُد إليه من طريق العناد؛ فإنه لا يَكْفُر؛ لأنه لم يَقْصُد اختيارَ الكُفْر، ولا رضي به، وقد بلغ جَهْدَه، فلم يقع له غير ذلك، وقد أعلم الله سبحانه أنه لا يؤاخذ إلا بعد البيان، ولا يعاقب إلا بعد الإنذار، فقال تعالى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {التوبة:115}. فَكُلُّ من هداه الله — ودَخَلَ في عَقْد الإسلام؛ فإنه لا يَخْرُجُ إلى الكفر إلا بعد البيان».. اهـ

قلت: قوله «لأنه لم يَقْصُدْ اختيارَ الكُفر، ولا رَضِيَ به» معناه: لأنه لم يَقْصُد اختيارَ الطريق الذي يُفْضي به إلى الكفر، كما ذكر ذلك في أول كلامه، وليس المراد: أنه اختار الكُفر دون الإيمان في اعتقاده؛ فإن أكثر الكفار ليسوا كذلك.

* وقال ابن حزم في «الدرة»([349]): «وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي، أو سائر الملل، أو الباطنية القائلين بإلهية إنسان من الناس، أو بنبوّة أحد من الناس، بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا يُعْذَرون بتأويل أصلًا، بل هم كفار مشركون على كل حال». اهـ

* وقال الغزالي في «فيصل التفرقة»([350]): «ولابد من التنبيه على قاعدة: وهو أن المخالف قد يخالف نصًّا متواترًا، ويزعم أنه مُؤَوَّلٌ، مثاله: ما في كلام بعض الباطنية: أن الله تعالى «واحد» بمعنى أنه يعطي الوَحْدَة ويَخْلُقُها، و«عالم» بمعنى أنه يُعْطِى العِلْم لغيره ويَخْلُقه، و«موجود» بمعنى أنه يُوجِدُ غيَره، وأما أن يكون واحدًا في نفسه، وموجودًا، وعالمًا على معنى اتصافه فلا، وهذا كُفْرٌ صُرَاحٌ؛ لأن حَمْلَ الوَحْدَة على اتحاد الوَحْدَة ليس من التأويل في شيء، ولا تحتمله لغةُ العرب أصلًا … فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عُبِّر عنها بالتأويلات». اهـ

* وقال ابن الوزيرفي «إيثار الحق على الخلق»([351]): «لا خلاف في كُفْر من جَحَدَ ذلك المعلومَ بالضرورة للجميع، وتَسَتَّر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويلُه، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأُخْرَوِي من البعث والقيامة والجنة والنار». اهـ

* وقال السعديفي «الإرشاد في معرفة الأحكام»([352]): «إن المتأولين من أهل القبلة الذين ضَلُّوا وأخطأوا في فَهْمِ ما جاء في الكتاب والسنة، مع إيمانهم بالرسول، واعتقادِهِم صِدْقَهُ في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقًا، والتزموا ذلك، لكنهم أخطأوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية؛ فهؤلاء قد دَلَّ الكتاب والسنة على عَدَمِ خُروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأَجْمَعَ الصحابةُ -رضي الله عنهم- والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك».

* وقال — أيضًا في «الإرشاد في معرفة الأحكام»([353]): «والمقصود: أنه لا بد من هذا المَلْحَظِ في هذا المقام؛ لأنه وُجِد بعضُ التفاصيل التي كَفَّر أَهْلُ العلم فيها من اتصف بها، وثَمَّ أُخَرُ من جِنْسِها لم يُكَفِّروه بها، والفَرْقُ بين الأمرين: أن التي جَزَمُوا بكُفْره بها لِعَدَمِ التأويلِ المَسُوغ، وعَدَمِ الشبهة المُقِيمَةِ لبعض العُذْر، والتي فَصَّلوا فيها القولَ؛ لكثرة التأويلات الواقعة فيها».

* وقال — أيضًا في «الإرشاد في معرفة الأحكام»([354]): «هؤلاء المبتدعة المخالفون لما ثَبَتَتْ به النصوصُ الصريحةُ والصحيحةُ، أنهم في هذا الباب أنواع، من كان منهم عارفًا بأن بدعته مخالفةٌ للكتاب والسنة، فَتَبِعَهَا، ونَبَذَ الكتابَ والسنةَ وراء ظَهْرِهِ، وشَاقَّ الله ورسوله من بعد ما تَبَيَّن له الحقُّ؛ فهذا لا شك في تكفيره، ومن كان منهم راضيًا ببدعته، مُعْرِضًا عن طَلَبِ الأدلة الشرعية، وطَلَبِ ما يجب عليه من العلم الفارق بين الحق والباطل ناصرًا لها، رادًّا ما جاء به الكتاب والسنة مع جَهْلِهِ وضلاله، واعتقاده أنه على الحق؛ فهذا ظالم فاسق بحسب تَرْكِهِ ما أَوْجَبَ الله عليه، وتَجَرُّئه على ما حَرَّمَ الله تعالى، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من هو حريص على اتباع الحق، واجتهد في ذلك، ولم يتيسر له من يبين له ذلك، فأقام على ما هو عليه، ظانًا أنه صواب من القول، غير متجرئ على أهل الحق بقوله، ولا فعله؛ فهذا ربما كان مغفورًا له خطؤه، والله أعلم». اهـ

5- الشرطُ الخامسُ: من شروط التكفير: القدرَةُ، ويقابِلُهَا العَجْزُ، والقدرةُ هي الاستطاعة، والقوة، والوسع، والطاقة([355])، والقدرة: هي الصفة التي تُمَكِّنُ الحَيَّ من الفِعْل وتَرْكِهِ بالإرادة([356]والعجزُ هو ذهاب القدرة، والضعف، والقصور عن فعل الشيء([357])، وليس محصورًا في عَدَمِ الْإِمْكَانِ فَقَطْ، بل في معناه خوف الهلاك، وزيادة المرض، ولحوق المشقة الشديدة([358]).

ولا شك أن مناط التكليف الاستطاعة، فقد قال -تعالى ذِكْرُه-: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ] {التوبة:115}، وقال -سبحانه وتعالى-: [ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {البقرة:286} أي ما جعل عليكم في الدين من ضِيقٍ، والتكليفُ مع العجز ضِيقٌ وأيُّ ضِيقٍ!! وقال –: [ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ] {الطلاق:7}، ويقول –: [ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ] {النساء:98، 99} وقوله -تعالى ذِكْرُه-: [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ] {التغابن:16}.

وهذا النجاشي — قد عَجَزَ عن الهجرة إلى الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وفاتته أحكام كثيرة، لم يعلم بها بسبب عدم قدرته على الهجرة، ومع ذلك أثنى عليه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وصلى عليه صلاة الغائب([359])، فالإكراه أو العجز كلاهما مانع من موانع التكفير والتفسيق وغيرهما.

وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية — في حق النجاشي، فقد قال –: «وكذلك الكفار مَنْ بَلَغَتْهُ دعوةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في دار الكفر، وعَلِمَ أنه رسول الله؛ فآمن به، وآمن بما أُنْزِل عليه، واتقى الله ما استطاع، كما فَعَلَ النجاشيُّ وغيره، ولم يُمْكِنْهُ الهجرةُ إلى دار الإسلام، ولا التزامُ جميع شرائع الإسلام، لكونه ممنوعا من الهجرة، وممنوعا من إظهار دينه، وليس عنده من يُعَلِّمه جميعَ شرائع الإسلام؛ فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق — مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارا، ولم يكن يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام، فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ] {غافر:34} وكذلك النجاشي -هو وإن كان مَلِكَ النصارى- فلم يُطِعْهُ قومُهُ في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يُصَلِّي عليه، فصلى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المُصَلَّى، فصفَّهم صفوفا، وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: «إن أَخًا لكم صالحا من أهل الحبشة مات» وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها؛ لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل قد رُوِيَ أنه لم يكن يُصَلِّي الصلواتِ الخمسَ، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية([360])؛ لأن ذلك كان يَظْهَر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعا أنه لم يَكُنْ يُمْكِنُه أن يَحْكُم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يَحْكُم بينهم إلا بما أنزل الله إليه، وحَذَّره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، وهذا مِثْلُ الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم، وفي الديات بالعدل، والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، النفسِ بالنفسِ، والعينِ بالعينِ، وغير ذلك، والنجاشي ما كان يمكنه أن يَحْكُم بحكم القرآن؛ فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل وإماما، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عُودِيَ وأُوذِيَ على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك، فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يَحْكُمُون بالأحكام التي يُمْكِنُهم الحُكْمُ بها، ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب، قال تعالى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ] {آل عمران:199} وهذه الآية قد قالت طائفة من السلف: إنها نزلت في النجاشي، ويُرْوَى هذا عن جابر وابن عباس وأنس، ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه، كما قال الحسن وقتادة، وهذا مراد الصحابة، لكن هو المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع لم يُرَدْ بها واحد»([361]). اهـ.

6- الشرطُ السادسُ من شروط التكفير: الاختيار، ويقابِلُهُ الإِكْرَاهُ: وهو حَمْلُ الغير قهرًا على ما ينافي رضاه واختياره, أو إلزام الغير بما لا يريده.

وللإكراه شروط حتى يكون مانعًا:

أ- أن يكون المكرِه -بكسر الراء- قادرًا على إنفاذ وعيده.

ب- أن يكون المكرَه – بفتح الراء- عاجزًا عن دفع الضرر عن نفسه, ولو بالفرار.

جـ- أن يَغْلِبَ على ظن المكرَه -بفتح الراء- وقوعُ ما هُدِّد به.

د- أن يكون الضرر المترتب على عصيان المكرِه -بكسر الراء- كبيرًا: كقتْل, أو قطْع عضو, أو ضرْبٍ شديدٍ, أو حبْسٍ طويلٍ, أو قَطْعِ رِزْقٍ يتضرر بقطعه، بل عند عدد من أهل العلم أنه إذا كان المكرَه -بفتح الراء- من أصحاب المروءات والوجاهة؛ فما كان على وجه يكون إخراقًا بصاحبه -أي وصفًا له بالحمق- وغضًّا له، وشُهْرَةً في حقه؛ فهو كالضرب الكثير في حق غيره…. اهـ([362]).

* وقال السرخسي –: «والحَدُّ في الحَبْسِ الذي هو إِكْرَاهٌ في هذا: ما يجيء منه الاغْتِمَامُ البَيِّنُ، وفي الضرب الذي هو إكراه: ما يجد منه الألم الشديد، وليس في ذلك حَدٌّ لا يُزَاد على ذلك ولا يُنْقَص منه؛ لأن نَصْبَ المقادير بالرأْي لا يكون، ولكن ذلك على قَدْرِ ما يرى الحاكِمُ إذا رُفِعَ ذلك إليه، فما رَأَى أنه إِكْرَاهٌ أَبْطَلَ الإِقْرَارَ به؛ لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس، فالوجيه الذي يَضَعُ الحبسُ من جاهه: تأثير الحَبْسِ والقيد يوما في حَقِّه فوق تأثيرِ حَبْسِ شَهْرٍ في حق غيره، فلهذا لم نُقَدِّر فيه بشيء، وجعلناه موكولًا إلى رَأْيِ القاضي؛ لِيَبْنِيَ ذلك على حال من ابْتُلِيَ به»([363]). اهـ.

ومن الأدلة على أن الإكراه عُذرٌ:

أ- قوله تعالى: [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ] {النحل:106} والمشهور في كتب التفسير أنها نزلت في عمار ابن ياسر والمؤمنين الذين عُذِّبوا في مكة، حتى قالوا كلمة الكفر بألسنتهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان.

* قال ابن العربي في «أحكام القرآن»([364]) عن هذه الآية [ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ]: «وأما الكفر بالله، فذلك جائز له (أي المكرَه) بغير خلافٍ على شَرْطِ أن يَلْفُظَ وقَلْبُهُ مُنْشَرِحٌ بالإيمان، فإن ساعد قَلْبُهُ في الكفر لسانَهُ؛ كان آثمًا كافرًا؛ لأن الإكراه لا سُلْطَانَ له في الباطن، وإنما سلطانُهُ على الظاهر».

* وقال ابن العربي — أيضًا في «أحكام القرآن»([365]): «لما سمح الله تعالى في الكفر به -وهو أَصْلُ الشريعة عند الإكراه- ولم يؤاخِذْ به؛ حَمَلَ العلماءُ عليه فروعَ الشريعة، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخَذْ به».

* وقال ابن الجوزي في «زاد المسير»([366]): «[ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] أي: ساكنٌ إليه راضٍ به، [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {النحل:106}. قال قتادة: (من أتاه بإيثار واختيار)، وقال ابن قتيبة: (من فتح له صدره بالقبول)، وقال أبو عبيدة: (المعنى: من تابَعَتْهُ نَفْسُه، وانْبَسَطَ إلى ذلك، يقال: ما ينشرح صدري بذلك، أي: ما يطيب).

* قال الحافظ ابن كثير — في «تفسيره»([367]) قوله تعالى: [ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {النحل:106}: «فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه مُكْرَهًا، لما ناله من ضَرْبٍ وأَذًى، وقَلْبُهُ يَأْبَى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله».

* وقال ابن بطال -تَبَعًا لابن المنذر -رحمهما الله- كما في «فتح الباري»([368]): «أجمعوا على أن من أُكْرِهَ على الكفر، حتى خَشِيَ على نفسه القتلَ، فَكَفَرَ وقَلْبُهُ مطْمئنٌ بالإيمان؛ أنه لا يُحْكَم عليه بالكفر، ولا تَبِينُ منه زوجَتُهُ».

ب- قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُفِعَ عن أُمَّتِي الخَطَأُ، والنِّسْيَانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه» وقد سبق.([369])

فهذه شروط التكفير التي يجب توافرها, ومقابلها موانع يجب انتفاؤها قبل الحكم على المعين بالتكفير أو التفسيق أو نحوهما.

ومن هنا صرح العلماء بأنه لا يلزم من إطلاق الحكم العام الحكمُ على المعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

فإن قيل: إنما يُعذر بالجهل في التكفير لا التبديع والتفسيق!!

فالجواب من وجوه:

1- أن الأدلة عامة، فمن فرّق فعليه الدليل.

2- أن ما سبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره عام، بل هو صريح في عدم التفسيق إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، ومن فرّق فعليه أن ينقل عنهم خلافه، شريطة أن يكون في موضع النزاع، علما بأن البدع منها المكفِّر والمفسِّق.

3- أن أدلة التحذير من الوقوع في الكفر أكثر وأشهر في الكتاب والسنة من أدلة التحذير من الوقوع في المُحْدَثات والمفسِّقات، فإذا سلمتم بالعذر في الأكثر وضوحًا وأدلة واشتهارًا بين الناس؛ لزمكم أن تُسَلِّموا بالعذر في الأقل وضوحًا، أو الأكثر خفاءً، بل يوجد في كتب بعض أهل العلم عكس هذا القول، فلا يعذرون في المكفِّرات، ويعذرون فيما هو دونها، والله أعلم.

4- هذه التفرقة لم أسمعها إلا من الغلاة في تبديع أهل السنة، المقلدين لمشايخهم الغلاة، المسرفين في الأحكام الجائرة على من خالفهم، وإن كان أَقْوَمَ منهم قِيلًا، وأَهْدَى سبيلا!!!

فإن قيل: من وقع في بدعة يُبدَّع دون إقامة الحجة؛ لأنه لا يلزم من إقامة الحجة على المبتدع، وإصراره على قوله بعد ذلك تكفيره؛ لأن المبتدع زاد زيادة في الدين، فلو أَصَرَّ على ذلك بعد قيام الحجة عليه؛ كان كافرًا مُشَرِّعًا، وبذلك فيُنَزَّلُ كلامُ علماء السنة ووصْفُهم لبعض المخالفين بأنهم مُبتدعة على من وقع في بدعة -وإن كان سنيًّا- ولم تقم عليه الحجة.

والجواب: أن هذا كلام عجيب غريب، وبيان ذلك من وجوه:

أ- أن هذا مخالف لكلام العلماء السابق ذِكْرُهُ، فأين سَلَفُ صاحبِ هذا التفصيل الذين سَبَقُوه بهذا القول الساقط؟

ب- أن صاحب هذا القول يلزمه أن يحكم على ابن خزيمة، وابن مندة، وابن نصر، وأبي إسماعيل الهروي، ومن سبقهم من أئمة السلف كمجاهد ابن جبر عالم التفسير، وغيرهم من أهل العلم، ممن لهم قَدَمُ صِدْقٍ، وحُسْنُ بلاء، ويَدٌ بيضاء في نصرة السنة، ومع ذلك فقد قالوا في بعض المواضع بقول أهل البدع، ولو التزم هذا القائل ذلك وأَقَرَّهُ؛ فنسأله: مَنْ سَلَفُك في تبديع هؤلاء جميعًا، بعد أن نسوق له أسماء عشرات من العلماء قد مُسُّوا بنوع بدعة؟!

وأما نحن فسنذكر له أقوال أهل العلم في إطلاق المدح والثناء على هؤلاء، بل على من هو دونهم كالنووي وابن حجر ونحوهما، مع تحذيرنا من خطئهم فيما زلَّت فيه أقدامهم اجتهادًا وتأويلًا.

ج- هذا ابن عباس -رضي الله عنهما- ناظر الخوارج جميعًا، فرَجَعَ إلى السنة وصفِّ علي -رضي الله عنه- مَنْ رَجَعَ منهم، وبَقِيَ مَنْ بَقِيَ، وقاتلهم عليٌّ ومن معه-رضي الله عنهم- ولم يكفِّرهم، كما سبق من قوله -رضي الله عنه-: «مِنَ الكُفْر قد فرّوا…» فهؤلاء أقيمت عليهم الحجة، ولم يكفّرهم عليٌّ -رضي الله عنه- والعلماء على جعْل الخوارج هؤلاء من أهل الأهواء والبدع، ومن الثنتين والسبعين فرقة الهالكة، أي من أهل القبلة، فأين هذا القول المخترع من فهم الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟!

فإن قيل: هؤلاء الذين قاتلهم علي لم تَقُمْ عليهم الحجةُ كاملةً؟

فالجواب: إذا كان ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي فقهه الله في الدين، وعَلَّمه التأويل، لم يستطع أن يقيم عليهم الحجة؛ فهل ستقام حجة في الدنيا بعد ذلك على أحد؟

د- شبهة أن المبتدع زاد زيادة في الدين، فهو كالمشرِّع، فإذا أقيمت الحجة عليه، ولم يرجع كان كافرًا؛ ليس ذلك بلازم، أو ليس ذلك على إطلاقه، فإن المفتي أيضًا مُبَلِّغ عن الله، وناقلٌ للشرع، وقد يخطئ، فإذا نُوظِر ولم يرجع، هل يكون مشرِّعًا كافرًا؟ فإن قالوا: لا؛ سَقَطَ كلامُهم، وإن قالوا: نعم؛ لزمهم تكفير بعض الصحابة الذين لم يرجعوا عن فتاوى لهم جانبوا فيها الصواب، وإن كان بعضهم رجع في آخر أمره، لكن ماذا سيحكمون عليه بعد إقامة الحجة عليه ولم يرجع حينها؟ دَعْ عنك من هو دونهم من علماء الأمة، فظهر أن هذا قول لا دليل عليه، ويُخشى أن يفتح باب الغلو في التكفير على أهله، مع دعواهم الفرار من ذلك!!

فإن قيل: لا عُذر في الأمور الواضحة، ومنها الوقوع في المكفِّرات، إنما العذر فيما هو دون ذلك، أي في المسائل الخفية.

فالجواب: أن الأدلة عامة، ومن كان مُسْلمًا ووقع في مُكَفِّر، ظانًّا أنه من الإسلام -لجهله، أو خطئه، أو تأويله- فلا يُخرج من الإسلام إلا بعد إظهار مخالفته لما ظنه موافقًا للدين، ومن نظر في صنيع العلماء مع أهل الأهواء الغلاة؛ عَلِمَ أنهم لم يُكَفِّروهم بأعيانهم دون إقامة الحجة، وسبق من كلامهم ما يدل على ذلك، نعم إذا وقع المرء في مُكفِّر ليس للقُرْبة أو للتَعَبُّد فيه معنى أو شُبْهة؛ فلا يُعْذر بجهله، كما إذا انتكس فقال: لا إله، أو لا أومن برب، أو رسول، أو قرآن، أو لا فرق بين من آمن بمحمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن كَفَرَ به، أو سبَّ اللهَ، أو رسولَهُ، أو الدينَ الإسلاميَّ، ومن جاء به، أو نحو ذلك مما لا شُبْهَة له فيه بقَصْدِه تنزيهَ الرَّبِّ أو التقربَ إليه به، أو تعظيمَ الدين وشرائع الإسلام؛ فلا يُعذر بالجهل، ويُنْظر هل قال ذلك وهو مُكْرَه، أو في سُكْر، أو إغلاق، أو خطأ وذهول دون قصد، ولاشك أن أهل العلم يميزون بين الصادق من هؤلاء والمتلاعب بقرائن لا تخفى على عاقل، وحتى يتبين هذا من ذاك؛ فلا تكفير للمعين إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، والله أعلم.

وقد طَبَّق السلف هذا الأصل في التفرقة بين الحكم العام والحكم على المعيَّن تطبيقًا صحيحًا, بل إن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَيَّنَ ذلك في قصة الرجل كان يشرب الخمر كثيرًا, ويقام عليه الحد, ويعود لشربها, حتى قال رجل: لعنه الله, ما أَكْثَرَ ما يُؤْتَى به, فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تَلْعَنُوه؛ فو الله ما عَلِمْتُ إنه يُحِبُّ الله ورسوله»([370]).

هذا, مع أن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد لعن في الخمر عشرة أشياء: «عاصرَها، ومُعْتَصِرَها – أي طالب عَصْرها- وشاربَها، وحامِلَها، والمحمولَةَ إليه، وساقِيَها، وبائِعَها، وآكِلُ ثَمَنِها، والمُشْتَرِيَ لها، والمُشْتَرَاةَ له»([371]) فلما أنزل بعضُ الصحابة -رضي الله عنهم- الحكمَ العامَّ -وهو اللَّعْن- على هذا الرجل المعيَّن دون عِلْمِه بمانعٍ يَمْنَعُ اللعنةَ في حقِّ هذا الرجل بعينه؛ رَدَّ عليه رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبَيَّن لهم ما يَمْنَعُ لَعْنَهُ بعينه.

(تنبيه): لخَّص الإمام ابن القيم — كثيرًا مما سبق من الأمور التي يُعْذر بها المخالف، فقال: «فنقول وبالله التوفيق: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الْأَلْفَاظَ بَيْنَ عِبَادِهِ تَعْرِيفًا وَدَلَالَةً عَلَى مَا فِي نُفُوسِهِمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْآخَرِ شَيْئًا عَرَّفَهُ بِمُرَادِهِ وَمَا فِي نَفْسِهِ بِلَفْظِهِ، وَرَتَّبَ عَلَى تِلْكَ الْإِرَادَاتِ وَالْمَقَاصِدِ أَحْكَامَهَا بِوَاسِطَةِ الْأَلْفَاظِ، وَلَمْ يُرَتِّبْ تِلْكَ الْأَحْكَامَ عَلَى مُجَرَّدِ مَا فِي النُّفُوسِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، وَلَا عَلَى مُجَرَّدِ أَلْفَاظٍ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهَا لَمْ يُرِدْ مَعَانِيَهَا وَلَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمًا، بَلْ تَجَاوَزَ لِلْأُمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تُكَلِّمْ بِهِ، وَتَجَاوَزَ لَهَا عَمَّا تَكَلَّمَتْ بِهِ مُخْطِئَةً أَوْ نَاسِيَةً أَوْ مُكْرَهَةً أَوْ غَيْرَ عَالِمَةٍ بِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُرِيدَةً لِمَعْنَى مَا تَكَلَّمَتْ بِهِ أَوْ قَاصِدَةً إلَيْهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْقَصْدُ وَالدَّلَالَةُ الْقَوْلِيَّةُ أَوْ الْفِعْلِيَّةُ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ. هَذِهِ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَإِنَّ خَوَاطِرَ الْقُلُوبِ وَإِرَادَةَ النُّفُوسِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ، فَلَوْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ لَكَانَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ عَلَى الْأُمَّةِ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتُهُ تَأْبَى ذَلِكَ، وَالْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ وَسَبْقُ اللِّسَانِ بِمَا لَا يُرِيدُهُ الْعَبْدُ بَلْ يُرِيدُ خِلَافَهُ وَالتَّكَلُّمُ بِهِ مُكْرَهًا وَغَيْرَ عَارِفٍ لِمُقْتَضَاهُ: مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ، لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ الْإِنْسَانُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ؛ فَلَوْ رَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ لَحَرَجَتْ الْأُمَّةُ وَأَصَابَهَا غَايَةُ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ؛ فَرَفَعَ عَنْهَا الْمُؤَاخَذَةَ بِذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى الْخَطَأِ فِي اللَّفْظِ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ وَالْغَضَبِ وَالسُّكْرِ كَمَا تَقَدَّمَتْ شَوَاهِدُهُ، وَكَذَلِكَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْإِكْرَاهُ وَالْجَهْلُ بِالْمَعْنَى وَسَبْقُ اللِّسَانِ بِمَا لَمْ يُرِدْهُ وَالتَّكَلُّمُ فِي الْإِغْلَاقِ وَلَغْوُ الْيَمِينِ؛ فَهَذِهِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ لَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ بِهَا عَبْدَهُ بِالتَّكَلُّمِ فِي حَالٍ مِنْهَا؛ لِعَدَمِ قَصْدِهِ وَعَقْدِ قَلْبِهِ الَّذِي يُؤَاخِذُهُ بِهِ.

أَمَّا الْخَطَأُ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ فَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ «فَرَحِ الرَّبِّ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ وَقَوْلِ الرَّجُلِ: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» .

وَأَمَّا الْخَطَأُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ فَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: [ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ] {يونس:11}، قَالَ السَّلَفُ: هُوَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَأَهْلِهِ حَالَ الْغَضَبِ، لَوْ أَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَأَهْلَكَ الدَّاعِيَ وَمَنْ دَعَى عَلَيْهِ، فَقُضِيَ إلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ: الْإِغْلَاقُ الَّذِي مَنَعَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِيهِ هُوَ الْغَضَبُ. وَهَذَا كَمَا قَالُوهُ؛ فَإِنَّ لِلْغَضَبِ سُكْرًا كَسُكْرِ الْخَمْرِ أَوْ أَشَدَّ.

وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ] {النساء:43} فَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَى كَلَامِ السَّكْرَانِ حُكْمًا حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِمَا يَقُولُ؛ وَلِذَلِكَ «أَمَرَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رَجُلًا يُشَكِّكُ الْمُقِرَّ بِالزِّنَا([372])، لِيَعْلَمَ هَلْ هُوَ عَالِمٌ بِمَا يَقُولُ، أَوْ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يَقُولُ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ حَمْزَةَ بِقَوْلِهِ فِي حَالِ السُّكْرِ: هَلْ أَنْتُمْ إلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي؟([373]) وَلَمْ يَكْفُرْ مَنْ قَرَأَ فِي حَالِ سُكْرِهِ فِي الصَّلَاةِ: «أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ»([374]).

وَأَمَّا الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْمُؤْمِنِينَ: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «قَدْ فَعَلْت» وَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».

وَأَمَّا الْمُكْرَهُ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ: [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {النحل:106}، وَالْإِكْرَاهُ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْإِغْلَاقِ.

وَأَمَّا اللَّغْوُ فَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ حَتَّى يَحْصُلَ عَقْدُ الْقَلْبِ.

وَأَمَّا سَبْقُ اللِّسَانِ بِمَا لَمْ يُرِدْهُ الْمُتَكَلِّمُ فَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ الْخَطَأِ فِي اللَّفْظِ وَالْخَطَأِ فِي الْقَصْدِ؛ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ لَا يُؤَاخَذَ بِهِ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى مَسَائِلَ مِنْ ذَلِكَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهَا، وَأَمَّا الْإِغْلَاقُ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ، وَالْوَاجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِ فِيهِ عَلَى عُمُومِهِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ؛ فَكُلُّ مَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَ قَصْدِهِ وَعِلْمِهِ كَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمُكْرَهِ وَالْغَضْبَانِ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْإِغْلَاقِ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالْجُنُونِ أَوْ بِالسُّكْرِ أَوْ بِالْغَضَبِ أَوْ بِالْإِكْرَاهِ فَإِنَّمَا قَصَدَ التَّمْثِيلَ لَا التَّخْصِيصَ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ اللَّفْظَ يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لَوَجَبَ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ لِعِلَّةٍ؛ تَعَدَّى بِتَعَدِّيهَا وَانْتَفَى بِانْتِفَائِهَا»([375]). اهـ.

هذا وقد سبق النقل عن الإمام ابن القيم — إعذاره الجاهل غير المفرِّط، واستدلاله بحديث الذي أوصى بنيه بحرقه بعد موته، والله أعلم.

(تنبيه): قد يقول قائل: الشخص الذي يعمل أمرًا مكَفِّرًا، ولم نتمكن من إقامة الحجة عليه، إما لعدم قدرتنا على الوصول إليه، أو لعدم وجود من يقيم الحجة عليه، ويُبَيِّنُ له حُكْمَ الله فيما يقوم به، ويُزِيلُ الشُّبَه العالقَة بذهنه، والتي حَمَلَتْهُ على الوقوع فيما وَقَعَ فيه، ولم نعلم بمن أقام عليه الحجة من كبار العلماء، أو من اللجان العلمية، فما حُكْمُهُ حتى يَتِمَّ ذلك؟ وكيف نتعامل معه؟

الجواب: طالما أنه في الأصل مسلم، فالأصلُ إبقاءُ حُكْمِ الإسلام عليه؛ لأنه الدين الذي ينتمي إليه، ويجب نُصْحُهُ بالتي هي أَحْسَنُ، والتحذيرُ من اتباعه فيما ذَهَبَ إليه، والتعامُلُ معه بما يوافق الشرع، فإن كان وليّ أَمْرٍ؛ فالأصل السمعُ والطاعةُ له في المعروف، وعدمُ خَلْع اليد من الطاعة، وإن كان إمام مَسْجِد، ويترتب على تَرْكِ الصلاة معه تَرْكُ الجماعة بالكلية، ويَتَعَذَّرُ تغييره، أو لا يكون ذلك إلا بمفسدة أَكْبَرَ؛ فالأصْلَ صحةُ الصلاة وراءه؛ لأنه في الأصل مسلم، ولم تقُمْ عليه الحجة، وأصّرَّ على كُفْره، أما إن أمكن تغييره بلا فتنة أكبر، أو أمكن الصلاة خلف غيره في مسجد آخر دون مشقة بالغة؛ فتُترك الصلاة معه؛ إخمادًا لفتنته، ولأن الإمامة للأخيار منا، للأحاديث الواردة في ذلك، والله أعلم.

(تنبيه): أطلْتُ البحث هنا في الشروط والموانع لكثرة الخلاف في هذا الأصل من أصول التكفير والتبديع والتفسيق، وللخطر المُحْدِق بسبب الإخلال بهذا الأصل، وبعد ذلك نرجع إلى بقية الأصول والضوابط -إن شاء الله تعالى-.

تنبيهٌ آخرُ:

لقد توسّعتُ في مسألةِ العُذرِ بالجهل في هذا الموضع؛ لأسبابٍ يطولُ شرحُها، وإنْ كان موضعُ التوسّعٍ في هذه المسألةِ في كتابي «المَسْلكِ السَّهل في العذرِ بالجَهْل» أليقَ، وقد توسّعتُ فيه -ولله الحمد- في الكلام عن هذه المسألة.

الشرطُ السابعُ من الأصول والضوابط: أن لازم القول ليس بقول:

معـــنى اللــزوم: يقال: لزِمه كسَمِع، لزْمًا ولزوما ولِزامًا، ولازَمَهُ ملازمة ولِزامًا، وألزمه إياه فالتزمه، وهو لُزَمَةٌ كهُمَزَة، أي: إذا لَزِمَ شيئًا لا يُفارقه، وأَلْزَمْتُه الشيءَ فالْتَزَمَهُ، والالتزام: الاعتناق.

ومادة (ل ز م) تدل على مُصَاحَبة الشيء بالشيء دائمًا([376]).

والمراد: أنه لا يُحْكم على الرجل بلازم كلامه أو مآله, أو ما يُفْضِي إليه، إلا إذا عُرِضَ عليه لازمُ قوله والْتَزَمَهُ، وأَقَرّ بأنه قولُه أيضًا, وإنما يُحْكَمْ عليه بصريح كلامه, وقد يُعبِّر عن ذلك بعضهم بقوله: لا يلزم من الكُفر في المآل الكفْرُ في الحال, أو لازمُ القولِ ليس بقولٍ إلا إذا عُرِضَ عليه والْتَزَمَهُ.

وهذا من رحمة الإسلام وعَدْله؛ فقد يتكلم المرء بكلام لا يستحضر أثناء تَكَلُّمِه به لوازِمَهُ وما يؤول إليه, وهو بَشَرٌ، لم يُؤْتَ جوامعَ الكَلِم، وفواتِحَهُ، وخواتِمَهُ، فتحميله هذه اللوازم مباشرةً دون معرفة رضاه بها أم لا؛ ليس من الرحمة التي جاء بها هذا الدين, لكن إذا عُرض عليه كلامُهُ, وأُخْبِر بلوازمه الفاحشة، التي لا تَنْفَكُّ عنه, فإن قَبِلَها؛ فيُحْكَمُ عليه عند ذاك بما يستحق, وإلا كان المرء متناقضًا, ولا يلزم من تناقُضِهِ أن يكون كافرا؛ فإن التناقضَ شيءٌ, والكُفْرَ شيءٌ آخر.

* وقد قال ابن حزم –: «قال أبو محمد: وأما من كَفَّر الناسَ بما تؤول إليه أقوالُهم؛ فخطأٌ، لأنه كَذِبٌ على الخصم، وتَقْوِيلٌ له ما لم يَقُلْ به، وإنْ لَزِمَهُ، فلم يَحْصُل على غير التناقض فقط، والتناقضُ ليس كُفرا، بل قد أَحْسَنَ إذْ فَـرَّ من الكُفْر، وأيضا: فإنه ليس للناس قولٌ إلا ومخالفُ ذلك القول يُلْزِم خَصْمَهُ الكُفْرَ في فساد قوله»([377]). اهـ.

* وقال الشاطبي: –: «والذي كُنَّا نسمعه من الشيوخ: أن مَذْهَبَ المُحَقِّقِين من أهل الأصول: أن الكُفْر بالمآلِ ليس بكُفْرٍ في الحالِ, كيف والكافر([378]) يُنْكِرُ ذلك أَشَدَّ الإنكار, ويرمي مخالِفَهُ به»([379]). اهـ.

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «وَعَلَى هَذَا؛ فَلَازِمُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَازِمُ قَوْلِهِ الْحَقِّ؛ فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ؛ فَإِنَّ لَازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْتِزَامِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وَكَثِيرٌ مِمَّا يُضِيفُهُ النَّاسُ إلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

وَالثَّانِي: لَازِمُ قَوْلِهِ الَّذِي لَيْسَ بِحَقٍّ؛ فَهَذَا لَا يَجِبُ الْتِزَامُهُ؛ إذْ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَنَاقَضَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّنَاقُضَ وَاقِعٌ مِنْ كُلِّ عَالِمٍ غَيْرِ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ إنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ: أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ لَهُ؛ فَقَدْ يُضَافُ إلَيْهِ([380])؛ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ قَوْلٌ لَوْ ظَهَرَ لَهُ فَسَادُهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ لِكَوْنِهِ قَدْ قَالَ مَا يَلْزَمُهُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَا يَلْزَمُهُ.

وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي لَازِمِ الْمَذْهَبِ: هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَوْ لَيْسَ بِمَذْهَبِ؟ هُوَ أَجْوَدُ مِنْ إطْلَاقِ أَحَدِهِمَا، فَمَا كَانَ مِنْ اللَّوَازِمِ يَرْضَاهُ الْقَائِلُ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُ؛ فَهُوَ قَوْلُهُ، وَمَا لَا يَرْضَاهُ؛ فَلَيْسَ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَاقِضًا، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّازِمِ الَّذِي يَجِبُ الْتِزَامُهُ، مَعَ مَلْزُومِ اللَّازِمِ الَّذِي يَجِبُ تَرْكُ الْمَلْزُومِ لِلُزُومِهِ، فَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ عُرِفَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَالْوَاقِعِ مِنْهَا، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي اللَّوَازِمِ الَّتِي لَمْ يُصَرِّحْ هُوَ بِعَدَمِ لُزُومِهَا، فَأَمَّا إذَا نَفَى هُوَ اللُّزُومَ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ اللَّازِمُ بِحَالِ؛ وَإِلَّا لَأُضِيفَ إلَى كُلِّ عَالِمٍ مَا اعْتَقَدْنَا أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَهُ؛ لِكَوْنِهِ مُلْتَزِمًا لِرِسَالَتِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ مَا نَفَاهُ عَنْ الرَّسُولِ؛ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ: ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّازِمِ الَّذِي لَمْ يَنْفِهِ وَاللَّازِمِ الَّذِي نَفَاهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ نَصَّ عَلَى الْحُكْمِ نَفْيُهُ لِلُزُومِ مَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ اجْتِهَادَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ»([381]). اهـ.

ولو أخذنا بقول مَن ألزم كل رجل بلازم قوله؛ لترتب على ذلك شر عظيم، فيُقال فيمن أحدث بدعة في العقائد أو غيرها: يلزم منه أن صاحب البدعة لا يؤمن بكمال الدين، ولذا ذهب هو ليُكمله ببدعته، ويلزم من ذلك تخوينُهُ الرسولَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في تبليغ كل ما جاءه من ربه، ولا شك أن هذا والذي قبله كفرٌ أكبر، وقِس على هذا بقية الأمور.

* وقد ذكر شيخنا الألباني -رحمة الله عليه- أن والده — حَكَى قصةً وقعت في «ألبانيا»، خلاصتُها: أن أحد علماء تلك البلد زار صديقًا له في بيته، ثم لما خرج من عندهم كفّره، فسُئل عن ذلك، فذكر أن العادة في تلك البلاد أنهم يوقرون العلماء بوضع نعل العالم إذا دخل الغرفة على هيئةٍ لا يتكلّف فيها العالم عند لبس النعل، إذا أراد أن يخرج من الغرفة، فيُغيّر الهيئة التي خُلِع النعل عليها، فيجعل مؤخرة النعل ناحية الغرفة ومقدّمته في الجهة الأخرى، فلما رأى العالم نعلَه لم يُحرّك من موضعه، ولم تتغير هيأتُهُ التي تَرَكَه عليها؛ قال: هذا ليس فيه احترام للعلماء، وإذا لم يحترم صاحبُ الدار العالم؛ يَلْزَمُ من ذلك أنه لم يحترم العلم الذي يحمله العالم، ومَن لا يحترم هذا العلم الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يلزمه أنه لا يحترم رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهكذا وضع مقدماتٍ ولوازم باطلة أوصلته في النهاية إلى نتائج وملزومات تُفضي إلى تكفير الرجل([382]).

والناظر في طريقة العلماء العاملين يجد أنهم لا يلتفتون إلى هذه اللوازم إلا على ضوء التفاصيل السابقة، بل نقل ابنُ رشد الجدّ([383]) الإجماعَ على عدم التكفير بالمآل([384])، والله أعلم.

* قال ابن رشد في «بداية المجتهد»([385]): «ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرحون بقولٍ هو كُفْر، ولكن يُصَرِّحُون بأقوالٍ يَلْزَم عنها الكفر، وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم». اهـ

* وقال الذهبي — كما في «الرد الوافر لابن ناصر الدين –»([386]): «لا ريب أن بعض علماء النظر بالغوا في النَّفْيِ والرَّدِّ والتحريف والتنزيه -بزعمهم- حتى وقعوا في بدعة، أو نَعْت الباري بنعوت المعدوم، كما أن جماعة من علماء الأثر بالغوا في الإثبات؛ وقبول الضعيف والمنكر، ولَهِجُوا بالسنة والاتِّبَاع، فحَصَلَ الشَّغَبُ، ووقَعَتْ البغضاء، وبَدَّع هذا هذا، وكَفَّر هذا هذا، ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين، وأن نُكَفِّر مسلما موحِّدًا بلازم قوله، وهو يَفِرُّ من ذلك اللازم، ويُنَزِّه ويُعَظِّم الرب». اهـ

قلت: ذكرتُ هذا لتحذير الذهبي — من العمل بلازم القول، وما ذكره عن أهل الأثر؛ إنما وقع من بعضهم، وإلا فجمهورهم على الجادة في الإثبات -فرحم الله الجميع-.

* وقال الحافظ ابن حجر — كما في «فتح المغيث»([387]): «والذي يظهر: أن الذي يُحْكَم عليه بالكفر: من كان الكُفْرُ صريحَ قولِهِ، وكذا من كان لازِمَ قوله، وعُرِضَ عليه فالْتَزَمَهُ، أما من لم يَلْتَزِمْه، وناضَلَ عنه؛ فإنه لا يكون كافرا، ولو كان اللازمُ كُفْرا». اهـ

* وقال السعدي — في «توضيح الكافية الشافية»([388]): «والتحقيق الذي يدل عليه الدليل: أن لازم المذهب الذي لم يصرح به صاحبه، ولم يُشِرْ إليه، ولم يَلْتَزِمْهُ؛ ليس مذهبا؛ لأن القائل غير معصوم، وعِلْمُ المخلوق مهما بَلَغَ؛ فإنه قاصِرٌ، فبأي برهان نُلْزِم القائلَ بما لم يلتَزِمْهُ، ونُقَوِّلُه ما لم يَقُلْهُ، ولكننا نستدل بفساد اللازم على فساد الملزوم؛ فإن لوازِمَ الأقوال من جملة الأدلة على صِحَّتِهَا وضَعْفِهَا، وعلى فسادها؛ فإن الحقَّ لازِمُهُ حَقٌّ، والباطِلَ يكون له لوازمُ تناسبه، فيُسْتَدَلُّ بفساد اللازم -خُصُوصًا اللازمُ الذي يَعْتَرِفُ القائِلُ بِفَسَاده- على فَسَادِ المَلْزُوم». اهـ

الثامن من الأصول والضوابط: لا يَلْزمُ مِنْ نفْي الإيمان عَمَّنْ قال كذا، أو فَعَلَ كذا وقوعُ الكُفْر أصلًا، أو انْتِفَاءُ أَصْلِ الإيمان، فقد يكون هذا لنفْي الكمال الواجب للإيمان, لا لنفْي أصل الإيمان:

المراد بأصل الإيمان وكماله:

لا شك أن الإيمان مراتب، وله أعلى وأدنى، وأن مراتبه متفاوتة بين أهله، وقد قسّم الله -سبحانه وتعالى- أهل الاصطفاء من المؤمنين إلى ثلاثة أقسام، فقال -تعالى ذِكْرُه-: [ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ] {فاطر:32}، فالظالمُ لنفسه: هو الذي معه أصلُ الإيمان الذي ينجو به من الخلود في النار، وليس آمنًا به من الدخول فيها، بل هو مُعَرَّضٌ للوعيد أو الدخول، ولا يُمدح مدحًا مطلقا، ولا يُذَمُّ ذمًّا مُطلقًا، وهو الذي يقال في حقه: معه مُطْلَقُ الإيمان لا الإيمان المطلق، أو يُقال عنه: معه الإيمان المجمل، أو أصل الإيمان، أو يقال فيه: مؤمن بأَصْلِ إيمانه، فاسقٌ بكبيرته، ويُمدح بقدر ما عنده من الإيمان، ويُذم بقدر ما عنده من الفسوق والعصيان، وهذا معه من الإيمان ما لو تخلّف عن حدّه الأدنى؛ لَأُلحِق بالكفار، وهذا الأصل مُكَوّن من قول اللسان، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، ومن عمل القلب، وهو الالتزام، وأصل المحبة والتعظيم والخوف والرجاء، ومن بعض عَمَلِ الجوارح، ما لو تَرَكَهُ كله كان كافرًا.

وأما الإيمانُ الكاملُ كمالَ الوجوب؛ فهو إيمانُ المُقْتَصِدِ، الذي أتى بجميع الواجبات، وانتهى عن جميع المحرمات، ولم يقم بالنوافل والمستحبات.

وأما الإيمانُ الكاملُ كمالَ الاستحباب، فهو الإيمان المطلق، أو إيمانُ السابق بالخيرات، الذي يأتي بالواجبات ويزيد عليها المستحبات، وينتهي عن المحرمات، ويزيد على ذلك الابتعاد عن المكروهات والشبهات.

والإيمان الكامل يُعَبَّر عن أهله بالمؤمنين حقًّا، [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ] {الأنفال:4} ومُسْتَكْمِلِي الإيمان «فقد استكمل الإيمان»([389]) وهم الموعودون بالجنة مطلقًا، ويُطلق فيهم الثناء والمدح، ويقال: معهم الإيمان المطلق، وهؤلاء آمنون من دخول النار أصلًا.

* قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية — في الإيمان: «وهو مُرَكَّبٌ مِنْ أَصْلٍ لا يَتِمُّ بدونه، ومن واجبٍ يَنْقُصُ بفواته نَقْصًا يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ العقوبةَ، ومِن مُسْتَحَبٍّ يَفُوتُ بفواته عُلُوُّ الدرجة، فالناسُ فيه ظالمٌ لنفسه، ومقتصدٌ، وسابق»([390]).

القرائن الصّارفة لِنَفْيِ أصل الإيمان إلى نَفْي كماله:

إنّ نَفْي الإيمان يَرِدُ في نصوصٍ كثيرة فيمن قال كذا، أو فَعَلَ كذا، ولا يُراد به -في كثير من الحالات- نَفْيُ أصل الإيمان، أو وقوعُ صاحبه في الكفر, بل قد يكون المراد نَفْيَ الكمال الواجب للإيمان، ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-«والله لا يؤمن, والله لا يؤمن, والله لا يؤمن» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يَأَمَنُ جارُه بوائقَه»([391]) .

ونحو ذلك ما ورد في بعض الأحاديث: «ليس منا» أو «فهو منهم» يعني بعض العصاة، أو «لا يدخل الجنة» أو «فهو في النار» وقد يرد في بعض المواضع: «فقد كَفَر» أو «فقد أَشْرَكَ» ونحو هذا، فلابد من معرفة المراد بهذه النصوص: هل المراد نَفْيُ أَصْلِ الإيمان، أو نَفْي كماله الواجب؟ ولا يصح حَمْلها أو حَمْل بعضها على نَفْي الكمال المستحب؛ لأن تارك المستحب لا يقال في حقه: «ليس منا» أو: «لا يؤمن» …الخ ما سبق، فإذا تأكَّدْنا من أن المراد نفْيُ أَصْلِ الإيمان؛ بَقِيَ مراعاةُ الشروط والموانع الأخرى، كما سبق تقريره.

* قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية — في بيان أن النفي إنما يتوجّه لكمال الإيمان الواجب لا المستحب: «فمَن قال: إن المَنْفِيَّ هو الكمالُ؛ فإن أراد نَفْيَ الكمال الواجب الذي يُذَمُّ تاركه، ويتعرّض للعقوبة؛ فقد صَدَقَ، وإن أراد نَفْيَ الكمال المستحب؛ فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن مَن فعل الواجب كما وَجَبَ عليه، ولم يُنْقِصْ من واجبه شيئًا؛ لم يَجُزْ أن يقال: ما فَعَلَهُ، لا حقيقة ولا مجازا»([392]).

ومعلوم أنّ المتبادر إلى الذهن من نَفْيِ الإيمان هو نَفْيُ الأصل؛ فإن الأصل في نَفْيِ الشيء نَفْيُ أَصْلِهِ لا كمالِهِ، لكن الذي يحمِلنا على تأويل نَفْيِ الإيمان في عدد من النصوص إلى نَفْيِ الكمال الواجب شيئان:

الأول: مُقْتَضَى الجَمْعِ بين أدلة الباب؛ فإنّنا مخاطَبون بجميع الأدلة، ولا يجوز أن نأخذ بعضَ الأدلة ونترك بعضها، فنقع فيما وقع فيه الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وإِعْمَالُ الدليلين أَوْلَى من إِهْمَالِ أحدهما، والعملُ بمجموع الأدلة يوجب التأويلَ لبعضها، أو صَرْفها عن ظاهرها.

الثاني: إجماعُ أهل السنة والجماعة على أن المراد بالنفي في موضعٍ ما هو نَفْيُ الكمال لا نَفْيُ الأصل؛ فإنّ أهل السنة هم أَعْرَفُ الطوائف بمسائل الإيمان والكفر، وإجماعُهُم لا يكون إلا حقًّا؛ فإنهم الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق، وقد قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يَضُرّهم من خالَفَهم ولا مَنْ خَذَلَهم حتى يَأْتِيُ أَمْرُ الله، وهم على ذلك»([393])، وقوله -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله-: «لا تَجْتَمِعُ أُمتي على ضلالة»([394]) والمُعْتَمَدُ فيه إجماعُ أهل الحق، وهم أهل السنة، ولو اجتمع أهل البدع دون أهل السنة على شيء؛ فإجماعهم على ضلالة.

وإليك كلامَ بعض أهل العلم في تقرير هذا الأصل:

* قال الخطابي –: «قوله في الحديث: «ليس منا من غَشَّ» معناه: ليس على سيرتنا ومذهبنا، يريد أن من غَشَّ أخاه، وتَرَكَ مناصحته؛ فإنه قد تَرَكَ اتِّبَاعي والتَّمَسُّكَ بسنتي «وقد ذهب بعضهم إلى أنه أراد بذلك نَفْيَهُ عن دين الإسلام، وليس هذا التأويل بصحيح، وإنما وَجْهُهُ ما ذكَرْتُ لك، وهذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك وإليك، يريد بذلك المتابعة والموافقة، ويَشْهَد بذلك قوله تعالى: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ] {إبراهيم:36}»([395]). اهـ.

* وقال النووي –: «وقوله -صلى الله عليه و سلم-: «مَنْ حَمَلَ علينا السلاحَ؛ فليس مِنَّا» صحيحٌ مَرْوِىٌّ من طُرُقٍ، وقد ذكرها مسلم — بعد هذا، ومعناه عند أهل العلم: أنه ليس ممن اهْتَدَى بهَدْينا، واقْتَدَى بِعِلْمِنَا وعَمَلِنَا وحُسْنِ طريقتنا، كما يقول الرجل لولده إذا لم يَرْضَ فِعْلَهُ: لَسْتَ مني، وهكذا القولُ في كل الأحاديث الواردة بنحو هذا القولِ، كقوله -صلى الله عليه و سلم-: «مَنْ غَشَّ؛ فليس مِنَّا» وأشباهِهِ»([396]). اهـ.

* وقال الحافظ ابن حجر –: «قوله: «ليس منا» أي من أهل سُنَّتِنا وطريقَتِنَا، وليس المراد به إخراجَهُ عن الدين، ولكن فائدةَ إيرادِهِ بهذا اللفظ: المبالَغَةَ في الرَّدْعِ عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لَسْتُ منك، ولَسْتَ مني، أي ما أنت على طريقتي»([397]). اهـ.

قلت: فلا بُدَّ من التأنِّي والرجوع إلى أدلة الباب، وكلام أهل العلم في فهم هذه الأحاديث وما في معناها، وإلا فهذا مما مَرَقَ به المارقون، وفَرْقٌ بين هذا وبين إطلاق هذه النصوص دون تفسيرها بما سبق عند من يتجرأ على المعاصي؛ فهذا شيء آخر([398]).

موقفُ بعضِ أهلِ العلم من تَفْصِيل القولِ في ذِكْرِ أدلةِ نَفْيِ الإيمان عند العامة أو الوعيدية أو الخوارج([399]):

ذهب بعض أهل العلم إلى عدم تأويل أدلة الوعيد عند العامة، أو صرفها عن ظاهرها؛ ليكون ذلك أَرْدَعَ لهم وأَزْجَرَ عن الجرأة على الوقوع في الذنوب، بخلاف ما إذا عَلِمَ العاميُّ أن المراد منها: ليس على طريقتنا، أو لا يدخل الجنة مع أول الداخلين .. إلخ؛ فإن ذلك قد يُجرّئُهُ على المعاصي، إذا علم أنه سيؤول أَمْرُه في النهاية إلى الجنة.

وقد روى أبو نعيم بسنده إلى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي أنه سأل الزهري عن حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن …» الحديث([400]) فقال: من الله العلمُ، وعلى رسوله البلاغُ، وعلينا التسليمُ، أمِرُّوا أحاديثَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما جاءت([401]).

* وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية — أن السلف لم يتأولوها كراهيةَ إِخْرَاجِها عن مقصود رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «وقد نُقِلَ كراهةُ تأويل أحاديث الوعيد عن سفيان وأحمد بن حنبل وجماعة كثيرة من العلماء، ونَصَّ أحمد على أن مثل هذا الحديث -يعني حديث: «من غشّنا؛ فليس منَّا، ومن حَمَلَ علينا السلاح؛ فليس مِنَّا»([402])- لا يُتأول تأويلا يُخْرِجُه عن ظاهر المقصود به»([403]).

هذا من جهة العامة؛ وهناك من رأى ضرورة التفسير لأحاديث الوعيد إذا كان هناك من يُسِيء فَهْمها، ويَفْهَمها بفهم الخوارج والوعيدية، وهذا واضح؛ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والله أعلم.

الشرط التاسع من الأصول والضوابط في التكفير: الكُفْر مُضَادٌّ للإيمان, وكلٌّ منهما له أصُولٌ وشُعَبٌ ومراتِبُ، وكُلُّ منهما يكون بالقول والفعل والاعتقاد:

فإذا كان القولُ أو الفعلُ أو الاعتقادُ ينافي أصلَ الإيمان, ويوافق أصلَ الكفر؛ فهو كُفْر أكبر -ويُعرف هذا بجمع أدلة الباب، وكلام السلف الصالح -ول هذه الأدلة- وإذا كان ينافي بعضَ شُعبِ الإيمان وواجباتِهِ, ويوافق بعضَ شُعبِ الكفر -التي لم تَبْلُغ إلى درجة أصول الكفر، ولكنها من جملة المعاصي- فهذا نَقْصٌ -بالصاد المهملة- في الإيمان, ونَفْيٌ لكماله الواجب، وليس نفيا لأصل الإيمان، أي يكون نقصًا -بالمهملة- لا نقضًا -بالمعجمة-.

* وبعضهم يقول: كُفْر اعتقادي, وكُفْر عملي, ويجعل الكُفْرَ العمليَّ كُلَّه مما لا يُخْرج من ملة الإسلام، وليس هذا دقيقًا, فالكفر العملي منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر أيضًا, فالأكبر منه: كالسجود لصنم، وهو يَعْلَمُ أنه صَنَمٌ يُعبد من دون الله -جل ثناؤه-، أو وطْء المصحف بالقدم، وهو يعلم أنه كتاب الله، والأصغر منه كالنياحة، والطعن في الأنساب، وكفران العشير.

ومن الكفر العملي الأكبر ما يدل على اعتقاد أَمْرٍ مُكَفِّر, ومنه ما هو دون ذلك, وهناك أمور مكفرة سواء دلت على اعتقاد أمرٍ مُكَفِّرٍ أم لا, ولا يُشترط معرفة اعتقاد المرء فيها, إنما هي كفْر مجرد, كمن سجد لصنم وهو عالم قاصد مختار, أو سبّ الربّ — أو رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاصدًا مختارًا, وإن ادّعى أنه فَعَلَ ذلك إغاظَةَ لفلان, أو تقليدًا لفلان، أو مازحًا، أو هازلا، أو يُسَلِّي نفسه ومن معه … أو نحو ذلك، وأما هو فلا يعتقد ذلك -حسب زعمه-!! فلا يُقْبَلُ منه هذا, ويُحكم بكفره إن أصرَّ على ذلك، بعد مراعاة بقية الشروط والموانع.

وبمعرفة أصول الكفر وشُعَبِهِ يتضح لنا أن الكفر كفران: أكبر وأصغر، والشرك شركان: أكبر وأصغر, والنفاق نفاقان: اعتقادي وعملي, أو أكبر وأصغر, والمكفِّر من النفاق هو الاعتقادي أو الأكبر، والفسق فسقان, والظلم ظلمان, والذنب ذنبان, والمعصية معصيتان, والبدعة بدعتان, والجهل جهلان, والضلال ضلالان .. الخ، فالأكبر من هذا كلّه مكفِّر دون الأصغر، ولا بد من الرجوع في تفصيل ذلك إلى سياق الأدلة, والجمع بينها, وشروح العلماء, وإلا فهذا موضع مَزَلَّةِ أقدام, وضلال أفهام, وتبديل لأحكام الإسلام، والله المستعان.

أنواع الكفر: تختلف أنواع الكفر بحسب الأمر الحامل على الكفر؛ ومع أن التكذيب والجحود أعظم أنواع الكفر وأُسُّه؛ لكن الكفر ليس محصورًا فيهما، فالكفر يكون: بالتكذيب، والجحود، والإباء والاستكبار، والشك، والنفاق، والإعراض، والاستهزاء، والتولِّي، وغير ذلك مما نصَّ عليه أهل العلم، وإن كان بعضها مترادفًا لمعنى واحد، أو داخلًا في نوع آخر من أنواع الكفر، أو عائدًا إليه، إلا أن الحَصْر للكفر في التكذيب أو الجحود قول مجانب للصواب، وما وُجد في كلام أهل العلم مما يدل على أن الكفر هو الجحود والتكذيب، مرادهم بذلك: أنهما أَظْهَرُ أنواع الكفر، أو أسُّه وأَصْلُه، لا حَصْر الكفر في ذلك، جمعًا بين كلامهم أنفسهم -رحمهم الله-.

* قال الإمام إسحاق بن راهويه كما في «تعظيم قدر الصلاة»([404]) للمروزي: «ومما أَجْمَعُوا على تكفيره، وحَكَمُوا عليه كما حَكَمُوا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ومما جاء من عنده، ثم قَتَل نَبِيًّا، أو أعان على قَتْلِهِ -وإن كان مُقِرًّا- ويقول: قَتْلُ الأنبياء مُحَرَّم؛ فهو كافر، وكذلك من شَتَمَ نبيًّا، أو رَدَّ عليه قولَهُ من غير تَقِيَّةٍ ولا خَوْفٍ».

* وقال البربهاري في «شرح السنة»([405]): «ولا يَخْرُجُ أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يَرُدَّ آيةً من كتاب الله، أو يَرُدَّ شيئا من آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو يَذْبَحَ لغير الله، أو يُصَلِّي لغير الله، وإذا فَعَلَ شيئا من ذلك؛ فقد وَجَبَ عليك أن تُخْرِجه من الإسلام».

قلت: وليس هذا الحصر مرادا أيضًا، إنما هذه أمثلة، والله أعلم.

* وقال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»([406]): «الكفر: عدمُ الإيمان بالله ورسوله، سواء كان معه تكذيبٌ، أو لم يكن معه تكذيبٌ، بل شكٌّ وريبٌ، أو إعراضٌ عن هذا حسدًا أو كِبْرًا، أو اتِّباعا لبعض الأهواء الصارفةِ عن اتِّباعِ الرسالة».

* وقال أيضًا في «الصارم المسلول»([407]): «فمن قال بلسانه كلمةَ الكُفر، من غير حاجةٍ، عامدًا لها، عالمًا بأنها كلمةُ الكفر؛ فإنه يَكْفُر بذلك ظاهرا وباطنا، ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنا، ومن قال ذلك؛ فقد مَرَقَ من الإسلام».

* وقال أيضًا في «الصارم المسلول»([408]): «إنْ سَبَّ اللهَ أو سبَّ رسولَهُ: كَفَرَ ظاهرا وباطنا، سواء كان السابُّ يعتقد أن ذلك مُحَرَّمٌ، أو كان مُسْتَحِلًّا له، أو كان ذاهِلًا عن اعتقادِهِ، وهذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمانَ قولٌ وعملٌ».

* وقال أيضًا في «مجموع الفتاوى»([409]): «فمن صَدَّقَ الرسول، وأَبْغَضَهُ، وعادَاه بقلبه وبدنه؛ فهو كافر قطعا بالضرورة».

* وقال الإمام ابن القيم في «الصلاة وحكم تاركها»([410]): «وكذلك شُعَب الكفر القولية والفعلية، فكما يَكْفُر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارا، وهي شُعْبة من شُعَب الكفر؛ فكذلك يَكْفُر بفعل شعبة من شعبه، كالسجود للصنم، والاسْتِهَانَةِ بالمصحف».

(تنبيه): وإليك تفصيلَ أنواع الكفر:

1- كُفْرُ التكذيب: وهو تكذيب الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ظاهرًا وباطنًا، أي بقلبه ولسانه، أو اعتقاد كذب الرسول، والتصريح بذلك، قال الله تعالى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ] {العنكبوت:68} وهذا القِسْم من الكُفر قليل في الكفار، كما قال الإمام ابن القيم — وهو أَشَدُّ أنواع الكفر، من جهة أنه تكذيب بالقلب وباللسان.

2- كُفْرُ الجحود أو الإنكار أو الكتمان: وهو تكذيب الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ظاهرًا، مع اعتقاد صِدْقِهِ باطنًا، قال تعالى: [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ] {الأنعام:33} فنَفَى التكذيبَ عنهم، وأَثْبَتَ لهم الجحود، مما يدل على اختلافهما، وهذا ككفر أبي جهل، الذي أقرَّ بصدق النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لكن الحَسَدَ حَمَلَهُ على الجحود، وهذا تكذيب باللسان دون القلب.

3- كُفْرُ الإباء والاستكبار، أو عدم الانقياد، أو التولِّي: كمن عَرَفَ ما أَمَر الله به، أو صِدْقَ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما أَمَرَ به، ولم يَنْقَدْ للأمر إباءً واستكبارًا، أو أَشَرًا وبَطَرًا، وحَمِيَّة، ككُفر إبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين، ومنه كُفْر أعداء الرسل، كما قال الإمام ابن القيم — ومنه كُفر اليهود، كما قال تعالى: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {البقرة:89} وقد جمعوا بين هذا والذي قبله، من أنواع الكفر.

4- كُفْرُ الإِعْرَاض: وذلك بأن يُعْرض بسَمْعِهِ وقَلْبِهِ عن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلا يُصَدِّقه، ولا يُكَذِّبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يُصْغِي إلى ما جاء به ألْبتة، أي أن وجودَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعدمَه سواء عنده، انظر ما قاله الإمام ابن القيم –.

5- كُفْرُ الشَّك: ويكون بعدم الجَزْمِ بصِدْقِهِ أو كَذِبِهِ، ولا يَسْتَمِرُّ شَكُّه إلا إذا أَلْزَمَ نفسه الإعراضَ عن النظر في آيات صِدْقِ الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والمعجزات التي تجري على يديه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جُمْلَةً، فلا يَسْمَعُها ولا يَلْتَفِتُ إليها، وأما مع التفاته إليها، ونظره فيها؛ فإنه لا يَبْقَى معه شَكٌّ؛ لأنها مُسْتَلْزِمَةٌ للصِّدْق، ولاسيما بمجموعها؛ فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار، قاله الإمام ابن القيم –.

6- كُفْرُ النفاق: بأن يُظْهِر بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب، وكراهية الرسول وما جاء به، فهو ضدّ كُفْر الجحود: الذي هو إنكار في الظاهر وإقرار في الباطن.. اهـ([411]) ملخَّصًا مع زيادة مِنِّي للتوضيح.

7- كُفْرُ الاستهزاء أو الاستخفاف فضلًا عن السبّ والطعن: فإن هذا يدلُّ على حَلِّ عُقْدة التعظيم والإجلال لله -جل جلاله- وللرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا إيمانَ بدون محبةٍ وتعظيمٍ وإجلالٍ، والتصديقُ بالقلب مع الاختيار وعدم الإكراه: يَمْنَعُ المرءَ من القول أو الفعل اللَّذيْن فيهما استهانةٌ واحتقارٌ واستهزاءٌ واستخفافٌ بالفرائض، ويوجِبُ المحبةَ والتعظيمَ.

8– كُفْرُ الاسْتِحلال: وهو تحليل ما عُلِمَ من الدين بالضرورة تحريمه، فاعتقاد حِلِّه، أو التصريح بأنه حلال بعد قيام الحجة عليه كفر أكبر؛ لأنه اعتراضٌ على حُكْم الله -جل وعلا- وردٌّ لأمره وخبره.

العاشر من الأصول والضوابط: ارتكابُ الكبيرة والإصرارُ عليها لا يُخْرِجُ المسلمَ من الإسلام:

تعـريف الكبيرةِ والإصرارِ والاستحلالِ:

معلومٌ أن الذنوب منها كبائر وصغائر، قال تعالى: [ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ] {النجم:32}، وقال تعالى: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ] {النساء:31} أي نُكَفِّر ما دون الكبيرة، وهي الصغيرة.

وقد اختلف أهل العلم -رحمهم الله- في تعريف الكبيرة، ولعل أَقْرَبها: «كلّ ذنبٍ تُوُعِّد فاعلُه بوعيد، أو حدّ في الدنيا، أو عذابٍ في الآخرة، أو غضبٍ، أو لعن، أو نَفْيٍ لإيمانه، أو نَفْيٍ لكونه من المسلمين»([412]).

والإصرار: هو التعمُّق في الذنب والتشدُّدُ فيه، أو الامتناعُ من الإقلاع عنه، وهو مصدر أَصَرَّ على الشيء يُصِرُّ، ومنه صَرّ الدراهم، والإصْرارُ من الصَّرِّ، وهو الشدُّ، وكُلُّ عَزْمٍ شَدَدْتَ عليه، وأَصَرَّ على الشيء إذا لازَمَهُ وثَبَتَ عليه، وعَزَمَ على أن يَمْضِيَ فيه ولا يَرْجِعَ، وأكثر ما يُستعمل في الشر والذنوب، ومَنْ أَتْبَعَ الذنبَ الاستغفارَ؛ فليس بـمُصِرٍّ وإن تَكَرَّرَ منه.

والإصرار: هو العزم بالقلب على الأمر، وتَرْكُ الإقلاع عنه، والدوامُ والملازمةُ، والمُصِرُّ: هو المقيمُ على الكبيرة، مع عِلْمِهِ بتحريمها، وعدمِ التوبة منها([413]).

أما الاستحلال المُكَفِّر: فهو اعتقادُ أن الله لم يُحَرِّم ما أَجْمَعَتْ الأمةُ على حُرْمَتِهِ، واشْتَهَر بتحريمه بين المسلمين([414])، أو اسْتِنْزَالُ الشيء المُحَرَّم محلَّ الحلال، وهو في الأصل مُسْتَعَارٌ مِنْ حَلِّ العُقدة([415]).

الأدلة على أنّ ارتكابَ الكبيرة، أو الإصرارَ عليها ليس كُفْرًا مُزِيلا لأصل الإيمان:

المسلم لا يَخْرُج من الإسلام بارتكاب الكبيرة أو الكبائر التي هي دون الكفر على مذهب أهل السنة والجماعة لا على مذهب الخوارج المارقين؛ وإن أصرّ عليها, إلا باستحلالها، وهو اعتقاد حلّ الحرام المجمع عليه.

والإصرارُ: هو الإقامة على الذنب، والعزم على فِعْلِ مثله([416]) أي: أنه لا يتوب من كبيرته، ولا يكون التائب -وإنْ عاد- مُصِرًّا، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما أَصَرَّ من اسْتَغْفَر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة»([417])، وقد ضعفه بلفظه بعضهم، وهو صحيح المعنى حسب القواعد الشرعية في هذا الباب.

والخلاصة: أن قولهم: اسْتَحَلَّ الشيءَ: أي عَدَّه حلالا بقوله، أو اتخذه حلالا بتصريحه لا بمجرد فعله، أو سأل غيره أن يُحِلَّه له، أو اعتقد حِلَّه([418]).

وأما الاستحلالُ الذي يكون في موارد الاجتهاد، فيرى المُفْتي جِلَّ الشيء وغيره يُحَرِّمه، وقد أخطأ المستحل في تأويله مع إيمانه وتعظيمه للنصوص؛ فهو مما غفره الله لهذه الأمة من الخطأ في قوله: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286} كما اسْتَحَلَّ بعضُهم -عن اجتهاد وتأويل- بعض أنواع الربا، واسْتَحَلَّ بعضُهم نوعًا من الفاحشة، وهو إتيان النساء في حشوشهن، واسْتَحَلَّ بعضُهم بعض أنواع الخمر، واسْتَحَلَّ بعضُهم استماع المعازف، واسْتَحَلَّ بعضُهم دماء بعض بالتأويل.

فهذه المواضع التي تقع من أهل الإيمان والصلاح تكون سيئاتٍ مُكَفَّرةً أو مغفورةً، أو خطأً مغفورا، ومع هذا فيجب بيانُ ما دل عليه الكتاب والسنة من الهُدَى ودينِ الحق، والأمرُ بذلك، والنهيُ عن خلافه بحسب الإمكان([419]).

ولا يَكْفُر المرء بالإصرار ما لم يستحل الكبيرة، وإن كان إِثْمُ المُصِرّ أَشَدَّ وأَعْظَمَ من إثم فاعل الكبيرة، ويُخْشَى على المُصِرِّ الوقوعُ في الكفر، بخلاف مَن يرتكب الكبيرة، ثم يستغفر، ثم يعود إليها غَيْرَ مُسْتَهْزِئٍ أو مُسْتَهِينٍ بأَمْرِ الكبيرة.

ومن الأدلة على أن الإصرار على الكبيرة على الذنب ليس كفرًا مُخرجًا من الملة:

1- قوله تعالى: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {النساء:48} فقسَّمت الآية الذنوب إلى قسمين، وهما: الشرك، وما دونه، وحَكَمَتْ فيهما بحُكْمَيْنِ؛ الأول: أن الشرك لا يُغفر، أي إذا لم يَتُبْ صاحبه؛ فإنه لا يُكفِّر الشركَ إلا التوبةُ، والثاني: المغفرةُ لمن شاء الله له ذلك، ممن وقع فيما هو دون الشرك، والمراد به الكبائر، وإلا فالصغائر تُكفّر باجتناب الكبائر، لقول الله: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ] {النساء:31} والآية المذكورة في غير التائبين، وهم المُصِرُّون، وقد ذكرتْ الآيةُ أن من لم يَتُبْ من الكبيرة -وهو المُصِرّ- داخل تحت المشيئة، وإلا فلو تابوا -أي من وقعوا فيما دون الشرك- لغُفر لهم جميعًا، فإن الله — يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، والتوبة تجُبُّ ما قبلها، وهذا من محكمات الدين.

وبهذا يَظْهَر لنا صِحَّةُ ما ذهب إليه أهلُ العلم من أهل السنة من أن المراد بقوله تعالى: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {النساء:48} غيرُ التائبين، أما التائبون من الشرك فما دونه فيُغفر لهم، لقوله تعالى: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] {الزمر:53} وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية في التائبين.

فدلت الآية على أن من يدخل تحت المشيئة ليس تائبًا من فعله الذي هو دون الشرك، وهذا هو تعريف المُصِرِّ على ذنبه، ولو كان مشركًا بإصراره؛ لأُلْحِقَ بالقسم الأول، فلما غايَرَتْ الآية بينهما؛ دَلَّ ذلك على تغايُرِ أحكامهما، والله أعلم.

2- ومن الأدلة أيضًا: قوله تعالى فيمن يرمون المحصنات: [ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ] {النور: 4، 5}.

فالآية الكريمة قد ذَكَرَتْ ثلاثَ عقوباتٍ لمن قذفوا امرأة محصنة
-والقذف من الكبائر-:

أ- الجلْد.

ب- رَدّ شهادتهم على الأبدية، أي كلما عَرضُوا شهادتهم رُدَّتْ.

ج- الحكم بفسقهم.

ثم اسْتَثْنَتْ الآيةُ الثانيةُ بعد ذلك التائبين، ومعلوم أن من لم يَتُبْ حتى جُلِد، فلا مجال بعد ذلك لاستدراك أَمْرِ الجلْد -وقد جُلِدَ- بعد التوبة، فبَقيتْ عقوبتان تؤثّر التوبة فيهما: الأولى: رَدُّ الشهادة، والثانية: الوصْمُ بالفسق.

فالحكمُ برَدِّ الشهادة الأبَدِيِّ في قوله تعالى: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ] {النور:4} دليل على بقاء حياة القاذف بيننا بعد الحَدِّ وقَبْلَ التوبة، ولو كان كافرًا بإصراره وعدم توبته؛ لضُربت عنقه، لحديث: «من بدَّل دينه فاقتلوه»([420]).

فطالما أنه حَيٌّ، ويَعْرِضُ شهادتَهُ في أمور دنيوية أخرى أو دينية، ويُكْتَفَى بِرَدِّ شهادته فقط ما لم يتُبْ؛ كل هذا دليل على عدم كُفْره، مع أنه لم يَتُبْ، لأنه لو تاب؛ لقُبِلَتْ شهادته، ورُفع عنه حُكْم الفسْق، وثبتت له العدالة.

فهذا قاذف، والقذف من كبائر الذنوب، ومُصِرّ على القَذْف؛ لأنه لم يَتُبْ منه، ومع ذلك فهو حَيٌّ يَعْرِض شهادتَهُ من حين لآخر، فيُكْتَفَى برَدِّها فقط دون قَتْلِهِ، فكل هذا يدل على إسلامه مع إصراره على ما هو دون الشرك، فالْمُصِرُّ من جملة أهل الإسلام، لا من الكفرة المشركين، وليس هذا من باب فتح المجال للعصاة في الاستمرار على معاصيهم؛ فإن ذلك قد يجرّهم إلى الشرك الأكبر، ولكننا في مقام دَفْعِ غُلُو من غلا في هذا الباب، وكفَّر المسلمين بالكبيرة أو الإصرار عليها، وأيضا فالمراد من ذلك تقرير مذهب أهل السنة، والله أعلم.

أقوال بعض علماء السنة في كون ارتكاب الكبيرة في ذاته ليس كُفْرًا:

* قال الإمام مالك كما في «حلية الأولياء»([421]): «لو أنَّ رجلًا رَكِبَ الكبائر كلَّها بعد أن لا يشرك بالله؛ ثم تَخَلَّى من هذه الأهواء والبدع؛ دَخَلَ الجنة».

* وقال الإمام الشافعي — في «الأم»([422]): «من تولَّى يوم الزحف، لا مُتَحَرِّفًا لقتال، ولا مُتَحَيِّزًا إلى فئة؛ خِفْتُ عليه – إلا أن يَعْفُوَ الله – أن يكون قد باء بسخطٍ من الله».

* وقال الإمام أحمد بن حنبل — كما في «طبقات الحنابلة»([423]): «يَخْرُجُ الرجلُ من الإيمان إلى الإسلام، ولا يُخْرِجه من الإسلام شيءٌ إلا الشرك بالله العظيم، أو بِرَدِّ فريضةٍ من فرائض الله — جاحدًا بها؛ فإن تركها كسلًا، أو تهاونًا؛ كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه».

وعَقَدَ الإمامُ البخاريُّ — بابًا في «صحيحه» قَطَعَ فيه بأن المعاصي لا يَكْفُر مرتكبها، فقال: باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يَكْفُر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنك امرؤ فيكَ جاهلية»، وقول الله تعالى: [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ] {النساء:48}.

* وقال المروزي — في «تعظيم قدر الصلاة»([424]): «ففي هذا الحديث دلالتان على أن السارق، والزاني ومن ذُكِر في هذا الحديث غير خارجين من الإيمان بأَسْرِهِ؛ إحداهما:

قوله: «فمن أصاب من ذلك شيئًا، فعوقب في الدنيا؛ فهو كفارة له»، والحدود لا تكون كفاراتٌ إلا للمؤمنين، ألا ترى قوله: «من سَتَر الله عليه؛ فأَمْرُهُ إلى الله: إن شاء غَفَرَ له، وإن شاء عَذَّبه» فإذا غفر له أدخله الجنة، ولا يدخل الجنة من البالغين المكَلَّفين إلا مؤمن، وقوله: -صلى الله عليه وسلم-: «إن شاء غَفَرَ له، وإن شاء عَذَّبَه» هو نظير قول الله -تبارك وتعالى- [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ] {النساء:48} وأن يغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء ممن مات وهو غير تائب، ولا جائز أن يَغْفِر له ويُدْخِلَه الجنة إلا وهو مؤمن».

* وقال أبو بكر الإسماعيلي — في «اعتقاد أهل الحديث»([425]): «ويقولون: إن أحدًا من أهل التوحيد، ومن يصلي إلى قبلة المسلمين؛ لو ارتكب ذنبًا، أو ذنوبًا كثيرة، صغائر، أو كبائر مع الإقامة على التوحيد لله، والإقرار بما التزمه وقَبِلَهُ عن الله؛ فإنه لا يَكْفُر به، ويرجون له المغفرة، قال تعالى: [ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ] {النساء:48}».

* وقال ابن بطة — في «الإبانة الصغرى»([426]): «وقد أَجْمَعَتْ العلماءُ -لا خلاف بينهم- أنه لا يَكْفُر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نُخْرجه من الإسلام بمعصية؛ نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء».

* وقال الصابوني — في «عقيدة السلف»([427]): «ويعتقد أهلُ السنة: أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة: صغائر كانت، أو كبائر؛ فإنه لا يَكْفُر بها، وإن خَرَجَ من الدنيا غَيْرَ تائبٍ منها، ومات على التوحيد والإخلاص؛ فإن أَمْرَهُ إلى الله — إن شاء عَفَا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مُبْتَلًى بالنار، ولا معاقَبٍ على ما ارتكبه من الذنوب، واكْتَسَبَه، ثم اسْتَصْحَبَه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعَذَّبه مدةً بعذابِ النار، وإذا عَذَّبه لم يُخَلِّدْهُ فيها؛ بل أَعْتَقَهُ وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار».

* وقال البغوي — في «شرح السنة»([428]): «اتفق أهلُ السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر، إذا لم يَعْتَقِدْ إباحَتَها، وإذا عَمِلَ شيئًا منها، فمات قبل التوبة؛ لا يُخَلَّد في النار؛ كما جاء به الحديث؛ بل هو إلى الله: إن شاء عَفَا عنه، وإن شاء عاقَبَه بقَدْرِ ذنوبه، ثم أَدْخَلَه الجنة برحمته».

* قال النووي — في «شرح مسلم»([429]): «وأما قوله -صلى الله عليه-: «وإن زنى وإن سرق» فهو حجة لمذهب أهل السنة: أن أصحاب الكبائر لا يُقْطَع لهم بالنار، وأنهم إنْ دخلوها أُخْرِجوا منها، وخُتِمَ لهم بالخلود بالجنة».

* وقال ابن رجب — في «جامع العلوم والحكم»([430]): «فمن جاء مع التوحيد بقُرابِ الأرض -وهو مِلْؤُهَا أو ما يقارِبُ- خطايا؛ لَقِيَهُ الله بقُرابها مغفرةً، لكن هذا مع مشيئة الله — فإن شاء غفر له، وإن شاء أَخَذَه بذنوبه، ثم كان عاقِبَتُهُ أن لا يُخَلَّد في النار، بل يَخْرُج منها، ثم يَدْخُلُ الجنةَ».

* وقال ابن أبي العز — في «شرح الطحاوية»([431]): عند قول الطحاوي –: (ولا نُكَفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ما لم يَسْتَحِلَّه، ولا نقول: لا يَضُرُّ مع الإيمان ذنبٌ لمن عَمِلَهُ): إنَّ أهل السنة متفقون كلَّهم على أن مرتكب الكبيرة لا يَكْفُر كُفْرًا ينقُل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذْ لو كَفَر كُفرًا ينقُل عن الملة؛ لكان مرتدًا يُقْتل على كل حال، ولا يُقْبَلُ عَفْوُ وليّ القصاص، ولا تَجْري الحدود في الزنى والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلومٌ بطلانُهُ وفسادُهُ بالضرورة من دين الإسلام، ومتفقون على أنه لا يَخْرج من الإيمان والإسلام، ولا يَدْخل في الكفر، ولا يَسْتَحِق الخلود في النار مع الكافرين» .

ومما يدل على أن القول بخلود أصحاب الكبائر في النار هو قولُ أهل البدع:

* ما قال أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين»([432]): «وأجمعوا –أي الخوارج-على أن كل كبيرة كفر، إلا النَّجْدات؛ فإنها لا تقول بذلك، وأجمعوا على أن الله سبحانه يعذب أصحاب الكبائر عذابا دائما إلا النَّجْدات أصحابَ نَجْدَة». ا هـ

* وقال الشهرستاني — في «الملل والنحل»([433]): «وكبارُ فِرَقِ الخوارج سِتَّةٌ: الأزارقةُ، والنجداتُ، والصفريةُ، والعجاردةُ، والإباضيةُ، والثعالبةُ، والباقون فروعُهم، ويَجْمَعُهم القولُ بالتبرؤ من عثمان وعلي
-رضي الله عنهما-، ويُقَدِّمُون ذلك على كل طاعة، ولا يُصَحِّحُون المناكحات إلا على ذلك، ويُكَفِّرُون أصحابَ الكبائر، ويَرَوْن الخروجَ على الإمام إذا خالف السنة حَقًّا واجِبًا». ا هـ

* وقال الأشعري في «المقالات» أيضًا([434]): «وأما الوعيد: فقول المعتزلة فيه وقول الخوارج قول واحد؛ لأنهم يقولون: إن أهل الكبائر الذين يموتون على كبائرهم في النار خالدين فيها مخلدين، غير أن الخوارج يقولون: إن مرتكبي الكبائر ممن يَنْتَحِلُ الإسلامَ يُعَذَّبون عذابَ الكافرين، والمعتزلةَ يقولون: إن عذابهم ليس كعذاب الكافرين». ا هـ

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([435]): «ينبغي أن يُعْرَف أن القول الذي لم يوافق الخوارجَ والمعتزلةَ عليه أَحَدٌ من أهل السنة: هو القولُ بتخْليد أهل الكبائر في النار؛ فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يُخَلَّدُ في النار أَحَدٌ ممن في قَلْبِهِ مثقالُ ذَرَّةٍ من إيمان، واتفقوا أيضًا على أن نبينا –صلى الله عليه وسلم- يَشْفَعُ فيمن يَأْذَنُ الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، ففي «الصحيحين» عنه أنه قال –صلى الله عليه وسلم-: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ا هـ

* وقال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» (7/ 510): «ثم قالت الخوارجُ والمعتزلةُ: الطاعةُ كُلُّها من الإيمان، فإذا ذَهَبَ بعضُ الإيمان؛ ذَهَبَ سائِرُهُ، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان». ا هـ

أقوال العلماء في كَوْن المُصِرِّ على الكبيرة ليس بكافر:

أقوال العلماء في ذلك كثيرة، يَشُقُّ جَمْعُها في هذا الموضع، لكن أَكْتَفِي بذِكْر بعضها، فمن ذلك:

* ما قال إسماعيل بن سعيد([436]): «سألتُ أحمد عن المصرّ على الكبائر بِجَهْدِهِ، إلا أنه لم يَتْرُك الصلاةَ والزكاةَ والصومَ والحجَّ والجمعةَ، هل يكون مُصِرًّا من كان هذا حالَهُ؟ قال: هو مُصِرٌّ، مثل قوله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يَزْني الزاني حين يَزْني وهو مؤمن» يخرج من الإيمان، ويقع في الإسلام، ومن نحو قوله: «ولا يَشْرَبُ الخمر حين يَشْرَبُها وهو مؤمن، ولا يَسْرِق حين يَسْرِق وهو مؤمن …» الحديث، ومن نحو قول ابن عباس [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ] {المائدة:44} فقلت له: فما هذا الكفر؟ قال: كُفْرٌ لا يَنْقُلُ عن الملة، قيل: بعضُه فوق بعضٍ، فكذلك الكُفْر، حتى يجيء من ذلك أَمْرٌ لا يَخْتَلِفُ الناس فيه، فقلت له: أرأيت إن كان خائفا من إصراره، يَنْوِي التوبةَ، ويسأَلُ ذلك، ولا يَدَعُ ركوبها؟ قال: الذي يَخَافُ أَحْسَنُ حالا»([437]).

* وقال ابن حزم –: «واتفقوا على أن الكبائر، والمجاهَرَةَ بالصغائر، والإصرارَ على الكبائر جِرْحَةٌ تُرَدُّ بها الشهادة»([438]).

* وقال أيضًا في «الإحكام»([439]): «ولا يَظُنُّ ظَانٌّ أننا نقول بالوعيد كقول المعتزلة، مِنْ إِبْطَالِ سيئةٍ واحدةٍ للحسنات، ومن الخلود على المُصِرِّ على الكبائر، ومعاذ الله من ذلك».

* قال أبو عثمان الصابوني–([440]): «ويعتقد أهل السنة: أن المؤمن -وإنْ أذنب ذنوبا كثيرة: صغائر وكبائر- فإنه لا يَكْفُر بها، وإن خرج من الدنيا غَيْرَ تائبٍ منها، ومات على التوحيد والإخلاص؛ فإن أمره إلى الله — إن شاء عَفَا عنه، وأَدْخَلَهُ الجنةَ يوم القيامة سالما غانما، غَيْرَ مُبْتَلًى بالنار، ولا مُعَاقب على ما ارتكبه واكتسبه ..»([441]) إلخ.

* وقال القاضي الشوكاني([442]) — في «إرشاد الفحول»([443]) في مقام رَدِّه على بعض الصوفية الذين قالوا: الإصرار على الصغيرة كبيرة: «.. بل الحَقُّ: أن الإصرارَ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُصِرَّ عليه، فالإصرارُ على الصغيرة صغيرةٌ، والإصرار على الكبيرة كبيرةٌ ..».

وانظر كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-([444]) في عدم تكفير المصر في «الدرر السنية»([445]) بشيء من الاختصار.

الحادي عشر من الأصول والضوابط: لا يُشْتَرط الاسْتِحْلَالُ في التكفير إلا فيما دون الكفر الأكبر، أما الكفر الأكبر فلا يُشترط في التكفير به استحلالُ الواقع فيه قوْلًا أو فِعْلًا أو اعتقادًا:

الاسْتِحْلَالُ والمُسْتَحِلَّ كما قال صاحب «المغني»: «ومن اعتقد حِلَّ شيء أُجْمِع على تحريمه، وظَهَرَ حُكْمُه بين المسلمين، وزالتْ الشبهةُ فيه للنصوص الواردة فيه: كلحْم الخنزير، والزنا، وأشباه هذا مما لا خلاف فيه؛ كَفَرَ؛ لما ذكرنا في تارك الصلاة، وإن استحل قَتْلَ المعصومين، وأَخْذَ أموالهم بغير شُبْهة ولا تأويل؛ فكذلك»([446]). اهـ.

ويكون الاستحلال من صاحبه: باعتقاد حِلِّ الحرام، أو أن الله –- لم يُحَرِّمْ هذا الشيء أصلًا، مع وقوفه على أدلة التحريم الجازمة، ولكن يتركها بهواه، وليس عنده شيء يدفعها([447]).

والغالب أن هذا الاعتقاد في الاستحلال المكفِّر لا يُعرف في الدنيا إلا بنطق اللسان؛ إلا في بعض الصُّور الضيقة التي استدل العلماء فيها بالعمل الظاهر على الاستحلال القلبي، أو عدم اعتقاد التحريم، أو عدم التزام ذلك مع اعتقادِه التحريمَ، فاستدلوا فيها على استحلال القلب بأعمال الجوارح وإن لم يَنْطِق، ولهذا تفصيلٌ آخر، ليس هذا محله.

فما كان كفرًا بذاته, أي أنه من الكفر الأكبر: فلا يُشترط في التكفير به استحلال فاعله, إنما يُشترط الاستحلال في التكفير بالمعاصي والذنوب التي هي دون الكفر، فإن الاستحلال لما حرم الله حرامًا بيِّنًا لا نزاع فيه: نَوْعٍ مُسْتَقِلُّ من أنواع الكفر، واعتراضٌ على حكم الله، ورَدٌّ لأمره وخبره، إلا أن ذلك في حَقِّ المعين يكون بعد مراعاة استيفاء شروطه وانتفاء موانعه، ولا يُشترط في التكفير للمعين توافر نوعين فأكثر من أنواع الكفر، بل هذا من زيادة الطغيان والجرأة على الله تعالى، فمن وقع في أمْر مُتَّفَقٍ على أنه كُفْر أكبر، سواء اسْتَحَلَّ ذلك أم لا، كمَنْ سَجَدَ لصنمٍ، قاصِدًا مختارا عالما، أو من وَطَأَ المصحفَ بقدمه، أو مزّقه، أو لطّخه بالنجاسات، أو سبّ الرب -سبحانه جَلَّ شأنه- أو رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وعندي في اشتراط انتفاء الجهل في التكفير بالأمرين الأخيرين اعتراض، أما اشتراط انتفاء الإكراه أو الجنون والسُّكْر ونحو ذلك؛ فنعم.

(تنبيه): استحلالُ المحَرَّمِ كتحريم ما أوجبه الله في التكفير به، فمن استحل الفواحش والكبائر، كمن حرّم أداء الزكاة، وصوم رمضان، وبرَّ الوالدين، وصلة الرحم، وغير ذلك من الواجبات الشرعية المشهورة المقطوع بوجوبها دون تأويل يُعْذَر به.

والاستحلال منه قَوْلِيٌّ، ومنه عَمَلِيٌّ، فالقولي: هو جَعْل الحرام الصريح المجمع عليه حلالًا، وبنحوه –في المعنى- جَعْل الحلال الصريح المجمع عليه حرامًا دون تأويل فيهما، والتأويل عُذْر حتى يُزال عن صاحبه اللَّبْس، وأما الاستحلال العملي: فظاهر من حرص فاعل المعصية عليها، وفَرَحِهِ بالظَّفَر بها، والصواب: أنه لا يُكَفَّر إلا بالاستحلال القولي، وإلا كفَّرنا كثيرًا من ذوي المعاصي والذنوب، وبعضُ أهل العلم ذهب إلى أن بعض القرائن قد تدل على الكفر بالاستحلال العملي، وإذا كان اليقين لا يُترك للشك، فهو في هذا المقام آكد وآكد، ونبقى على التكفير بالاستحلال القولي فقط، إلا أن يدل دليل على التكفير بالاستحلال العملي ولا دافع له، ولا احتمال يَقْدَح فيه، وذلك بالرجوع إلى أهل العلم المجتهدين والخبراء بحال المعيَّن.

الثاني عشر من الأصول والضوابط: الكُفر كُفْران: أكبر وأصغر:

* وبعضهم يقول: كُفْر اعتقادي, وكفر عملي, ويجعل العمليَّ كُلَّه مما لا يُخْرج من الإسلام، وليس ذلك دقيقًا؛ فالكفر العملي منه ما هو أكبر وأصغر أيضًا, فالأكبر منه: كالسجود لصنم، وهو يَعْلَم أنه صنم، أو وطْء المصحف بالقدم، وهو يَعْلَم أنه كتاب الله الذي أنزله على نبيه محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والأصغر منه كالنياحة، والطعن في الأنساب، وكفران العشير.

ومن الكفر العملي الأكبر ما يدل على اعتقاد أمر مُكَفِّر, ومنه ما هو دون ذلك, وهناك أمور مكفرة سواء دَلَّتْ على اعتقاد أَمْرٍ مُكَفِّرٍ أم لا, ولا يُشترط معرفة اعتقاد المرء فيها, إنما هي كفْر مجرد, كمن سجد لصنم، وهو عالم قاصد مختار, أو سبَّ الربَّ — أو رسولَهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قاصدًا مختارًا, وادَّعَى أنه إنما فَعَلَ ذلك إغاظةً لفلان, أو تقليدًا لفلان، وإلا فهو لا يعتقد ذلك!! فلا يُقبل هذا منه, ويُحكم بكُفْرِهِ إنْ أصَرَّ على ذلك بعد مراعاة بقية الشروط والموانع.

وكذا الشركُ شركان: أكبر وأصغر, والنفاقُ نفاقان: اعتقادي وعملي, أو أكبر وأصغر, والمكفِّر هو الاعتقادي أو الأكبر، والفسقُ فسقان, والركونُ ركونان، والموالاةُ موالتان، والمعاداةُ معادتان، والفجورُ فجوران، والظلمُ ظلمان, والذنبُ ذنبان, والمعصيةُ معصيتان, والبدعةُ بدعتان, والجهلُ جهلان, والضلالُ ضلالان,…الخ، فالأكبر مكفِّر دون الأصغر، وأهل السنة لا يكفِّرون مرتكب الكبيرة التي هي دون الشرك، ولا بد من الرجوع في تفصيل ذلك إلى سياق الأدلة, والجمع بينها, وشروح العلماء, وإلا فهذا موضعُ مَزَلَّةِ أقدامٍ, وضَلالِ أفهام, وتبديلٍ لأحكام الإسلام، والله المستعان.

* قال الشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن -رحمهم الله تعالى-: «ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، قد يُراد مُسَمَّاها المُطْلَقُ وحقيقَتُها المطلَقَةُ، وقد يُراد بها مُطْلَق الحقيقة، والأَوَّل هو الأَصْل عند الأصوليين، والثاني لا يُحْمَلُ الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يُعْرَفُ ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة، قال تعالى: [ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] {إبراهيم:4}. ا هـ

الثالث عشر من الأصول والضوابط: المعلوم من الدين بالضرورة الذي يَكْفُر جاحِدُهُ، أو يُعَاقَبُ مخالِفُهُ أَمْرٌ إضافِيٌّ نِسْبِيٌّ, يتغير من زمن إلى زمن, ومن مكان إلى مكان, ومن شخص إلى آخر، وكونه كذلك في نفسه لا يلزم منه أن يكون مُطَّرِدًا في كل شخصٍ وزمانٍ ومكانٍ:

تعريفُ المعلوم من الدين بالضرورة، وحُكمُهُ، وأحوالُ الناس تجاهَهُ:

المعلوم من الدين بالضرورة: هو ما شاع وذاع من أحكامٍ الشرع بين المسلمين، وأصبح العلم بها اضطراريا، لا يحتاج إلى بَحْثٍ ونَظَرٍ؛ فَيَعْلمُه العالمُ وغيره، كحُرمة الزنى، والسرقة، والظلم وغيرها، ثلا يَسَعُ أحدًا الجهلُ بها، إلا أنّ المعلوم من الدين اضطرارا يتغير من زمن إلى زمن, ومن مكان إلى مكان, ومن شخص إلى آخر.

فقد يكون أحد الواجبات معلومًا في زمن ما, أو مكان ما, أو لشخص ما, ولا يكون الأمر نفسه كذلك في زمن آخر, أو مكان آخر, أو لشخص آخر, ولذلك لا يُطبق كلُّ ما يُقرأ عن العلماء في هذا المعنى في أي زمان, أو مكان, أو على أي شخص كان حتى يُنظر: هل خالف المعلومَ بالضرورة من الدين عنده, أو عند أهل زمانه وأمثاله, أم لا؟

فلا يُكَفر كلُّ من جَحَدَ أحد هذه الأمور التي مَثَّلُوا بها؛ لاحتمال أن يكون الجهلُ قد غَلَبَ على أهل زمنٍ ما، أو طائفة ما، حتى أصبح هذا الأمر الذي كان ظاهرًا جدًّا في زمن سابق، أو مكانٍ آخَرَ غير معلوم لديهم، ولم يعُدْ في حَقِّهم معلومًا من الدين بالضرورة، ففي زمن انتشار العلم تَشْتَهِر أحكامٌ فرعية لا يجهلها أكثر الناس، وفي زمن ظُهور الجهل يتبدل الحال، وتَخْفَى فرائض وأصول كانت من شعائر الإسلام والمسلمين، والله المستعان!!

وقد بيّن أبو بكر بن العربي — المرادَ بالمعلوم من الدين بالضرورة الذي يكْفُر جاحِدُهُ، فقال: «فالجاهلُ والمخطئُ من هذه الأمة، ولو عَمِلَ من الكُفر والشِّرك ما يكون صاحِبُهُ مُشْرِكًا أو كافرا؛ فإنه يُعْذَرُ بالجهل والخَطَأ، حتى تَتَبَيَّنَ له الحُجَّةُ التي يَكْفُر تاركُها بيانًا واضحا، ما يَلْتَبِسُ على مِثْلِهِ، ويُنْكِرُ ما هو معلومٌ بالضرورة من دين الإسلام، مما أَجْمَعُوا عليه إِجْمَاعًا جَلِيًّا قطعيًّا، يَعْرِفُهُ كلٌّ من المسلمين من غير نَظَرٍ وتَأَمُّلٍ، كما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- ولم يخالف في ذلك إلا أهلُ البدع»([448]). اهـ.

ومما يدل على ذلك حديثُ حذيفة –رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «يَدْرُسُ([449]) الإسلامُ كما يَدْرُسُ وشْيُ الثوب، حتى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صلاةٌ، ولا نُسُكٌ، ولا صدقةٌ، وليُسْرَى على كتاب الله — في ليلة، فلا يَبْقى في الأرض منه آيةٌ، وتَبْقَى طوائفُ من الناس: الشيخُ الكبير، والعجوزُ، يقولون: أدركْنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها» فقال صِلَة بن زفر([450]) لحذيفة -رضي الله عنه-: ما تُغْنِي عنهم «لا إله إلا الله» وهم لا يَدْرُون ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نُسُكٌ، ولا صدقةٌ؟! فأعرض عنه حذيفة -رضي الله عنه-، ثم رَدَّها عليه ثلاثًا، كُلُّ ذلك يُعْرِضُ عنه حذيفةُ، ثم أَقْبَلَ عليه في الثالثة، قال: يا صلة، تُنْجِيهم من النار، تُنْجِيهم من النار، تُنْجِيهم من النار»([451]).

فهذا دليل على أن هناك طوائفَ في بعض الأزمنة قد تَجْهَل وجوبَ الصلاةِ والصيامِ والزكاةِ والحجِّ، بل وبقية الواجبات -من باب أولى- إلا كلمة التوحيد، وهل هناك معلوم من الدين بالضرورة في ذاته أَشْهَرُ من هذه الأمور التي جَهِلَتْها هذه الطوائف؟! ومع ذلك لم يَكْفُروا بجهلها؛ لأنهم كانوا حريصين على التمسك بما أدركوا عليه آباءهم من واجبات هذا الدين، ولم يَبْق لهم إلا كلمة التوحيد، فهم يقولونها، فعُذِروا فيما لم يَكُنْ لهم به عِلْم؛ إذْ لا تكليف إلا بعد العلم، وفتوى الصحابي حذيفة –رضي الله عنه- أنها تنفعهم، سواء كان ذلك له حُكْمُ الرفع -ولعله الأظهر لتكراره للكلمة ثلاث مرات، مما يشير إلى تأكده من أمر غيبي، فدَلَّ على أنه سمعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو كان قولَ صحابي لا يُعْلَم له مخالف، وهو أدرى بما روى، كل هذا يدل على أن المسألة نسبية إضافية، تختلف من شخص لآخر، ومن زمن لآخر، ومن بلد لآخر، والله أعلم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ قَدْ يَنْشَأُ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ الَّذِي يَنْدَرِسُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّاتِ، حَتَّى لَا يَبْقَى مَنْ يُبَلِّغُ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، فَلَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا يَبْعَثُ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ يُبَلِّغُهُ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَكَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، فَأَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَعْرِفُونَ فِيهِ صَلَاةً، وَلَا زَكَاةً، وَلَا صَوْمًا، وَلَا حَجًّا، إلَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ يَقُولان: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ صَلَاةً وَلَا زَكَاةً وَلَا حَجًّا وَلَا صَوْمًا، فَقَالَ: تُـنْجِيِهِمْ مِنَ النَّارِ»([452]). اهـ.

* وقال الخطابي — في «معالم السنن»([453]): «وهل إذا أَنْكَرَتْ طائفةٌ من المسلمين في زماننا فَرْضَ الزكاة، وامْتَنَعُوا عن أدائها، يكون حُكْمُهم حُكْمَ أهلِ البَغْي؟ قلنا: لا، فإنَّ مَنْ أَنْكَرَ فَرْضَ الزكاة في هذه الأزمان؛ كان كافرًا بإجماع المسلمين، والفَرْقُ بين هؤلاء وأولئك -يعني زمن المرتدين بمنع الزكاة-: أنهم إنما عُذِروا لأسباب وأمور لا يَحْدُثُ مِثْلُها في هذا الزمان، منها: قُرْبُ العَهْد بزمان الشريعة، الذي كان يقع فيه تبديلُ الأحكام بالنسخ، ومنها أن القوم كانوا جهالًا بأمور الدين، وكان عَهْدُهم بالإسلام قريبًا، فدَخَلَتْهُم الشُبْهةُ، فَعُذِرُوا، فأما اليوم وقد شاع دينُ الإسلام، واستفاضَ في المسلمين عِلْمُ وجوبِ الزكاة، حتى عرفَهَا الخاصُّ والعامُّ، واشترك فيه العالِمُ والجاهِلُ؛ فلا يُعْذَر أحد بتأَوُّلٍ يتأوَّلُهُ في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما أَجْمَعَتْ الأمةُ عليه من أمور الدين، إذا كان عِلْمُه منتشرًا: كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلًا حديثَ عَهْدٍ بالإسلام، ولا يَعْرِفُ حدوده؛ فإنه إذا أنكر شيئًا منها جَهْلًا به لم يَكْفُر، وكان سبيلُه سبيلَ أولئك القومِ في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماعُ فيه معلومًا من طريق عِلْمِ الخاصَّةِ: كتحريم نكاح المرأة على عَمَّتها وخالتها، وأن القاتِلَ عَمْدًا لا يَرِثُ، وأن للجَدَّة السُّدُسَ، وما أَشْبَهَ ذلك من الأحكام؛ فإن من أَنْكَرَها؛ لا يَكْفُر، بل يُعْذَر فيها؛ لِعَدَمِ اسْتِفَاضَةِ عِلْمِهِا في العامَّة».

* وقال ابن قدامة — في «المغني»([454]) في حُكْم من جحد وجوب الصلاة: «ولا خلاف بين أهل العلم في كُفْر مَنْ تَرَكَها جاحِدًا لوجوبها، إذا كان ممن لا يَجْهَلُ مِثْلُهُ ذلك، فإن كان ممن لا يعرف الوجوبَ، كحديثِ الإسلام، والناشئِ بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم؛ لم يُحْكَم بكُفره، ويُعَرَّف ذلك، وتُثْبَت له أدلَّةُ وجوبها، فإن جحدها بعد ذلك؛ كَفَر، وأما الجاحد لها ناشِئًا في الأمصار بين أهل العلم؛ فإنه يَكْفُر بمجرد جَحْدها، وكذلك الحكم في مباني الإسلام كُلِّها، وهي الزكاة، والصيام، والحج؛ لأنها مبادئ الإسلام، وأدلةُ وجوبها لا تكاد تَخْفَى؛ إذْ كان الكتابُ والسنةُ مَشْحُونَيْنِ بأدلتها، والإجماعُ مُنْعَقِدٌ عليها، فلا يجحدها إلا معاند للإسلام، يمتنع من التزام الأحكام، غَيْرُ قابلٍ لكتاب الله تعالى ولا سنة رسوله، ولا إجماع أمته، … إلى أن قال: وكذلك كُلُّ جاهلٍ بشيء يمكن أن يَجْهَلَه لا يُحْكَم بكفره، حتى يُعَرَّف ذلك، وتزول الشُّبْهَة، ويَسْتَحِلَّه بعد ذلك».

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية — كما في «مجموع الفتاوى»([455]): «ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة: كالفواحش، والظلم، والخمر، والميسر، والزنا، وغير ذلك، أو جحد حِلَّ بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخُبْزِ، واللَّحم، والنكاح؛ فهو كافر مرتد، يُسْتتاب: فإن تاب؛ وإلا قُتِلَ، وإن أَضْمَرَ ذلك؛ كان زنديقا منافقا، لا يستتاب عند أكثر العلماء؛ بل يُقْتَل بلا استتابة إذا ظهر ذلك منه، ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش: كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب، والخُلُوِّ بهنَّ زعمًا منه أنه يحصُلُ لَهُنَّ البركَةُ بما يَفْعَلُه معهن، وإن كان محرما في الشريعة، وكذلك من يستحل ذلك من المردان، ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم، ومباشَرَتهم: هو طريقٌ لبعض السالكين حتى يَتَرَقَّى من محبة المخلوق إلى محبة الخالق، ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى، وقد يستحلون الفاحشة الكبرى، كما يستحلها من يقول: إن التَّلَوُّطَ مباحٌ بملْكِ اليمين، فهؤلاء كلُّهم كفارٌ باتفاق المسلمين، وهم بمنزلة من يَسْتَحِلُّ قَتْلَ المسلمين بغير حقٍّ، ويَسْبِي حريمَهُم، ويَغْنَمُ أموالَهُم، وغير ذلك من المحرمات، التي يُعْلَم أنها من المحرمات تحريما ظاهرا متواترا.

لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جَهْلًا يُعْذَر به، فلا يُحْكَم بكُفْر أَحَدٍ حتى تقومَ عليه الحجةُ من جهة بلاغ الرسالة، كما قال تعالى: [ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:165}، وقال تعالى: [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ] {الإسراء:15}، ولهذا لو أَسْلَمَ رجلٌ، ولم يَعْلَم أن الصلاة واجبةٌ عليه؛ أو لم يَعْلَمْ أن الخَمْرَ يُحَرَّمُ؛ لم يَكْفُر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا؛ بل ولم يعاقَبْ حتى تَبْلُغَهُ الحجةُ النبويةُ.. اهـ

* وقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- كما في «الهدية السنية»([456]) عن بعض من يعمل الشرك: «إنه لا يَكْفُر؛ لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه؛ فلم تَقُمْ عليه الحجة، ولا وَضَحَتْ له المحجة».

* وقال شيخنا الألباني — كما في «موسوعة العلامة الألباني»([457]): «أنا لا أُكَفِّر هؤلاء العامَّةَ الذين يطوفون حولَ القبور؛ لِغَلَبَةِ الجَهْلِ، بل وقلت -ولعل الأخ أبو الحسن([458]) يذكر هذا-: أنني أتعجب من بعض العلماء الذين يقولون: بأنه لا يُوجَد اليومَ أهلُ فترة، فأنا أقول: أهل الفترة موجودون خاصةً في بلاد الكفر أوروبا وأمريكا، و … و … إلى آخره، بل أنا أقول قولة -ما أظن أَحَدًا يقولها اليوم- أنا أقول: أهل الفترة موجودون بين ظهرانَينَا، وأعني هؤلاء الجهلة الذين يجدون من يؤيد ضلالَهم: اسْتِغَاثَتَهم بغير الله، والنَّذْرَ لغير الله، والذَّبْحَ لغير الله، ويُسَمُّون هذه الشركياتِ كلَّها بالتوسل، والتوسلُ كما تعلمون نوعان، فهؤلاء من أين لنا أن نُكَفِّرهم، وهم لم تَبْلُغْهم دعوةُ الكتاب والسنة، أَعْني هؤلاءِ العامةَ والمُضَلَّلِين من بعض الخاصَّة، والبعضُ الآخر قد يُوجَدون في بلد، ولا يُوجَدون في بلد آخر، هذا الكلام الذي تَلَوْتَهُ عَلَيَّ آنفًا، أنا مُتَأَثِّرٌ به جِدًّا جدًّا، حتى قُلْتُ: أن أهل الفترة اليوم يعيشون بين ظهرانَينَا، يُصَلُّون معنا، ويصومون، ويحجون، لكن هم ما يفقهون ماذا يقولون حينما يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وهو كما أَشَرْتُم في كلامكم، فيما قَرَأْتُم؛ لا بد قبل كل شيء من تحققنا من حال هذا المتكلِّم، بأنه عالم بما يقول، ويعني ما يقول، فإذا انتفى أحد الأمرين؛ لم يَجُزْ لنا بحقِّه إلا التعزير». اهـ

(تنبيه): هناك فرق بين «المعلوم من الدين بالضرورة»، الذي يكْفُر جاحِدُهُ ومُنْكِرُه، وبين «الأمر المُجْمَع عليه»، فليس كُلُّ مُجْمَعٍ عليه كان معلوما من الدين بالضرورة، فبنْتُ الابنِ تَرِثُ السُّدُسَ مع البنْت بإجماع، لكن هذا الحُكْمَ ليس معلوما من الدين بالضرورة.

* قال النووي – -: «أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحِدِ المُجْمَعِ عليه، وليس هو على إطلاقه: بل مَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عليه فيه نَصٌّ، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يَشْتَرِكُ في معرفتها الخواصُّ والعوامُّ: كالصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو تحريم الخمر، أو الزنا، ونحو ذلك؛ فهو كافر، ومن جحد مُجْمَعًا عليه لا يَعْرِفُه إلا الخواصُّ: كاستحقاق بنتِ الابنِ السدسَ مع بنت الصُّلْب، وتحريم نكاح المُعْتَدَّة، وكما إذا أجمع أهل عصر على حُكْمِ حادثةٍ؛ فليس بكافر؛ للعُذْرِ، بل يُعَرَّفُ الصوابَ لِيَعْتَقِدَهُ، ومَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عليه ظاهِرًا لا نَصَّ فيه؛ ففي الحكم بتكفيره خلاف». اهـ

* وقال ابن دقيق العيد – – في هذا الشأن: «وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ «الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» بِمَعْنَى الْمُخَالِفِ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ، فَيَكُونُ مُتَمَسَّكًا لِمَنْ يَقُولُ: مُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ كَافِرٌ، وَقَدْ نُسِبَ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْهَيِّنِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الطَّرِيقَ فِي التَّكْفِيرِ: فَالْمَسَائِلُ الْإِجْمَاعِيَّةُ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا، وَتَارَةً لَا يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَكْفُرُ جَاحِدُهُ؛ لِمُخَالِفَتِهِ الْمُتَوَاتَرَ، لَا لِمُخَالِفَتِهِ الْإِجْمَاعَ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: لَا يَكْفُرُ بِهِ». اهـ.([459])

* وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي – -: «وفي الجملة: فما ترك الله ورسوله حلالًا إلا مُبَيَّنًا، ولا حرامًا إلا مُبَيَّنًا؛ لكنَّ بعضَه كان أَظْهَر بيانًا من بعضٍ، فما ظَهَرَ بيانه، واشْتَهَر، وعُلِمَ من الدِّين بالضرورة من ذلك؛ لم يَبْقَ فيه شَكٌّ، ولا يُعْذَرُ أحدٌ بجهله في بلدٍ يَظْهَر فيها الإسلامُ، وما كان بيانُهُ دون ذلك: فمنه ما يَشْتَهِر بين حَمَلَةَ الشَّريعة خاصَّةً، فأَجْمَعَ العلماءُ على حِلِّه أو حُرْمَتِه، وقد يَخفى على بعض مَن ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه؛ وذلك لأسبابٍ:

منها: أنَّه قد يكون النَّصُّ عليه خفيًّا لم يَنْقُلْه إلاَّ قليلٌ من النَّاس؛ فلم يَبْلُغْ جميعَ حَمَلَةِ العلم.

ومنها: أنَّه قد يُنقَلُ فيه نصَّان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيَبْلُغُ طائفةً منهم أحدُ النَّصَّين دون الآخر، فيتمسَّكون بما بَلَغهم، أو يَبْلُغُ النَّصَّانِ معًا من لا يَبْلُغُه التاريخُ، فيقفُ لعدم معرفته بالنَّاسخ والمنسوخ.

ومنها: ما ليس فيه نصٌّ صريحٌ، وإنَّما يؤخذ من عمومٍ، أو مفهومٍ، أو قياسٍ؛ فَتَخْتَلِفُ». اهـ([460])

* وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني – – في «الفتح»: «قال شيخنا -يعني الحافظ العراقي – في «شرح الترمذي»: والصحيحُ في تكفير مُنْكِر الإجماع: تقييدُهُ بإنكار ما عُلِمَ وجوبُهُ من الدين بالضرورة: كالصوات الخمس». اهـ.)[461])

* وبيَّن الحافظ السيوطي في «الأشباه والنظائر في فروع الشافعية» مراتبَ ما فيه الكُفْر من المسائل، وذكر فيها المعلوم من الدِّين بالضَّرورة مُبَيِّنًا له، فقال:

«أحدها: ما نكَفِّرُه قَطْعًا: وهو ما فيه نصٌّ، وعُلِمَ من الدِّين بالضَّرورة، بأنْ كان من أمور الإسلام الظَّاهرة، التي يشتركُ في معرفتها الخواصُّ والعوامُّ؛ كالصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والحج وتحريم الزِّنا ونحوه.

الثاني: ما لا نُكَفِّره قَطْعًا: وهو ما لا يعرفه إلاَّ الخواصُّ، ولا نصَّ فيه؛ كفساد الحجِّ بالجماعِ قبل الوقوف.

الثالث: ما يُكَفَّرُ به على الأَصَحِّ، وهو المشهورُ المنصوص عليه، الذي لم يبلغ رُتبة الضَّرورة؛ كحِلِّ البَيْع، وكذا غيرُ المنصوص على ما صَحَّحَه النوويُّ.

الرابع: ما لا يُكَفَّرُ به على الأصح، وهو ما فيه نصٌّ؛ لكنَّه خفيٌّ غير مشهور؛ كاستحقاق بنت الابنِ السُّدُسَ مع بنتِ الصُّلب». اهـ([462])

الرابع عشر من الأصول والضوابط: لابد من فهم كلام العلماء على مرادهم, لا على المعنى الحادث بعدهم:

معلومٌ أن العزو إلى أهل العلم بحُكمٍ ما إنما هو مُسْتَنْبَطٌ من كلامهم؛ فلا بد أن يكون ذلك عن فَهْمٍ صحيحٍ موافقٍ لمرادهم، وإلا كان قولا عليهم بغير علم، وتقويلًا للعلماء بما لم يَدُرْ بخلَدهم، كقولهم: «من لم يَلْتَزِم حُكْمَ الله ورسوله؛ فهو كافر» يريدون بذلك من لم يُقِرَّ بأن حُكْم الله في التحليل والتحريم -مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا- لازِمُ له, وأنه داخلٌ في جُملة المخاطَبين به, والمكَلَّفين به, وأنه مُعَرَّضٌ للوعيد إذا خالفه, فمن لم يَلْتَزِم بذلك، أي لم يُقرَّ بذلك؛ فهو كافر, وهذا حَقٌّ لا مِرْية فيه؛ فإن من لم يقرّ بذلك؛ لم يقرّ بأنه مُلْزَم بحُكْمِ الله — وحكم رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهل يَشُكُّ أحد في كُفْر من كان كذلك؟

وليس المراد من هذه العبارة: أن من لم يتحاكم عمليًّا إلى الكتاب والسنة؛ فهو كافر، كما يظنه كثير من الناس!!

* وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: «ولا رَيْبَ أن من لم يَعْتَقِدْ وجوبَ الحُكم بما أَنْزَلَ الله على رسوله؛ فهو كافر….» إلى أن قال: «بل كثيرٌ من المنتسبين إلى الإسلام يحْكٌمون بعاداتهم، التي لم يُنْزِلْها الله
-سبحانه وتعالى- كسَوَاليف البادية، وكأوامِرِ المُطَاعِين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحُكْم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفْر؛ فإن كثيرًا من الناس أَسْلَموا، ولكنْ مع هذا لا يَحْكُمون إلا بالعادات الجارية لهم، التي يَأْمُر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عَرَفُوا أنه لا يَجُوز الحُكْم إلا بما أَنْزَلَ الله، فلم يَلْتَزِموا ذلك، بل اسْتَحَلُّوا أن يَحْكُموا بخلاف ما أنزل الله؛ فهم كُفَّار، وإلا كانوا جُهالًا كمن تَقَدَّم أمرهم،….»
إلى أن قال: «فمن لم يَلْتَزِم تحكيم الله ورسوله فيما شَجَرَ بينهم؛ فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحُكْم الله ورسوله باطنا وظاهرًا، لكن عَصَى واتَّبَعَ هواه، فهذا بمنزلة أمثالِهِ من العصاة»([463]). اهـ.

فتأمل إثباتَهُ — وجود الالتزام بحكم الله ظاهرًا وباطنًا، مع وجود المعصية واتباع الهوى في العمل الظاهر، مما يدل على أن المراد بالالتزام الإقرارُ بالحكم وإعلانُ أنه لازِمٌ للمرء، ومخاطَبٌ به، وهذا كُلُّه عَمَلٌ قَلْبِيٌّ لسانِيٌّ، لا مجرد عملِ الجارحة، فمن لم يعرف مراد العلماء من كلامهم واصطلاحًاتهم؛ وقع في الخطأ، بل نسب الخطأ إلى العلماء، وهم منه براء.

والذي يَظْهَر لي: أنّ الحامِلَ لكثير من الناس على فهم الالتزام في كلام شيخ الإسلام وغيره من العلماء بأن المراد به التمسّكُ والقيامُ بالفعل؛ هو ما شاع بين كثيرٍ من أهل زماننا من قولهم: «فلانٌ أخ مُلتزم»، يريدون بذلك أنه مُتَمَسِّكٌ بالدين، قائِمٌ بواجباته الظاهرة والباطنة -فيما يترجح لدى القائل-، وإطلاقُ هذا فهمٌ خاطئ، وعُرْفٌ حادِثٌ لا يُعَوَّلُ عليه؛ فإنّ الالتزام عملٌ قلبي خلاصته: إقرارُ المرء بأنّ حكم الله هو الحق، وأنه لازمٌ له، لا يجوز له الخروجُ عليه، فإن خرج بفعله في شيءٍ بعد ذلك: بتَرْكِ التحاكم إلى الشرع؛ فهذه معصيةٌ ارتكبها، وإن لم يَلْتَزِمْ أصلا، ولم يُقرّ بأنّ حُكم الله لازمٌ له، وأنه معرّض للعقاب إن أخلّ به؛ فليس بمسلم، بل هو كافر، والعياذ بالله.

ومن ذلك أيضًا: قول العلماء: «من لم يُكَفِّر الكافِرَ، أو شَكَّ في كُفْرِه، أو توقّف في تكفيره؛ فهو كافر» فهذا القول محمول عندهم على من لم يُكَفِّر الكفار الأصليين الذين صرّح القرآن وصَرَّحَتْ السنةُ بتكفيرهم، سواء كانوا طوائف أو جماعات، وكذلك مَنْ صَرَّح الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكفره بعينه: كفرعون, وأبي لهب, وهامان, وقارون…الخ، وكذا من وقع في كُفْرٍ صريح، وبَلَغَتْهُ الحجَّةُ المُلْزِمَةُ، التي لا خلاف فيها فأصرّ وعاند واستهزأ وأعرض وكَفَّره بعينه كبار أهل العلم، وخالفهم فيه من لا يُحْسِن فهم الأدلة؛ فهذا ينطبق عليه قولهم: من لم يُكَفِّر الكافر؛ فهو كافر، والله أعلم!!

أما المسلم الذي فَعَل فعلًا ما، واختُلف في تكفيره بسبب الأمر الطارئ عليه، سواء كان ذلك للاختلاف في دلالة الدليل: هل هذا الفعل أو الترك صريح في التكفير أم لا، وذلك بعد الاتفاق على ثبوت الدليل؟ وكذلك إذا سلمنا بصراحة الدليل في الكفر؛ فهل المعيَّن هذا أو ذاك قد استوفى شروط التكفير وانتفت عنه موانعه أم لا؟ ففي هذه الحالة أو تلك لا تُطبَّق قاعدة: «من لم يُكفِّر الكافر؛ فهو كافر» والحال كذلك، وإلا لزم من ذلك تكفير كثير من الأئمة الأعلام، الذين اختلفوا في تكفير كثير من الأعيان، والله أعلم.

الخامس عشر من الأصول والضوابط: كثير من العلماء يُفرِّق بين قوله: «فلان كافر», وقوله: «كَفَر فلان» أو «هذا كُفْر»، أو «الكُفْر» بالألف واللام، فلا بد من التأكد من عبارة العالم قبل نِسْبَةِ القولِ بالتكفير إليه.

* فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية-: «وروى مسلم في «صحيحه» عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: «اثنتان في الناس هُمَا بِهِم كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النسب، والنياحةُ على الميت» فقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هما بهم» أي هاتان الخصلتان هما كُفْر قائمٌ بالناس، فنَفْسُ الخصلتين كُفْر، حيث كانتا من أعمال الكُفر، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قامت به شُعْبَةٌ من شُعَب الكُفْر؛ يصير بها كافرا الكفر المُطْلَقَ، حتى تقوم به حقيقةُ الكفر، كما أنه ليس كلُّ من قامتْ به شعبةٌ من شُعَبِ الإيمان؛ يصير بها مؤمنا، حتى يقوم به أَصْلُ الإيمان وحقيقَتُهُ، وفَرْقٌ بين الكُفر المعرَّف باللام، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا تَرْكُ الصلاة» وبين كُفْر مُنَكَّر في الإثبات، وفَرْقٌ –أيضًا- بين معنى الاسم المطلق إذا قِيل: كافر، أو مؤمن، وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما في قوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا، يَضْرِب بعضُكم رقابَ بعض».

فقوله: «يضرب بعضكم رقاب بعض» تفسير للكفار في هذا الموضع، وهؤلاء يُسَمَّوْن كفارا تَسْمِيَةً مُقَيَّدَةً، ولا يَدْخُلون في الاسم المطلق إذا قيل: كافر أو مؤمن، كما أن قوله تعالى: [ﭩ ﭪ ﭫ] {الطارق:6} سَمَّى المني ماءً تسمية مقيدة، ولم يَدْخل في الاسم المطلق، حيث قال: [ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ] {النساء:43}»([464])اهـ.

كما أن كثيرًا منهم يُطْلِقُ الحكم بالكفر على من فعل كذا, ويعني بذلك بيانَ حُكْمِ الفِعْلِ أو القول أو الاعتقاد, لا الحكم على المعَّين المتلَبِّس به، وقد سبق هذا مفصلًا؛ فلا يَصِحُّ نسبة القول بالتكفير للعالم الفلاني لفلان بعينه، لمجرد أنه قال: من فعل كذا؛ فهو كافر، وفلان هذا بعينه قد فعل هذا الشيء؛ إذَنْ فالعالم الفلاني يكفره؛ فلا يصحّ نسبة هذا للعالم إلا بعد معرفة وجْه كلامه.

* وقد قال العلامة العثيمين في «القول المفيد»([465]) في شرح حديث: «اثْنَتَانِ فِي الناسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ …»: قوله: «كُفْر»: أي هاتان الخصلتان كُفْر، ولا يَلْزَمُ من وجود خَصْلَتَيْنِ من الكُفر في المؤمن أن يكون كافرا، كما لا يلزم من وجود خَصْلَتَيْنِ في الكافر من خصال الإيمان: كالحياء والشجاعة والكرم أن يكون مؤمنا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية –: بخلاف قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بَيْنَ الرَّجُلِ والشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» فإنه أتى «بأل» الدالة على الحقيقة، فالمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة، بخلاف مجيء (كُفْر) نَكِرَةً، فلا يدل على الخروج عن الإسلام» انتهـى كلام ابن عثيمين – -.

السادس عشر من الأصول والضوابط: لا تكفير ولا تفسيق مع الشبهة أو الاحتمال:

سبق أن أمر التكفير أو التفسيق عظيم الشأن عند الله، وخطير الآثار على الفرد والمجتمع، ولذا فلا يجوز التسرع فيه مع قيام احتمال بأن الأمر ليس كذلك، إما لوجود احتمال في ثبوت أو دلالة الدليل الشرعي، وإما لقيام شبهة تمنع من ذلك في حق من تُنسبَ إليه هذه الأحكام، وهذا أمر معروف عند أهل العلم، كما صرّح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية — في رده على من لا يُكَفِّر سابَّ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بمجرد السب إلا لكونه مُسْتَحِلَّ السب، فذكر في الوجه الرابع أن التكفير لا يكون بأمر محتمل.

* فقال – تعالى-: «الوجه الرابع: أنه إذا كان المكَفِّر هو اعتقادُ الحِلِّ؛ فليس في السبِّ ما يدل على أن السابَّ مُسْتَحِلٌّ، فيجب أن لا يُكَفَّر، لا سيما إذا قال: «أنا أَعْتَقِدُ أن هذا حرام، وإنما أقول غَيْظًا، وسَفَهًا، أو عَبَثًا أو لَعِبًا» كما قال المنافقون: [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ] {التوبة:65} كما إذا قال: إنما قَذَفْتُ هذا، أو كَذَبْتُ عليه لَعِبًا وعَبَثًا، فإن قيل: لا يكونون كفارا؛ فهو خلاف نصِّ القرآن، وإن قيل: يكونون كفارا؛ فهو تكفير بغير موجِب إذا لم يُجْعَلْ نَفْسُ السبِّ مُكَفِّرًا، وقول القائل: أنا لا أُصَدِّقُه في هذا -يعني قوله: أنا أعتقد حرمة ذلك-؛ لا يستقيم؛ فإن التكفير لا يكون بأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، فإذا كان قد قال: «أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية، وأنا أفعله» فكيف يُكَفَّر إن لم يَكُنْ ذلك كُفرا؟ ولهذا قال -سبحانه وتعالى-: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ] {التوبة:66} ولم يَقُلْ: قد كَذَبْتُم في قولكم: (إنما كنا نخوض ونلعب) فلم يُكَذِّبْهم في هذا العذر، كما كَذَّبهم في سائر ما أظهروه من العُذْر الذي يُوجِبُ براءتَهُم من الكُفر، كما لو كانوا صادقين، بل بَيَّنَ أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخَوْضِ واللَّعِبِ»([466]). اهـ

* وفي بيان مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، في دورته التاسعة والأربعين، المنعقدة في 2/ 4/ 1419هـ برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز –- جاء فيه في سياق عدم جواز التكفير إلا بدليل واضح من الكتاب والسنة، وفيه: «فلا يَكْفِي في ذلك مُجَرَّدُ الشُّبْهَة والظنِّ؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدودُ تُدْرَأ بالشُّبُهَات، مع أن ما يترتَّبُ عليها أَقَلُّ مما يترتَّبُ على التكفير؛ فالتكفير أَوْلَى أن يُدْرَأ بالشُّبُهات …»([467]).

وقد سبق كلام عدد من الأئمة في أول الكتاب بالتصريح بأنه لا تكفير مع الاحتمال؛ فارجع إليه -إن شئتَ-.

السابع عشر من الأصول والضوابط: الرجل الواحد قد يَجْتَمِعُ فيه إيمانٌ وكفْرٌ، وتوحيدٌ وشركٌ، وتَقْوى وفجورٌ، وإيمانٌ ونفاقٌ، وطاعةٌ ومعصيةٌ، وسنةٌ وبدعةٌ، وخيرٌ وشرٌّ، وما يُمْدَحُ لأجله ويُذَم، لكن كل ذلك فيما إذا لم يكن الكفر الأكبر ونحوه:

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – -: «وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ يَجْتَمِعُ فِيهِ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ، وَطَاعَاتٌ وَمَعَاصٍ، وَبِرٌّ وَفُجُورٌ وَشَرٌّ، فَيُثِيبُهُ اللَّهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ وَيُعَاقِبُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ إنْ شَاءَ أَوْ يَغْفِرُ لَهُ وَيُحِبُّ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَيُبْغِضُ مَا فَعَلَهُ مِنْ الشَّرِّ». اهـ([468])

ويوضح شيخ الإسلام — الأَصْلَ الفاسد الذي شَيَّدَتْ عليه المرجئةُ والوعيديةُ مذهبهم في الإيمان، وهو: أنهم منعوا أن يجتمع في الرجل شُعْبة من إيمان وشُعْبة من كُفْر، حيث قال – -: «ثُمَّ إنَّ «هَذِهِ الشُّبْهَةَ» هِيَ شُبْهَةُ مَنْ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ طَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ جُزْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ، وَالْمَعْصِيَةَ جُزْءٌ مِنْ الْكُفْرِ؛ فَلَا يَجْتَمِعُ فِيهِ كُفْرٌ وَإِيمَانٌ، وَقَالُوا: مَا ثَمَّ إلَّا مُؤْمِنٌ مَحْضٌ، أَوْ كَافِرٌ مَحْضٌ، ثُمَّ نَقَلُوا حُكْمَ الْوَاحِدِ مِنْ الْأَشْخَاصِ إلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْأَعْمَالِ، فَقَالُوا: لَا يَكُونُ الْعَمَلُ الْوَاحِدُ مَحْبُوبًا مِنْ وَجْهٍ مَكْرُوهًا مِنْ وَجْهٍ». اهـ)[469])

* وقال –: «فمذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسَلَفِ الأمة وأَئِمَّتها: أن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يحبه الله من الحسنات، وما يبغضه من السيئات، ويكون مُطيعًا من وَجْهٍ، عاصيًا من وَجْهٍ، برًّا من وَجْهٍ، فاجرًا من وَجْه، مستحقًّا للثواب من وَجْهٍ، وللعقاب من وَجْه، فيه إيمانٌ من وَجْهٍ، وفيه فِسْقٌ -بل ونفاق- من وَجْه.

وإنما يقول لا يجتمع هذا وهذا الوعيديَّةُ من الخوارج والمعتزلةِ؛ فإنهم يقولون ما ثَمَّ إلا مؤمنٌ مُسْتَحِقٌّ للثواب لا يُعاقب بحال، أو مخلَّدٌ في النار لا يَخْرُج منها بشفاعةٍ ولا غيرها، ومن فيه فجورٌ، فليس معه من الإيمان عندهم شيء». اهـ)[470])

* وقال أيضًا –: «والشخص الواحد الذي يجتمع فيه هذا وهذا: الذي تكون فيه مادةٌ تَمُدُّهُ للإيمان، ومادةٌ تمدُّه للنفاق، يكون فيه من هذا الحال وهذا الحال». اهـ([471])

* وقال أيضًا –: «وَإِذَا كَانَ مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ: إنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ فِيهِ إيمَانٌ وَنِفَاقٌ؛ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّهُ يَكُونُ فِيهِ إيمَانٌ وَكُفْرٌ، لَيْسَ هُوَ الْكُفْرُ الَّذِي يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابُهُ فِي قَوْله تَعَالَى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {المائدة:44} قَالُوا: كَفَرُوا كُفْرًا لَا يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ، وَقَدْ اتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ». اهـ([472])

* وقال الإمام ابن القيم –: «وههنا أصل آخر: وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كُفْر وإيمان، وشِرْكٌ وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان, هذا من أعظم أصول أهل السنة, وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع: كالخوارج والمعتزلة والقدرية». اهـ([473])

مناظرة مع الشيخ الألباني — تلخص هذه الأصول والضوابط:

جاء في «جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة»([474]): قال بعض طلبة العلم للعلامة الألباني –: كُنْتُ قد كَتَبْتُ شيئًا من أصول التكفير، فكُنْتُ أَوَدُّ أن أقرأها عليكم باختصار شديد؛ حتى تُصَوِّبوني إن كنتُ صائبًا، وتُخَطِّئُوني إن كنتُ مُخْطئًا، ومن ثَمَّ يَسْتَفِيدُ مَنْ ورائي.

السائل: … أقول: لا ينبغي لمؤمن أن يخوض في مسائل التكفير من قبل أن يَقِفَ على أصوله، ويتحقَّقَ من شروطه وضوابطه، وإلا أورد نَفْسَه المهالكَ والآثامَ، وباء بغضب الرحمن؛ ذلك بأن مسائل التكفير من أعظم مسائل الدين وأكثرها دِقَّةً، لا يتمكن منها إلا الأكابر، من أهل العلم الواسع، والفهم الثاقب، وهذه أهم أصوله وضوابطه:

الأول: التكفير حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وحَقٌّ مَحْضٌ للرب -سبحانه-، لا تَمْلِكُهُ هيئةٌ من الهيئات، ولا جماعةٌ من الجماعات، ولا اعتبار فيه لِعَقْلٍ أو ذَوْقٍ، ولا دَخَلَ فيه لحماسةٍ طاغيةٍ، وعداوةٍ ظاهرةٍ، ولا يَحْمِلُ عليه ظلمُ ظالمٍ تمادى في ظلمه وغَيِّهِ، أو بطشُ جبارٍ عنيد، تناهى في بَطْشِهِ وغَدْرِه، فلا يُكَفَّر إلا من كَفَّره الله ورسوله.

الثاني: أن المسلم لا يكْفر بقول أو فعل أو اعتقاد إلا بعد أن تقام عليه الحجة، وتُزال عنه الشبهة.

الثالث: ولا فرق في ذلك بين أصول وفروع أو اعتقاد وفتيا.

الرابع: والعذر في المسائل الدقائق والخفية آكد من العذر في غيرها.

الخامس: والعذر في المكان والزمان الذي يَغْلِب فيه الجهل، ويَقِلُّ العلم كذلك أَوْلَى وآكَدُ.

السادس: والعذر في حق غير المتمكن من العلم أو العاجز عنه أَوْلَى وآكَدُ من المتمكِّنِ منه، القادرِ على تحصيله.

السابع: التكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرًا، بل ولا فاسقًا، بل ولا عاصيًا، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية.

الشيخ: أَعِدْ هذه الفقرةَ مِنْ أَوَّلِهَا؟

السائل: السابع: التكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرًا، بل ولا فاسقًا، بل ولا عاصيًا، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية.

الشيخ: ألا ترى أن العبارة تحتاج إلى قيد: «ولو وقع في الكفر»؟

السائل: جميلٌ، أَرَى ذلك.

تاسعًا: وأنه يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين؛ فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك، لا يستلزم ثبوت موجَبِها في حق المعين إلا إذا وُجِدَتْ الشروط وانْتَفَتْ الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع.

الشيخ: لو ذَكَرْتَ لا فَرْق «أيضًا».. أيضًا؛ لأنك ذَكَرْتَ مثل هذا فيما تقدم.

السائل: أي نعم.

عاشرًا: وأن الكُفْر ذو أَصْلٍ وشُعَبٍ.

الشيخ: لماذا إِفرادُ الأُولى وجَمْع الأخرى، لماذا لا يقال أصول وشُعَب.

السائل: أي نعم.

الشيخ: على كل حال: هذا اقتراح أنت تَدْرُسُه فيما بعد، وبتتأكد إن رأيته حسنًا؛ سَجَّلْتَهُ.

السائل: الحادي عشر: ولا يلزم من قيام شُعْبة من شُعَب الإيمان بالعبد أن يُسَمَّى مؤمنًا، وإن كان ما قام به إيمانًا، ولا من قيام شُعْبة من شُعَب الكفر أن يُسَمَّى كافرًا، وإن كان ما قام به كُفْرًا.

الشيخ: عَفْوًا .. أن يُسَمَّى كافرًا، أم أن يكون كافرًا، أو أن يصير كافرًا؟

السائل: هذه من الخيارات اللفظية فيما أَظُنُّ.

الشيخ: مِن؟

السائل: الخيارات اللفظية ليس الشيءَ الجوهريَّ.

الشيخ: أنا أعتقد أن المسألة -يعني كما لا يخفى على الجميع- الآن نحن في صدد بيان فكرة وعقيدة مهمة جدًا، فهل نحن نقصد يعني أن نسميه كافرًا أم أن يكون عند الله كافرًا؟

السائل: نقصد أن نُطْلِق عليه كلمة الكفر.

الشيخ: إيه، لكننا هل كل من أطلقنا نحن عليه كلمة الكفر يكون عند الله كافرًا؟

السائل: لا نتدخل فيما بين الله وبين عباده.

الشيخ: هذا هو، فبحثنا الآن في أي جانب من الجانبين؟ بماذا يَكْفُر بحيث أنه يستحق الخلود في النار، أم بماذا يستحق أن نطلق نحن عليه لفظة «كافر»، مع أنه كان يمكن أن يكون عند الله ليس بكافر، ما هو بحثنا الآن؟

السائل: الثاني.

الشيخ: الثاني؟

السائل: أي نعم.

الشيخ: وهو؟

السائل: وهو: هل يستحق أن نطلق عليه كلمة الكُفْر أم لا؟

الشيخ: أنا ما أَفْهَمُ هذا أن البحث كُلَّه في هذا البحث: فيما يكون مؤمنًا، وفيما يكون كافرًا عند الله، أنت ذكرت الآن آنفًا بأنه إذا كان فيه شعبة من شعب الإيمان لا يصير بذلك مؤمنًا؟

السائل: نعم.

الشيخ: طيب، لا يصير عندنا أم عند الله؟

السائل: عندنا في الظاهر؛ لأننا نحكم في الظاهر.

الشيخ: نعم، طيب نحن حينما رأيناه أتى شعبة من شعب الإيمان، ماذا نحكم عليه ظاهرًا؟

السائل: نعم نحكم عليه.

الشيخ: بماذا؟

السائل: بأنه مؤمن، لكنه تَخَلَّلَ في إيمانه ..

الشيخ: اصْبِرْ عندك، الآن خَرَجْتَ عَمَّا قُلتَ آنفًا؟

السائل: لا، يا شيخ.

الشيخ: كيف؟

السائل: .. عندما أقول: ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يُسَمَّى مؤمنًا، كمن قام بشعبة الصلاة، ولكنه التزم بجحود معلوم من الدين بضرورة، وأقيمت عليه الحجة، هل يُسَمَّى مؤمنًا؟

الشيخ: عفوًا، أرجو أن لا يَطُولَ البحثُ؛ لأنه بِيْشَعِّبْ الموضوعَ، بِيْضَيِّعْ لنا أصلَ الموضوع، أنت قلت الآن: البحث ليس محصورًا فيمن يكون عند الله مؤمنًا أو كافرًا، وإنما فيمن نُطْلِق نحن عليه أنه مؤمن أو أنه كافر.

السائل: نعم.

الشيخ: الآن حينما نرى شخصًا تَحَقَّقَتْ فيه خصالٌ من خصال الإيمان -حسب اعترافك آنفًا- أننا لسنا نحكم بما يكون مؤمنًا، أو بما يكون كافرًا، أنه ما ينبغي أن نقول عنه: أنه مؤمن، بينما قلتَ: لا، هذا نقول في به([475])، صح؟

السائل: نعم.

الشيخ: طيب، وذاك إذًا الذي وقع في الكفر، نقول عنه: كافرًا، لكن الواقع نحن نقول: عند الله: هل يكون مؤمنًا، أو يكون كافرًا، نقول: مجرد تحقق شعبة من شعب الإيمان لا يجعله مؤمنًا عند الله، كما أن الشخص الآخر الذي وقع في شعبة من شعب الكفر، ممكن أن لا يكون عند الله — كافرًا، فهذه نقطة أيضًا، سَجِّلْها أنت على الهامش، وتَفَكَّرْ فيها، ثم بِتْحَرِّر الموضوع كما ينتهي إليه رَأْيُكَ.

السائل: الثاني عشر: وقد يجتمع في الرجل كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السنة، كما يقول ابن قيم الجوزية، وخالفه في ذلك غيره من أهل البدع، كالخوارج والمعتزلة، إلخ كلام ابن القيم.

السائل: الثالث عشر: كُفْرُ عَمَلٍ وكُفْرُ جحود وعناد.

السائل: الرابع عشر: أن جاحد الحُكْمِ المُجْمَعِ عليه إنما يَكْفُر إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة، وأما المجمع الذي ليس معلومًا من الدين بالضرورة؛ فلا يَكْفُر بإنكاره، مثل كون بنت الابن لها السدسُ مع البنت: مُجْمَعٌ عليه، وليس معلومًا للضرورة، فلا يُكَفَّر مُنْكِرُهُ، والذي يُكَفَّر جاحدُهُ إذا كان معلومًا بالضرورة: إنما هو الحكم الشرعي؛ لأنه من الدين، كالصلاة والزكاة والحج … إلخ كلام السبكي، وقال مِثْلَهُ ابنُ حجر العسقلاني، وابنُ دقيق العيد، وتتمته في الأصل الخامس عشر.

الشيخ: عفوًا، لأنه حُكْم شرعي، قُلْتَ أو نَقَلْتَ؟

السائل: نعم.

الشيخ: طيب المسألة الإرثية التي ذَكَرْتَها، والتي لا يَكْفُر جاحدها أو مُنْكِرُها، أليس حُكْمًا شرعيًا؟

السائل: حُكْمٌ شَرْعي.

الشيخ: إذًا ما قيمة هذا التعليل هناك؟

السائل: هذا قيد آخر يا شيخ، قيد آخر أن الذي يُكَفَّر جاحدُهُ إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة: هو الحكم الشرعي، فلو أن شيئًا معلومًا بالدين بالضرورة من أشياء الدنيا لا يُكَفَّر جاحده، إذا جحد إنسان أن هذه ..

الشيخ: بارك الله فيك، ما في داعي لهذا التفصيل؛ لأن هذا ما هو نقطة خلاف، عندنا مسألتين، كلتاهما شرعيتان، الأولى: ما يتعلق بالإرث الذي ذَكَرْتَهُ، هذه قضية شرعية، ومُجْمَعٌ عليها، لا يُكَفَّر مُنْكِرُها.

السائل: نعم.

الشيخ: طيب بينما جئتَ للأخرى، فَعَلَّلْتَهُ بأنه حكم شرعي، وهي مسألة شرعية أيضًا.

السائل: ما هي يا شيخ المسألة الشرعية الأخرى؟

الشيخ: ذَكِّرْنِي الذي جئتَ بها في هذا التعليل.

السائل: لكن أنا أقول: النقطة الأخرى، أقول: يعني نقطة أخرى، والذي يُكَفَّر جاحده إذا كان معلومًا بالضرورة: إنما هو الحكم الشرعي.

الشيخ: ذاك ليس حكمًا شرعيًا؟

السائل: هذا حكم شرعي انتهينا منه.

الشيخ: معليش خُذْ واعْطِ، أليس حكمًا شرعيًا؟ الجواب: لا، إرث قضية الإرث؟

السائل: حكم شرعي.

الشيخ: طيب، ومُجْمَعٌ عليه؟

السائل: نعم.

الشيخ: طيب لماذا لا يُكَفَّر، وهو حكم شرعي، ومُجْمَعٌ عليه؟

السائل: لا يُكَفَّر يا شيخ، عفوًا عفوًا هذا لا يُكَفَّر.

الشيخ: بلى، لا تُعِدْ عَلَىَّ الكلام، أَجِبْ على سؤالي: لماذا لا يُكَفَّر؟ يعني ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة الثانية، كلاهما حكم شرعي؟

السائل: الفرق أننا نكفر جاحد الحكم الشرعي، أما إذا كان حكمًا غير شرعي؛ فلا نُكَفِّره، هذا المقصود بكلامي أنا.

الشيخ: سبحان الله.

السائل: لذلك أرجو أن أقرأ الكلام مرة ثانية.

الشيخ: لا يا أخي، لا، أنت افْهَمْنِي وأجِبْنِي، قضية الإرث التي ذكرتها، وقلت أنها مُجْمَعٌ عليها هذا حُكْم شرعي.

السائل: نعم.

الشيخ: طيب، لماذا لا يُكَفَّر، أَجِبْنِي؟

السائل: لأنه ليس معلومًا من الدين بالضرورة.

الشيخ: أليس مُجمعًا عليه؟

السائل: بلى.

الشيخ: جميل، المجمع عليه لا يرادف قولنا: معلوم من الدين بالضرورة؟

السائل: لا يرادفه، المجمع عليه قد يكون معلومًا من الدين بالضرورة، وقد لا يكون معلومًا من الدين بالضرورة.

الشيخ: الآن سلكنا الجادة، إذًا هناك إجماع معلوم من الدين بالضرورة، فبيكون التعليل في المسألة الأولى هو مع كونها إجماعًا، لكنها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة.

السائل: أي نعم.

الشيخ: هذا ليس مُبَيَّنًا في العبارة؛ لأنك تعلم أن كثيرًا من الإجماعات لا يُضَلَّلُ مُنْكِرها -فضلًا عن أن يُكَفَّر- لكن يقينًا بالمقابل في بعض الإجماعات من أنكرها؛ فهو كافر، لماذا؟ للعلة التي ذكرتَها أخيرًا، ذكرتَها أنت مِشْ أنا، وهي: أنها من المعلوم من الدين بالضرورة، فلا بد من هذا القيد؛ لإيضاح السبب الحقيقي في عدم تكفير من جحد هذا الحكم الإرثي.

السائل: أي نعم، الخامس عشر: وكون الشيء معلومًا من الدين بالضرورة أَمْرٌ إضافِيٌّ؛ فحديثُ العهد بالإسلام، ومن نشأُ بباديةٍ بعيدةٍ قد لا يَعْلَم هذا بالكلية -فضلًا عن كونه يَعْلَمُه بالضرورة- وكذلك كثير من العلماء يَعْلَم بالضرورة أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – سَجَدَ للسهو، وقضى أن الولد للفراش وغير ذلك، مما يعلمه الخاصة بالضرورة، وأَفْهَمُ الناسِ لا يَعْلَمُه البتة، كما قال شيخ الإسلام في كتاب «الفرقان».

السادس عشر: ولا تكفير بما يلزم من المذاهب والأقوال، ولا اعتبار بما تؤول إليه من أفكار.

السائل: الأخير: وأخيرًا، فإنه لا يُكَفَّر إلا من اتفق أهل السنة على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مَدْفَعَ له.

الشيخ: ماشِي.

السائل: انتهى ما تَيَسَّر لي من جَمْعٍ لأصول التكفير.

الشيخ: جزاك الله خيرًا.

السائل: ما رأيكم فيها بالجملة.

الشيخ: ما أرى فيها شيئًا إلا بعض الفروع التي جرى النقاش فيها، لكن عادة الذاكرة حينما .. من سبق في بعض تلك الشروط فيما أَظُنُّ ذَكَرَ فيها لفظةَ «المعاداة»، «المعاداة القلبية» هذه.

السائل: نعم.

الشيخ: ممكن أن تذكرني بالعبارة التي جاء فيها هذه اللفظة؟

السائل: هذه العبارة: أن من عَرَفَ بقلبه، وأَقَرَّ بلسانه؛ لم يكُنْ بمجرد ذلك مؤمنًا؛ حتى يأتي بعمل القلب من التوقير والحب والبغض والموالاة والمعاداة، وهذه اللفظة جاءت في نصوص شيخ الإسلام وابن القيم وغيره ..

الشيخ: الموالاة والمعاداة حينما تُطْلَقُ، هل يراد بها الموالاة والمعاداة القلبية أم العملية؟

السائل: إذا أُطْلِقَتْ.

الشيخ: نعم.

السائل: القلبية.

الشيخ: ما أَظُنُّ.

السائل: في كلامي هنا: «القلبية»، فإذا كان يوالي ..

الشيخ: هذا قيد جيد لكن ..

السائل: حتى أَخْرُج بشيء.

الشيخ: تفضَّلْ.

السائل: حتى أخرج من مسألة الموالاة والمعاداة؛ فإن كثيرًا من الناس يُكَفِّرون الشخص بمجرد أن يوالي فلانًا من أعداء الله — من غير ما ..

الشيخ: أي هذا الذي خَشِيتُ أنْ يُفْهَمَ، فيا ترى ما تحتاج العبارة إلى توضيح أكثر؟

السائل: وَضَّحْتُهُ في تضاعيف الكتاب.

الشيخ: كيف؟

السائل: وَضَّحْتُ مثل هذا في تضاعيف الكتاب؟

الشيخ: ذلك ما نَبْغِيهِ.

السائل: بارك الله فيك.

الشيخ: وفيك بارك.

قلت: فقد ظَهَرَ من هذه المناقشة إقرار الشيخ — لأكثر ما أوردتُهُ من أصولٍ وضوابط نفع الله الجميع -وجزى الله السائل خيرًا- ولله الحمد والمنة.