كتب للقراءة

الطرح والإهمال 4

الطرح والإهمال

الطَّرْحُ والإِهْمالُ

للأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ

في

فَضَائِلِ الأَعْمَالِ

الترقيم الدولي: 7-690-997-977-978

رقم الإيداع: 21807/ 2023م

1445هـ / 2023 م

الطَّرْحُ والإِهْمالُ

للأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ

في

فَضَائِلِ الأَعْمَالِ

كَتَبَهُ

أَبُو الْحَسَنِ مُصْطَفَى بْنُ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمَانِيُّ

غفر الله له ولوالديه

g

g

(الـمقـدمـــة)

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فقد شَرحَ اللهُ -تعالى وتَقَدَّس- صدْري للكتابة في حكم رواية الأحاديث الضعيفة، أو العمل بها في فضائل الأعمال، والمسألة وإن كانت حديثية إلا أنها تَلِجُ في أبواب كثيرة من الدين، فمن المعلوم أن الحديث النبوي هو المصدر الثاني في التشريع بعد القرآن الكريم، وإذا كان ذلك كذلك؛ فالحديث حجة في العقائد، والأحكام، وفي منهج الدعوة، وفي الفضائل والآداب، والأخلاق والسلوك، فإذا رَخَّصْنا في الرواية أو العمل بالحديث الضعيف في بعض هذه الأبواب -كالفضائل والأخلاق-؛ أدخلنا بذلك الحديث الضعيف في جزء عظيم من الدين، والأصلُ في الحديث الضعيف عدمُ الاحتجاج به وردُّه، هذا إذا وقف الناس في هذا الشأن إلى الحَدِّ الذي رَخَّصَ فيه جماعةٌ من العلماءِ-وهو رواية الحديث الضعيف ضعفاً خفيفاً في الفضائل لا الأحكام-، فكيف إذا اتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقِعِ، وأدخلوا-من حيث الواقع لا التقعيد- الضعيف بجميع أنواعه تحت قاعدة العمل بالضعيف في الفضائل، دون مراعاة للشروط التي وضعها القائلون بهذه القاعدة -فضلًا عن المانعين منها- فأدخلوه في كل أبواب الشريعة؟!، ولم يقف الأمر عند الحديث الضعيف ضعفاً خفيفاً، بل أدخلوا معه المنكرات والواهيات والموضوعات، كما لم يقفوا عند باب الفضائل، والترغيب والترهيب فقط؟!

فلا شك أن الأمر يستحق وقفة جَادَّة من أهل العلم؛ ليفطموا الناس عن هذا الثَّدْي الذي يُدِرُّ بألبانِ الفتنةِ والخرافاتِ والضلالاتِ في عقول الناس وأفئدتهم، فكم جَنَتْ هذه القاعدة على جهود علماء الحديث، وكم كَدَّرَتْ من صَفْو هذا الدينِ ونقائهِ، وكم شَوَّهَتْ جمالَ هذا الدين وبهاءَهُ، والله المستعان!!!

وقد صنف عدد من العلماء في هذه المسألة عددًا من الرسائل والفتاوى بين مانع ومُجيز.

ومن فضل الله عليَّ أن يسَّرَ لي بإخوةٍ فضلاء من طُلاَّب العلم الكُرماء، ومن ذوي الاجتهاد والبصيرة، والهمة والعزيمة، ومن جملتهم الأخ المبارك: الشيخ أبو الخير كريم شاهين، والشيخ أبو عبدالله محمد النشار
-حفظهما الله، وأدام علينا وعليهما التوفيق والسداد- فجمعا كثيراً مما طَلبْتُ جَمْعَه وزيادة، ثم أعَدْتُ النظر والتعديل، والتقديم والتأخير عِدَّة مراتٍ في مجموع المادة الصوتية والمادة المجموعة من بطون الكتب، وانتهى الأمر على صدور هذا الكتاب؛ فلله الحمد والمِنَّة.

ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر الجزيل والدعاء الجميل لأخينا الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن مصطفى آل بحبح-حفظه الله ومَدَّ في عمره مع العافية والتوفيق- على آثاره المباركة في إصدار هذا الكتاب على هذا النحو.

وفي النهاية: أسأل الله -جَلَّ جلاله، وتقدَّسَتْ أسماؤه- أن يرزقني حُسْن النية، وصالح القَصْد، وأن يكتب لي العمر الطويل في خدمة دينه، ونصرة السنة، وقمع البدعة، وأن يكتب لكل قولي وعملي القبول والنفع في الدارين، وأن يُصلح أهلي وذريتي: ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً، وأن يحفظهم وأحفادي وأسباطي من الشهوات والشبهات ومن كل سوء ومکروه، وكذا كل من أعانني على كل ما أقوم به وذرياتهم، وأن يرحم ضعْفنا، ويبارك في قليلنا؛ إنه سميع قريب مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



g

g

مدخلٌ بين يدي الكتاب

وهذه تعريفاتٌ مختصرةٌ بين يدي هذه الرسالة، في تعريف عدة أنواع من الحديث، يَتَرَدَّدُ ذِكرُها كثيرًا في هذه الرسالة، وبالله التوفيق والسداد.

تعريف الحديث الضعيف لغةً واصطلاحًا:

أولاًً- التعريف اللُّغَوي:

الضعيف من الضُّعفِ -بضم الضاد وفتحها-، خِلافُ القُوّةِ، والضمُّ لغةُ قريش، والفتحُ لغة تميم، وهما لغتان لمدلول واحد، ويُسْتَعْمَلَان لِضَعْفِ البدن، وضَعْف الرأْي معًا، قال الزَّبِيديُّ: ومعنى الكُلِّ: ضِدُّ القُوَّةِ، وهُما بالفَتْح والضَّمِّ معًا جائِزانِ في كُلِّ وَجْهٍ، وقيل الضُّعف -بالضَّم- في الجسد، والضَّعف -بالفتح- في الرأي والعقل([1]).

ثانياً: التعريف الاصطلاحي([2]):

* أولًا: تعريف ابن الصلاح -رحمه الله-:

فإن ابن الصلاح-رحمه الله- قال بعد أن عَرَّف الحديثَ الصحيحَ والحسنَ: «وكُلُّ حديثٍ لم تَجْتَمِعْ فيه صفاتُ الحديث الصحيح ولا صفاتُ الحديث الحسن؛ فهو ضعيف»([3]).

وعلى هذا التعريف عِدَّةُ اعتراضات:

1- قوله: «لم تجتمع فيه صفاتُ الحديث الصحيح، ولا صفاتُ الحديث الحسن» فكلمة: «الحديث الصحيح» لا حاجة لها؛ لأن الصحيح حَسَنٌ وزيادة، فإذا قَصُر الحديثُ الضعيفُ عن درجة الحديث الحسن؛ فمن باب أَوْلَى أن يَقْصُر عن درجة الحديث الصحيح.

ووجْه هذا الاعتراض: أن الكلمة في التعريف ينبغي أن تكون تأسيسية؛ لا تأكيدية؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد- فضلًا عن التكرار والحشو([4])- فلو اقْتُصِرَ على نَفْيِ صفات الحَسَن؛ لكان أَخْصَرَ؛ لأن نَفْي صفات الحَسَن مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ صفاتِ الصحيحِ، والله أعلم.

وهناك من اعْتَذَرَ عن ابن الصلاح -رحمه الله-([5]) فقال: ما ملخصه: «إن تعريفه مثل تعريف النحْوي إذا أراد أن يُعَرِّفَ «الحرفَ»، فإنه إذا فرغ من تعريف «الاسم» و«الفعل»؛ عَرَّف «الحرفَ» بقوله: «ما لا يَقْبَلُ شيئًا من علامات الاسم، ولا علامات الفعل» لأن القسمة عنده ثلاثية: اسم، وفعل، وحرف، وكذا فَعَلَ ابن الصلاح هنا».

إلا أن من اعترض على ابن الصلاح -رحمه الله- لم يَرْتَضِ هذا الجوابَ، وذلك: لأن الحرف ليس قِسْمًا من الأسماء ولا من الأفعال، وليس بينه وبين الاسم والفعل عموم وخصوص، بل هو قِسْمٌ مستقل، أما الحَسن فبينه وبين الصحيح عموم وخصوص، فكل صحيح حسن – لأن الصحيح حَسَنٌ وزيادة – من غير عكس([6]).

وقال العلامة ابْنُ الوزيرِ اليماني مُدافعًا عن ابْنِ الصلاحِ -رحمهما الله-: «لا اعتراض على ابن الصلاح؛ فإنه لا يَلْزَمُه أن يَحُدَّ الضعيفَ على رأَيْ غيره، وإنما كان يَلْزَمُه لو كان يرى أن كل صحيح حسن»([7]).

قلت: بالنظر إلى تعريف الحديث الصحيح والحسن عند ابن الصلاح؛ نعلم أنه يرى أن الصحيح حَسَنٌ وزيادة، فتمّ الإيراد عليه، ولذلك فقد ذكر الصنعاني كلام ابن الصلاح -رحمه الله- في بعض المواضع، ثم قال: «…. وهذا مع ما فصّله هنالك يقضي بأن ابن الصلاح -رحمه الله- رأْيُه رأْيُ من يقول: بأن كل صحيح حسن؛ فيتم الاعتراض عليه»([8]).

وهذا نَصُّ كلام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- حيث قال: «النوع الثالث: الضعيف

-«قوله»-أي ابن الصلاح -رحمه الله-: «كُلُّ حديثٍ لم تَجْتَمِعْ فيه صفاتُ الحديثِ الصحيحِ ولا صفاتُ الحَسَن؛ فهو الضَّعيفُ».

اعْتُرِضَ عليه بأنه لو اقْتَصَرَ على نَفْيِ صفاتِ الحسنِ ِ؛ لكان أَخْصَرَ؛ لأن نَفْيَ صفاتِ الحَسَنِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ صفاتِ الصحيحِ وزيادة، وأجاب بعض من عاصرناه([9]) بأن مقام التعريف يقتضي ذلك؛ إذ لا يَلْزَمُ من عَدَمِ وجودِ وصْف الحَسَنِ عدمُ وجودِ وصْفِ الصحيحِ؛ إذ الصحيح بشرطه السابق لا يُسَمَّى حَسَنًا، فالترديد مُتَعَينٌ، قال: ونظيره قولُ النَّحْويِّ إذا عَرَّفَ الحرفَ بعد تعريف الاسمِ والفعلِ: الحرفُ ما لا يَقْبَل شيئا من علامات الاسم ولا علامات الفعل»([10]).

واعترض الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بأنه لو قال ابن الصلاح: «كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول» لكان أَسْلَمَ من الاعتراض وأَخْصَرَ([11]).

قلت: أما كونُهُ أَخْصَرَ؛ فنعم، وأما كونُهُ أَسْلَمُ من الاعتراض؛ فلا يظهر لي؛ لأنه قد يقال: وصفات القبول تَشْمَلُ صفاتِ الصحيحِ والحسنِ، وقد سبق عن الحافظ أن انتفاء صفاتِ الحَسَنِ يستلزم انتفاء صفاتِ الصحيحِ وزيادة، فرجع كلام الحافظ إلى ما أنكره على ابن الصلاح، ولا زال الاعتراض قائمًا، والله أعلم.

* ثانيًا: تعريفُ الحافظ ابن حجر -رحمه الله-

عَرَّف الحافظ -رحمه الله- الحديثَ الضعيفَ بقوله: «هو كُلُّ حديثٍ لم تَجْتَمِعْ فيه صفاتُ القبول» وقد سبق ما فيه في الكلام على تعريف ابن الصلاح، والله أعلم.

أضِفْ إلى ذلك: أن صفات القبول كثيرة، منها وجود العاضِد: سواء كان من طُرُقٍ أخرى، أو مما تَلقَّاه العلماء بالقبول مع ضَعْفِ سنده، أو ما يؤيده عملُ صحابي…. إلخ، ولا شك أن فَقْدَ ذلك لا يَضُرُّ إذا توافرت الشروط الخمسة التي في الصحيح، وقد يقال دفاعًا عن تعريف الحافظ: إن قول الحافظ: «ما لم تجتمع فيه صفات القبول» قول عام، يَدْخُل فيه العاضِدُ من طريق أخرى، أو عَمَلُ صحابي، أو غيرهما، وليس شَرْطُ العاضد مرادًا فيما يُقْبَل لذاته من الأحاديث، فَلَعَلَّ المُرادَ عند الحافظ: صفاتُ القبول التي يُقْبَلُ بها الحديثُ لذاته، فأخرج هذا التعريفُ بذلك الصحيحَ والحسنَ، والله أعلم.

* ثالثاً: تعريف الحافظ الذهبي -رحمه الله-

وبعد عَرْض هذه الأقوال في تعريف الحديث الضعيف؛ فالذي يظهر لي أن الراجح في ذلك ما قاله الحافظ الذهبي -رحمه الله- في تعريف الضعيف، حيث قال: «الضعيف: ما نَقَصَ عن درجة الحسن قليلًا»([12]) .

فقوله: «ما نقص عن درجة الحسن» أخرج الحَسن فضلًا عن الصحيح.

وقوله: «قليلًا» أخرج ما كان شديد الضعف؛ لأن الضَّعْفَ منه الشديد، ومنه الخفيف، -وهو المراد هنا عند من يرى العمل بالحديث الضعيف في الفضائل-.

فإن قيل: هناك أحاديث تنقص عن درجة الحسن قليلًا، وليست بضعيفة، لوجود عاضد لها، سواء كان من طُرِقٍ أخرى، أو لكونها تُلُقِّيتْ بالقبول، أو غير ذلك، فلو اشترط الذهبيَ في التعريف بقوله: «وليس لها عاضِدٌ».

فالجواب: المقام مقام تعريف الضعيف في نفسه، وليس مقام الحكم: هل للضعيف جابر، أم لا؟ والحديث إذا كان قد انجبر بغيره؛ فإنه يقال: هو ضعيف؛ لكنه انجبر بكذا وكذا، فارتقى بذلك إلى الحُسْن أو الصحة.

إذًا فلا غبار على ما قاله الحافظ الذهبي -رحمه الله-؛ لأنه ليس في مقام تعريف الضعيف الذي ليس له ما يَعْضُدُه؛ فإن هذا قسم من الضعيف لا كل الضعيف.

فإن قيل: لو قال الذهبي-رحمه الله-: «هو ما نقص عن درجة الحسن لغيره قليلًا» لكان أولى.

فالجواب: هذا الاعتراض بمعنى الاعتراض السابق، والمقام مقام تعريف الضعيف الذي إذا جاءه جابر انجبر به، لا مقام تعريف ما ليس له جابرٌ أصلًا، والله أعلم.

تعريف الحديث المتروك لغةً واصطلاحًا([13]):

أولا: التعريف اللُّغَوي:

المتروك: اسم مفعول مِنْ تَرك يترك تركًا تِرْكانًا – بالكسر ـ

والتَّرِيكة – كسفينة – البيضة بعد أن يَخْرُجَ منها الفرخُ.

والتريك: العُنْقُودُ إذا أُكِلَ ما عليه، فهي فعيلة بمعنى مفعول، فكل هذه متروكة؛ لأنها لا فائدة فيها اهـ من «القاموس» مادة «ترك»([14])

ثانيًا: التعريف الاصطلاحي:

عَرَّفَ الحافظُ الذهبي -رحمه الله- الحديثَ المتروكَ أو المُطَّرَحَ، بأنه: «ما انْحَطَّ عن رُتبة الضعيف» اهـ من «الموقظة»([15]) وهو تعريف غير مانع؛ فالموضوع كذلك أيضًا قد انحط عن رتبة الضعيف، وهو متروك وزيادة.

وعَرَّفَهُ الحافظُ ابن حجر -رحمه الله- بأنه: «الحديث الذي في إسناده راوٍ مُتَّهَمٌ بالكذب»([16]).

قلت: لا يُشْتَرط في راوي الحديث المتروك أن يكون مُتَّهَمًا بالكذب، فقد يكون ضعيفًا جدًّا في حِفْظِهِ مع ثبوت عدالته في الدين، أو فاحشَ الغلط، أو شديدَ الغفلة، -مع صَلَاحِهِ وتقواهُ- وقد يكون فاسقًا بارتكاب الكبائر، أو الكذب في غير الحديث النبوي، فانفراد من كان كذلك بحديث يجعله متروكًا، انظر «النزهة»([17]) ولعله لذلك زاد السيوطيُّ في «التدريب»([18]) بعد كلام الحافظ: «أو كان – أي راوي الحديث المتروك – كثير الغلط، أو الفسق، أو الغفلة» وكذا ذكر العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- في شرحه على «ألفية السيوطي»([19]) وقد سبق أن الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «شرح النزهة» جعل الثلاثة هذه من قسم المنكر، انظر «النزهة»([20]).

وعندي: أن المتروك: «هو ما انفراد به راوٍ ضعيفٌ ضَعْفًا لا يَنْجَبِرُ بغيره؛ مالم يكن كذابًا» فيدخل في ذلك من كان مردود الرواية؛ لكونه ضعيفًا جدًّا في حفظه، وكذا من كان متروكًا لفُحْشِ تخاليطه، أو لفسقه، أو لكونه داعيًا إلى بدعة – على تفاصيل في ذلك – أو مُصِرًّا على الخطأ، معاندًا للأئمة، أو لتهمة بالكذب في الحديث النبوي، أو بوقوعه في الكذب في حديث الناس، ونحو ذلك، وهذا هو المتروك في الأصل؛ وإلا فقد يُطْلِقُونَ المتروكَ على الحديث المنكر، وعلى حديث الكذاب، والله أعلم.

تعريف الحديث الموضوع لغةً واصطلاحًا:

أولا: التعريف اللُّغَوي:

للوضع عِدَّةُ معانٍ – منها الافتراء، والاختلاق: كَوَضَعَ فلان هذا القصة: – أي اخْتَلَقَهَا وافتراها، قال ابن منظور: «ووضَع الشيء وضْعًا: اخْتَلَقَهُ»([21]).

والمُخْتَلَقُ: بفتح اللام بعدها قاف، أي المُبْتَكَرُ الذي لا يُنْسَب إليه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصلاً([22])

وقال أبو الخطاب ابن دحية: «الموضوعُ: المُلْصَقُ، وَضَعَ فلانٌ على فلانٍ كذا، أي أَلْصَقَهُ به»([23]).

ثانيًا: التعريف الاصطلاحي:

قال ابن الصلاح -رحمه الله-: «هو المُخْتَلَقُ المَصْنُوعُ»([24]) بصادٍ مُهْمَلَةٍ من الصِّنْعَةِ، أي واضِعُهُ اخْتَلَقَهُ وصَنَعَهُ، قلت: وهذا إذا لم يكن منه عن عَمَدٍ؛ فلا يُسَمَّى موضوعًا عند كثيرٍ من العلماء.

والصواب: أن الحديثَ الموضوعَ: «هو المكذوبُ على رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -» سواءً تَعَمَّدَ ذلك رَاويهِ، أو لم يَتَعَمَّدْهُ؛ فإن الرجل المغفَّل جدًّا قد يَشْتَبِهُ عليه الأمرُ، ويَذْكُرُ أحاديثَ عن رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ليستْ من كلامه، إلا أنه شُبِّه عليه، هذا من حيث وَصْفُ الحديثِ بأنه موضوع، أما الراوي فلا يَلْزَم من ذلك أن يُوصَف بأنه وضَّاع، إلا إذا كان مُتَعَمِّدًا لذلك؛ فهو وضَّاعٌ ولا كرامةَ!!

وعَرّف الحافظ الذهبي -رحمه الله- الحديث الموضوع في «الموقظة»([25]) بقوله: «ما كان مَتْنُهُ مخالفًا للقواعدِ، وراويه كذابًا» اهـ

وهذا ليس بلازم في تعريف الموضوع، إنما هذا تعريف الحديث الباطل، والمنكر بمرَّة وإلا فالكذاب قد يأخذ حديث غيره من الرواة -وهو ثقة- ويُركِّبُ للمتن إسنادًا من عنده، ويرويه على أنه من حديثه دون ذِكْر من سَرَقَهُ منه؛ فيكون الحديث بهذا السند موضوعًا، وإن كان المتن معروفًا من طريق أخرى، وقد يُسَمَّى فَاعِلُ ذلك سارقًا للحديث، وهو نوع من أنواع الكذب، والله أعلم.



g

g

الفَصْلُ الأول: