كتب للقراءة

الطرح والإهمال 4

الطرح والإهمال

في بَيَانِ فَضِيْلَةِ الإسنادِ، وأَهَمِّيَتِه فِي نَقْل الأحكامِ الشَّرعِيَّة وتوثيقها([26])

لقد اخْتَصَّ اللهُ –جل ثناؤه- أمةَ نبيِّنا محمدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بهذه الخَصِيصَةِ الفَاضِلَةِ- وهي الإسناد – ومَيَّزَهَا بذلك على سائر الأمم.

فقد روى الخطيب البغدادي -رحمه الله– في «شرف أصحاب الحديث»([27]) بسند صحيح، رجاله أئمة ثقات إلى محمد بن حاتم بن المُظَفَّرِ -رحمه الله- أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَشَرَّفَهَا وَفَضَّلَهَا بِالْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ كُلِّهَا، قَدِيمِهِمْ وَحَدِيثِهِمْ إِسْنَادٌ، وَإِنَّمَا هِيَ صُحُفٌ فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَدْ خَلَطُوا بِكُتُبِهِمْ أَخْبَارَهُمْ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مَا نَزَلَ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ، وَتَمْيِيزٌ بَيْنَ مَا أَلْحَقُوهُ بِكُتُبِهِمْ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي أَخَذُوا عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ.

وَهَذِهِ الْأُمَّةُ إِنَّمَا تَنُصُّ الْحَدِيثَ مِنَ الثِّقَةِ الْمَعْرُوفِ فِي زَمَانِهِ، الْمَشْهُورِ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، عَنْ مِثْلِهِ، حَتَّى تَتَنَاهَى أَخْبَارُهُمْ، ثُمَّ يَبْحَثُونَ أَشَدَّ الْبَحْثِ؛ حَتَّى يَعْرِفُوا الْأَحْفَظَ فَالْأَحْفَظَ، وَالْأَضْبَطَ، فَالْأَضْبَطَ، وَالْأَطْوَلَ مُجَالَسَةً لِمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ كَانَ أَقَلَّ مُجَالَسَةً، ثُمَّ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا وَأَكْثَرَ؛ حَتَّى يُهَذِّبُوهُ مِنَ الْغَلَطِ وَالزَّلَلِ، وَيَضْبِطُوا حُرُوفَهُ، وَيَعَدُّوهُ عَدًّا، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، نَسْتَوْزِعُ اللَّهَ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَنَسْأَلُهُ التَّثْبِيتَ وَالتَّوْفِيقَ لِمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ وَيُزْلِفُ لَدَيْهِ، وَيُمَسِّكُنَا بِطَاعَتِهِ، إِنَّهُ وَلِيُّ حُمَيْدٌ.

فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُحَابِي فِي الْحَدِيثِ أَبَاهُ، وَلَا أَخَاهُ، وَلَا وَلَدَهُ، وَهَذَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، وَهُوَ إِمَامُ الْحَدِيثِ فِي عَصْرِهِ، لَا يُرْوَى عَنْهُ حَرْفٌ فِي تَقْوِيَةِ أَبِيهِ، بَلْ يُرْوَى عَنْهُ ضِدُّ ذَلِكَ؛ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا وَفَّقَنَا».

وقال أبو علي الجياني -رحمه الله-: «خَصَّ اللهُ هذه الأمةَ بثلاثةِ أشياء، لم يُعْطِهَا مَنْ قبلها من الأُمَمِ: الإسنادُ، والأنسابُ، والإعرابُ»([28]).

وما هذه الفضيلةُ الغاليةُ الثمينةُ إلا من تمام نعمته –جَلَّ شَأْنُهُ- على هذه الأمة: حِفْظًا للرسالة الخاتِمَةِ، وصَوْنًا لها عن عَبَثِ العابثين؛ لتقوم بها حُجَّةُ اللهِ على خَلْقِه إلى قيام الساعة.

فالإسناد: هو الطريق الآمنُ المُوَصِّلُ إلى تَلَقِّي الأحكام الشرعية عن سيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد أَكَّدَ الأئمةُ –رحمهم الله تعالى- هذا المعنى في كثير من النصوص، كما سيأتي بيانه- إن شاء الله تعالى-.

أهمية البحث عن حال الإسناد:

تَظْهَرُ أَهَمِّيَةُ البحثِ عن الإسنادِ، والحرصِ على طلبهِ، والسؤالِ عنه: في أنه الوسيلة التي تَتَمَيَّزُ بها الأخبار، وتَتَمَحَّصُ بها الآثار، فعن طريق النظر في الإسناد وحال رواته يُعْرَفُ الصحيحُ من الضعيفِ، ويُنْفَى الكذبُ عن حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

قال أبو عبدالله الحاكم -رحمه الله-: «فلولا الإسنادُ، وطلبُ هذه الطائفةِ له، وكَثْرَةُ مُوَاظَبتِهم على حِفْظِهِ؛ لَدَرَسَ([29]) منارُ الإسلام، ولَتَمَكَّنَ أهلُ الإلْحَادِ والبدع فيه بِوَضْعِ الأحاديث، وقَلْبِ الأسانيدِ؛ فإنَّ الأخبارَ إذا تَعَرَّتْ عن وجودِ الأسانيد فيها؛ كانت بُتْرًا»([30]).

وقال القاضي عياض-رحمه الله-: «فاعلم أولا أن مدار الحديث على الإسناد؛ فَبِهِ تَتَبَيَّنُ صِحَّتُهُ، ويَظْهَرُ اتصالُه»([31]).

وقال ابن الأثير -رحمه الله-: «اعلم أن الإسناد في الحديث هو الأَصْلُ، وعليه الاعتمادُ، وبه تُعْرَفُ صِحَّتُهُ وسَقَمُهُ»([32]).

الإسناد من الدين:

– ومن الآثار التي جاءت عن أئمة السلف في ذلك: ما رواه الإمام مسلمٌ
-رحمه الله- في «مقدمة صحيحه»([33])، والترمذيُّ -رحمه الله- في «العلل المفرد»([34])، والخطيبُ -رحمه الله- في «شَرَف أصحاب الحديث»([35]) بأسانيدهم إلى عبد الله بن المبارك -رحمه الله-، أنه قال: «الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسنادُ؛ لَقَالَ مَنْ شاء ما شاء».

وروى مسلم بإسناده إلى ابن المبارك – أيضًا – أنه قال: «بيننا وبين القوم القوائمُ»([36]). يعني الإسناد.

وروى الخطيبُ بسنده إلى سفيان -رحمه الله-، أنه قال: «الإسنادُ سلاحُ المؤمنِ، فإذا لم يكن معه سلاحٌ؛ فبأيِّ شيءٍ يُقَاتِلُ؟»([37]).

وقال الزهري -رحمه الله- لإسحاق بن أبي فروة – وقد حَدَّثَ عنده بأحاديثَ لم يُسْنِدْهَا -: «قَاتَلَكَ الله يا ابن أبي فروة، ما أَجْرَأَكَ على الله، لا تُسْنِدُ حديثك؟ تُحَدِّثُنا بأحاديثَ ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّةٌ»([38]).

سَرْدُ بعض أقوال الأئمة في أهمية الإسناد، وفَضْلِ أهلِ الحديث:

فمن ذلك: ما قال أبو حاتم الرازي -رحمه الله- (ت 277 هـ): «لم يكن في أمة من الأُمَمِ منذ خَلَقَ الله آدم أُمَنَاء يَحْفَظُون آثار الرسل إلا في هذه الأمة، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رَوَوْا حديثا لا أصل له ولا يصح، فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم ذلك للمعرفة؛ ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها، ثم قال: رحم الله أبا زرعة؛ كان والله مجتهدا في حِفْظِ آثار رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- »([39]).

وأخرج السمعاني -رحمه الله-: عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي
-رحمه الله- قال
: «كان عبد الله بن طاهر إذا سألني عن الحديث، فذكرته بلا إسناد؛ سألني عن إسناده، ويقول: رواية الحديث بلا إسناد مِنْ عَمَلِ الذِّمِّي؛ فإن إسناد الحديث كرامة من الله –عز وجل- لأمة محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-»([40]).

وأخرج الحاكم -رحمه الله تعالى-: عن الشافعي -رحمه الله- قال: «مثل الذى يَطلبُ العلم بلا حُجَّة -يعني الإسناد- مَثَلُ حَاطِبِ ليلٍ، يَحْمِلُ حَطَباً فيها أَفْعَى تَلْدَغُهُ، وهو لا يَدْرِى».

وخَرَّج الحاكم -أيضًا- بإسناده إلى الأوزاعي -رحمه الله- أنه قال: «ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد».

وأخرج –أيضًا- عن يزيد بن زريع -رحمه الله- قال: «لكل دِينٍ فِرْسَانٌ، وفِرْسانُ هذا الدين أصحابُ الأسانيد»([41])

ومما جاء في فضل وشرف أصحاب الحديث ومكانتهم بين علماء الأمة، ما أخرجه الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- عن سفيان الثوري
-رحمه الله- قال
: «الملائكةُ حُرَّاسُ السماءِ، وأصحابُ الحديث حُرَّاسُ الأرضِ»([42])

وقال ابن قتيبة -رحمه الله تعالى-: «فَأَمَّا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمُ الْتَمَسُوا الْحَقَّ مِنْ وِجْهَتِهِ، وَتَتَبَّعُوهُ مِنْ مَظَانِّهِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَطَلَبِهِمْ لِآثَارِهِ وَأَخْبَارِهِ: بَرًّا وَبَحْرًا، وَشَرْقًا وَغَرْبًا.

يَرْحَلُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ رَاجِلًا مُقَوِّيًا([43]) فِي طَلَبِ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَوِ السُّنَّةِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنَ النَّاقِلِ لَهَا مُشَافَهَةً.

ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا فِي التَّنْقِيرِ عَنِ الْأَخْبَارِ وَالْبَحْثِ لَهَا، حَتَّى فَهِمُوا صَحِيحَهَا وَسَقِيمَهَا، وَنَاسِخَهَا وَمَنْسُوخَهَا، وَعَرَفُوا مَنْ خَالَفَهَا مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى الرَّأْيِ.

فَنَبَّهُوا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى نَجَمَ الْحَقُّ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَافِيًا، وَبَسَقَ([44])بَعْدَ أَنْ كَانَ دَارِسًا، وَاجْتَمَعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَفَرِّقًا، وَانْقَادَ لِلسُّنَنِ مَنْ كَانَ عَنْهَا مُعْرِضًا، وَتَنَبَّهَ عَلَيْهَا مَنْ كَانَ عَنْهَا غَافِلًا، وَحُكِمَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ أَنْ كَانَ يُحْكَمُ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-».([45])

وقال ابن جماعة -رحمه الله-: «العلمُ بحديث رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وروايتُهُ من أَشْرَفِ العلوم، وأَفْضَلِهَا وأَحَقِّها بالاعتناء لمُحَصِّلها؛ لأنه ثاني أدلة علوم الإسلام، ومادةُ علوم الأصول والأحكام، ولذلك لم يَزَلْ قَدْرُ حُفَّاظِهِ عظيماً، وخَطَرُهم عند علماء الأمة جسيما»([46]).

وقال الإمام الصنعاني -رحمه الله-: «ولا ريب أن عِلْمَ الحديث من أَشْرَفِ العلوم وأَفْضِلها؛ لأنه ثاني أدلة علوم الإسلام، ومادةُ علوم الأصول والأحكام، لا يَرْغَبُ في نَشْرِهِ إلا كل صادقٍ تقيٍّ، ولا يَزْهَدُ في نَصْرِهِ إلا كلُّ منافقٍ شَقِيٍّ، قال أبو نصر بن سلام: وليس شيء أثقلُ على أهل الإلحاد، ولا أبغضُ إليهم من سماع الحديث وروايته وإسناده»([47]).

وُجودُ الإسناد أَصلٌ في بيان صِحَّةِ الحديث أو ضَعْفِهِ:

قال يحيى بن سعيد -رحمه الله-: «الإسناد من الدين».

وقال -رحمه الله-: «وسمعت شعبة -رحمه الله- يقول: إنما تُعْلَمُ صحةُ الحديث بصحة الإسناد»([48]).

إِذَنْ فالإسناد لا بُدَّ منه؛ من أجل أن لا يُضَافَ إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما ليس من قوله، فيقع المرءُ في الوعيد الشديد في قوله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا، وَهُوَ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ».([49])

ولهذا جَعَلَ المحدثون الإسناد أصلا لقبول الحديث؛ فلا يُقْبَلُ الحديثُ إذا لم يَكُنْ له إسنادٌ نظيفٌ، أو يكون له أسانيدُ يتحصَّلُ من مجموعها الاطمئنانُ إلى أن هذا الحديثَ قد صَدَرَ عَمَّنْ يُنْسَبُ إليه؛ فهو أعظمُ وآمَنُ وسيلةٍ استعملها المحدثون من لدن الصحابة- رضوان الله عليهم- إلى عهد التدوين في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، والمشيخات، والأجزاء؛ كي يَنْفُوا الخَبَثَ عن حديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ويُبْعِدُوا عنه ما ليس منه، بل لم تقتصر جهود المحدثين على النظر في أسانيد ما يُرْوَى عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل تجاوزوا ذلك إلى آثار الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لا سيما إذا حُكِيَ عن أحد من القرون المفضلة، وأئمة الإسلام قولٌ يخالف المشهور عنهم، أو قوُلُ يَنْبَنِي عليه عملٌ؛ رجع العلماء إلى معرفة إسناده إليه، ولذلك كان أهلُ الحديثِ هم الطائفةُ المنصورةُ، والفرقةُ الناجيةُ، وهم عَسْكَرُ الإسلامِ وجنودُهُ، من لَزِمَ غَرْزَهُمْ؛ سَلِمَ ونَجَا، فَلِلَّهِ دَرُّهُمْ، وعلى اللهِ أجْرُهم، وأكرمنا الله بِحُسْن صُحْبَةِ الأَحْيَاءِ منهم، واتباعِهم والانتفاعِ بهم.



g

g

الفَصْلُ الثاني في: