آثارِ انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس)
من المصائب العظمى التي نَزَلَتْ بالمسلمين منذ العصور الأولى: انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بينهم.
وقد أدَّى انتشارُهَا إلى مفاسدَ كثيرةٍ، منها: انتشارُ الخلل في المسائل الاعتقادية الغَيْبِيَّةِ، ومنها ما هو في الأمور التشريعية، والأحكام الشرعية التفصيلية، ومنها ما هو في الرغائب ونحوها، كما سيأتي بيانها بالتفصيل -إن شاء الله تعالى-.
وقد اقْتَضَتْ حِكْمَةُ العليمِ الخبيرِ – تبارك وتعالى- أن لا يُكْتَبَ لهذه الأحاديثِ الانتشار في الأمة دون بيانٍ لحالها، تِلْكُمُ الأحاديث التي اختَلَقَها المُغْرِضونَ لغاياتٍ شَتَّى، وأغراضٍ متباينةٍ: منها السياسية، ومنها العصبية: الجِنْسِيَّة، والعِرْقِيَّة، والمَذْهَبِيَّة، ومنها ما كان بقصد التقرب إلى اللّه تعالى بزعمهم! ومنها أحاديثُ وُضِعتْ أو رُوِيَتْ خَطَأً على غير وجهها دون قَصْدٍ من بعض المغفَّلين من العُبَّاد والزُّهَاد والصوفية ونحوهم، ومن ضعفاء الحفظ من الفقهاء وغيرهم، ممَّن لا عناية لهم بالحديث وضبطه! فما كان المولى العليم الخبير-جَلَّ شأنُهُ- ليتركها تنتشر وبكثرة في كتب العقائد، والفقه، والتفسير، والوعظ، والترغيب، والترهيب، وغيرها، فتَنْخِرَ في صُلْبِ اعتقادِهم، وشعائِرِهم التعبدية، وأخلاقهم وسلوكهم، دون أن يُقَيِّضَ لها من يَكْشِفُ القناعَ عن حقيقتها، ويبينُ للناس أَمْرَهَا، أولئك هم أئمة الحديث الشريف، وحامِلو أَلْوِيَةِ السنة النبوية -حشرنا الله في زمرتهم، ووفقنا لطريقتهم- الذين دعا لهم رسول اللّه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – بقوله: «نَضَّرَ اللّه امرءًا سمِعَ مقالَتي؛ فوعاها، (وحفظها، وبلَّغها)؛ فربَّ حاملِ فِقْهٍ إلى مَن هو أَفْقَهُ منه».([50])
فقد قام هؤلاء الأئمةُ- جزاهم اللّه عن الإسلام والمسلمين خيرًا- ببيان حال أكثر هذه الأحاديث من صِحْةٍ، أو ضَعْفٍ، أو وَضْعٍ، وأصَّلوا أصولًا متينةً، وقعَّدوا قواعدَ رصينةً، مَن أَتْقَنَهَا وتَضَلَّعَ بمعرفتها؛ أَمْكَنَهُ-بإذن الله تعالى- أن يعلمَ درجةَ أيِّ حديثٍ، ولو لم ينصُّوا عليه، وذلك هو «عِلْمُ أصولِ الحديثِ»، أو «علوم الحديث»، أو «مُصْطَلَحِ الحديثِ».
ذِكْرُ بعضِ المؤلفات التي اهْتَمَّ مُؤَلِّفُوهَا ببيان الصحيح من السقيم:
قد ألَّفَ كثير من أهل العلم بالحديث كُتَبًا خاصَّةً للكشفِ عن حال الأحاديثِ، وبيانه، ومن أَشْهَرِهَا وأَوْسَعِهَا كتاب «المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة» للحافظ السخاوي، ومن ذلك أيضًا كتاب «اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة»، المعروف بـ «التذكرة في الأحاديث المشتهرة» للزركشي، «والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» للشوكاني، وكُتُبِ شيخنا الألباني، في السلسلتين «الصحيحة» و«الضعيفة»، و«صحيح وضعيف السنن الأربعة»، و«صحيح الجامع الصغير وضعيفه»، وغير ذلك من كتبه النافعة الماتعة، ومن ذلك أيضًا كتب التخريجات؛ فإنَّ أصحابَهَا بيِّنوا حالَ الأحاديثِ الواردةِ في تلك الكتب التي خَرَّجُوا أحاديثَهَا، مثل كتاب: «نصب الراية لأحاديث الهداية» للحافظ الزيلعي، و«المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الِإحياء من الأخبار» للحافظ العراقي، و«التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» و«الدراية في تخريج أحاديث الهداية» كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني، و«تخريج أحاديث الكشاف» له أيضًا، و«البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير» لابن الملقن، و«تخريج أحاديث الشفاء» للحافظ السيوطي، -رحمة الله عليهم جميعاً- وغير هذه الكتب كثير، لا سيما في هذا العصر، وكُلُّهَا مَطْبُوعَةٌ، ولله الحمدُ والمِنَّةُ.
ومع أن هؤلاء الأئمة- جزاهم اللّه خيرًا- قد سهَّلوا السبيل لمن بعدهم من العلماء والطلاب بهذه الكتب وغيرها؛ حتى يعرفوا درجة كل حديث؛ فإننا نجد كثيرًا من الناس- مع الأسف الشديد- قد انصرفوا عن قراءة هذه الكتب المذكورة، وما في بابها من الكتب؛ فَجَهِلُوا بسبب ذلك حالَ الأحاديث التي حفظوها عن مشايخهم، أو يقرؤونها في بعض الكتب التي لا تتحرَّى الصحيحَ الثابتَ، ولذلك لا نكاد نسمع موعظةً لبعض المرشدين، أو محاضرةً لأحد الأساتذة، أو خطبةً من خطيب؛ إلا ونجد فيها شيئًا من تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة -إلا من رحم الله- وهذا أمر خطير، يُخشى عليهم جميعًا أن يدخلوا بسببه تحت الوعيد الثابت في قوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «مَن كذب عليَّ متعمدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار». وهو حديث صحيح متواتر، وقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يُرَى، أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ»([51]).
فإنهم، وإن لم يتعمدوا الكذب مباشرةً؛ فقد ارتكبوه تَبَعًا؛ لِنَقْلِهِم الأحاديثَ التي يقفون عليها جَمِيعِهَا دون تَثَبُّتٍ، وهم يَعْلَمُون أن فيها ما هو ضعيف، وما هو مكذوبٌ قَطْعًا، ثم إن كثيرا منهم قد تَمَكَّنَ من القدرة على العلم بحال كثير من هذه الأحاديث، وذلك بتيسُّر رجوعه إلى المراجع الكاشفة عن حال هذه الأحاديث، ولكنه اشْتَغَلَ بالأدنى وتَرَك الأعلى من الأولى، وبعضُهُم يَعْلَمُ أن الحديثَ قد ضَعَّفَهُ الأئمةُ، لكنه يُعْجِبُهُ مَتْنُهُ أو سياقُه، أو ما يتضمن من ثوابٍ، أو عقابٍ، وما فيه من قصة تُعْجِبُ من يحدِّث بها العوامَّ، ويَشُقُّ عليه تَرْكُ التَّحَدثِ بها !!، وقد أشار إلى هذا المعنى قولُ النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «كَفى بالمرء كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكل ما سَمِعَ». رواه مسلم في مقدمة «صحيحه».([52])
وقوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ».([53])
وعلى هذا؛ فلا يجوز نَشْرُ هذه الأحاديثِ وروايتُهَا دون التثبت من صحتها أو ثُبوتها، وأن من فَعَلَ ذلك؛ فهو حَسْبُهُ من الكذب على رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وقد قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : «إن كَذِبًا عَلَىَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ؛ فمَن كَذَبَ عليَّ متعمدًا؛ فليتبوَّأ مقعده من النار». رواه مسلم وغيره.([54])
وهذه الرسالة التي نحن بصددها لَبِنَةٌ في هذا الصَّرْحِ الشامخ لعلماء الحديث، الذين أَفْنَوا أعمارَهُم في بيان ما ثَبَتَ وما لم يَثْبُتْ من حديث نبينا محمد- صلى اللهْ عليه وعلى آله وسلم- وهي في بيان ضَعْفِ قولِ من ذهب إلى جواز رواية الضعيف من الأحاديث في باب الفضائل والمناقب، أو العمل بها -وإن كان هذا مذهب أئمة جمهور الحديث رحمهم الله جميعاً-، وقد أدى هذا التساهلُ في بيان حال هذه الأحاديث الضعيفة، وروايتها ونشرها في الكتب مع عدم التحذيرِ منها أدَّى ذلك إلى بلايا عِدَّةٍ، منها:
انتشارُ الخرافاتِ والبدع بين الناس، وترويجُ أهل الضلال لباطلهم من خلال الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد انتشر ذلك، وَوُجِدَ لدعوتهم رواجٌ، ولاسيما مع انتشار وسائل الاتصال والتقنية الحديثة.
مخالفةُ بعض الأحاديث الضعيفة التي يذكرها من يرى العمل بها، لما هو ثابتٌ وصحيحٌ من الأحاديث؛ فيقع التضارب والاختلاف عند من لم يدقق النظر ويميز بين الغَثَّ والسَّمِين، وقد تُدْخِلُ الشكَّ والريبَ عند البعض، وصدق الله تعالى إذ يقول: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:82}، والضعيف ليس من عند الله- جل شأنه-.
العملِ بما لا يَثْبُتُ من الرواياتِ، وقد أدى ذلك إلى ظهور أسباب الوقوع في الغلو والجفاء؛ وذلك لِتَلَقِّي عَوَامَ المسلمين كُلَّ ما يُنْقَلُ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دون معرفة الصحيح من السقيم.
مزاحمةُ الأحاديثِ الثابتةِ بالأحاديث الضعيفة والساقطة، مما أدى إلى الجهل بالأحاديث الصحيحة والحسنة -فضلا عن ترك العمل بها عند كثير من الناس- !!.
مَيْلُ الناسِ إلى العملِ والتَّحَدُثِ بالضعيف والمناكير، لما فيها من الغرائب والعجائب، التي تُعْجِبُ السامعين لها، مع الإعراضِ عن الصحيح الثابت، فما أكثر الصحيح الثابت الذي لم يعلموا عنه شيئاً!!
الإتيانُ على جهود وقواعد المحدثين في تمييز صحيح الحديث من سقيمه بالاستئصال والإهدار، أو تركها خاويةً عقيمة، ليس لها أثر مَلْمُوسٌ في الأمة!!.
وغير ذلك من الآثار التي ذكرتُهَا في ثنايا هذا البحث.
g
g
(الفَصْلُ الثالثُ:













