كتب للقراءة

الطرح والإهمال 4

الطرح والإهمال

في حُكْمِ الْعَمَلِ بالحديث الضعيف)

سبب تأليفي لهذه الرسالة:

عند شرحي لطلبة العلم في «دار الحديث بمأرب» كتابَ «الموقظة» للحافظ الذهبي -رحمه الله- وعند الكلام عن الحديث الضعيف؛ وقد ذَكَرْتُ بعض الفروع المتعلقة بالحديث الضعيف، والتي لم يذكُرها الحافظ الذهبي في «الموقظة»-لكون كتابه -رحمه الله- مختصراً- وعَدْتُ إخواني من طلاب العلم -وفقهم الله- بالكلام على مسألةٍ اشْتَهَرَ فيها الخلافُ بين أهل العلم بالحديث؛ وهي مسألة: (حُكْم العمل بالحديث الضعيف وروايته في فضائل الأعمال) وقد تمَّ ذلك، وحررت ذلك في هذه الأوراق؛ لأن الأشرطة قصيرة العمر، ولا يصل الباحث فيها إلى موضع الفائدة إلا بصعوبة.

لكن قَبْل الخوض في هذه المسألة، وذِكْرِ أدلة القائلين بها والمانعين منها؛ أرى أن من الأهمية التَّعَرُّضَ لبعض الفروع التي لها صِلةٌ بهذه المسألة:

بعض الفروع التي لها صِلَةٌ بمسألة الاحتجاج بالحديث الضعيف في الفضائل أو الأحكام:

الفرع الأول:

فمن ذلك: قولُ من قال: (يُحْتَجُّ بالحديث الضعيف في باب الأحكام) وقد استدل من قال ذلك ببعض الأدلة، التي سيأتي ذكرها قريباً-إن شاء الله تعالى-.

وهذا القول نُسِبَ لعددٍ من الأئمة، منهم الأئمة الأربعة، أما عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت -رحمه الله-: فقد ذَكَر ابنُ الجوزي -رحمه الله-تَرْكَ أبي حنيفة للأحاديث الصحيحة، وأَخْذَهُ بالقياس، وذكر أمثلةً لذلك، ثم قال: «والعَجَبُ منه: إذا رأى حديثاً لا أصل له؛ هَجَرَ القياسَ، ومال إليه… ثم ذكر أمثلةً لذلك([55]).

وهذا يدل على أن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله-من أصوله أن العمل بالضعيف أَوْلَى من القياس.

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- وهو يَذْكُرُ أصولَ الإمام أبي حنيفة -رحمه الله-: ومنها: العملُ بالحديث الضعيف في الأحكام، وتَقْدِيمُهُ على القياس، ثم قال: «وليس أحَدٌ من الأئمة الأربعة إلا وهو موافِقُه على هذا الأصل من حيث الجملة؛ فإنه ما منهم أحد إلا وقد قَدَّم الحديثَ الضعيف على القياس»([56]).

وقال أبو محمد بن حزم -رحمه الله-: «وقال أبو حنيفة: الخبرُ الضعيفُ والمرسَلُ عن رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْلَى من القياس، ولا يَحِلُّ القياسُ مع وجوده…»([57])

وكذلك ذَكَر الإمامُ ابن القيم -رحمه الله-: أن الإمام مالكًا -رحمه الله- يُقَدِّمُ الحديثَ المرسَلَ والمنقطعَ والبلاغاتِ وقولَ الصحابي على القياس([58]).

وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل-رحمهما الله- قال: سألتُ أبي عن الرجل يكون ببلدٍ لا يَجِدُ فيه إلا صاحبَ حديثٍ، لا يَعْرِفُ صَحِيحَهُ من سَقِيمِهِ، وأصحابَ رَأْيٍ، فَتَنْزِلُ بهِ النازلةُ، مَنْ يَسْأَلُ؟ فقال أبي: «يَسْأَلُ صَاحِبَ الحديثِ، ولا يَسْأَلُ صَاحِبَ الرَّأْيِ، ضعيفُ الحديثِ أَقْوى»([59]).

وذكر الحافظُ السَّخَاويُّ -رحمه الله-: «أن الإمام أحمد وأبا داود قدَّمَا الحديثَ الضعيفَ على القياس»([60]).

قلت: الاستدلالُ بذلك في نسبة هذا المذهب لهؤلاء الأئمة لا بأس به؛ إذا كان هؤلاء الأئمة يُسَلِّمون بِضَعْفِ الحديث عندهم.

أما إذا كانت هذه الأحاديث ضعيفةً من جهةٍ، وقويةً من جهةٍ أخرى بعاضدٍ أو غيرِه عند مَنْ قَدَّمَ الضعيفَ على القياس؛ فلا يصح نسبة ذلك لهم، أضف إلى ذلك أن بعض الأئمة يُسَمِّي الحديث الحسن ضعيفًا؛ لأن الحديث عنده صحيح وضعيف فقط، والقسمة ثنائية؛ وعليه؛ فلا يصح إطلاقُ الاستدلالِ بذلك على نسبة هذا المذهب لهؤلاء العلماء والأئمة.

وكثير من الحنفية أجابوا عن الأحاديث التي استدل بها الإمام أبو حنيفة، وقَدَّمَهَا على القياس، بأنها عند الحنفية ليست ضعيفةً لا جابر لها، وأنها من قسم الضعيف الذي انجبر بشاهد: إما بنصٍّ من القرآن، أو حديثٍ ثابت، أو قياسٍ، أو قول صحابيٍ، أو إجماعٍ ظَنَّه مَنْ مَشَّى الحديثَ، أو عَمَلِ أهلِ بلدٍ…أو غير ذلك، فالضعيف إما أن يكون ضعيفًا عند غيرهم، وليس ضعيفا عندهم، وإما أنه ضعيف من طريق معين، حسنٌ بشواهده، فإذا كان ذلك كذلك؛ فلا يَصِحُّ نِسْبَةُ القولِ بالعمل بالحديث الضعيف في الأحكام إلى من كان كذلك، والله أعلم.

وذَكَرَ الحافظ العلائيُّ -رحمه الله- مَنْ قَبِلَ المُرْسَلَ واحتج به، فذكر منهم: «أبا حنيفة، ومالكًا، وجمهور أصحابهما، وأكْثَرَ المعتزلة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد»([61]).

وذكر الحافظ ابنُ رجب الحنبلي -رحمه الله- «أن كثيرًا من الفقهاء استدلوا بالمرسل، وذكر أنه لا منافاة بين قول الحفاظ وقول الفقهاء في الاحتجاج بالمرسل، وأن الحفاظ إنما يريدون صحةَ الحديثِ المعيَّنِ إذا كان مرسلًا، وهو ليس بصحيحٍ على طريقتهم؛ لانقطاعه، وعَدَمِ اتصالِ إسنادِهِ، وأما الفقهاءُ فمرادهم صحةُ ذلك المعني الذي دل عليه الحديثُ، فإذا اعتضد ذلك المُرْسَلَ بقرائن تدل على أن له أصلًا؛ قويَ الظنُّ بصحة ما دل عليه؛ فاحتجَّ به مع ما احْتَفَّ به من القرائن»([62]).

قلت: وهذا كله محمول على أن الضعيف الذي استدل به هؤلاء العلماءُ أنه ضعيف بِمُفْرَدِهِ لا بِمَجْمُوعِهِ، وعلى ذلك لا تَصِحُّ نِسْبَةُ هذا القول بإطلاقه إلى الأئمة السابق ذكرهم، والله أعلم.

* الأئمة لا يُثْبِتُونَ حُكْمًا شرعياً بحديثٍ ضعيفٍ:

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ولم يَقُلْ أحدٌ من الأئمة المجتهدين: إنه يجوز أن يُجْعَلَ الشيءُ واجبًا أو مستحبًّا بحديثٍ ضعيفٍ، ومن قال هذا؛ فقد خالف الإجماع».([63])

وذكر أيضًا -رحمه الله- أن قولهم: «الحديث الضعيف خيرٌ من الرأي» ليس المراد به الضعيف المتروك، لكنَّ المرادَ به الحَسَنُ…»([64]).

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «مذهب أحمد في ذلك أنه: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّعِيفِ عِنْدَهُ الْبَاطِلَ، وَلَا الْمُنْكَرَ، وَلَا مَا فِي رِوَايَتِهِ مُتَّهَمٌ؛ بِحَيْثُ لَا يَسُوغُ الذَّهَابُ إلَيْهِ والْعَمَلُ بِهِ؛ بَلْ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ عِنْدَهُ قَسِيمُ الصَّحِيحِ، وَقِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْحَسَنِ، وَلَمْ يَكُنْ يُقَسِّمُ الْحَدِيثَ إلَى صَحِيحٍ وَحَسَنٍ وَضَعِيفٍ، بَلْ إلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ، وَلِلضَّعِيفِ عِنْدَهُ مَرَاتِبُ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ فِي الْبَابِ أَثَرًا يَدْفَعُهُ، وَلَا قَوْلَ صَاحِبٍ، وَلَا إجْمَاعاً عَلَى خِلَافِهِ؛ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَهُ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ»([65]).

وقال أيضًا -رحمه الله-: «وَإِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَقِيَاسٌ؛ قَدَّمَ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ على الْقيَاس، وَلَيْسَ الضَّعِيفُ فِي اصْطِلَاحه هُوَ الضَّعِيفُ فِي اصْطِلَاح الْمُتَأَخِّرين، بل هُوَ والمتقدمون يُقَسِّمُون الحَدِيثَ إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ، وَالْحسنُ عِنْدهم دَاخلٌ فِي الضَّعِيف بِحَسْب مراتبه»([66]).

وقد نَصَّ جماعةٌ من الأئمة على أن الضعيف عند الإمام أحمد لا يُرَادُ به الضعيفُ في الاصطلاح المَشْهُور، إنما هو ما ضَعُفَ عن الصحيح، كما سبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم -رحمهما الله-، ونقل الزركشي -رحمه الله- عن شيخه القاضي شرف الدين -رحمه الله- أنه قال: «وإِنَّما أُتِيَ َمنْ أَنَكَرَ هذه اللفظةَ على أحمد لعدم معرفته بمراده؛ فإن الضعيفَ عند أحمد غيرُ الضعيفِ في عُرْفِ المتأخرين، فعنده الحديثُ ينقسم إلى صحيحٍ وضعيفٍ؛ لأنه ضَعُفَ عن درجة الصحيح، وأما الضعيفُ بالاصطلاح المشهور؛ فإن أحمد لا يُعَرِّجُ عليه أَصْلًا»([67]).

قال الزركشي -رحمه الله-: «وقريب من هذا قولُ ابن حزم: إن الحنفية مُتَّفِقُون على أن مذهبَ أبي حنيفة: أن ضعيفَ الحديثِ عنده أَوْلَى مِنَ الرَّأْيِّ، والظاهر أن مرادهم بالضعيف ما سبق»([68]).

* تحقيق قول الإمام أحمد -رحمه الله- في العمل بالضعيف، ومعنى الحديث الضعيف عنده، ومسألة تَقْدِيمِهِ الحديثَ الضعيفَ على القياس.

أولًا: ما نُقِلَ عن الإمام أحمد -رحمه الله- في هذا الشأن مُختَلَفٌ فيه:

فقد اخْتَلَفَ النَّقْلُ عن الإمام أحمدَ-رحمه الله- في ذلك:

* الأول: نُقِلَ عنه ما يَدُلُّ على أنه لا يحتج به منفردًا، ومن ذلك:

ما قاله في رواية القاسم في ابن لهيعة: قال -رحمه الله-: «ما كان حَدِيثُهُ بذلك، وما أَكْتُبُ حَدِيثَهُ إلا للاعتبار والاستدلال، أنا قد أَكْتُبُ حديثَ الرجلِ كأني أَسْتَدِلُّ به مع حديثِ غيرِهِ يَشُدُّه، لا أنه حُجَّةٌ إذا انفرد».

وقال حنبل -رحمه الله-: سمعت أبا عبد الله يقول: «ما حديث ابن لهيعة بحجة، إلا أني كنتُ كثيرًا ما أَكْتُبُ حديثَ الرجلِ لأَعْرِفَهُ، ويُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضًاً»([69]).

* الثاني: ورُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنه يَحْتَجُ به إذا لم يكن في الباب غيره، فمن ذلك:

أنه قال لابنه عبد الله -رحمهما الله-وقد سأله عن حديثٍ ضعيفٍ: «ولكنَّك -يا بُنَيَّ- تَعْرِفُ طريقتي في الحديث: لَسْتُ أُخَالِفُ ما ضَعُفَ من الحديث إذا لم يكن في الباب شيءٌ يَدْفَعُهُ.

وقال الأثرم -رحمه الله-: سمعت أبا عبد الله يقول: «وربما كان الحديث عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في إسناده شيء، فنأخذ به إذا لم يَجِئْ خِلَافُهُ أَثْبَتُ منه، وربما أخذنا بالحديث المرسل إذا لم يَجِئْ خِلَافُهُ»([70])

* الثالث: وقال المرداوي -رحمه الله-: «وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى، لَا يَعْمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فِي الْفَضَائِل؛ وَلِهَذَا لم يسْتَحِبَّ صَلَاة التَّسْبِيح لضعف خَبَرهَا عِنْده، مَعَ أَنه خبر مَشْهُورٌ عَمِلَ بِهِ وَصَححهُ غير وَاحِد من الْأَئِمَّة».([71])

وقال ابن قدامة-رحمه الله-: «فأما صلاة التسبيح؛ فإن أحمد قال: ما تعجبني، قيل له: لمَ؟ قال ليس شيء يَصِحُّ، ونَفَضَ يده كالْمُنْكِرِ»([72]).

* الرابع: ورُوِيَ عنه -رحمه الله- ما يَدُلُّ على أنه يَأْخُذُ به في الفضائل دون الأحكام، فمن ذلك:

ما قال النوفلي -رحمه الله-: سمعت أحمد يقول: «إذا رُوِّينَا عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في فضائل الأعمال، وما لا يَرْفعُ حُكْمًا؛ فلا نُصَعِّبُ»

وقال أحمد -رحمه الله-: «إذا جاء الحلالُ والحرامُ؛ أَرَدْنَا قومًا هكذا» وقَبَضَ كَفَّيْهِ، وأَقَامَ إِبْهَامَهُ، وقال أيضًا: «شَدَّدْنَا في الأسانيد»([73]).

* الخامس: رُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على عَمَلِهِ بما ضَعُفَ إسنادُه إذا كان العملُ عليه، فمن ذلك:

ما قاله في حديث الحائك والحجام: «إنما نُضَعِّفُ إِسْنَادَهُ، لكن العملَ عليه»

وقال عن حديث غيلان: «ليس بصحيح، والعَمَلُ عَلَيْهِ».([74])

* تفسير الحنابلة للمنقول عن الإمام أحمد -رحمه الله-

اعلم أن اختلافَ المنقول عن الإمام أحمد في هذا الشأن أَدَّى إلى اختلافِ الحنابلة في تفسيره، فلهم في ذلك ثلاثة أقوال:

الأول: أنه يَعْمَلُ بالحديث الضعيف، ويَقْبَلُهُ، ويُقَدِّمُهُ على الرأي، بشرط ألا يُوجَدُ ما هو أَوْلَى منه، أو ما يَدْفَعُهُ (وظاهر هذا أنه يعمل به في الأحكام، لا الفضائل فقط)، وهذا القول يرجحه جمهورُ أصحابه.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله- عند ذكر أصول الإمام أحمد: «الأصل الرابع: الأَخْذُ بالمرسَل والحديثِ الضَّعيف، إذا لم يَكُنْ في الباب شيءٌ يَدْفَعُهُ، وهو الذي رجَّحَه على القياس، وليس المرادُ بالضعيف عنده الباطلَ، ولا المنكَرَ، ولا ما في رواته مُتَّهم؛ بحيث لا يَسُوغ الذَّهَابُ إليه والعملُ به، بل الحديثُ الضعيفُ عنده قَسِيم الصحيحِ، وقِسْمٌ من أقسام الحَسَن، ولم يكن يُقَسِّم الحديثَ إلى: صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ، بل إلى: صحيحٍ وضعيفٍ، والضعيفُ عنده مراتب، فإذا لم يَجِدْ في الباب أثرًا يَدْفَعُهُ، ولا قولَ صاحبٍ، ولا إجماعًا على خِلَافِهِ؛ كان العَمَلُ به عنده أَوْلَى من القياس»([75]).

وقال الأثرم -رحمه الله-: «رأيتُ أبا عبد الله إذا كان الحديث عن النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في إسناده شيء؛ يَأْخُذُ به إذا لم يَجِئْ خلافُه أَثْبَتُ، مثل حديث «عمرو بن شعيب»، و«إبراهيم الهَجَرِي»، وربما أخذ بالمُرسَلِ إذا لم يَجِئْ خلافُهُ».

وقال الخلال -رحمه الله-: «مَذْهَبُهُ -يعني أحمد- أن الحديثَ الضعيفَ إذا لم يَكُنْ له مُعَارِضٌ قال به».

والمراد بالضعيف هنا: هو ما انْحَطَّ عن رتبة الصحيح، لكنه أَقْوَى من المتروك([76]) وهو الحسن كما سبق وكما سيأتي:

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «فقولنا: إن الحديث الضعيف خَيْرٌ من الرَّأْي، ليس المراد به الضعيفَ المتروكَ، لكنَّ المرادَ به الحسنَ»([77]).

وقال القاضي -رحمه الله-: «معنى قول أحمد: (هو ضعيف) على طريق أصحاب الحديث؛ لأنهم يُضَعِّفُونَ بما لا يُوجِبُ تَضْعِيفَهُ عند الفقهاء: كالإرسالِ، والتدليسِ، والتفردِ بزيادة في الحديث لم يَرْوهَا جماعةٌ، وهذا موجود في كتبهم: تفرد به فلانٌ وَحْدَهُ، فقوله: (هو ضعيف) على هذا الوجه».

إِذَنْ فعلى هذه الرواية: فالحديثُ الضعيفُ المقدَّمُ على القياس عند الإمام أحمد – على قول أكثر أصحابه الحنابلة-: هو الحديثُ الحسنُ، وهو من الأحاديث المقبولة، والاستدلالُ به شَرْطُهُ ألا يُوجَدَ أَوْلَى منه في الصحة([78]).

الفرع الثاني: أنه يَأْخُذُ به في الفضائل دون الأحكام.

ومعنى الأَخْذِ به في الفضائل: أن النفس تَرْجُو ذلك الثوابَ، أو تخاف ذلك العقابَ، وذلك فيما عُلِمَ حُسْنُهُ أو قُبْحُهُ من أدلة الشرع الثابتة، أما اعتقاد مُوجَبِه؛ فيتوقف على الدليل الشرعي.

وعلى هذه الرواية؛ فليس الحديثُ الضعيفُ عنده بحجة مستقلة، وقد يصح أن يكون جزءًا من حجة؛ وذلك إذا اعتضد بدليل آخر([79]).

الفرع الثالث: أنه لا يَعْمَلُ بالحديث الضعيف أصلاًً.

وهو مُخَرَّجٌ على أنه رَدَّ بعضَ الأحاديث الضعيفة، فلم يَقُلْ بها، ويشهد لهذه الرواية ما جاء عن أحمد -رحمه الله- لما سُئِل عن الكتابة عن راوٍ ضعيفٍ، فقال: أَعرِفُه([80]).

ولا شك أن هذه المسألة فيها خطورةٌ بالغةٌ؛ لأن القولَ بالحُرْمة، أو الوجوب، أو الكراهة، أو الاستحباب لأي حُكمٍ شرعي، ونسبةَ ذلك إلى الشرع بمجرد الوقوف على حديث ضعيف -حقًّا- لا يرتقي للقبول أصلاً؛ فيه جُرْأةٌ عَجِيَبةٌ، إذْ كيف تُسْتَباح الدماء والأموال والأعراض بحديثٍ ضعيفٍ: راويه ممن يُخْطئُ في روايته، ولا يتقنها، واحتمالُ ردِّ روايته أقوى من احتمال قبولها؟!، أو راويه مجهولٌ، أو سندُهُ منقطعٌ….إلخ، فإن الراوي الموصوفَ بالضعف إذا انفرد برواية تَحْمِلُ حكمًا شرعيًا دون رواية الثقات؛ يكون احتمالُ وَهْمِهِ -في الجملة- أقوى من احتمال ضبطه وإتقانه، وإذا فرضنا استواءهما؛ فإن هذا عَمَلٌ بالشك، والله –عز وجل- يحكي عن أهل الباطل والشك والريب -ذامًّا لهم- قولهم: [ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ] {الجاثية:32}([81]).

قال أبو محمد ابن حزم -رحمه الله-: «ولا يَحِلُّ الحُكْمُ بِالظَنِّ أصلًا؛ لقول الله تعالى: [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ] {النجم:28}، ولقول رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «إياكم والظنَّ؛ فَانَّ الظَنَّ أكْذَبُ الحديثِ» وبالله تعالى التوفيق»([82]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وأَصْلُ الضَّلالِ: اتباعُ الظنِّ والهوى، كما قال الله -تعالى- في حق من ذمهم: [ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ] {النجم:23}.

وقال في حق نبيه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ] {النجم: 1-4}، فَنَزَّهُهُ عن الضلال والغواية اللذيْن هما الجَهْلُ والظلْمُ، فالضال: هو الذي لا يَعْلَمُ الحقَّ، والغاوي: الذي يَتَّبِعُ هواه»([83]).

وسبق من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله-: أنه لا يجوز نسبة القول بالتحليل والتحريم إلى أَمْرٍ ما من أجل حديث ضعيف لأحد من الأئمة.

وسيأتي -إن شاء الله تعالى- من كلام العلماء المرخِّصِين في رواية الضعيف في الزهد والفضائل وغيرهما أنه لا يُعْمل بالضعيف في الأحكام والسنن والحلال والحرام، وكل هذا يدل على أنه لا تجوز نسبة العمل بالضعيف -الذي لم ينجبر للاحجاج به-في الحلال والحرام للأئمة، والله أعلم

بيان خطورة قول من قال من أهل العلم: إن المراد بالحديث الضعيف هنا: هو غير الحديث المكذوب أو الموضوع:

كثير من العلماء ذكروا أن المراد بالضعيف الذي يُعمل به في الأحكام: هو الضعيف الذي راويه ليس متهماً، أو ليس بكذاب، مع أن بين الضعيف والكذاب مرتبة الرد والترك، كمن يُقال فيه ليس بشيء: فضعيفٌ جداً، وواه، ومتروكٍ، … ونحو ذلك.

فقد يفهم بعض الناس من اشتراطهم ألا يكون في رواة الضعيف كذاب، أن من لم يكن كذاباً؛ فيُرْوى عنه، أو يُعْمَل بحديثه، بالرغم من أن المتروك الواهي، والساقط الذي تُطْرحُ روايته قد لا يكون كذابًا، أو متهمًا أصلًا؛ إنما هو رجل صالح في نفسه، لكن لا يدري ما الحديث!!

وبعضهم لو اسْتُؤْمِن على بيوت مال المسلمين؛ لكان عليها أمينًا وَفِيًّا، لكنه لا يُسْتَأمن ولا يُوثَق به في حرفٍ واحدٍ من الحديث النبوي.

ومن ذلك قول الإمام مالك -رحمه الله-: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ؛ دِينٌ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ عِنْدَ هَذِهِ الْأَسَاطِينِ: «وَأَشَارَ إِلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمَا أَخَذْتُ عَنْهُمْ شَيْئًا وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوِ ائْتُمِنَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ؛ لَكَانَ بِهِ أَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ، وَيَقْدُمُ عَلَيْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ، وَهُوَ شَابٌّ، فَنَزْدَحِمُ عَلَى بَابِهِ»([84]).

وعَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونُونَ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْحَدِيثِ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ»([85])

وقد بَوَّبَ عليه الخطيب -رحمه الله-: «بَابُ تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ وَالدِّرَايَةِ، وَإِنْ عُرِفَ بِالصَّلَاحِ وَالْعِبَادَةِ»

– ومن هؤلاء الرواة: وَهْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أبو محمد الكوفي، قال وكيع: «ذَلِكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَلِلْحَدِيثِ رِجَالٌ».

– ومنهم أيضاً: عِمْرَانُ الْعَمِّيُّ، سئل عنه يحيى القطان فقال: «لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

شروط العمل بالحديث الضعيف في الأحكام:

قد وضع العلماء للعمل به في الأحكام عددًا من الشروط، وهذه الشروط تجدها مفرَّقة في أجوبتهم وكلامهم على الأحاديث، وخلاصتها:

الشرط الأول: أن يُعْمَلَ بالحديث الضعيف في الأحكام إذا لم يُوجَد في الباب حديثٌ صحيح، وهناك من يَحْكِي عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة: أنه إذا لم يُوجَد في الباب حديثٌ صحيح؛ فيُعْمَل بالضعيف؛ لأنه خيرٌ من آراء الرجال، أو خيرٌ من القياس، لكن المراد بالضعف هنا الضعفُ الخفيف، الذي هو من قسم الحسن، كما قاله غير واحد من الحنابلة، كما سبق، والله أعلم.

الشرط الثاني: منهم من يَشْتَرِط في العمل بالضعيف في الحلال والحرام ألا يكون هناك حديث ضعيف آخر-فضلاً عن صحيح أو حسن- يخالفه، أو يقاومه؛ لأنه إذا جاء حديثٌ ضعيفٌ يُحِلُّ أمراً ما، وجاء حديثٌ ضعيفٌ آخر يُحرِّم هذا الأمر؛ فهذا من الاضطراب والاختلاف، وإذا كان الحديث الثابت صِحةً أو حُسْنًا إذا قاومه حديثٌ مثلُهُ وفي رُتْبِتِهِ، وعارضه معارضةً يَتَعَذَّرُ معها الجمعُ بينهما؛ فإنه لا يُعْمَلُ بهما جميعا، ويُتَوَقَفُ فيهما؛ فكيف بالضعيفين إذا تضادّا أو تَقَاوَمَا؟

وقد سبق من كلام ابن مفلح -رحمه الله- أن أحمد -رحمه الله- قال: «ولستُ أُخَالفُ ما ضُعِّفَ من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يَدْفَعُه».

قال الزركشي -رحمه الله-: «مَا ذكره من عدم الْعَمَل بالضعيف فِي الْأَحْكَام يَنْبَغِي أَن يسْتَثْنى مِنْهُ صُوَر:

أَحدهَا: أَلا يُوجد سواهُ، وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ أَن الشَّافِعِي احْتج بالمرسل إِذا لم يُوجَدْ دلَالَةٌ سِواهُ، وَقِيَاسُه فِي غَيره: وَمن الضَّعِيف كَذَلِك…، ثم ذكر قول الإمام أحمد في هذا، وأنه يُقَدِّمُ الضعيفَ على القياس، وقد تقدم تحرير قول الإمام أحمد وغيره في هذه المسألة، وما هو مراده -رحمه الله- بالضعيف([86]).

الشرط الثالث: يُعْمَلُ به من باب الاحتياط، وهذا يَظْهر من كلام بعضهم: أنهم إنما يستدلون به في باب الاحتياط؛ فإذا كان هناك حديثٌ ضعيفٌ، لا يُعَارِضُهُ حديثٌ ثابتٌ صحةً أو حُسْنًا، أو حديثٌ ضعيفٌ آخرُ، وكان هذا الحديثُ الضعيفُ يناسب العملَ بالاحتياط، أو الأَخْذَ بالأَحْوطِ للدين؛ فيقولون في مثل هذا: يُعْمَلُ بالضعيف؛ لأن الحديث الضعيف -في الأصل-فيه شيء من الظن بثبوته إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فإذا لم يكن ظنًّا راجحًا؛ فوجود شيء من الظن مع عدم وجود ما يعارضه؛ يُعْمَل به إذا كان فيه احتياط واحتراز.

فَتَرْكُهُ أو فِعْلُهُ إياه احتياطًا -والحالةُ هذه-لا يَضُرُّ، فإذا كان هناك حديثٌ ضعيفٌ، فيه شيءٌ من الظن أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قاله؛ فالعمل به أَوْلَى إذًا من إهماله.

لكن الأَمْرَ الـمُشْكِل: أن بعضهم يستعمل هذا في مسائل يرتاب منها القلب ارتيابًا!!!

فقد مَثّلَ بعضهم بالاحتجاج بالحديث الضعيف في باب الأحكام بحديث رُوِيَ في قَتْلِ السيد بمولاه، وقالوا: يُقْتَلُ احتياطًا، وإن كان كلام من قال هذا يُحْمل على أن المراد به الزَّجْرُ للسيد، الذي قد يَسْمَعُ أن الحديثَ المرويَّ في ذلك ضَعِيفٌ؛ فيتجرأ على جريمة قَتْلِ عَبْدِهِ ومولاه، فَيُذْكَر له الحديث ترهيبًا وزجرًا([87])!!

والإشكال الوارد: كيف يُقْتَلُ السيدُ الحُرُّ بعبدٍ احتياطًا؟، أو كيف نستبيح عِصْمَةَ دمِ رجلٍ مَعْصُومٍ بحديثٍ ضعيفٍ احتياطًا؟ أو كيف تُطَلَّقُ المرأةُ من زوجها، ونُبْطِلُ عَقْدَ نِكَاحَهَا بحديثٍ ضعيفٍ احتياطًا؟ أو كيف تُعْتق الأَمَة احتياطًا…؟! وهكذا، فهذا فيه استباحةُ دماءٍ، أو أموالٍ، أو أعراضٍ مُحَرَّمةٍ بأدلةٍ وقواعد شرعيةٍ راسخةٍ رسوخَ الجبالِ، وكل هذا يقع بسبب العمل بالحديث الضعيف باسم الاحتياط!!!

والحديثُ الضعيفُ لا تقوم به حُجةٌ أصلًا؛ لأن ظَنَّ ثُبوته إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ظنٌّ مَرْجُوح، وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم بالحديث.

قال العلائي -رحمه الله- في بيان ضَعْفِ المُرْسَل، وأنه من أقسام الضعيفِ وهو الذي عليه جمهور أهل الحديث أو كلهم، قال: قال الإمام مسلم -رحمه الله- في «الصحيح»: «وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ».

قال العلائي -رحمه الله-: «وهذا القولُ مُوافِق لكلام ابن عبد البر الذي ذكرناه آنفًا، وهو الذي عليه جمهورُ أهل الحديث، أو كُلُّهم، فهو قولُ عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وعامَّةِ أصحابِهمَا: كابن المديني، وزهير بن حرب، ويحيى بن معين، وابن أبي شيبة، ثم أصحاب هؤلاء: كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن خزيمة، وهذه الطبقة، ثم مَنْ بَعْدَهم: كالدارقطني، والحاكم، والخطيب، والبيهقي، ومَنْ يَطُولُ الكَلامُ بِذِكْرِهِم…»([88]).

قلت: وكلام أكثر هؤلاء الأئمة في العمل بالضعيف في الفضائل لا الأحكام.

وقد شنَّع الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله- على من يحتجُّ بالحديث الضعيف في «مقدمة صحيحه»([89])، وسيأتي كلامه -إن شاء الله تعالى – في موضعه.

الشرط الرابع: العمل بالحديث الضعيف في باب الترجيح، كما قال بعضهم: «الحديث الضعيف يَنْفَعُ في باب الترجيح»؛ وهذ لا إشكال فيه، فلو أن حديثًا صحيحًا قاومَهُ أو عارضَهُ حديثٌ صحيحٌ آخر في مرتبته، ثم وقفنا على حديثٍ ضعيفٍ من طريق أخرى يوافق أَحَدَ الحديثين الصحيحين؛ ففي هذه الحالة يُرجَّحُ أَحَدُ الحديثين الصحيحين المتعارضين بمتابعة الحديث الضعيف له، وذلك إذا كان الحديثان الصحيحان في رُتْبةٍ واحدةٍ، وليس لأحدهما قرينةٌ ترجِّحُهُ على معارِضِهِ إلا هذا الحديث الضعيف الموافق لأحدهما، بل ذكر الإمام النووي -رحمه الله-:أن الحديثَ الضعيفَ بوجود الحديثِ الصحيحِ المتابِعِ له يكون الحديثُ الضعيفُ صحيحًا، ويدل وجودُ الحديثِ الصحيحِ الموافقِ له على أن الراوي الضعيفَ الذي روى الحديثَ الضعيفَ قد حَفِظَهُ وضَبَطَهُ.

قال الإمام النووي -رحمه الله-: «ثم إن حُكْمَ المرسَل حُكْمُ الحديثِ الضعيفِ، إلا أن يصح مَخْرَجُهُ بمجيئه من وجه آخر مسندًا أو مرسلًا، أرسله من أخذ عن غير رجال الأول، فإن صح مَخْرَجُهُ؛ كان صحيحًا، واحْتُجَ به، ولهذا احتج الشافعيُّ بمراسيلِ سعيد بن المسيب؛ فإنها وُجِدَتْ مسانيد من وجوه أُخَر»([90]).

وقال -رحمه الله-: «فإن قيل: ذَكَرْتُم أن المرسَل إذا أُسْنِدَ من جهة أخرى؛ احْتُجَّ به، وهذا القول فيه تساهلٌ؛ لأنه إذا أُسْنِدَ؛ عَمِلْنَا بالمسند؛ فلا فائدة حينئذ في المرسَل، ولا عُمِلَ به؟!

فالجواب: أن بالمسند يتبين صحةُ المرسَلِ، وأنه مما يُحْتَجُّ به، فيكون في المسألة حديثان صحيحان، حتى لو عارضَهما حديثٌ صحيحٌ من طريق واحد، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ؛ قَدَّمْنَاهُمَا عليه، والله أعلم»([91]).

كما سيأتي في وجوه الترجيح -إن شاء الله تعالى-.

قلت: وإذا كان قولُ الصحابي إذا وافق أحَدَ الحديثين، وكذا القياسُ إذا وافق أحَدَ الحديثين؛ فإنه يُرجَّحُ لوجود أحدهما موافقا له؛ فالحديث الضعيف الذي هو مَظِنَّةُ الثبوتِ إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وإن كان ظنًّا ضعيفا- يُرَجَّح به من باب أَوْلَى.

الشرط الخامس: أن يُعْتَمد عليه في تعيين أو تسمية الراوي المـُبْهَم في الرواية التي عِلَّتُهَا الإبهام.

وعندي: أن في هذا تفصيلاً: فإذا اتَّحَدَ المخْرَجُ، أي إذا كان الراوي الذي قال: «حدثنا شيخ، أو رجل» – وهو المراد بالمبهم هنا-قد اخْتَلَف عليه تلامذته: فمنهم مَنْ رَوَى عنه بإبهام شيخِهِ، ومنهم الضعيف الذي روى عنه، وصَرَّحَ في روايته عنه باسم شيخه، وكان التلميذ الذي أبْهَمَ شيخَ شَيْخِهِ أوثَقَ من زميله الضعيف أو المضَعَّف الذي صَرَّح باسم شيخ شيخهما؛ كان هذا التعيينُ لاسم شيخ شيخهما من الراوي المُضَعَّفِ مُنْكَرًا، وهذا أمرٌ معروف في علل الروايات، فإذا اتَّحَدَ المخرج؛ فلا يُقْبَلُ هذا التعيين؛ لأنه حينئذٍ يكون من باب الزيادة، وهذه الزيادة لابد أن تخضع لقانون الحفظ أو الشذوذ أو النكارة والنظرِ في عدد الرواة الذين رَوَوها ومراتِبِهم، على ما هو معروف عند أهل العلم في ذلك.

الشرط السادس: الرواية الضعيفة إذا وافقها عَمَلُ العلماء، أو اتفاقُ الأمة، أو إجماعٌ، أو قولُ صحابي -لاسيما إذا كان أَحَدَ الخلفاء الراشدين –رضي الله عنهم- أو نحو ذلك من القرائن التي تُقَوِّي الروايةَ الضعيفةَ، وتَشُدُّ من أزْرِها؛ فهذا أمر آخر، وتَقْوَي الرواية الضعيفة بذلك.

قلت: لا خلاف في هذا، وعند ذاك لا تكون الروايةُ ضعيفةً؛ لوجود الجابر، وإن سُمِّيت ضعيفة باعتبار أصلها.

قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: «وما قلتُ من أنه إذا تَغَيَّرَ طَعْمُ الماءِ أو رِيحُهُ أو لَوْنُهُ-يعني-رحمه الله-بإلقاء نجاسةٍ فيه-؛ كان نَجِسًا؛ يُرْوَى عن النبي – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – من وَجْهٍ لا يُثْبِتُ مِثْلَه أَهْلُ الحديث، وهو قول العامة، لا أعلم بينهم فيه اختلافا، ومَعْقُولٌ أن الحرام إذا كان جزءًا في الماء لا يتميز منه؛ كان الماء نجساً»([92]).

وقال الإمام النووي -رحمه الله-: «…وأما قوله-رحمه الله-: «الماءُ طَهُورٌ، لا يُنَجِسُهُ شيءٌ»؛ فصحيح من رواية أبي سعيد الخدري، وسبق بيانه في أول الباب الأول، وإذا عُلِمَ ضَعْفُ الحديث؛ تعيَّن الاحتجاج بالإجماع، كما قاله البيهقي وغيره من الأئمة، وقد أشار إليه الشافعي أيضًا، فقال: الحديثُ لا يُثْبِتُ أَهْلُ الحَدِيثِ مِثْلَهُ؛ ولكنه قولُ العامة؛ لا أعلم بينهم فيه خلافاً»([93]).

* وأخرج الترمذي -رحمه الله- في «جامعه» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ –رضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ».

قَالَ أَبُو عِيسَى -رحمه الله-: «وَحَنَشٌ هَذَا هُوَ أَبُو عَلِىٍّ الرَّحَبِىُّ، وَهُوَ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنْ لاَ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ إِلاَّ فِي السَّفَرِ أَوْ بِعَرَفَةَ».([94])

وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: «وقد رُوِي عن جابر بن عبد الله بإسناد لا يَصِحُّ أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «الدينارُ أربعةٌ وعشرون قيراطًا»، وهذا الحديث -وإن لم يَصِحَّ إسنادُه-؛ ففي قولِ جماعةِ العلماءِ به، وإجماعِ الناسِ على معناه؛ ما يُغْني عن الإسناد فيه»([95]).

وقال -رحمه الله- أيضاً عن حديث: «هو الطَّهُورُ ماؤه»: «وهذا إسناد
-وإن لم يُخْرِجْهُ أصحابُ الصحاح -؛ فإنَّ فقهاء الأمصار وجماعةً من أهل الحديث متفقون على أن ماء البحر طَهُور، بل هو أَصْلٌ عندهم في طهارة المياه الغالبة على النجاسات المُسْتَهْلِكَةِ لها، وهذا يدلك على أنه حديثٌ صحيحُ المعنى، يُتَلَقَّى بالقبولِ والعَمَلِ الذي هو أقوى من الإسناد المنفرد»([96]).

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:

تنبيهان:

الأول: قولهم: «ضعيف الإسناد» أَسْهَلُ من قولهم: «ضعيف»، على ما تقدم في قولهم: «صحيح الإسناد»، و«صحيح»، ولا فَرْقَ.

الثاني: من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا: أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث؛ فإنه يُقْبَلُ حتى يَجِبَ العمل به، وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول…»([97]) ثم ذكر كلام الشافعي السابق، والله تعالى أعلم.



g

g

(الفَصْلُ الرابع: