كتب للقراءة

الطرح والإهمال 4

الطرح والإهمال

في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، أو روايته دون بيان حاله

وبعد ذِكْريِ تلك الفروعِ والشروط السابقة، التي لها صِلةٌ بالحديث الضعيف؛ فقد آنَ أَوَانُ الشروع في المسألة الموعودِ بالكلامِ عنها، وهي مسألة: (حُكْم العمل بالحديث الضعيف في باب الفضائل، هل يُعْمَلُ به أم لا)؟

وقبل ذِكْر من قال بذلك، أَذْكُر بعض الأمور المتعلقة بهذه المسألة، ومنها:

أولًا: ما هي الأبوابُ التي رَخَّصُوا فيها برواية الحديث الضعيف والعمل به فيها؟

والجواب: أن العلماء عندما يقولون: «يُعْمَل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، أو لا يُعْمل به»؛ لا يَعْنُون باب الزهد والرقاق فقط، إنما يَعْنُون بذلك ما هو دون مسائل السنن والأحكام والعقائد، فيُدْخِلُونَ في ذلك: الزهدَ والرقاقَ، والمواعظَ، والآدابَ، والمناقبَ، والفضائلَ، والترغيبَ والترهيبَ، والثوابَ والعقابَ، والدعواتِ والأدعيةَ،، والمغازي، والسِّيَرَ، والتفسيرَ، وما لا يَضَعْ حُكْمًا ولا يَرْفَعُهُ، وحكاياتِ الزهَّادِ والمتعبِّدين، وأخبارَ الصالحين، ومواعظَ البُلَغَاء، وحِكَمَ الأُدباء…، أي يُدخلون في ذلك أبوابًا كثيرة، ما لم تَكُنْ في باب أسماءِ الله –عز وجل –وصفاتِهِ –جل شأنه- وأمورِ العقائد، وما لم تَكُن في باب الأحكام: كالصلاة، والزكاة، والصيام، والبيع، والطلاق، والعتاق، والأيمان والنذور،… إلى غير ذلك، ويظهر ذلك في كلام العلماء الذين قالوا بهذا القول.

فمن ذلك: ما قال ابن أبي حاتم-رحمهما الله تعالى-: «بابٌ في الآداب والمواعظ: إنها تُحْتَمَلُ الروايةُ عن الضعاف: حدثني أَبي، حَدثنا عبدة، -يَعني ابن سليمان- قال: قيل لابن المبارك – ورَوَى عَن رجل حديثا – فقيل: هذا رجلٌ ضعيفٌ!!، فقال: يَحْتَمِلُ أَن يُرْوَى عنه هذا القَدْرُ، أَو مِثْلُ هذه الأَشياء، قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال: في أَدَبٍ، في موعِظةٍ، في زُهْدٍ، أَو نحو هذا»([98]).

وقال الخطيب -رحمه الله-: (بَابُ التَّشَدُّدِ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ، وَالتَّجَوُّزِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ).

«قَدْ وَرَدَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ إِلَّا عَمَّنْ كَانَ بَرِيئًا مِنَ التُّهْمَةِ، بَعِيدًا مِنَ الظِّنَّةِ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّرْغِيبِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَتْبُهَا عَنْ سَائِرِ الْمَشَايِخِ».

قال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -رحمه الله-: «لَا تَأْخُذُوا هَذَا الْعِلْمَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إِلَّا مِنَ الرُّؤَسَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَلَا بَأْسَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَشَايِخِ».

وقال ابْنُ عُيَيْنَةَ -رحمه الله-: «لَا تَسْمَعُوا مِنْ بَقِيَّةَ-يعني بقية بن الوليد- مَا كَانَ فِي سُنَّةٍ، وَاسْمَعُوا مِنْهُ مَا كَانَ فِي ثَوَابٍ وَغَيْرِهِ».

وقال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -رحمه الله-: «إِذَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ؛ تَشَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ، وَإِذَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَمَا لَا يَضَعُ حُكْمًا وَلَا يَرْفَعُهُ؛ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ».

وقال الْمَيْمُونِيُّ -رحمه الله-: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «الْأَحَادِيثُ الرِّقَاقُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَسَاهَلَ فِيهَا، حَتَّى يَجِيءَ شَيْءٌ فِيهِ حُكْمٌ».

وقال أَبُو زَكَرِيّا الْعَنْبَرِيُّ -رحمه الله-: «الْخَبَرُ إِذَا وَرَدَ لَمْ يُحَرِّمْ حَلَالًا، وَلَمْ يُحِلَّ حَرَامًا، وَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا، وَكَانَ فِي تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ، أَوْ تَشْدِيدٍ أَوْ تَرْخِيصٍ؛ وَجَبَ الْإِغْمَاضُ عَنْهُ، وَالتَّسَاهُلُ فِي رُوَاتِهِ»([99])

وقال البيهقي -رحمه الله-: «وأما النوع الثاني من الأخبار: فهي أحاديثُ اتَّفَقَ أهلُ العلمِ بالحديثِ على ضَعْفِ مَخْرَجِهَا.

وهذا النوع على ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ رواه من كان معروفا بوضع الحديث والكذب فيه؛ فهذا الضرب لا يكون مستعملا في شيء من أمور الدين إلا على وَجْهِ التَّلْيِين.

وضَرْبٌ لا يَكُونُ رَاوِيِه مُتَّهَمًا بالوضع، غير أنه عُرِفَ بسوء الحفظ، وكَثْرَةِ الغلط في رواياته، أو يكون مجهولا لم يَثْبُتْ من عدالته وشرائطِ قَبُولِ خَبَرِه ما يُوجِبُ القبولَ؛ فهذا الضَّرْبُ من الأحاديث لا يكون مستعملا في الأحكام، كما لا تكون شهادةُ من هذه صفَتُه مقبولةً عند الحكام، وقد يُسْتَعْمَلُ في الدعوات، والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازي فيما لا يَتَعَلقُ به حُكْمٌ.

سمعت أبا الحسن: محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: «كان أبي يَحْكِي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: «إذا رُوِّينَا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال؛ تَسَاهَلْنَا في الأسانيد، وتَسَامَحْنَا في الرجال، وإذا رُوِّيِنَا في الحلال والحرام والأحكام؛ تَشَدَّدْنَا في الأسانيد، وانْتَقَدْنَا الرجالَ».

قال يحيى بن سعيد-يعني القطان -: «تَسَاهَلُوا في التفسير عن قومٍ لا يُوَثِّقُونَهُم في الحديث».

ثم ذكر ليثَ بنَ أبي سُليم، وجُوَيْبِرَ بن سعيد، والضحاكَ، ومحمد بن السائب – يعني الكلبي- وقال: «هؤلاء لا يُحْمَدُ حَدِيثُهم، ويُكْتَب التفسيرُ عنهم».

قال الشيخ -يعني البيهقي -رحمه الله-: «وإنما تَسَاهَلُوا في أَخْذِ التفسير عنهم؛ لأن ما فَسَّرُوا به ألفاظه تَشْهَدُ لهم به لغاتُ العرب، وإنما عَمَلُهم في ذلك الجَمْعُ والتقريبُ فقط.

قال محمد بن يعقوب: سمعت العباس بن محمد يقول: سمعت أحمد بن حنبل -وسئل وهو على باب أبي النضر-: هاشم بن القاسم-، فقيل له: يا أبا عبد الله، ما تقول في موسى بن عُبَيْدَة، وفي محمد بن إسحاق؟

قال: أما موسى بن عُبَيْدة: فلم يَكُنْ بهِ بأسٌ، ولكنه حَدَّثَ أحاديثَ مناكيرَ عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.

وأما محمد بن إسحاق: فهو رَجُلٌ تُكْتَبُ عنه هذه الأحاديث-كأنه يعني المغازي ونحوها-فأما إذا جاءك الحلالُ والحرامُ؛ أَرَدْنَا قومًا هكذا، وقَبَضَ أبو الفضل-يعني العباس بن محمد-أَصَابِعَ يَدِه الأَرْبَعَ من كل يَدٍ، ولم يَضُمَّ الإبهام.

ثم قال البيهقي -رحمه الله- في الكلام على المرسل: «والآخر: أن يكون الذي أَرْسَلَهُ من متأخري التابعين، الذين يُعْرَفُونَ بالأخذ عن كُلِّ أحد، وظَهَرَ لأهل العلم بالحديث ضَعْفُ مخارجِ ما أَرْسَلُوه؛ فهذا النوع من المراسيل لا يُقْبَلُ في الأحكام، ويُقْبَلُ فيما لا يَتَعَلَّقُ به حُكْم: من الدعوات، وفضائل الأعمال، والمغازي، وما أشبهها»([100]).

وقال الحاكم -رحمه الله-: «وَأَنَا -بِمَشِيئَةِ اللَّهِ- أُجْرِي الْأَخْبَارَ الَّتِي سَقَطَتْ عَلَى الشَّيْخَيْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي سَعِيدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ فِي قَبُولِهَا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ، يَقُولُ: كَانَ أَبِي يَحْكِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: إِذَا رُوِّينَا، عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَالْأَحْكَامِ؛ شَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ، وَانْتَقَدْنَا الرِّجَالَ، وَإِذَا رُوِِّينَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَالثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ، وَالْمُبَاحَاتِ، وَالدَّعَوَاتِ؛ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ»([101]).

وقد بَوَّبَ الخطيب -رحمه الله- بابًا في «الجامع»، فقال: «…. وَأَمَّا أَخْبَارُ الصَّالِحِينَ، وَحِكَايَاتُ الزُّهَّادِ وَالْمُتَعَبِّدِينَ، وَمَوَاعِظُ الْبُلَغَاءِ، وَحِكَمُ الْأُدَبَاءِ؛ فَالْأَسَانِيدُ زِينَةٌ، لَهَا، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي تَأْدِيَتِهَا: ثم روى عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَلَّابِ، قال: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ الْحَسَنِ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: «إِسْنَادُ الْحِكْمَةِ وُجُودُهَا»

قلت: والأمر في هذه المواضع كما قال الخطيب -رحمه الله-.

ثم قال -رحمه الله-: وعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ: «وَسَأَلْنَاهُ، قُلْنَا: نَجِدُ الْمَوَاعِظَ فِي الْكُتُبِ، فَنَنْظُرُ فِيهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَإِنْ وَجَدْتَ عَلَى الْحَائِطِ مَوْعِظَةً؛ فَانْظُرْ فِيهَا تَتَّعِظْ، قِيلَ لَهُ: فَالْفِقْهُ؟ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ».

وعن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ -رحمه الله- قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ يَزِيدَ ابْنِ هَارُونَ، وَخُرَاسَانِيٌّ يَكْتُبُ الْكَلَامَ، وَلَا يَكْتُبُ الْإِسْنَادَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ، أَوْ قِيلَ لَهُ: مَالَكَ لَا تَكْتُبُ الْإِسْنَادَ؟ فَقَالَ: «أَنَا خَانَهْ خَوَاهُمْ نَبَازَارَ»، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: تَفْسِيرُهُ قَالَ: أَنَا للِبَيْتٍ أُرِيدُهُ لَا لِلسُّوقِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ كَانَ الَّذِي كَتَبَهُ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ أَخْبَارِ الزُّهْدِ، وَالرَّقَائِقِ، وَحِكَايَاتِ التَّرْغِيبِ، وَالْمَوَاعِظِ؛ فَلَا بَأْسَ بِمَا فَعَلَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ، وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي إِسْقَاطِ أَسَانِيدِهِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى تَبَيُّنِهِ، فَكَانَ يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ عَنْ أَمْرِهِ، وَالْبَحْثُ عَنْ صِحَّتِهِ».

وعن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ -رحمه الله- قال: «خُذُوا هَذِهِ الرَّغَائِبَ وَهَذِهِ الْفَضَائِلَ مِنَ الْمَشْيَخَةِ، فَأَمَّا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ؛ فَلَا تَأْخُذُوهُ إِلَّا عَمَّنْ يَعْرِفَ الزِّيَادَةَ فِيهِ مِنَ النَّقْصِ»([102]).

وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: «وأما ما ذكره الترمذي: أن الحديث إذا انفرد به من هو مُتَّهَمٌ بالكذب([103])، أو من هو ضعيفٌ في الحديث لغفلته وكَثْرَةِ خطئه، ولم يُعْرَفْ ذلك الحديث إلا من حديثه؛ فإنه لا يُحْتَجُ به، فمراده: أنه لا يُحْتَجُ به في الأحكام الشرعية، والأمور العِلْمِيةِ، وإن كان قد يُرْوَي حديثُ بعض هؤلاء في الرقائق والترغيب والترهيب، فقد رَخَّصَ كَثِيرٌ من الأئمة في رواية الأحاديث الرقاق ونحوها عن الضعفاء؛ منهم ابن مهدي، وأحمد بن حنبل».

وقال أحمد في ابن إسحاق: «يُكْتَبُ عنه المغازي وشِبْهُهَا».

وقال ابن معين في موسى بن عُبَيْدة-رحمهما الله-: «يُكْتَبُ من حديثه الرقاق، وإنما يُرْوَي في الترغيب والترهيب والزهد والآداب أحاديثُ أهلِ الغفلة الذين لا يُتَّهَمُون بالكذب، فأما أهلُ التُّهْمَةِ؛ فَيُطْرَح حَدِيثُهم، «كذا قال ابن أبي حاتم وغيره»([104]).

بل قال الزَّرْكَشِيُّ -رحمه الله-: «ونقل النوويُّ في الجزء الذي جَمَعَهُ في «إباحة القيام» فيه الاتفاقَ، فقال: أَجْمَعَ أهلُ الحديث وغيرُهم على العمل في الفضائل ونحوها مما ليس فيه حُكْمٌ، ولا شيءٌ من العقائد، وصفاتِ الله تعالى بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال»([105]).

وهذه عدة نقول عن الإمام النووي -رحمه الله- ينقل فيها الاتفاق على جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب.

فقد قال-رحمه الله-: «وقد اتفق العلماء على أن الحديث المرسل والضعيف والموقوف يُتَسَامَحُ به في فضائل الأعمال، ويُعْمَلُ بمقتضاه».([106])

وقال -رحمه الله- أيضاً: «وقد قدمْنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام»([107]).

وقال -رحمه الله-: (فَصْلٌ: في حُكْم العمل بالحديث الضعيف في الفضائل والترغيب والترهيب):

قال العلماءُ من المحدّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا.

وأما الأحكام، كالحلال، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك؛ فلا يُعْمَل فيها إلا بالحديث الصحيح أو الحسن، إلا أن يكون في احتياطٍ في شيء من ذلك، كما إذا وردَ حديثٌ ضعيفٌ بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يُتَنَزَّه عنه، ولكن لا يجب».([108])

قلت: وليس الأمر مُجْمَعًا عليه كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- نعم هو قول الجمهور من العلماء.

ثانياً: ما هو المراد بالتساهل الذي ذَكَرَه هؤلاء العلماءُ؟

بَيَّنَ العلامةُ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني -رحمه الله- مقصود الأئمة بالتساهل المروي عنهم في هذه المسألة، فقال -رحمه الله-:«معنى التساهل في عبارة الأئمة: هو التساهل بالرواية، كان من الأئمة من إذا سَمِعَ الحديثَ لم يَرْوِهِ حتى يَتَبَيَّنَ له أنه صحيحٌ أو قريبٌ من الصحيحِ، أو يُوشِكَ أن يَصِحَّ إذا وُجِدَ ما يَعْضُدُهُ، فإذا كان دون ذلك؛ لم يَرْوِهِ البتة، ومنهم من إذا وَجَدَ الحديثَ غيرَ شديدِ الضَّعْفِ، وليس فيه حُكْمٌ ولا سُنَّةٌ، إنما هو في فضيلةِ عَمَلٍ مُتُفَقٍ عليه، كالمحافظة على الصلوات في جماعة، ونحو ذلك؛ لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عباراتهم، غير أن بعض من جاء بعدهم، فَهِمَ منها التساهلُ فيما يَرِدُ في فضيلةٍ لأمر خاصٍّ قد ثبت شَرْعُهُ في الجملة، كقيام ليلة معينة؛ فإنها داخلةٌ في جُمْلةِ ما ثَبَتَ من شَرْعِ قيام الليل، فبنى على هذا جواز أو استحباب العمل بالضعيف»([109]).

وخلاصة كلام المعلمي -رحمه الله-: أن المراد بالتساهل عند العلماء هو التساهل في رواية الحديث الضعيف دون بيان ضعفه، لا العمل بما فيه من فضائل، وقد أشار إلى ذلك قبل المعلمي -رحمه الله- بعضُ العلماء:

فقد قال ابن أبي حاتم-رحمهما الله-: (باب في الأحاديث والمواعظ تُحْتَمَلُ الروايةُ عن الضعفاء) وقال ابن المبارك – وقد رَوَى عَن رجل ضعيف – فقيل: هذا رجل ضعيف!!، فقال: يَحْتَمِلُ أَن يُرْوَى عنه هذا القَدْرُ، أَو مِثْلُ هذه الأَشياء، وفَسَّرَها عبدة بن سليمان، فقال: في أدب، في موعظة، في زهد، أَو نحو هذا».([110])

وقال العراقي -رحمه الله-: «تقدّمَ أنَّهُ لا يجوزُ ذكرُ الموضوعِ إلاّ مَعَ البيانِ في أيِّ نوعٍ كانَ، وأمّا غيرُ الموضوعِ؛ فَجَوَّزُوا التساهُلَ في إسنادِهِ، وروايتَهُ من غيرِ بيانٍ لضَعْفِهِ إذا كانَ في غيرِ الأحكامِ والعقائدِ…..» إلى أن قال: «وممَّنْ نصَّ عَلَى ذَلِكَ من الأئمةِ عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وعبدُ اللهِ بنُ المباركِ، وغيرُهُمْ، وقدْ عقدَ ابنُ عديٍّ في مقدّمةِ «الكاملِ»، والخطيبُ في «الكفايةِ» بابًا لذلكَ»([111]).

وقال ابن عمار -رحمه الله- في «شرح الألفية»:

وَسَهَّلُوا في غَيْرِ مَوْضُوْعٍ رَوَوْامِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ لِضَعْفٍ، وَرَأوْا
بَيَانَهُ في الحُكْمِ وَالعَقَائِدِعَنِ (ابنِ مَهْدِيٍّ) وَغَيْرِ وَاحِد

«وهذا التنبيه الثالث من التنبيهات، وهو أن الحديث غير الموضوع يجوز التساهل في إسناده، وروايته من غير بيانٍ لضعفه إذا كان في غير الأحكام والعقائد: كالترغيب والترهيب من المواعظ، والقصص، وفضائل الأعمال، ونحوها»([112]).

ولكن ابن الصلاح -رحمه الله- ذَكَرَ مع رواية الحديث الضعيف العملَ به في غير العقائد والأحكام، فقال: «وَيَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ التَّسَاهُلُ فِي الْأَسَانِيدِ، وَرِوَايَةُ مَا سِوَى الْمَوْضُوعِ مِنَ الضَّعِيفِ، وَالْعَمَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ ضَعْفِهِ فِي غَيْرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَحْكَامِ، كَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ»([113]).

قلت: من تأمل كلام الأئمة الذين سَهَّلُوا في رواية الأسانيد المروية عن الضعفاء ضعفا غير شديد؛ يجدهم أحيانا يقولون ما سبق ذكره -أي في الفضائل دون العقائد والأحكام-، وأحياناً يقولون: يُكْتَبُ عنهم في غير الأحكام، ويُؤْخَذُ عنهم في غير الحلال والحرام، وهذه كلمات مجملة، وقد سبق من كلام بعضهم الفتيا والعملُ بالحديث الضعيف-عنده- في الأحكام، كما قال الشافعي وأحمد-رحمهما الله- في نجاسة الماء إذا تغيَّر أحدُ أوصافه، وقَتْل السيد بعبده، وإذا كان من العلماء من أفتى بِمُوجَبِ الضعيف في الأحكام؛ فَعَمَلُهُ بالضعيف في الفضائل من باب أَوْلَى!! والله أعلم.

ثم ما الفائدة من الرواية إلا العمل بها؟ فالقول: بأن العلماء رخَّصوا في رواية الضعيف في الفضائل ونحوها دون العمل به؛ قولٌ تردُّه النصوص السابقة واللاحقة عمن أجاز ذلك، والله اعلم.

وابن الصلاح -رحمه الله- نفسه كان يُفْتِي بالعمل بحديث الرغائب في ليلة أول جمعة من رجب -كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى- مستدلا بأن الضعيف يُعْمَلُ به في فضائل الأعمال.

وعلى هذا؛ ففي النفس شيء من حَمْل كُلِّ ما ورد عن الأئمة في التساهل في هذا الباب على التساهل في الرواية فقط دون بيان لضعف الحديث، بل قد تَعَدَّى الحالُ ببعضهم إلى الفتيا بموجَب العمل به!!، اللهم إلا أن يقال: إن المتأخِّرين تَوَسَّعُوا في أمر كان المتقدمون يُضَيِّقُون فيه، وإن لم يُغْلِقُوا الباب بالكلية، والله أعلم.

ثالثاً: ما هو المراد بالحديث الضعيف عند من أجاز العملَ به في باب فضائل الأعمال؟

من أهل العلم- وهم قليل- مَن يُصرِّح: بأن الحديث الضعيف: هو الذي يَقْصُر عن درجة الحَسَن، وذلك كأن يُقال في راويه: ضعيف، أو سَيِّئُ الحفظ، أو مجهول الحال إلى غير ذلك من عبارات الضعف اليسير، التي ليست من مراتب الجرح الشديد، كقولهم في الراوي: ليس بشيء، أو واهٍ، أو متروك، أو ارْم به، أو مُتهم بالكذب، أو سارق، أو كذاب، أو وضَّاع… الخ.

ومنهم من يتوسَّع، فَيُدْخِلُ في ذلك روايةَ أهلِ الوهاءِ والتركِ، فيقول: المراد بالحديث الضعيف هنا: كُلُّ حديثٍ ضعيفٍ ما لم يكن مكذوبًا أو موضوعًا، وبَعْضُهُمْ يقول: هو ما يَخْلُو رجالُ إسنادِهِ من كذاب أو مُتَّهم !!، وهذا التعبير ظاهر في كلام العلماء القائلين بهذه القاعدة، كما سبق ذكره([114]).

وفي هذا توسُّع غير مَرْضِيٍّ؛ لأنه سيُدخل أنواعا من الأحاديث شديدةِ الضعف والوهاء والنكارة، وإن لم تكن موضوعةَ مُخْتَلَقَةً!!

وقد ذكرتُ هذا من باب الإشارة إلى وجود الاختلاف في التعبير عن المراد بالضعيف، وكثير من العلماء -وإن أَطْلَقَ بقوله: «سوى الموضوع»- فهو يروي الحديث المتروكَ الساقطَ ونَحْوَه، وإلا فالقول بأن الحديث الضعيف هنا إنما يُراد به الضَّعفُ الاصطلاحي، أي الذي لم يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ، فيصْلُح في الشواهد والمتابعات؛ فهذا وإن كان يَظْهَرُ من كلام جماعة من المحققين، وكبار الأئمة عند تنزيل هذه القاعدة؛ إلا أن الواقع يدل على توسُّع البعض، وإدخالهم ما ليس موضعاً-في نظرهم- في هذا الضعيف، وهذا فيه نظر، والله أعلم.

– فهذه القاعدة – أعني قاعدة العمل بالحديث الضعيف، أو الترخيص في الرواية له من غير بيان إسناده في باب الفضائل ونحوها – تحتاج إلى تأمُّل وتَدبُّر؛ لأن هذه القاعدة قد ساء استعمالها في هذا الزمان -وما قبْله- فكَمْ جرَّتْ على المحدثين وعلى الناس أمورًا تُنافي مقصودَ الأئمة الذين قالوا بها- وإن سلَّمنا بصحتها-!!

فالأئمةُ معروفٌ عنهم المبالغةُ في الحماية والتحرِّي والصيانة لحديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد عُرِفَ -بل اشْتَهَر عنهم- سَدُّ الأبواب أمام الرواة الذين قد يُخطؤون في رواية الحديث، فضلًا عن الذين لا يبالون بالرواية، فعُرِفَ من صنيع هؤلاء الأئمة الوقايةُ والتحَرُّزُ التامَّان في هذا الباب؛ فلا ينبغي أن يُهْمَلَ هذا الأصلُ الأصيلُ الذي اشْتُهِرَ عنهم، ألا وهو: حمايةُ علماء الحديث لحديث رسولِ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ووضْع القواعد الدقيقة التي تكشف العِلَلِ الخفيةَ الدقيقة جداً في الأحاديث، كل ذلك خشيةَ أن يَدْخُلَ فيه ما ليس منه.

ومن نظر في الواقع؛ وجد أن هذه القاعدة قد فَتَحَتْ -أو انفتح بسببها- علينا وعلى الناس أمورٌ لا تُحْمَدُ عقباها، ولو وقف علماء السلف على ما جرى من حَشوِ كثيرٍ من الكتب في أبوابٍ كثيرةٍ بالأحاديث الواهية والمنكرة والباطلة، وغيرها مما يخالف الأصول والقواعد، وما جُرَّ من وراء ذلك من عقائد وأحكام-دع عنك الفضائل ونحوها- بما يخالف أصل الدين وثوابته، لو علموا بهذه العاقبة-والله أعلم-لسدُّوا هذا الباب من بدايته، واكْتَفَوْا بما هو ثابتٌ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي لم يطَّلعْ عليه -فضلاً عن العمل به- الكثير ممن يُشِيع العَمَلَ بهذه القاعدة!!!

وهذه القاعدة قد ادَّعَى بعضُهم الإجماعَ على العمل بها:

فقد قال ابن عبد البر -رحمه الله- بعد أن أخرج حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : «مَنْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ، وَعَلَّمَ النَّاسَ الْخَيْر؛ كَانَ فَضْلُهُ عَلَى الْمُجَاهِدِ الْعَابِدِ، كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ رَجُلًا، وَمَنْ بَلَغَهُ عَنِ اللَّهِ فَضْلٌ، فَأَخَذَ بِذَلِكَ الْفَضْلِ الَّذِي بَلَغَهُ؛ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا بَلَغَهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي حَدَّثَهُ كَاذِبًا».([115])

قَالَ أَبُو عُمَرَ -رحمه الله-: «هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ أَبَا مَعْمَرٍ عَبَّادَ ابْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ انْفَرَدَ بِهِ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِجَمَاعَتِهِمْ يَتَسَاهَلُونَ فِي الْفَضَائِلِ، فَيَرْوُونَهَا عَنْ كُلٍّ، وَإِنَّمَا يَتَشَدَّدُونَ فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ»([116])

قلت: وإطلاقُ التساهلِ في الرواية عن المتروكين، ونسبةُ ذلك إلى جماعة أهل العلم فيه تساهلٌ كبيرٌ!!

وقال الإمام النووي -رحمه الله-: «وقد اسْتَخَرْتُ الله تعالى في جَمْعِ أربعين حديثًا؛ اقتداءً بهؤلاء الأئمة الأعلام، وحُفَّاظِ الإسلامِ، وقد اتَّفَقَ العلماءُ على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال».

وقال أبو العباس الهيتمي -رحمه الله-: في شرحه لكلام النووي: «وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال»؛ لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر؛ فقد أُعْطِيَ حَقَّه من العمل به، وإلَّا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليلٍ ولا تحريمٍ، ولا ضياعِ حقٍّ للغير، وفي حديث ضعيف: «مَنْ بَلَغَه عني ثوابُ عَمَلٍ، فَعَمِلَهُ؛ حَصَل له أجْرُهُ؛ وإن لم أَكُنْ قُلْتُهُ» أو كما قال.

قال -رحمه الله-: وأشار المصنف -رحمه الله- بحكاية الإجماع على ما ذكره إلى الرد على من نازع فيه بأن الفضائل إنما تُتَلَقَّى من الشرع، فإثباتها بالحديث الضعيف اختراعُ عبادةٍ، وشَرْعٌ في الدين ما لم يأْذَنْ به اللَّه.

وَوَجْهُ ردِّه: أن الإجماع لكونه قطعيًّا تارةً، وظنيًّا ظنًّا قويًّا أخرى؛ لا يُردُّ بمثل ذلك لو لم يَكُنْ عنه جوابٌ، فكيف وجوابه واضح؟! إذْ ذاك ليس من باب الاختراع والشرع المذكورَينِ، وإنما هو ابتغاءُ فضيلةٍ ورجاؤها بأمارةٍ ضعيفةٍ، من غير ترتُّبِ مفسدةٍ عليه كما تقرر».

وقال السخاوي -رحمه الله-: «وَلَكِنْ قَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ فِي عِدَّةٍ مِنْ تَصَانِيفِهِ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ وَنَحْوِهَا خَاصَّةً».([117])

وبعضهم يَذْكُرُ خلافًا في هذه المسألة.

والذي يَظْهر لي: أن الإجماع لم يَتَحَقَّقْ، ولم يتم انعقاده على ذلك، نعم؛ كثير من العلماء على العمل بهذه القاعدة سلفًا وخلفًا، وهناك من خالف في العمل بهذه القاعدة -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- فالذي يظهر لي أن جمهور العلماء على هذا القول، أما الإجماع فلا، والله أعلم.



g

g

(الفَصْلُ الخامس: