في مذهبِ القائلين بجوازِ التساهلِ في روايةِ الحديثِ الضعيفِ والعمل به في فضائلِ الأعمالِ، ونحوها
وأَدِلَّتِهِم على ذلك، وشُروطِهِم، ومناقشةِ ذلك)
اعلم أن خلاصة أدلة المجيزين لهذه القاعدة في الآتي:
1-إذا كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رخصَّ في الرواية عن بني إسرائيل في قوله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «… وحَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ورَخَّصَ في نَقْلِ كلامهم من كتبهم المخلوطة، والتي ليس لها إسناد أصلاً؛ فكيف لا نُحدِّثُ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حديثاً رُوِيَ لنا بإسنادٍ؛ لكنَّه من طريق راوٍ ضعيفٍ أو متروكٍ؟
2- أن في العمل بالحديث الضعيف فائدةً دون تَرَتُّبِ مفسدة، فإن ثبت الحديث؛ وإلا فلا ضرر يَلْحَقُ العامِلَ به، للحديث السابق قريبًا، وفيه: «مَنْ بَلَغَهُ عَنْ اللَّهِ شَيْءٌ لَهُ فِيهِ فَضِيلَةٌ، فَأَخَذَ بِهِ إيمَانًا، وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ –عز وجل- ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ».
3- في العمل بهذه القاعدة حَثٌّ على القيام بأمرٍ مَشْروعٍ، قد ثَبَتَتْ مشروعيتُهُ، بحديثٍ صحيحٍ أو حسنٍ، وليس في الضعيف إلا التشويق والترغيب في العمل به دون زيادة شرع اسْتَقَلَّ به هذا الحديث الضعيفُ، وهذا قول بعضهم، وسيأتي الكلام عن هذا القول-إن شاء الله تعالى-.
4- أن العمل بهذه القاعدة هو الذي اتفق عليه العلماء، وما ثبت بالإجماع لا يجوز الخروج عنه، وقد سبق ما فيه، هذه خلاصة أدلة المجيزين، وسيأتي الجواب عنها مُفَرَّقًا عند الكلام على شروط العمل بهذه القاعدة، وفي أدلة المانعين من العمل بهذه القاعدة -إن شاء الله تعالى-
وهذا القول قد قال به كثير من العلماء، ولم يصح في ذلك دعوى الإجماع عليه، كما سبق، وكما سيأتي -إن شاء الله تعالى-
وقد وضع بعض العلماء المجيزين لذلك شروطًا، سنذكرها ونناقشها في هذا الفصل-إن شاء الله تعالى- فمن ذلك:
الشرط الأول: أن يكون الحديثُ غيرَ موضوعٍ، أو ليس في إسناده كذابٌ، أو مُتَهَمٌ بالكذبِ، وبعضُهم يُعَبِّرُ عن ذلك بقوله: أن يكون الضعفُ غيرَ شديدٍ.
قال الإمام النووي -رحمه الله-: «يَحْرُمُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ عَلَى مَنْ عَرَفَ كَوْنَهُ مَوْضُوعًا، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَضْعُهُ، فَمَنْ رَوَى حَدِيثًا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ وَضْعَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حَالَ رِوَايَتِهِ وَضْعَهُ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْوَعِيدِ، مُنْدَرِجٌ فِي جُمْلَةِ الْكَاذِبِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا الْحَدِيثُ السَّابِقُ «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ»، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ رِوَايَةَ حَدِيثٍ أَوْ ذِكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ: فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا أَوْ حَسَنًا؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَذَا، أَوْ فَعَلَهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْجَزْمِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا؛ فَلَا يَقُلْ: قَالَ، أَوْ فَعَلَ، أَوْ أَمَرَ، أَوْ نَهَى، وَشِبْهَ ذَلِكَ، مِنْ صِيَغِ الْجَزْمِ، بَلْ يَقُولُ: رُوِيَ عَنْهُ كَذَا، أَوْ جَاءَ عَنْهُ كَذَا([118])، أَوْ يُرْوَى، أَوْ يُذْكَرُ، أَوْ يُحْكَى، أَوْ يُقَال، أو بَلَغَنَا، وَمَا أَشْبَهَهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ».([119])
وقال الحافظ السخاوي -رحمه الله-: «قد سمعتُ شيخنا-يعني الحافظَ ابن حجرٍ -رحمه الله- مرارًا يقول، وَكَتَبَهُ لي بخطه: إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:
الأول: مُتَفَقٌ عليه: أن يكون الضعفُ غيرَ شديدٍ، فَيَخْرُجَ من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فَحُشَ غَلَطُهُ، ثم قال: ونَقَلَ العلائيُّ الاتفاقَ عليه»([120]).
فالضعفُ الشديدُ يراد به الضعفُ الموجودُ في الحديث المكذوب أو الموضوع على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو الحديث المتروك الواهي، أي الحديث الذي ينفرد به راوٍ كذابٌ، أو وضّاعٌ، أو مُتَّهمٌ بالكذب، أو مردودُ الرواية، أو متروكٌ، أو واهٍ، أو ليس بشيء، أو ضعيف جداً… ونحو ذلك، هذا هو المراد بالضعف الشديد عند أهل العلم، لكن كثيرًا من القائلين بهذا المذهب يكادون يَحْصِرُون الضعفَ الشديدَ في الحديثِ الموضوعِ، أو المنكرِ الباطلِ، وفي هذا تَسَاهُلٌ غيرُ مَرْضِيٍّ.
وبعضُهُم يُصَرِّحُ بعدم رواية الحديث الذي فيه ضعفٌ شديدٌ من غير بيان لضعفه أثناء روايته أو ذِكْره، ومع ذلك لم يصرح بِرَدِّ روايةِ المتروكِ، كما قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-([121]): «وشَرْطُ جوازِ العملِ به: «ألا يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ: بأن لا يَخْلُو طريقٌ من طُرِقِهِ من كذابٍ أو مُتَّهَمٍ بالكذبِ»، ومع تصريح ابن دقيق العيد -رحمه الله- بعدم رواية ما اشْتَدَّ ضَعْفُهُ، إلا أنه عند التمثيل له صَرَّحَ بما يشير إلى أن المراد بشدة الضعف عنده ما في إسناده كذاب أو متهم، ولم يتعرض للمتروك المُطَّرَح!!([122]).
وقد نقله السخاوي -رحمه الله- كما سبق- عن شيخه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بما يزيل الإشكال في رواية ما سوى الموضوع وشديد الضعف.
وقال السخاوي -رحمه الله- أيضًا: «ومن فوائده التي كتبها لي بخطه بعد تقرير ذلك بلفظه (أي الحافظ ابن حجر): إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:
الأول: -مُتَفَقٌ عليه- أن يكون الضُعفُ غيرَ شديدٍ، فيخرج مَنْ انْفَردَ من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فَحُشَ غلطه»([123]).
قلت: وقول الحافظ -رحمه الله-: «ومن فَحُش غَلَطُهُ» يدل على إخراجِهِ الحديثَ المتروكَ، والمردودَ، والواهيَ من جملةِ الحديث الضعيفِ الذي يُتَسَاهَلُ فيه في فضائل الأعمال، وهذا من جهة التقرير أدَقُّ من قول من قال: «ما لم يكن موضوعًا، أو يخْلُو إسناده من كذاب، أو وضاع، أو مُتَّهَمٌ بالكذب» لكن من هم الذين تقيدوا بهذا الشرط؟ بل القائلون بهذه القاعدة أصبحوا يروون الموضوع المكذوب، وكثير من هؤلاء -في هذا الزمان- جَهَلَةٌ ولا يعرفون الموضوع من غيره؛ حتى يُبَيِّنُوا حاله أثناء الرواية!!.
قلت: والأصل أن قول أحدٍ من أئمة الحديث في حديث ما: «الضعف الذي فيه غير شديد»، أي أن هذا الضعفَ الذي فيه مما يَصْلُحُ أن يَنْجَبِر بمثله، والضعفُ الذي يَنْجَبِر بمثله هو الضعفُ الخفيفُ، أما الضعفُ الشديدُ فلا ينجبر بمثله، وهذا يشمل ما فيه رجل في مرتبة الوهاء، والترك، والتهمة، والكذب، وهذه مراتبُ تجريحٍ من الأَخَفِّ جرحًا إلى الأَشَدِّ، كما هو في سُلَّم الجرح والتعديل، وما نقله السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «الجواهر والدرر» فيه إخراج الحديث المتروك والمردود من جملة الضعيف الذي يُتساهل في روايته، وهو -إن استقام القائلون بذلك عليه- أدقُّ وأَلْيقُ بكلام العلماء، ولذا قال السخاوي -رحمه الله-: «فهذا من جهة التقرير أدقُّ من قول من قال: ولم يكن موضوعًا، أو في إسناده كذاب، أو وضاع، أو مُتَّهمٌ بالكذب».
وقال اللَّكْنَوي -رحمه الله-: «اعْلَم أَنه قد صرح الْفُقَهَاء والمحدثون بأجمعهم فِي كتبهمْ، بِأَنَّهُ تَحْرُمُ رِوَايَةُ الْمَوْضُوع وَذِكْرُهُ وَنَقْلُهُ وَالْعَمَلُ بِمَا فاده مَعَ اعْتِقَاد ثُبُوته، إِلَّا مَعَ التَّنْبِيه على أَنه مَوْضُوع، وَيَحْرُمُ التساهلُ فِيهِ، سَوَاء كَانَ فِي الْأَحْكَام، والقصص، أَو التَّرْغِيب، والترهيب، أَو غير ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ فِي ذِكْرِهِ وَنَقْلِه، إِلَّا مَقْرُوناً بِبَيَان وَضْعِهِ، بِخِلَاف الحَدِيث الضَّعِيف، فَإِنَّهُ إِن كَانَ فِي غير الْأَحْكَام؛ يُتَسَاهلُ فِيهِ، وَيُقْبَلُ بِشُرُوط عديدة، قد بَسَطْتُها فِي تعليقي على رسالتي «تحفة الطّلبَة فِي مَسْحِ الرَّقَبَة» الْمُسَمّى: «بتحفة الكَمَلَة»([124]).
الشرط الثاني: أن يكون هذا الحديث الضعيف مُنْدَرِجًا تحت أَصْلٍ عامٍّ، أو تحت قاعدةٍ عامةٍ أو كُليَّةٍ.
والمراد بذلك: أنه لا يُعْمَل بالحديث الضعيف استقلالًا؛ وهذا الشرط نستفيد منه في الرد على من قال: يُعْمل بالحديث الضعيف في باب الأحكام؛ لأنه خَيْرٌ من الرأي!!
فيقال له: إذا كان هذا الشرطُ معمولًا به عند من قال بجواز العمل به في باب الفضائل؛ فكيف تُطْلِقُ أنت القولَ بالعمل بالحديث الضعيف في باب الأحكام استقلالًا دون وجود أصلٍ عامٍ أو قاعدةٍ عامَّةٍ يَنْدَرج تحتها؟
وهذا الشرط قاله ابن دقيق العيد -رحمه الله- وذكره الحافظ ابن حجر
-رحمه الله- نقلًا عنه، وذكره السخاوي كما تقدم في «الجواهر والدرر»([125]) فقال: «أن يكون مُنْدَرِجًا تَحْتَ أَصْلٍ عَامّ، فَيَخْرُجَ مَا يُخْتَرَعُ، بحيث لا يكون له أَصْلٌ أَصْلاً».
ثم ما هو المراد بقولهم: أن يكون الحديثُ الضعيفُ مُنْدَرجًا تحت أَصْلٍ عامٍّ؟ فهذه كلمةٌ عامَّةٌ، وقد اختلف القائلون بهذا المذهب في تفسير هذا الشرط، وقد صرح بعضُهم بأن المراد به أن لا يُعْمَل بالحديث الضعيف استقلالًا، أو لذاته، كي لا يكون مُخْتَرَعًا لا أصل له، إنما يُعْمَل به لوجود غيره من أدلة أخرى ثابتة صِحْةً أو حُسْنًا، تدل على أصل صحة معناه بدليلٍ خاصٍ فيما تَضَمَّنه مَتْنُهُ- وهذا القول أحسنُ من الذي بعده، وإن كان فيه نوعُ تأمُّلٍ كما، سيأتي -إن شاء الله تعالى-، ولقلة من صَرَّحَ به من جملة القائلين بهذه القاعدة؛ أخَّرْتُ الكلام عليه، وقدَّمتُ الكلام على التفسير الثاني، فأقول مستعيناً بالله جلَّ وعلا-:
المراد بالأصل العام عند الأكثر من القائلين بهذه القاعدة: هو موافقة الحديث الضعيف لعمومات الشريعة: إما عموم آية، أو حديث، أو قاعدة فقهية أو أصولية…، ونحو ذلك، ولا شك أن هذا بابٌ لا يجوز فَتْحُهُ أو طَرْقُهُ أصلا إلا بحذَرٍ شديد؛ لأنه بابٌ واسعٌ لدخول البدع والأهواء والضلالات باسم العمل بعمومات الشريعة!!
فهؤلاء الذين يَعْمَلُونَ الموالد والحفلات، وكثيراً من العبادات: من صلاة وصيامٍ وغيرهما في مناسباتٍ سنويةٍ أو شهرية…إلخ -مثلاً- وما يصاحبها من أمور مُحرَّمةٍ شرعاً، قد تصل إلى الشركيات الصريحة – وإن كان كثير منهم يَجْهَلُ تحريمَ ذلك([126])- إلا أنهم يقولون: هذا مُنْدَرِجٌ تحت أَصْلٍ عام؛ لأن الله –عز وجل- قد مَدَحَ الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، ومدح المجتهدين في العبادات؛ وأن عمل الموالد والاحتفالات باسم الوليِّ الفلانيِّ…إلخ من باب حُبِّ الصالحين، كذلك الطرق المخترعة في الذِّكْر؛ فَيَجْلِسُونَ على هيئاتٍ معينةٍ، وعلى طُقوس معروفة، وأوقات ومواسم محددة، ويعملون ما سبقت الإشارةُ إليه عند القبور و الأضرحة، أو في اجتماعات عامة أو خاصة بطائفتهم، ويقولون: هذا مُنْدرجٌ تحت أصلٍ عام، ويستدلون ببعض عمومات الأدلة، أو ببعض الأحاديث الواردة في فَضْلِ الذِّكْر، وربما توسَّعوا في ذلك، فذكروا أحاديثَ ضعيفةً سندًا، ومنكرةً مَتْنًا، بل ربما احتجوا بالموضوعات والبواطيل، ثم يُدْخِلُون هذا كلَّه تحت هذا الأصل العام في نظرهم، وهذا كله بسبب القول بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال!!
ولو سأَلتَهُم: أين الحديثُ أو الأثر الضعيفُ الذي يَدُلُّ على أن رسول الله وأصحابه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ورضي الله عنهم-أنهم قد احتفلوا بالموالد، حتى تدعموه بعد ذلك بعمومات الشريعة -في نظركم؟ -لما أقاموا على ذلك حجة مقبولة!!
ومن ذلك ما قاله الحافظ السيوطي -رحمه الله-: «أَشَارَ –صلى الله عليه وسلم- إِلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ، -يعني شهر ربيع الأول- بِقَوْلِهِ لِلسَّائِلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ».([127])
فَتَشْرِيفُ هَذَا الْيَوْمِ مُتَضَمِّنٌ لِتَشْرِيفِ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ نَحْتَرِمَهُ حَقَّ الِاحْتِرَامِ، وَنُفَضِّلَهُ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ الْأَشْهُرَ الْفَاضِلَةَ، وَهَذَا مِنْهَا؛ لِقَوْلِهِ –صلى الله عليه وآله وسلم-: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْر: آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي» وَفَضِيلَةُ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ بِمَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيهَا، لِمَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْكِنَةَ وَالْأَزْمِنَةَ لَا تَشْرُفُ لِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهَا التَّشْرِيفُ بِمَا خُصَّتْ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي، فَانْظُرْ إِلَى مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذَا الشَّهْرَ الشَّرِيفَ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهُ
– صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وُلِدَ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي إِذَا دَخَلَ هَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ أَنْ يُكَرَّمَ وَيُعَظَّمَ وَيُحْتَرَمَ الِاحْتِرَامَ اللَّائِقَ بِهِ؛ اتِّبَاعًا لَهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي كَوْنِهِ كَانَ يَخُصُّ الْأَوْقَاتَ الْفَاضِلَةَ بِزِيَادَةِ فِعْلِ الْبِرِّ فِيهَا، وَكَثْرَةِ الْخَيْرَاتِ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ»، فَنَمْتَثِلُ تَعْظِيمَ الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ بِمَا امْتَثَلَهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِطَاعَتِنَا».([128])
قلت: فتأمل هذه الحجج الواهية، لإثباتِ حُكْمٍ شرعيٍّ، وفَتْحِ بابٍ للمحدَثَاتِ، فغفر الله لنا وللحافظ السيوطي!!
نعم صيامُ يومِ الإثنين ثابتٌ مِنْ فِعْلِهِ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لكن أين هذا من إطلاق أفضَلية صيام شهر ربيع الأول، بزعم أنه الشهر الذي وُلِدَ فيه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؟! أو الاحتفال فيه بالمولد على هيئاتٍ معينةٍ، وطقوسٍ مرسومةٍ، لا يُخْرَجُ عنها، وهي مختلفةٌ من زمانٍ لآخر، ومن مكانٍ لآخر، ومن هيئاتٍ وطرائق ليس لها حصرٌ؟!
ثم إذا كان صيام يوم الاثنين لكونه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وُلِدَ فيه؛ وكذا صيامُ ربيعٍ الأول؛ فما هو القول في صيام يوم الخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وهذه أيام قد فضَّلها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالصيام؛ فهل يُقال: طالما أن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَرَّمَها بالصيام؛ فنحن نُكَرِّمها أيضاً بعمل الموالد فيها في طول البلاد وعَرْضِهَا؟!، ولو كان للقوم دليلٌ يُعْتَمَدُ عليه؛ لأتى به الحافظ السيوطي
-رحمه الله-؛ فإنه حافظٌ واسعُ الاطلاع، طويل الباع، لا يكاد يفوته شيء إلا وعنده منه خبر، سوء كان مقبولاً أو مردودًا !!
فكثير من القائلين بهذه القاعدة يَرَوْنَ أن الأصل العام هو عموم الأدلة التي وَرَدَتْ في فَضْل الذِّكْر، أو فَضْل الصلاة، أو فَضْل الصيام… ونحو ذلك من الأشياء التي مَدَحَتْها الشريعةُ بصفةٍ عامةٍ، ثم يُدْخِلُون تحتها أموراً لها تفاصيلٌ وهيئاتٌ معينةٌ، لا يُخْرجُ عنها، وهي ما ورد فيها حديثٌ صحيحٌ ولا حسنٌ ولا ضعيفٌ ولا غيرُهُ، بل يُدخِلون في هذا المقام الموضوعاتِ والمناكيرَ بهذه الحجة الواهية؛ وقد أدخلوا-في عدَّة بلدان- بذلك الكثير والكثير من البدع والضلالات، بل والشركيات التي تَجْتَثُّ جذورَ الدينِ اجتثاثًا، وتأتي عليه من أُصُولِهِ وثوابته – وإن كان كثير منهم ممن يَجْهَلُ ذلك؛ فالله يغفر لنا ولهم – متذَرِّعين بالعمل بالحديث الضعيف المندرج تحت أصل عام في باب فضائل الأعمال!!!
فائدة: في بيان ضَعْفِ حديث «صلاة الرغائب» وضَعْفِ الاستدلال بالعمومات على ثبوتها، والآثار التي نَتَجَتْ عن ذلك، ومعنى اندراج الضعيف تحت أصل عام:
فمثلًا صلاة الرغائب أو التسابيح – على سُقُوطِ سَنَدِهَا ونَكَارَةِ مَتْنِهَا، وغرابة هَيْئَتِهَا-: يرون استحبابها بما ثَبَتَ في عمومات الشريعة من فَضْلِ الصلاة وكثرة السجود، ومنها قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لربيعة بن كعب الأسلمي –رضي الله عنه-: «أعِنِّي على نَفْسِك بِكَثْرة السجود»([129])، فمن يُضْعِّف منهم صلاة التسابيح؛ أَدْخَلها في جملة ما يُعْمَلُ به من جهة أخرى بمثل هذه العمومات من الأحاديث، وقد تكلم كثير من العلماء في نكارة هذه الصلاة، فقد قال الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-: «هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقد اتهموا بِهِ ابْنَ جُهَيْمٍ، ونَسَبُوه إِلَى الْكَذِب، وَسمعتُ شَيخنَا عَبْد الْوَهَّابِ الْحَافِظَ يَقُولُ: رِجَاله مَجْهُولُونَ، وَقَدْ فتَّشتُ عَلَيْهِمْ جَمِيع الْكُتُبِ؛ فَمَا وَجَدتهمْ.
قال -رحمه الله-: «قلت: وَلَقَد أَبْدَعَ من وَضعهَا؛ فَإِنَّهُ يحْتَاج من يُصليهَا أَن يَصُوم، وَرُبمَا كَانَ النَّهَارُ شَدِيدَ الْحرِّ، فَإِذَا صَامَ، وَلم يتَمَكَّن من الْأكل حَتَّى يُصَلِّي الْمغرب؛ ثُمَّ يقفَ فِيهَا، وَيَقَعَ فِي ذَلِكَ التَّسْبِيحُ الطَوِيلُ، وَالسُّجُودُ الطَّوِيلُ، فيتأذى غَايَة الْإِيذَاء، وَإِنِّي لأغار لرمضان ولصلاة التَّرَاوِيح كَيفَ زُوحِم بِهَذِهِ، بل هَذهِ عِنْد الْعَوَّامِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ؛ فَإِنَّهُ يَحْضُرُها من لَا يَحْضُرُ الْجَمَاعَاتِ»([130])؟!.
وقال الإمام النووي -رحمه الله-: «وَاحْتَجَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمُبْتَدَعَةِ الَّتِي تُسَمَّى «الرَّغَائِبُ»، قَاتَلَ اللَّهُ وَاضِعَهَا وَمُخْتَرِعَهَا؛ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ مِنَ الْبِدَعِ، الَّتِي هِيَ ضَلَالَةٌ وَجَهَالَةٌ، وَفِيهَا مُنْكَرَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ صَنَّفَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مُصَنَّفَاتٍ نَفِيسَةً فِي تَقْبِيحِهَا، وَتَضْلِيلِ مُصَلِّيهَا وَمُبْتَدِعِهَا، وَدَلَائِلُ قُبْحِهَا وبطلانِها وتضليلِ فَاعِلِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ»([131]).
وقال -رحمه الله- أيضًا: مسألة صلاة الرغائب المعروفة في أولِ ليلةِ جمعةٍ من رجب، هل هي سُنَّةٌ وفَضِيلةٌ أو بِدْعَةٌ؟.
الجواب: هي بدعةٌ قبيحةٌ منكرَةٌ أشدُّ إِنكار، مُشْتَمِلةٌ على منكراتٍ؛ فَيَتَعَيَّنُ تَرْكُهَا والِإعراضُ عنها، وإِنكارُها على فاعلها، وعلى وليِّ الأمر
-وفقه الله تعالى- منعُ الناس مِنْ فِعْلِهَا؛ فإنه راعٍ، وكُلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيته، وقد صَنَّفَ العلماءُ كُتبًا في إنكارها وذَمِّها، وتَسْفِيِهِ فَاعِلِهَا، ولا يُغْتَرُّ بكثْرة الفاعلين لها في كثير من البلدان، ولا بكونها مذكورةً في «قوت القلوب»، «وإِحياء علوم الدين»، ونحوِهِما؛ فإنها بدعةٌ باطلةٌ، وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «مَنْ أحْدَثَ في ديننَا ما لَيْسَ مِنْهُ؛ فَهُوَ رَدٌّ» وفي «الصحيح»: أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أَمْرُنَا؛ فهو رَدٌّ» وفي «صحيح مسلم» وغيره: أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال: «كلُّ بِدْعَةٍ ضلالة»، وقد أمر الله -تعالى- عند التنازع بالرجوع إِلى كتابه، فقال -تعالى-: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ] {النساء:59}، ولم يأمر باتباع الجاهلين، ولا بالاغترار بغلَطاتِ المخطئين، والله أعلم»([132]).
وقال الإمام أبو شَامَة -رحمه الله-: «قلت: ثمَّ كَانَ من الْعَجَائِب والغرائب: أَن وَقع فِي زَمَاننَا نزاعٌ فِي بِدعَة «صَلَاةِ الرغائب»، واحْتِيجَ بذلك إلى التصنيف الْمُشْتَمل على ذمّ الْمُخَالفِ، (والتعفيف)([133]) فَحَمَلَتْنِي الأنفةُ للْعلمِ، وَالْحَمِيَّةُ للصِّدقِ على تَمْيِيز الْبَاطِل من الْحق؛ فَأَلَّفْتُ هَذَا الْجُزْءَ الْمَوْصُوف بـ «الإنصاف فِيمَا وَقع فِي صَلَاة الرغائب من الاختلاف».
ثم ذكر -رحمه الله- أَصْلَ تلك البدعةِ، فقال: «وَأَصلُهَا مَا حَكَاهُ الطرطوشي فِي كِتَابه، وَأَخْبرنِي بِهِ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي، قَالَ: لم يَكُنْ عندنَا ببَيت الْمَقْدِس قَطُّ «صَلَاةُ الرغائب» هَذِه الَّتِي تُصَلَّي فِي رَجَب وَشَعْبَان، وَأولُ مَا حدثتْ عندنَا فِي سنة(448 هـ) ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة، قدم علينا فِي بَيت الْمَقْدِس رجلٌ من «نابلس»، يُعْرف بِابْن أبي الْحَمْرَاء، وَكَانَ حَسَنَ التِّلَاوَةِ، فَقَامَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، فَأَحْرَمَ خَلفه رَجُلٌ، ثمَّ انضاف إليهما ثَالِثٌ ورابعٌ، فَمَا خَتمهَا إِلَّا وهم جمَاعَة كَثِيرَة، ثمَّ جَاءَ فِي الْعَام الْقَابِل، فَصَلَّى مَعَه خَلْقٌ كَثِيرٌ، وشاعتْ فِي الْمَسْجِد، وانْتَشَرَتْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وبيوتِ النَّاسِ ومنازِلِهم، ثمَّ اسْتَقَرَّتْ كَأَنَّهَا سُنَّةٌ إلى يَوْمنَا هَذَا، قلتْ: فَأَنا رَأَيْتُك تُصَلِّيهَا فِي جمَاعَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وأسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهَا، قَال: وَأما صَلَاةُ رَجَب فَلم تَحْدُثْ عندنَا بِبَيْت الْمَقْدِس إِلَّا بعد سنة (480 هـ) ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة، وَمَا كُنَّا رأيناها وَلَا سمعنَا بهَا قبل ذَلِك».
ثم ذكر -رحمه الله- تَصَدِّي علماءِ البلدةِ لها، وكيف سوَّغها من سوَّغها من العلماء، فقال أيضًا: «وَاتفقَ أَنْ وَلِيَ الخطابةَ والإمامةَ بِجَامِع دمشق
-حرسها الله- فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أَحَقُّ النَّاس بهَا يَوْمئِذٍ: الْفَقِيهُ الْمُفْتِي، نَاصِرُ السّنةِ، مُظْهِرُ الْحقِّ: أَبُو مُحَمَّد عبدُ الْعَزِيز بنُ عبدِ السَّلَام- أيده الله بحراسته، وَقَوَّاهُ على طَاعَته- فَجَرَى فِي إحْيَاءِ السُّنَن وإماتةِ الْبدعِ -على عَادَته- فَلَمَّا قَرُبَ دُخُولُ شهرِ رَجَب؛ أَظْهَرَ للنَّاسِ أَمرَ «صَلَاةِ الرغائبِ»، وَأَنَّهَا بِدعَة ٌمُنكرَةٌ، وَأَن حَدِيثهَا كَذِبٌ على رَسُول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وخَطَبَ بذلك على الْمِنْبَر يَوْم جُمُعَة، وَأَعْلَم النَّاسَ أَنه لَا يُصَلِّيهَا، ونَهَاهُم عَن صلَاتِهَا، وَوضَعَ فِي ذَلِك جُزْءًا لطيفا سَمَّاهُ «التَّرْهِيبَ عَن صَلَاة الرغائبِ» حَذَّرَ النَّاسَ فِيهِ من رَكُوب الْبدعِ، والتَّقَرُّبِ إلى الله -تَعَالَى- بِمَا لم يَشَرِّعْ، وَأَرَادَ فِطَامَ النَّاسِ عَنْهَا قولًا وفِعْلًا؛ فَشَقَّ ذَلِك على الْعَوامِّ وَكثيرٍ من المتميزين الطَّغَام، اغتروا مِنْهُم بِمُجَرَّد كَونهَا صَلَاةً، فَهِيَ طَاعَةٌ وقُرْبَةٌ، فلماذا يُنْهَي عَنْهَا؟! ورُكونًا إلى ذَلِك الحَدِيثِ الْبَاطِل، وشَقَّ على سُلْطَان الْبَلَدِ وأَتْبَاعِهِ إبطالُها؛ فَصَنَّفَ لَهُم بعضُ مفتي الْبَلَد جُزْءًا فِي تقريرها، بِتَحْسيِن حَالهَا، وإِلْحَاقِها بالبدعِ الْحَسَنَة من جِهَة كَونهَا صَلَاةً، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد أَحْسَنَ رَدٍّ، وَجَاء-أي من أفتى بالجواز- بِمَا وَافق هَوى السُّلْطَان وعوامِّ الزَّمَان، وَهُوَ من الْعلمَاء الصَّالِحين وَالْأَئِمَّة المُفْتِين،[ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ] {محمد:4}»([134]).
قلت: والظاهر -والله أعلم- أنه يعني بذلك الحافظ أبا عمرو بن الصلاح-رحمه الله-، والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: «وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّغَائِبِ: فَلَا أَصْلَ لَهَا؛ بَلْ هِيَ مُحْدَثَةٌ؛ فَلَا تُسْتَحَبُّ لَا جَمَاعَةً وَلَا فُرَادَى؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «نَهَى أَنْ تُخَصَّ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ بِقِيَامِ، أَوْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِصِيَامِ»، وَالْأَثَرُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهَا كَذِبٌ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَصْلًا»([135]).
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- :«وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ صَلاةِ الرَّغَائِبِ لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، كُلُّهَا كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله سَلَّمَ-»([136]).
وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- :«فأما الصلاةُ: فلم يَصِحَّ في شهر رجب صلاةٌ مخصوصةٌ تَختصُّ به، والأحاديثُ المرويةُ في فضل صلاة الرغائب في أولِ ليلةِ جمعةٍ من شهر رجب كَذِبٌ وباطلٌ لا تَصِحُّ، وهذه الصلاةُ بدعةٌ عند جمهور العلماء، ومن ذكر ذلك-أي كونها بدعة- من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ: أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر ابن السمعاني، وأبو الفضل ابن ناصر، وأبو الفرج ابن الجوزي، وغيرهم، إنما لم يَذْكُرْهَا المتقدمون؛ لأنها أُحْدِثَتْ بعدهم، وأَوَّلُ ما ظَهَرَتْ بعد الأربعمائة؛ فلذلك لم يَعْرِفْها المتقدمون، ولم يتكلموا فيها»([137]).
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- :«فَإِنَّ أَصْلَ صَلَاةِ النَّافِلَةِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدَ كَرِهَ الْمُحَقِّقُونَ تَخْصِيصَ وَقْتٍ بِهَا دُونَ وَقْتٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ تَحْرِيمَ مِثْلِ ذَلِكَ، «كَصَلَاةِ الرَّغَائِبِ» الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا»([138]).
وقال الفَتَنِيُّ -رحمه الله-:([139]) «وَحديثُ صَلَاةِ الرغائبِ مَوْضُوعٌ بالِاتِّفَاقِ»، وفِي «اللآلئ» «فَضْلُ لَيْلَةِ الرَّغَائِبِ، وَاجْتِمَاعِ الْمَلائِكَةِ، مَعَ طُولِهِ، وَصَومٍ، أَوْ دُعَاءٍ، وَصَلاةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَعْدَ الْمَغْرِبِ، مَعَ الْكَيْفِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ: مَوْضُوعٌ، رِجَاله مَجْهُولُونَ، قَالَ شَيخنَا: وفَتَّشْتُ جَمِيعَ الْكُتُبِ فَلم أجِدْهُم»([140]).
وقال العَجْلُوني -رحمه الله-: «ومن الأحاديث الموضوعة: «ما جاء في فضيلة أولِ ليلةِ جُمُعَةٍ من رجب»، الصلاةُ الموضوعة فيها، التي تُسَمَّى «صلاة الرغائب»؛ لم تَثْبُتْ في السُّنَّةِ، ولا عند أئمة الحديث، وإن ذكره صاحب «الإحياء» وصاحب «قوت القلوب»؛ لأن السُّنَّةَ لا تَثْبُتْ إلا بقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أو فِعْلِهِ أو تَقْرِيرِهِ»([141]).
وقال الشوكاني -رحمه الله-: «وَهَذِهِ هِيَ صَلاةُ الرَّغَائِبِ الْمَشْهُورَةُ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ، وَأَلَّفُوا فِيهَا مُؤَلَّفَاتٍ، وغلَّطُوا الْخَطِيبَ فِي كَلاِمِه فِيهَا، وَأَوَّلُ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمُعَاصِرِينَ له: ابنُ عبد السلام، وَلَيْسَ كَوْنُ هَذِهِ الصَّلاةِ مَوْضُوعَةً مما يَخْفَى على الْخَطِيبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟!، وَإِنَّمَا أَطَالَ الْحُفَّاظُ الْمَقَالَ فِي هَذِهِ الصَّلاةِ الْمَكْذُوبَةِ بِسَبَبِ كَلامِ الْخَطِيبِ، وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ أَنْ يُشْتَغُلَ بِهَا، وَيُتَكَلَّمَ عَلَيْهَا؛ فَوَضْعُهَا لا يَمْتَرِي فِيهِ مَنْ لَهُ أَدْنَى إْلِمَامٍ بِفَنِّ الحديث»([142]).
وقال العلامة المُعَلِّمي -رحمه الله-: «ويَظْهَرُ لي: أن الصلاة ليلة أول جمعة من رجب هي التي أَثَارَتْ هذا البحثَ؛ فقد حكى أبو شامة في كتابه «الباعث» أن ابن الصلاح كان متولّيًا لمنصب الفتوى، فاسْتُفْتي عن الصلاة المذكورة؛ فأجاب بإنكارها، وأنها مُحْدَثة، ثم اسْتُفْتِيَ مرة أخرى، فأجاب بنحو جوابه الأول، ثم فُصِلَ عن مَنْصِبِ الفتوى، وأُقيم فيه الشيخ عز الدين ابن عبد السلام، فشدّد النكير على «صلاة الرغائب»، فَعَارَضَهُ ابنُ الصلاح وجوَّزها؛ معتذراً بأنه قد ورد فيها حديثٌ، وبأنها داخلةٌ في عمومِ الترغيبِ في الصلاةِ، وصلاةِ الليلِ خاصة؛ فردّ ابنُ عبد السلام وتلامذتُه؛ كأبي شامة، وابن دقيق العيد بما تراه في كتاب «الباعث» لأبي شامة.
وكان النوويّ من جملة من ردّ على ابن الصلاح، وصرّح بأن الصلاة المذكورة بدعة قبيحة.
ثم كأنَّ النوويَّ استخلص من البحث جواز العمل بالضعيف في الفضائل، وأيّد ذلك بما نقله عن أئمة السلف من النصوص في تَسَاهُلِهِم في رواية ما لم يكن فيه حُكْمٌ، كما ستراها، وكأنّه اعتضد ذلك عنده بفروعٍ للشافعي، سَتَرِدُ عليك – إن شاء الله ـ، فجزم بالاتفاق على ذلك، ثم رأى أن الجواز لا فائدة له؛ لأن الفَرْض أنه ثابت بدون الضعيف؛ فزاد الاستحبابَ، كما صَرَّحَ به في «الأذكار».
ومن العَجَبِ: أن كتاب أبي شامة «الباعث على إنكار البدع والحوادث» لم يتصدَّ للكلام في العمل بالحديث الضعيف، مع أن القصد الأول منه إبطال الصلاة المذكورة، وتعرّض فيه لغالب ما جرى من الاحتجاج من الطرفين، نعم يؤخذ منه ما يخالف قولَ النوويِّ، كما ستراه – إن شاء الله-»([143]).
قلت: وكذلك الأحاديث الواردة في أدعية السوق عند من يُضَعِّفُها، وقد أعلّها جماعةٌ من الحُفاظ.
وكذلك أيضًا صيامُ بعضِ الأيام والشهور، مثل: صيام يوم نصف رَجَب، أو بعض أيامه، إلى غير ذلك؛ فهذه الأمور ونحوها يُدخلونها في هذه القاعدة بحجة أن هذا مندرج تحت العمومات الواردة في الشريعة بمدْحِ الـمُكْثِرين في الصلاة والذِّكْر والصيام إلى غير ذلك، والذي يتأمل في صنيع كثير ممن يَأْخُذ بهذه القاعدة؛ يجده قد فسَّر كلام العلماء في ضرورة اندراج الحديث الضعيف تحت أصل عام أو قاعدة عامة بهذا المعنى، وللأسف فإنه يُدْخِل بهذا كثيرًا من البدع والمنكرات في الدين، ويَنْسِبُها إلى الشريعة الحنيفية السمحة، والله المستعان.
فائدة: التفسير الثاني لمعنى اندراج الضعيف تحت أصلٍ عامٍ عند بعض القائلين بهذه القاعدة:
أما الفريق الآخر: وهو ممن يرى العمل بهذه القاعدة -أيضًا- لكنه يُفَسِّر اندراج الضعيف تحت أصل عام بغير ما فَسَّرَهُ أولئك، فقالوا: المراد بالاندراج تحت الأصل العام هو أمر محدَّد، وهو: أن يكون هذا الفعلُ الذي انفرد به الحديث الضعيفُ في سنده بذكر ترغيب فيه أو ترهيب منه، قد ثَبَتَتْ هَيْئَتُهُ أو كيفيتُهُ في زمن محدد بحديث آخر صحيح أو حَسَن في الشريعة، أو أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد فَعَلَ هذا الشيء بعينه، إلا أنَّ الحديثَ الضعيفَ قد انفرد بزيادة: وهي بيانُ فَضْلِ هذا الفعل، أو انفرد بذِكْر ثواب هذا الفعل أو عقابه، ولم يُذْكَرْ هذا الثواب أو العقاب في الحديث المقبول صحةً أو حسناً؛ فهذا الثواب، ونحوه -في هذه الحالة- ليس له أثر في إثبات شرعية هذا الفعل: لا في الهيئة ولا في الزمان ولا المكان، إنما هو فقط يُحَفِّز، أو يُشَوِّق، أو يَدْفع المرءَ إلى أن يَعْمَلَ بما قد ثبت فِعْلُه في الشريعة بأدلة ثابتة ومقبولة صحةً أو حُسْنًا، أو ينفِّر هذا الحديثُ الضعيفُ المرءَ عن عملٍ قد ثَبَتَ في الشرع كراهيتُه وقُبْحُه، فهذا فقط هو معنى الاندراج تحت الأصل العام، وبهذا التفسير الدقيق تَضِيقُ جداً دائرةُ العمل بالأحاديثِ الضعيفةِ في الرغائبِ ونحوها، كما هو واضح،-ومع ذلك؛ فللأسف لم يعمل أكثر القائلين من المتأخرين بهذه القاعدة بهذا التفسير، وقد خَنَقَ هذا التفسيرُ المتوسعين في العمل بهذه القاعدة خَنْقًا؛ – ومع ذلك فقد بقيتْ فيه بقيةٌ فيها بَحْثٌ ونَظَرٌ، سيأتي الكلام عليها -إن شاء الله تعالى -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مُفَسِّرًا هذا الشرط بهذا التفسير الثاني: «وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ([144]): أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِمَّا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ، أَوْ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ بِنَصِّ أَوْ إجْمَاعٍ: كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ؛ وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ؛ وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ؛ وَالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ؛ وَكَرَاهَةِ الْكَذِبِ، وَالْخِيَانَةِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا رُوِيَ حَدِيثٌ فِي فَضْلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَثَوَابِهَا، وَكَرَاهَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَعِقَابِهَا، فَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَنْوَاعُهُ إذَا رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ([145])؛ جَازَتْ رِوَايَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ، أَوْ تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ، كَرَجُلِ يَعْلَمُ أَنَّ التِّجَارَةَ تَرْبَحُ، لَكِنْ بَلَغَهُ أَنَّهَا تَرْبَحُ رِبْحًا كَثِيرًا، فَهَذَا إنْ صَدَقَ؛ نَفَعَهُ، وَإِنْ كَذَبَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ؛ وَمِثَالُ ذَلِكَ: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بالإسرائيليات، وَالْمَنَامَاتِ، وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ، وَالْعُلَمَاءِ؛ وَوَقَائِعِ الْعُلَمَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لَا اسْتِحْبَابٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ وَالتَّرْجِيَةِ وَالتَّخْوِيفِ، فَمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ؛ لَمْ يَجُزْ الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ؛ أُثْبِتَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ؛ رُوِيَ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ، وَلِعَدَمِ الْمَضَرَّةِ فِي كَذِبِهِ، وَأَحْمَد إنَّمَا قَالَ: إذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّا نَرْوِي فِي ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِّثُوهَا مِنْ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِهِمْ، وفِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، إنَّمَا الْعَمَلُ بِهَا: الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: مِثلِ التِّلَاوَةِ، وَالذِّكْرِ، وَالِاجْتِنَابِ لِمَا كُرِهَ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ»([146]).
وقال -أيضاً -رحمه الله-: «وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ، وَرُوِيَ فِي فَضْلِهِ حَدِيثٌ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ حَقًّا، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا بِحَدِيثِ ضَعِيفٍ([147])، وَمَنْ قَالَ هَذَا؛ فَقَدَ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ شَيْءٌ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ، لَكِنْ إذَا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ، وَرُوِيَ حَدِيثٌ فِي وَعِيدِ الْفَاعِلِ لَهُ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ؛ جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرْوَى فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَذِبٌ، لَكِنْ فِيمَا عُلِمَ أَنَّ اللَّهَ رَغَّبَ فِيهِ، أَوْ رَهَّبَ مِنْهُ بِدَلِيلِ آخَرَ، غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَجْهُولِ حَالُهُ([148])». انتهى([149])
ولا شك أن هذا الفريق -بهذا التفسير لشرط الاندراج تحت أصل عام- قد ضيَّق المجالَ كثيراً على الموسِّعين له، وخَنَقَ من توسَّع في تفسير الاندراج تحت أصل عام خَنْقًا شديدًا، فلا يستطيع أهلُ البدع أن يُدخلوا بهذه القاعدة -على هذا التفسير للشرط المذكور- على سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما ليس منها أصلا -لا قولا ولا فعلا، وهذا في ذاته حقٌ- اللهم إلا في جزئية يسيرة، سيأتي الكلام عنها في موضعها -إن شاء الله تعالى.
نَقْلُ كلام الإمام الشاطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله تعالى- في إنكارهما اعتمادَ البعض على الأحاديث الضعيفة والواهية دون قَيْدٍ ولا شَرْطِ:
أولا: ما نُقِلَ عن الإمام الشاطبي -رحمه الله-:
قال الإمام الشاطبي([150]) -رحمه الله- وذلك في مقام رَدِّهِ قولَ من ذهب إلى العمل بالضعيف في الفضائل قال: «فَمِنْهَا: اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَكْذُوبِ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَالَّتِي لَا يَقْبَلُهَا أَهْلُ صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا:
كَحَدِيثِ الِاكْتِحَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَإِكْرَامِ الدِّيكِ الْأَبْيَضِ، وَأَكْلِ الْبَاذِنْجَانِ بِنيَّةٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَوَاجَدَ وَاهْتَزَّ عِنْدَ السَّمَاعِ، حَتَّى سَقَطَ الرِّدَاءُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ… وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَإِنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ – عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ – لَا يُبْنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ، وَلَا تُجْعَلُ أَصْلًا فِي التَّشْرِيعِ أَبَدًا، وَمَنْ جَعَلَهَا كَذَلِكَ؛ فَهُوَ جَاهِلٌ أَوْ مُخْطِئٌ فِي نَقْلِ الْعِلْمِ، فَلَمْ يُنْقَل الْأَخْذُ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي طَرِيقَةِ الْعِلْمِ وَلَا طَرِيقَةِ السُّلُوكِ.
وَإِنَّمَا أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ الْحَسَنِ؛ لِإِلْحَاقِهِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ بِالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ سَنَدَهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يُعَابُ بِجِرْحَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ بِالْمُرْسَلِ؛ لَيْسَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ أُلْحِقَ بِالصَّحِيحِ، فِي أَنَّ الْمَتْرُوكَ ذِكْرُهُ كَالْمَذْكُورِ وَالْمُعَدَّلِ([151])، فَأَمَّا مَا دُونُ ذَلِكَ؛ فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ بِحَالٍ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ.
وَلَوْ كَانَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الذَّابِّينَ عَنْهُ الْأَخْذُ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِكُلِّ مَا جَاءَ عَنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ؛ لَمْ يَكُنْ لِانْتِصَابِهِمْ لِلتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ مَعْنًى، مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَا كَانَ لِطَلَبِ الْإِسْنَادِ مَعْنًى يَتَحَصَّلُ؛ فَلِذَلِكَ جَعَلُوا الْإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَلَا يَعْنُونَ: «حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ» مُجَرَّدًا، بَلْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُحَدِّثُ عَنْهُمْ، حَتَّى لَا يُسْنِدَ عَنْ مَجْهُولٍ وَلَا مَجْرُوحٍ وَلَا مُتَّهُمٍ؛ إِلَّا عَمَّنْ تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِرِوَايَتِهِ؛ لِأَنَّ رُوحَ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ قَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لِنَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَنُسْنِدَ إِلَيْهِ الْأَحْكَامَ.
وَالْأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ الْإِسْنَادِ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْنَدَ إِلَيْهَا حُكْمٌ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَعْرُوفَةِ بالْكَذِبِ؟! نَعَمْ؛ الْحَامِلُ عَلَى اعْتِمَادِهَا فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْهَوَى الْمُتَّبَعِ.
وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى فَرْضِ أَنْ لَا يُعَارِضَ الْحَدِيثَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مُعَارِضٌ؛ فَأَحْرَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِهِ؛ فَهُوَ هَدْمٌ لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ إِذَا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْوَهْمِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، أَوِ الْغَلَطِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، أَوِ النِّسْيَانِ؛ فَمَا الظَّنُّ بِهِ إِذَا لَمْ يَصِحَّ؟
عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهُ قَالَ: «الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ خَيْرٌ مِنَ الْقِيَاسِ»، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ غَيْرِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ عَلَى الْقِيَاسِ الْمَعْمُولِ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ إِجْمَاعُ السَّلَف –رضي الله عنهم-، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّهُ كَلَامُ مُجْتَهِدٍ يَحْتَمِلُ اجْتِهَادُهُ الْخَطَأَ وَالصَّوَابَ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ؛ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى طَرْحِ الضَّعِيفِ الْإِسْنَادِ؛ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْحَسَنَ السَّنَدِ، وَمَا دَارَ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِإِعْمَالِهِ، أَوْ أَرَادَ: خَيْرٌ مِنَ الْقِيَاسِ لَوْ كَانَ مَأْخُوذًا بِهِ، فَكَأَنَّهُ يَرُدُّ الْقِيَاسَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ، مُبَالَغَةً فِي مُعَارَضَةِ مَنِ اعْتَمَدَهُ أَصْلًا، حَتَّى رَدَّ بِهِ الْأَحَادِيثَ، وَقَدْ كَانَ –رحمه الله- يَمِيلُ إِلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: «مَا زِلْنَا نَلْعَنُ أَهْلَ الرَّأْيِ وَيَلْعَنُوننَا؛ حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِيُّ فَمَزَجَ بَيْنَنَا»([152]).
أَوْ أَرَادَ بِالْقِيَاسِ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ، فَفَضَّلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَيْضًا؛ فَإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى مَا يَسُوغُ؛ لَمْ يَصِحَّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي مُعَارَضَةِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا كُلُّهُ رَدٌّ عَلَى الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ اعْتَمَدُوا عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ؛ فَإِنَّهُمْ كَمَا نَصُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ؛ كَذَلِكَ نَصُّوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَقْلِهَا لِلِاعْتِمَادِ صِحَّةُ الْإِسْنَادِ، بَلْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ؛ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِلَّا؛ فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ نَقَلَهَا وَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا، فَقَدْ فَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ كَـمَالِكٍ فِي «الْمُوَطَّأِ»، وَابْنِ الْمُبَارَكِ فِي «رَقَائِقِهِ»، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي «رَقَائِقِهِ»، وَسُفْيَانَ فِي «جَامِعِ الْخَيْرِ»، وَغَيْرِهِمْ.
فَكُلُّ مَا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ رَاجِعٌ إِلَى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَإِذَا جَازَ اعْتِمَادُ مِثْلِهِ؛ جَازَ فِيمَا كَانَ نَحْوَهُ مِمَّا يُرْجَعُ إِلَيْهِ: كَصَلَاةِ الرَّغَائِبِ، وَالْمِعْرَاجِ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ أَوَّلِ جُمْعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَصَلَاةِ الْإِيمَانِ، وَالْأُسْبُوعِ، وَصَلَاةِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَصِيَامِ رَجَبٍ، وَالسَّابِعِ وَعِشْرِينَ مِنْهُ…. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ جَمِيعَهَا رَاجِعٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَالصَّلَاةُ عَلَى الْجُمْلَةِ ثَابِتٌ أَصْلُهَا، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ؛ كُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى خَيْرٍ نُقِلَتْ فَضِيلَتُهُ عَلَى الْخُصُوصِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَكُلُّ مَا نُقِلَتْ فَضِيلَتُهُ فِي الْأَحَادِيثِ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ، فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ شَهَادَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِصِحَّةِ الْإِسْنَادِ؛ بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ.
فَإِذًا؛ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ طَرِيقِ الرَّاسِخِينَ، لَا مِنْ طَرِيقِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ: فَاشْتَرَطُوا فِيهَا الصِّحَّةَ، وَبَيْنَ أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا ذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا يَنْتَظِمُ مَعَ مَسْأَلَتِنَا الْمَفْرُوضَةِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَكَلَّمَ فِيهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَى أَصْلِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، أَوْ لَا يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا، أَوْ يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا.
فَالْأَوَّلُ: لَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ؛ كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، وَالنَّوَافِلِ الْمُرَتَّبَةِ لِأَسْبَابٍ وَغَيْرِ أَسْبَابٍ، وَكَالصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ أَوِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ؛ إِذَا فُعِلَتْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ؛ كَصِيَامِ عَاشُورَاءَ، أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَالْوَتَرِ بَعْدَ نَوَافِلِ اللَّيْلِ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ.
فَالنَّصُّ جَاءَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ صَحِيحًا عَلَى مَا شَرَطُوا؛ فَثَبَتَتْ أَحْكَامُهَا مِنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَإِذَا وَرَدَ فِي مِثْلِهَا أَحَادِيثُ تَرْغِيبٍ فِيهَا، أَوْ تَحْذِيرٍ مِنْ تَرْكِ الْفَرْضِ مِنْهَا، وَلَيْسَتْ بَالِغَةً مَبْلَغَ الصِّحَّةِ، وَلَا هِيَ أَيْضًا مِنَ الضَّعْفِ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُهَا أَحَدٌ، أَوْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لَا يَصِحُّ الِاسْتِشْهَادُ بِهَا؛ فَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهَا، وَالتَّحْذِيرِ بِهَا وَالتَّرْغِيبِ بَعْدَ ثُبُوتِ أَصْلِهَا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ.
وَالثَّانِي: ظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا لِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْهَوَى، وَهُوَ أَبْدَعُ الْبِدَعِ وَأَفْحَشُهَا؛ كَالرَّهْبَانِيَّةِ الْمَنْفِيَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالْخِصَاءِ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ، وَالتَّعَبُّدِ بِالْقِيَامِ فِي الشَّمْسِ، أَوْ بِالصَّمْتِ مِنْ غَيْرِ كَلَامِ أَحَدٍ، فَالتَّرْغِيبُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَصِحُّ؛ إِذْ لَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ، وَلَا أَصْلَ لَهُ يُرَغِّبُ فِي مِثْلِهِ، أَوْ يُحَذِّرُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ.
وَالثَّالِثُ: رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَصْلُ عِبَادَةٍ فِي الْجُمْلَةِ؛ فَيَسْهُلُ فِي التَّفْصِيلِ نَقْلُهُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُشْتَرِطِ الصِّحَّةِ، فَمُطْلَقُ التَّنَفُّلِ بِالصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ، فَإِذَا جَاءَ تَرْغِيبٌ فِي صَلَاةِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَقَدْ عَضَّدَهُ أَصْلُ التَّرْغِيبِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا ثَبَتَ أَصْلُ صِيَامٍ؛ ثَبَتَ صِيَامُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ…. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمُوا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إِذَا ثَبَتَ فِي الْجُمْلَةِ؛ لَا يَلْزَمُ إِثْبَاتُهُ فِي التَّفْصِيلِ، فَإِذَا ثَبَتَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ؛ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَاتُ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، أَوِ الْوَتْرِ، أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى يُنَصَّ عَلَيْهَا عَلَى الْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ إِذَا ثَبَتَ مُطْلَقُ الصِّيَامِ؛ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَاتُ صَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ عَاشُورَاءَ، أَوْ شَعْبَانَ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يَثْبُتَ بِالتَّفْصِيلِ بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ يُنْظَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ الْخَاصِّ الثَّابِتِ بِالدَّلِيلِ الصَّحِيحِ.
وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ ثُبُوتِ التَّنَفُّلِ اللَّيْلِيِّ وَالنَّهَارِيِّ فِي الْجُمْلَةِ، وَبَيْنَ قِيَامِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِكَذَا وَكَذَا رَكْعَةٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ مِنْهَا بِسُورَةِ كَذَا عَلَى الْخُصُوصِ كَذَا وَكَذَا مَرَّةٍ، وَمَثْلُهُ صِيَامُ الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ مِنَ الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ، حَتَّى تَصِيرَ تِلْكَ الْعِبَادَةُ مَقْصُودَةً عَلَى الْخُصُوصِ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ شَرْعِيَّةِ التَّنَفُّلِ بِالصَّلَاةِ أَوِ الصِّيَامِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ تَفْضِيلَ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، أَوْ زَمَانٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ بِعِبَادَةٍ مَا، يَتَضَمَّنُ حُكْمًا شَرْعَيًّا فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِ، كَمَا ثَبَتَ لِعَاشُورَاءَ – مَثَلًا – أَوْ لِعَرَفَةَ، أَوْ لِشَعْبَانَ مَزِيَّةٌ عَلَى مُطْلَقِ التَّنَفُّلِ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى الصِّيَامِ فِي مُطْلَقِ الْأَيَّامِ؛ فَتِلْكَ الْمَزِيَّةُ اقْتَضَتْ مَرْتَبَةً فِي الْأَحْكَامِ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهَا، بِحَيْثُ لَا تُفْهَمُ مِنْ مُطْلَقِ مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْمَشْرُوعِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ؛ فَهُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَمَسَاقُهُ يُفِيدُ لَهُ مَزِيَّةً فِي الرُّتْبَةِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْحُكْمِ.
فَإِذًا؛ هَذَا التَّرْغِيبُ الْخَاصُّ يَقْتَضِي مَرْتَبَةً فِي نَوْعٍ مِنَ الْمَنْدُوبِ خَاصَّةً، فَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ إِلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ: «إِنَّ الْأَحْكَامَ لَا تُثْبَتُ إِلَّا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ»، وَالْبِدَعُ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الصَّحِيحِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعَاتِ؛ كَالتَّقْيِيدِ بِزَمَانٍ، أَوْ عَدَدٍ، أَوْ كَيْفِيَّةٍ مَا، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَحْكَامُ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ ثَابِتَةً بِغَيْرِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِمَا أَسَّسَهُ الْعُلَمَاءُ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَحْكَامَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فَقَطْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ؛ بَلِ الْأَحْكَامُ خَمْسَةٌ، فَكَمَا لَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ إِلَّا بِالصَّحِيحِ؛ فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ النَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ إِلَّا بِالصَّحِيحِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ؛ فَاسْتَسْهِلْ أَنْ يَثْبُتَ فِي أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلَا عَلَيْكَ.
فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: كُلُّ مَا رُغِّبَ فِيهِ؛ إِنْ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَمَرْتَبَتُهُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ؛ فَالتَّرْغِيبُ فِيهِ بِغَيْرِ الصَّحِيحِ مُغْتَفَرٌ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ التَّرْغِيبِ؛ فَاشْتَرِطِ الصِّحَّةَ أَبَدًا، وَإِلَّا خَرَجْتَ عَنْ طَرِيقِ الْقَوْمِ الْمَعْدُودِينَ فِي أَهْلِ الرُّسُوخِ، فَلَقَدْ غَلِطَ فِي الْمَكَانِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْفِقْهِ، وَيَتَخَصَّصُ عَنِ الْعَوَامِّ بِدَعْوَى رُتْبَةِ الْخَوَاصِّ، وَأَصْلُ هَذَا الْغَلَطِ: عَدَمُ فَهْمِ كَلَامِ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ».([153])
ثانياً: ما نُقِلَ عن شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- في ذلك أيضاً:
لقد ذكر ذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وشنَّعَ على من نسب إلى الأئمة الذين يقولون بهذه القاعدة: أنهم يُجِيزُونَ بهذه القاعدة عَمَلَ عباداتٍ بهيئة مُفَصَّلة لم تَثْبُتْ إلا في الحديث الضعيف!!، وقد سبق ذِكْرُ شيء من ذلك، ولكن أَذْكُرُه هنا مرة أخرى للتأكيد عليه، مع زيادة فيه لم تُذْكَرْ سابقاً.
فقد قال -رحمه الله-: «فَصْلٌ: قَوْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: إذَا جَاءَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ؛ شَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ، وَإِذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ؛ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ، وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ؛ لَيْسَ مَعْنَاهُ: إثْبَاتَ الِاسْتِحْبَابِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ فَإِنَّ الِاسْتِحْبَابَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ، وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ يُحِبُّ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ فَقَدْ شَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، كَمَا لَوْ أَثْبَتَ الْإِيجَابَ أَوْ التَّحْرِيمَ؛ وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا يَخْتَلِفُونَ فِي غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ الْمَشْرُوعِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِمَّا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ، أَوْ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ؛ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ؛ وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ، وَكَرَاهَةِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا رُوِيَ حَدِيثٌ فِي فَضْلِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ وَثَوَابِهَا، وَكَرَاهَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَعِقَابِهَا؛ فَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَنْوَاعُهُ إذَا رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ([154])؛ جَازَتْ رِوَايَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، بِمَعْنَى: أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ، أَوْ تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ؛ كَرَجُلِ يَعْلَمُ أَنَّ التِّجَارَةَ تَرْبَحُ، لَكِنْ بَلَغَهُ أَنَّهَا تَرْبَحُ رِبْحًا كَثِيرًا؛ فَهَذَا -أي الـمُبَلِّغ- إنْ صَدَقَ؛ نَفَعَهُ -أي نفع من يريد التجارة- وَإِنْ كَذَبَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ».
ثم قال -رحمه الله-: «وَمِثَالُ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بالإسرائيليات، وَالْمَنَامَاتِ، وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ، وَوَقَائِعِ الْعُلَمَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ لَا اسْتِحْبَابٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالتَّرْجِيَةِ وَالتَّخْوِيفِ».
ثم قال -رحمه الله-: «فَمَا عُلِمَ حُسْنُهُ، أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا، أَوْ بَاطِلًا، فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ؛ لَمْ يَجُزْ الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ؛ أُثْبِتَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ؛ رُوِيَ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ، وَلِعَدَمِ الْمَضَرَّةِ فِي كَذِبِهِ، وَأَحْمَدُ إنَّمَا قَالَ: إذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ؛ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّا نَرْوِي فِي ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَدِّثُوهَا مِنْ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِهِمْ، وكذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ؛ إنَّمَا الْعَمَلُ بِهَا: الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: مِثْلَ: التِّلَاوَةِ، وَالذِّكْرِ، وَالِاجْتِنَابِ لِمَا كُرِهَ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ».
ثم قال -رحمه الله-: «وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ([155]) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» مَعَ قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ؛ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ»([156]).
فَإِنَّهُ رَخَّصَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ، وَمَعَ هَذَا نَهَى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّحْدِيثِ الْمُطْلَقِ عَنْهُمْ فَائِدَةٌ؛ لَمَا رَخَّصَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ، وَلَوْ جَازَ تَصْدِيقُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ؛ لَمَا نَهَى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ؛ فَالنُّفُوسُ تَنْتَفِعُ بِمَا تَظُنُّ صِدْقَهُ فِي مَوَاضِعَ».
قال -رحمه الله-: «فَإِذَا تَضَمَّنَتْ أَحَادِيثُ الْفَضَائِلِ الضَّعِيفَةُ تَقْدِيرًا، وَتَحْدِيدًا: مِثْلَ: صَلَاةٍ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِقِرَاءَةِ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ هَذَا الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رُوِيَ فِيهِ مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ كَانَ لَهُ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ فِي السُّوقِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِمَا فِيهِ: مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بَيْنَ الْغَافِلِينَ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: «ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ؛ كَالشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ بَيْنَ الشَّجَرِ الْيَابِسِ»([157]).
قلت: التَّعبُّدُ بهذا الذِّكْر كلما دَخَلَ الرجلُ السوقَ يحتاج إلى دليل يُعْتَمَدُ عليه، والضعيف ليس كذلك، وفي هذا تشريع عبادة في مكان معين بهيئة معينة بلا مُسْتَنَد، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فَأَمَّا تَقْدِيرُ الثَّوَابِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ؛ فَلَا يَضُرُّ ثُبُوتُهُ، وَلَا عَدَمُ ثُبُوتِهِ، وَفِي مِثْلِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ؛ قال: «مَنْ بَلَغَهُ عَنْ اللَّهِ شَيْءٌ فِيهِ فَضْلٌ، فَعَمِلَ بِهِ رَجَاءَ ذَلِكَ الْفَضْلِ؛ أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ»([158]).
ثم قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في نهاية المطَاف: «فْالحَاصِلُ: أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُرْوَى وَيُعْمَلُ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، لَا فِي الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ اعْتِقَادُ مُوجَبِهِ، -وَهُوَ مَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ-يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ».([159])
وقال -رحمه الله- أيضاً: «ولا يجوز أن يُعْتَمَدَ في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة».([160])
قلت: نقلُتُ كلام الشاطبي وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليهما- بتمامه لنفاسته، وقال المجيزون: إن الشاطبي وابن تيمية
– رحمهما الله- لا يريان المنع من التَّرخُّص في رواية الضعيف في الفضائل، إنما يُضَيِّقَان تَضْييقًا شديدًا على هذه القاعدة، وهما من جملة من يرى الرخصة في هذا الباب.
حاصِلُ كلامِ الإمامين الشاطبي وابن تيمية -رحمهما الله تعالى- وبيان ما فيه:
قلت: كلامهما في الجملة عند التأمل يؤول إلى كلام المانعين من العمل بالحديث الضعيف في الفضائل، وإن كانا اغتفرا رواية الضعيف في الفضائل بعد تحقق تفسيرهما لمعني اشتراط اندراجه تحت أصلٍ عامٍ، فالخلاف بينهما وبين المانعين يسير، وبينهما وبين المجيزين جوهري وعميق، وإن كان لي عليه ملاحظات، منها:
الأولى: كلامهما-رحمهما الله- في الجملة قويٌّ من حيث التقعيد والتأصيل، لكن من حيث التمثيل والتنزيل -كالذّكْر الذي ذُكِر فيمن دَخَل السوق-فإنه ليس بذاك؛ وذلك: أن من التزم ذِكْرا معينا بالتهليل وما بعده إلى نهاية ما رُوي في ذلك من عددٍ وهيئةٍ عند دخول السوق؛ فقد شَرَّعَ عبادةً لم تَثْبُتْ في نفسها بدليل صحيح أو حسن، كما هو ظاهر تقعيدهما -رحمهما الله تعالى-، بل شَرَّعَهَا لِفَضْلِ الذِّكْر في مواضع الغفلة وكثرة الغافلين، كما هو ظاهر من الحديث الواهي الذي اسْتَدَلَّ به شيخ الإسلام -رحمه الله- ويمكن تحقيق المراد بالأذكار المتنوعة، التي لا تتحدد بهيئة ولا عدد ولا زمان ولا مكان، كالاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، ونحو ذلك.
الثانية: إذا كان الحديثُ الضعيفُ مُشَوِّقاً للعمل بما ثَبَتَتْ كيفيتُهُ بغيره من الروايات المقبولة، لكون الضعيف قد انفرد ببيان فَضْلِ وثوابِ هذا الفعل؛ فمعلوم أن التحفيزَ على هذا العمل، والمداومةَ عليه مع الحرص على نَيْل هذا القدر من الثواب؛ فإن ذلك لا يكون إلا فرْعا عن اعتقاد ثبوت هذا الثواب، وهذا الاعتقاد من المسائل التي لا يَسْتَقِلُّ الحديثُ الضعيفُ وحده بإثباتها، ويَشُقُّ كثيراً على النفْس -لاسيما في حق غير العلماء-الفصْلُ بين التحريِّ والمداومة على العمل لتحصيل الأجر المروي فيه بسندٍ ضعيفٍ، وبين اعتقاد عَدَمِ ثبوته!!!
الثالثة: هناك فَرْقٌ بين ما نحن فيه، وبين مُجَرّد الحكاية عن بني إسرائيل دون تصديقهم أو تكذيبهم؛ لأن أخبار بني إسرائيل ليست منسوبةً إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ومثلها لا يَسْبِقُ إلى القلبِ صِحَّتُهَا أو ثبوتُها، بخلاف الكلام المنسوب إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فإن كُلًّا مِنَّا يَشْعُر من نفسه، أنه لا يداوم على شيءٍ مَا مِنْ هذا الصنف بحرص ولَهْفَةٍ ملتمسًا ثوابًا من ورائه، ومتحريًا زمانه ومكانه، وعدده وهيئته، وهذا الثواب قد رُوِيَ من حديث ضعيف فقط؛ إلا وفي نفسه نوعُ اعتقادِ ثبوتٍ لهذا الثواب، و «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ»([161]).
الرابعة: وفي آخر كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- قال: «… ثم اعتقاد مُوجَبِهِ أو مُوجَدِهِ -وهي مقادير الثواب والعقاب- يتوقف على الدليل الشرعي» وفي كلامه هذا ما يدل على نوع تغايُر بين هذا وبين كلامه الذي قَرَّره في كَوْن الحديث الضعيف إنما يُستفاد منه في الترْجية والتخويف، أو التحفيز والترغيب والترهيب فقط، إذْ لا يكون ذلك كذلك إلا عن توقيف، أو حتى نَقِفَ على دليلٍ شرعي يُثْبِتُهُ، فتأمل.
ومن العجيب: أننا نرى إقْبالَ الناس على صلاة الرغائب، ولا يُقْبِلون على صلاة التراويح، بل بعضهم لا يُقْبِلُ على شهود الجماعة في الفرائض، كما نرى إقبالَ الناس على صيام يوم الإسراء والمعراج، والاحتفال بليلة أول جمعة من رجب، وإحياء ليلتي العيد؛ ولا نراهم يُحْيُون ما جاء في السنة، ولا شك أننا لا نستطيع أن نَفْصِل بين القواعد وواقع الناس، بل إذا كان الناس يسيئون استعمال القاعدة الصحيحة الثابتة بالأدلة الشرعية؛ فإن ذلك يَحْمِلُ أهلَ العلم على إضافة قيودٍ وشروطٍ لها، وربما تركوا العمل بها بالكلية دَفْعًا للمفسدة الكبرى، بل النَّصُّ القرآنيُّ أو النبويُّ الصحيحُ إذا كان العملُ به أو نَشْرُهُ سيُفْضِي إلى مفسدةٍ أكبر؛ فَيُتْرَك العملُ به عند من يسيئ فَهْمَهُ أو تنزيلَهُ، فما ظنكم بالقواعد التي هي اجتهاد بَشَرِيٌّ؟!
فنقول في تلك الحالة: وإن كانت هذه قاعدةً صحيحةً، لكن أخطأ الناس في تطبيقها والعمل بها؛ فما علينا إلا ترك العمل بها؛ لأن الشريعة جاءت بسدِّ الذرائع، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تَرَكَ بعض العمل بما يراه حَقًّا، وبما أُوحِيَ إليه به خشية أن يَفْهَمَ الناسُ أو بعضُهم الأمرَ على غير وَجْهِهِ، فإذا كان هذا هو الموقف الشرعي من النصوص التي قد يُسَاءُ فَهْمُهَا -مع مراعاة ضوابط ذلك- فكيف إذا كانت القاعدة التي هي من اجتهاد البشر قد يُساءُ فَهْمُهَا وتَطْبِيقُهَا؟ فلماذا نحرص على نَشْرِها بين الناس؟!
وإذا كان الحديث النبوي الصحيحُ المسند قدَ يَضُرُّ نَشْرُهُ في الناس بسبب سوء الفهم؛ فلا يُنْشرُ، أو لا يُذْكَر عند من يُسِيءُ الفهم؛ فكيف بالضعيف؟!
والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد قال لمعاذ-رضي الله عنه-: «لا تُبشِّرْهُمْ؛ فَيَتَّكِلُوا»([162])، وقال لأبي هريرة-رضي الله عنه-: «خَلِّهِمْ يَعْمَلون»([163])، وهذا مع الصحابة الذين كانوا سيروون حديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكانوا –رضي الله عنهم- في أفضل عَصْر من عُصور الزمان، وبين من هم أَعْمَقُ الناس فهمًا، وأطْهَرُهم قلْبًا، وأحْسَنُهم قصْدًا، فلما كان هناك من قد يُسيء فَهْمَ الأمر الثابت على غير وجهه الصحيح؛ حَذَّره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من أن يُبَلِّغهم بعض العلم الصحيح الذي أُوحِيَ إليه، فكيف نقول للناس اليوم: اروُوا الأحاديثَ الضعيفة، وانشروها في المجالس والمدارس، والمحافل والمساجد؛ لأن العلماء يروْن العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؟ ولا شك أن هذا سيؤول إلى نشر الأحاديث الضعيفة والواهية والمنكرة، بل والموضوعة الباطلة؛ لعدم قدرة الجماهير على التمييز بينها!!، فإذا كنت تَعْلَم أنهم سيُخطؤون في الفهم والتطبيق، وأنهم لن يقفوا عند الشروط والضوابط التي وضعها العلماء -لو سلمنا بصحتها-؛ فلا تَفْتَحْ عليهم هذا الباب!!
فأين قاعدة: سَدِّ الذرائع من هذا الواقع المرِّ؟ وأين قاعدة: درء المفاسد مُقَدَّمٌ على جلب المصالح ؟، وأين الحفاظ على الحديث النبوي، وإغلاقُ الباب في وجوه من يريدون نشْر بضاعتهم الخاسئة الخاسرة؟ وأين جواز كِتمان العلم للمصلحة؟ حتى وإن كان علْمًا صحيحًا؛ فما ظَنُّك بالضعيف والواهي والمنكر؟!!
فالعوامُّ وأشباه العوامِّ -وما أكثرهم أصلحهم الله- لم يُوَفِّ أحد منهم بهذه الشروط؛ فإننا نجد الواحد منهم يتكلم بالحديث الموضوع المشهور بأنه مكذوب على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فإذا قيل له: هذا الحديث موضوع، أو مختلقٌ مصنوع؛ فإنه يجيب عليك -وقد امتلأ غضبًا، كأنَّك ارْتَكَبْتَ منكراً حين نَصَحتَهُ- قائلاً: يجوز العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال!!! ولا يدري المسكين أنه حديثٌ موضوعٌ أصلاً، بل لا يدري ما الفرق بين الضعيف والموضوع -إلا من رحم الله- ولا يدرى باتِّفاق هؤلاء العلماء -الذين يزعم أنه مُتَّبعٌ لهم -على عدم رواية الموضوع إلا مقروناً ببيان حاله، بل قد يستدل بما كان كذلك في الأحكام أيضاً.
أَضِفْ إلى ذلك أن الأمر لم يَقْتصر على هؤلاء العوام؛ بل تعدَّى إلى بعض الحفّاظ والعلماء، مثل ابن الصلاح النووي والسيوطي وجماعة من العلماء -رحمهم الله تعالى جميعاً- فإنهم يُضَعِّفُون أحاديث قد اشتهر ضَعْفُها عند العلماء، ثم يُدرجونها تحت هذه القاعدة.
الشرط الثالث من شروط العمل بهذه القاعدة: ما ذَكَرَهُ الحافظ ابن حجر
-رحمه الله-وهو: ألا يُعْتَقَد عند العمل بالحديث الضعيف ثُبوتُهُ، وألا يُشْهِرَ ذلك؛ لئلا يُنْسَبَ إلى النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ما لم يَقُلْهُ.
حيث قال -رحمه الله-: «ولكن اشتهر أن أهل العلم يَتَسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل، وإن كان فيها ضَعْفٌ، ما لم تَكُنْ موضوعةً، وينبغي مع ذلك اشتراط: أن يَعْتَقِدَ العاملُ كَوْنَ ذلك الحديثِ ضعيفًا، وأن لا يُشْهِرَ ذلك؛ لئلا يَعْمَلَ المَرءُ بحديث ضعيف؛ فَيُشَرِّع ما ليس بِشَرْعٍ، أو يراه بعضُ الجهال؛ فيظن أنه سُنَّةٌ صحيحةٌ…، ولْيَحْذَرْ المرءُ من دخوله تحت قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِيِنَ» فكيف بمن عمل به !! ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام، أو في الفضائل؛ إِذ الكُلُ شَرْعٌ».([164])
والمراد من هذا الشرط: أن المرء لا يَعْتَقِد -وهو يعمل بهذا الحديث-صحتَهُ، أو حُسْنَهُ، بل يعتقد أنه ضعيف، وألا يُشْهِرَ عَمَلَهُ به، أي يعمل به في نفسه أو في بيته؛ كي لا يراه الجاهلُ؛ فيعتقد أنه سنةٌ من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-!!
هذا، مع أن هذا اعتقاد ضعف الحديث يُثبِّطُ المرءَ، ويُضْعِف هِمَّتَه عن المُضِيِّ في العمل به والمداومة عليه، فالناس لا يَمْضُون مُنْدَفِعِينَ في العمل بهذه الأحاديث، ويداومون عليها: مُراعِين تحرِّى الزمان والمكان والهيئة لفظًا وعددًا إلا لاعتقادهم أن الله –عز وجل- سيكتب لهم هذا الأجر الـمُرَتَّبَ على هذه الطاعات، وما اجتهادُ الناس «بصلاة الرغائب»، واتصالاتُهم ببعضهم في الليل؛ ليُذَكِّرَ بعضُهم بعضًا بالاجتهاد في «صلاة الرغائب»؛ إلا لأنهم يعتقدون ثبوت ذلك، فلو كانوا يعتقدون أن هذا الحديث ليس بثابت، وليس من كلام رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد يقع لهم هذا الثواب وقد لا يقع؛ لَمَا عَمِلُوا به، ولما كَلّفُوا أَنْفُسَهم بَذْلَ هذه الجهود!!!
ومن جهة أخرى: فَمَنْ هُمْ هؤلاء الذين لا يعتقدون في الواقع عند العمل بالحديث ثبوتَ هذا الحديث؟ إنهم بعض العلماء، الذين يعرفون عَدَمَ ثُبُوتِهِ، وحالَ راويه، وكَمْ هُمْ هؤلاء العلماء في الأمة بالنسبة للعوام والجماهير والجحافل الذين يأخذون بهذه القاعدة دون خطامٍ أو زمامٍ، كَمْ نسبةُ هؤلاء العلماء فيهم؟ فهذا الشرط لا يكاد يتحقق في الواقع أيضًا!!!
واشْتِرَاطُ الحافظ -رحمه الله-: ألا يُشْهِرَ العاملُ به عملَهُ؛ حتى لا يراه أحد؛ فيظنَّ ثبوت الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما يَعْمَلُ به سِرَّاً حيث لا يراه أحدٌ، فهل هذا واقع الناس اليوم أو قبل ذلك بكثير؟ وكيف تتم هذه السِّرِّية والعلماء الذين يرون العمل بهذه القاعدة يُدَوِّنُونهَا في الكتب، ويذكرون أدلتها، ويدَّعون الاتباع في العمل بها لجماهير السلف، بل بعضهم أو كثيرٌ منهم يَدَّعِي الإجماع على ذلك ؟ ثم كيف يُخْفِي العاملُ عملَهُ، وأهلُ بَيْتِهِ يَرَوْنَهُ ؟ وإذا كان يعتقد أنه في خير؛ فلماذا يَحْرِمُ أهْلَهُ والمسلمين منه؟ وهذا يدل على أن العلماء الذين يرون صحة هذه القاعدة يخافون من وقوع الناس في المحظور؛ ولذا أضافوا هذه الشروط – وإن كانت غير عملية ولا واقعية- ومع ذلك لم يُجْدِ ذلك شيئًا، فالناس يعملون بذلك أمام: وسائل الإعلام، وفي المساجد، والموالد التي يجتمع لها الناس من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ!!!
وهذا الشرط الذي ذكره الحافظ -رحمه الله- سيأتي بعد هذا من عزوه إيَّاه إلى ابن عبد السلام، وابن دقيق العيد -رحمهما الله- وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى-.
الشرط الرابع: وهو بمعنى الشرط الثالث وفيه- ألا يُظْهِرَ العَامِلُ العَمَلَ به، أو يَدْعُوَ إلى العمل به؛ حتى لا يُظَنَّ ثُبوتُهُ، بل يَعْتَقِدَ الاحتياطَ.
نسبه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- إلى العِزِّ بن عبد السلام، وابن دقيق العيد-رحمهما الله تعالى- كما في «التقريب».
قال السيوطي -رحمه الله- وهو يَذْكُر شروطَ العمل بالحديث الضعيف نقلاً عن الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُعْتَقَدَ عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ ثُبُوتُهُ، بَلْ يُعْتَقَدُ الِاحْتِيَاطُ، وَقَالَ: هَذَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ»([165]).
وهذا معناه: أن الذي يَعْمَلُ بالحديث الضعيف، إن كان من أهل العلم، وكان قدوةً للناس، والناسُ إذا رأوه يعمل عملا فإنهم سيقتدون به؛ فلا يَعْمل هذا العملَ الذي يدل علي فضله وعظيم أجره الحديثُ الضعيفُ أمامَ الناسِ؛ إنما يَعْمَلُ به وحده؛ حتى لا يَراهُ الناس؛ فيقْتدوا به، وتنتشر بذلك الأحاديثُ الضعيفةُ في الأمة، وذلك لأنه -رحمه الله- يَعْلَم أن العاميَّ إذا رأى العالمَ يَعْمَلُ بهذا الحديث؛ فإنه سيعتقد ثُبُوتَهُ، بل صِحًّتَهُ!!.
وكلامه هنا يشير إلى الحذر من كون الحديث الضعيف يسْتقلُّ بإثبات عَمَلٍ مستحبٍ، أَسَاسُهُ لم يَثْبُت بدليلٍ صحيحٍ أو حسنٍ، لذلك اشترط العلماء عدمَ اشتهاره، واعتقادَ الاحتياطِ، أما العمل إذا كان أصله ثابتًا بدليل صحيح أو حسنٍ -وهو قول الشاطبي وشيخ الإسلام- واشتهر العمل به؛ فلا إشكال، ولا خوف على العامة إذاً لأن اعتقادَه العالم العامل به تحصيلَ الثواب الذي استقلَّ به الحديثُ الضعيفُ أَمرٌ فيما بينه وبين ربه –عز وجل-ولا يُظهِره أصْلاً، فكيف يُطلب منه عدم إشهاره بين العوام؟! إنما يكون هذا في العمل بالحديث الضعيف الذي لم يثبت أصل متنه بحديث صحيح أو حسن، وهذا بخلاف ما سبق من كلام الشاطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله تعالى-.
فائدة: في بيان الواقعِ المشاهَدِ في تطبيق هذه الشروط، لا سيما عند عوامِّ المسلمين:
والسؤال الآن: إذا كان هذا هو واقع عوامِّ المسلمين وأَشْبَاه العوام في كل عَصْر!! أنهم يقتدون بمن يعتقدون فَضْلَهم وعِلْمَهم؟ فلماذا نفتح عليهم هذا الباب، ثم نقول لعلمائهم: احْذروا أن تعملوا بهذا أمام العوام، ولكن اعملوه سرَّاً فيما بينكم وبين الله -عز وجل-؟!!
ثم من هو الذي تمسَّك بهذا الشرط منهم، أو تقيَّد به؟ أليس العلماء الذين يرون صحة هذه القاعدة قد دوّنوا ذلك في كتبهم، وعلّموها طلابهم، وأفتوْا بها غيرهم؟، فمن الذي يأمن على الناس أن تزلّ أقدامهم بهذه القاعدة، فتنتشر هذه الأحاديثُ الواهيةُ والمنكرةُ، التي زاحمتْ الأحاديثَ الصحيحةَ الثابتةَ -كما هو الحاصل-؟ وهذه الكتب قد طُبعتْ ونُشرتْ في الآفاق منذ سنوات عدة، فكيف يتحقق شرط عدم إظهار العمل بهذه الأحاديث، أو ترك العمل بها أمام العوام؛ كي لا يقتدوا بالفاعل لذلك ويعتقدوا أنها سنَّةٌ من سنن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وليس لها أصلٌ صحيحٌ أو حسن؟!
ولو سألنا القائلين بهذه القاعدة، والمشترطين لها هذه الشروط:
لماذا تقولون بهذه القاعدة أصلاً، ثم تُضَيّقون على العاملين بهذه الشروط؟ لقالوا: نحن نريد أن نُشَجِّع الناس على أن يَعْمَلوا بحديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-الصحيحِ الثابتِ الذي دلَّ على أَجْرِ فَاعِلِهِ الحديثُ الضعيف، – هذا على قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ومن قال بقوله، فيقال لهم: كيف تشجعون الناس على العمل بهذا الحديث، وأنتم تقولون للعلماء العاملين به: اخْفُوا العملَ بهذا الحديث، ولا تُظهروا هذا العمل؛ كي لا يُقْتَدَى بكم في ذلك؟!!
الشرط الخامس: ألا يُعارِضَهُ ما هو أَقْوَى مِنْهُ.
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-: «وَمَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَنْتَهِي إلَى الصِّحَّةِ، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا؛ عُمِلَ بِهِ إنْ لَمْ يُعَارِضْهُ صَحِيحٌ أَقْوَى مِنْهُ، وَكَانَتْ مَرْتَبَتُهُ نَاقِصَةً عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، أَعْنِي الصَّحِيحَ الَّذِي لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُؤَكَّدْ اللَّفْظُ فِي طَلَبِهِ»([166]).
وقال الزركشي -رحمه الله-: «مَا ذكره -أي ابن الصلاح -رحمه الله- من عدم الْعَمَل بالضعيف فِي الْأَحْكَام؛ يَنْبَغِي أَن يُسْتَثْنى مِنْهُ صُوَر:
أَحدهَا: أَلا يُوجد سواهُ، وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ أَن الشَّافِعِي احْتج بالمرسل إِذا لم يُوجَدْ دلَالَةٌ سواهُ، وَقِيَاسه فِي غَيره: وَمن الضَّعِيف كَذَلِك، وَقد نُقِلَ عَن الإِمَام أَحْمد أَنه يَعْمَل ُبالضعيف إِذا لم يُوجَدْ فِي الْبَاب غَيره، وَلم يَكُنْ ثَمَّ مَا يُعَارضهُ»([167])
قلت: وهذا أمرٌ معلوم، ولعل مَنْ ذَكَرَهُ إنما ذكره من باب التأكيد، وإلا فإن الحديث الصحيح لو عارَضَهُ حديثٌ أَقْوى منه معارضةً تمنع الجَمْعَ بينهما؛ لرُجِّحَ الأقوى على القوي، فكيف إذا كان المعارَضُ ضعيفًا؟ وقولُهم: ألا يُعارضه ما هو أقوى منه: يشمل الصحيح، والحسن، والضعيف ضعفًا أَقَلَّ منه.
هذا، وينبغي أن يُعْلَم أن مِن العلماء القائلين بهذه القاعدة مَنْ قد صرحوا بأنه لا يُحْتَاج إلى ذِكْر حال الحديث الضعيف عند العمل به، أو عند تعليم الناس إياه، ويقولون: ارْوِ الحديثَ الضعيفَ -غير الموضوع- في فضائل الأعمال، ولا يلزم أن تُبَيِّنَ ضَعْفَهُ.
قال الإمام النووي -رحمه الله-: «وَيَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمُ التَّسَاهُلُ فِي الْأَسَانِيدِ، وَرِوَايَةُ مَا سِوَى الْمَوْضُوعِ مِنَ الضَّعِيفِ، وَالْعَمَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ ضَعْفِهِ، فِي غَيْرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَحْكَامِ، كَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ»([168]).
وقال الحافظ العراقي -رحمه الله-: «وأمّا غيرُ الموضوعِ فجوّزوا التساهُل في إسنادِهِ وروايتِهِ من غيرِ بيانٍ لضَعْفِهِ إذا كانَ في غيرِ الأحكامِ والعقائدِ، بلْ في الترغيبِ والترهيبِ: من المواعظِ، والقصصِ، وفضائلِ الأعمالِ، ونحوِها، أما إذا كانَ في الأحكامِ الشرعيةِ من الحلالِ والحرامِ وغيرِهما، أو في العقائدِ: كصفاتِ اللهِ تَعَالَى، وما يجوزُ ويستحيلُ عَلَيْهِ، ونحوِ ذلكَ؛ فَلَمْ يَرَوا التساهلَ في ذَلِكَ، وممَّنْ نصَّ عَلَى ذَلِكَ من الأئمةِ: عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وعبدُ اللهِ بنُ المباركِ، وغيرُهُمْ»!!!([169])
قلت: فلو قالوا: وعليك أن تبين ضعف الضعيف أيضًا؛ لهانَ الخطْبُ؛ مع أن العوام -إلا من رحم الله-مهما قُلْتَ لهم: هذا حديث موضوع -فضلا عن ضعيف- لحَكَوْا عنك أنهم سمعوك تُصحِّح هذا الحديث، وتُحَدِّثُ به؛ أو ذَكَرتَهُ في خطبة الجمعة، أو العيدين، أو نحو ذلك، أما ومن قالوا بهذه القاعدة فمنهم من يقول: لا حاجة لبيان الضعف، وخلِّ بين الناس والعملِ به؛ فهذا الأمر فيه خطورة بالغة، وهي: اشتهارُ نِسْبَةِ هذا الحديثِ إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-!! فيا سبحان الله! كم تَعْمل -بل عَمِلَتْ وأَثْخَنَتْ-هذه القاعدة في جهود العلماء الذين كان الواحد منهم يتحرى ويتوقف في حديث الرجل إذا دلّس عدة مرات، ويتوقف في عشرات من حديثه -بل في المئات من حديثه-، إذا رواه بصيغة محتملة للسماع، وليست صريحة فيه، كقوله: «عن فلان»؟ وكم كان العالم من علماء الحديث يرحل الأيام والليالي ليسأل من هو أعلم منه عن لفظة واحدة في الحديث، أو عن علة في روايةٍ ظاهرةِ الصحة؟ وكم عُقِدَتْ مجالس المذاكرة والمناظرة والاختبارات بين العلماء؛ ليُعرف قُوةُ وسَعَةُ حَافِظَتِهم، ودِقَّةُ نَظْرَتِهم وعِلْمِهم بالرواية والدراية؟ وقد كانوا يعرفون السَّنَةَ التي اختلط فيها الراوي فلان، وكيفيةَ أَخْذِ تلامذته عنه، هل حصل هذا بعد مرضه، أو قبل ذلك؟ وكانوا يَتَحَرَّوْن كيفيةَ أَخْذِ فلانٍ للحديث من شيوخه، وغير ذلك مما لا يخفى من جهودهم التي ملأت السَّهْلَ والجَبَلَ، والتي نَعِمَتْ وتَنْعَم بها الأمة، وستنعم بها إلى قيام الساعة – إن شاء الله تعالى-، ثم دخلتْ هذه القاعدة على عدد من علمائنا –رحمهم الله تعالى-، وغفر لهم، وتقبَّل منهم دفاعهم عن السنة- ووضعوا لها ضوابطَ وشروطًا خشيةَ استعمالِها في غير بابها، ومع ذلك فقد فَعَلَتْ بجهودهم الأفاعيل!!
ولا يَرِدُ على ذلك أن يُقال: هذه قاعدةٌ قد قال بها العلماء؛ لأن هذه القاعدة لم يُجْمِع عليها العلماء، ولم يُتَّفَقْ عليها، وإذا كانت لم يُتَّفَقْ عليها؛ فلابد من الترجيح، وإذا فَزَعْنَا إلى الترجيح؛ فقد سبق أن الحديثَ الصحيحَ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الثابتَ عنه، بل المتفق عليه إذا كان سيُفْهَمُ خطأً، وعلى غير وجهه الصحيح؛ فلا يُرْوى عند الناس، لحديث: «لا تُبَشِّرْهم؛ فَيَتَّكِلُوا»([170])، وحديث: «خَلِّهمْ يَعْمَلُون يا أبا هريرة»([171])، وبَوَّب على ذلك العلماء: باب جواز كتمان العلم للمصلحة([172])، فهذا حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد هَمَّ معاذ–رضي الله عنه- أن يحدِّث به الصحابة، الذين هم أَفْقَهُ الأُمَّةِ، وأَعْمَقُهَا فَهْمَاً، وأبرُّها أفئدةً، ومع ذلك خَشِي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يَفْهَم الناسُ -أو بعضُهم- بعضَ ما قال خطأً؛ فنهاه عن التبليغ لِمَا قال في ذلك المجلس، ومن أهل العلم من يُدافع عن معاذ –رضي الله عنه-أو يلتمس له العذر عندما أخبر بما نهاه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن رواية الحديث لمن وراءه، فأخبر بذلك عند موته تَأَثّمًا، فقال: «إنما رأى معاذ أن نَشْر العلم في هذه الحالة التي هو مُشْرِفٌ فيها على الموت، وسيموت معه هذا الحديث؛ فرأى أن مصلحة نَشْرِ العلم خير من كتمانه، لاسيما وقد كان ذلك في زمنٍ عُرفتْ فيه الأحكام، وقَوِيَ فيه أَمْرُ الإسلام، ولم يَعُدْ هنالك من قد يَفْهَمُ الأَمْرَ على غير وجهه، أو أن هذا الصنف قد قلَّ في الناس([173])، وهذا الاعتذار لا بأس به، سواءً كان قويًا مقبولًا، أو فيه شيءٌ من النظر باعتبار أن أبا هريرة متأخر الإسلام، وأن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أيضًا قال له: «خَلِّهِمْ» ومنعه من تبشيرهم بعد إذنه له في التبشير، وإن كنتُ أميل إلى صحة ما وقع من معاذ -رضي الله عنه- لما سبق، ويدل على ذلك إخراج صاحبي «الصحيح» الحديث، وعدم إنكار الأمة على معاذ وأبي هريرة –رضي الله عنهما- روايةَ الحديثين، ولا أنكر العلماء على البخاري ومسلم إخراج الحديثين عنهما، فحديث معاذ–رضي الله عنه- متفق عليه، وحديث أبي هريرة–رضي الله عنه- انفرد به مسلم
-رحمه الله-.
ومن العلماء أو الصحابة -رضي الله عنهم- من قد أنكر على أنس
–رضي الله عنه- عندما حَدَّث الحجاجَ بأحاديث العُرَنِيِّين([174])، كما أن من السلف من قالوا: لا تُرْوَى أحاديثُ الصفات أمام العوام، الذين لا يُحْسِنُونَ فَهْمَهَا، أو يَفْهَمُونَ من ذلك التجسيم أو التشبيه، أو نحو ذلك، وهذه بعض النقول عن الأئمة في هذا المعنى:
قال القاضي عياض-رحمه الله -: «وكره مالك أن يُحَدَّثَ بها -يعني أحاديث الصفات- عوامُّ الناس الذين لا يَعْرِفُونَ وجْهَهُ، ولا تَبْلُغُهُ عُقُولُهم، فَيُنْكِرُوُه، أو يَضَعُوه في غير موضعه»([175]).
وقال أيضاً -رحمه الله-: «وَكَذَلِك مَا وَرَد من أخْبَارِه وأخْبَار سَائِر الْأَنْبِيَاء -عليهم السلام- فِي الْأَحَادِيث مِمَّا فِي ظَاهِرِه إشْكالٌ يَقْتَضِي أُمُورًا لَا تَلِيق بِهِم بِحَالٍ، وَتَحْتَاج إِلَى تأويلٍ وَتَرَدُّدِ احْتمالِ؛ فَلَا يَجِب أن يُتَحَدّث مِنْهَا إلا بالصحيح، وَلَا يُرْوَى مِنْهَا إلَّا المَعْلُومُ الثّابِتُ، وَرَحِم اللَّه مَالكًا: فلقد كَرَه التَّحَدُّث بمِثْل ذَلِك مِن الْأَحَادِيث المُوهِمَة لِلتَّشْبيه، وَالمُشْكِلة الْمَعْنَى، وَقَال: مَا يَدْعُو النَّاسَ إِلَى التَّحَدُّث بِمِثْل هَذَا؟ فَقِيل لَه: إنّ ابن عَجْلان يُحَدِّثُ بِهَا، فَقَال: لَم يَكُن مِن الفُقَهَاء، وَلَيْتَ النَّاسَ وَافَقُوه عَلَى تَرْك الْحَدِيث بِهَا، وَسَاعَدوه عَلَى طَيّهَا، فأكْثَرُهَا ليس تحته عَمَل، وَقَد حُكِي عَن جَمَاعَة مِن السَّلَف؛- بَل عَنْهُم عَلَى الْجُمْلَة-: أَنَّهُم كَانُوا يَكْرَهُون الْكَلَام فِيمَا لَيْس تَحْتَه عَمَل، وَالنَّبِيّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أوْرَدَهَا عَلَى قْومٍ عَرَبٍ يَفْهَمون كَلَام الْعَرَب عَلَى وَجْهِه، وَتَصَرفَاتِهِم فِي حَقِيقَتِه، وَمَجَازِه، وَاسْتِعَارَتِه، وَبَلِيغِه، وَإيجَازِه، فَلَم تَكُن فِي حَقِّهِم مُشْكِلَةٌ، ثُمّ جاء من غَلَبَتْ عَلَيْه العُجْمَةُ، وَدَاخَلَتْه الْأُمّيَّةُ، فَلَا يَكاد يَفْهَم من مَقَاصِد الْعَرَب إلَّا نَصَّها، وَصَرِيحَهَا، وَلَا يَتَحَقَّق إشَارَاتِهَا إِلَى غَرَض الإيجَاز، وَوَحْيَهَا وَتَبْلِيغَهَا وَتَلْويحَهَا؛ فَتَفَرّقُوا فِي تأويلهَا، أَو حَمْلِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا شَذَرَ مَذَرَ؛ فمنهم من آمَن بِه، وَمِنْهُم من كَفَر، فَأَمَّا مَا لَا يَصِحّ من هَذِه الْأَحَادِيث؛ فَوَاجِبٌ أن لَا يُذْكَرَ مِنْهَا شيءٌ فِي حَقّ اللَّه، وَلَا فِي حَقّ أنْبِيَائِه، وَلَا يُتَحَدّثَ بِهَا، وَلَا يُتَكَلَّفَ الْكَلَامُ عَلَى مَعَانِيهَا، وَالصَّوَابُ طَرْحُهَا، وَتَرْكُ الشُّغْل بِهَا، إلَّا أن تُذْكَر عَلَى وَجْه التّعْرِيف بِأنَّهَا ضَعِيفَةُ الْمَقَادِ، وَاهِيَةُ الإِسْنَادِ»([176]).
وبوَّب البخاري في «صحيحه» – (باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا).
وأخرج حديث على –رضي الله عنه-: وَقَالَ عَلِيٌّ: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ».
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِه لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَر عِنْد الْعَامَّة»، وَمِثْلُهُ قَوْلُ اِبْن مَسْعُود: «مَا أَنْتَ مُحَدِّثًا قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغهُ عُقُولهمْ؛ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَة» رَوَاهُ مُسْلِم.
وَمِمَّنْ كَرِهَ التَّحْدِيث بِبَعْضٍ دُون بَعْضٍ: أَحْمَدُ فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهِرهَا الْخُرُوجُ عَلَى السُّلْطَان، وَمَالِكٌ فِي أَحَادِيث الصِّفَاتِ، وَأَبُو يُوسُف فِي الْغَرَائِب، وَمِنْ قَبْلهمْ أَبُو هُرَيْرَة، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْجِرَابَيْنِ، وَأَنَّ الْمُرَاد مَا يَقَع مِنْ الْفِتَن وَنَحْوه عَنْ حُذَيْفَة، وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُ أَنْكَرَ تَحْدِيث أَنَس لِلْحَجَّاجِ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ؛ لِأَنَّهُ اِتَّخَذَهَا وَسِيلَة إِلَى مَا كَانَ يَعْتَمِدهُ مِنْ الْمُبَالَغَة فِي سَفْك الدِّمَاء بِتَأْوِيلِهِ الْوَاهِي، وَضَابِطُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُون ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُقَوِّي الْبِدْعَة، وَظَاهِرُهُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مُرَادٍ؛ فَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ عِنْد مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِظَاهِرِهِ مَطْلُوبٌ، وَاَللَّه أَعْلَم»([177]).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-: «في هذا الحديث من الفقه؛ أن العالم ينبغي أن يُرَبِّيَ الناسَ بالعلم تربيةً، ويُغَذِّيَهم إياه تَغْذِيةً، فيُرَبِّيَهُم بِصغَارِ العِلْم قبل كِبارِهِ، فيكونَ رَبَّانِيًّا، كما جاء في الحديث الآخر، ويوضحُ ذلك: أن الطِفْلَ لما كانتْ مِعْدَتُه لا تَقْوَى على هَضْمِ الأطعمة الغليظة؛ يَسَّرَ اللهُ له رِزْقَه من ثَدْي أُمِّه مدةً طويلةً، يَتَدَرَّجُ فيها إلى تناوِلِهِ الأغذيةَ الباقيةَ على جِهَتِهَا؛ فإن اللبن قد كان غذاءً، ثم انقلب لبنًا، فصار على نَحْو الشيءِ الْمُصَاعِدِ، فهو من أَلْطَفِ الأغذية، فإذا قَوِيَتْ مِعْدَةُ الطِّفلِ؛ غُذِّيَ بالأغذيةِ القويةِ، فكذلك يَنْبَغِي للعالم أن يَرفُقَ بالناس في التعليم؛ فلا يُعَرِّضُ عُقُولَهُم لسماع ما تُنْكِرُه من قَبْلِ أن يَتَيقَّنَ قوةَ عقولِهم لدفع الشُّبْهة، وقبولِ الحُجَّةِ، والكُفْرِ بالطاغوتِ، والإيمانِ باللهِ؛ وإلا عرَّضَهُم للتكذيب، كما قال علي -رضي الله عنه-«أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟»([178]).
وقال الشاطبي -رحمه الله-: «مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ: لَا تُعَلَّمُ الْغَرَائِبُ إِلَّا بَعْدَ إِحْكَامِ الْأُصُولِ، وَإِلَّا دَخَلَتِ الْفِتْنَةُ.
وَقَدْ قَالُوا فِي الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ: إِنَّهُ الَّذِي يُرَبِّي بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ شَاهِدُهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَشْهُورٌ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ، فَقَالَ: بَابُ: (مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا).
ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه-: أَنَّهُ قَالَ: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟».
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ مُعَاذٍ -رضي الله عنه- الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ إِلَّا عِنْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِمَا خَشِيَ مِنْ تَنْزِيلِهِ غَيْرَ مَنْزِلَتِهِ، وَعَلَّمَهُ مُعَاذًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ؛ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً».
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ -رحمه الله-: وَذَلِكَ أَنْ يَتَأَوَّلُوهُ غَيْرَ تَأْوِيلِهِ، وَيَحْمِلُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ.
وَخَرَّجَ شُعْبَةُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ فِي عِلْمِكَ حَقًّا، كَمَا أَنَّ عَلَيْكَ فِي مَالِكِ حَقًّا، لَا تُحَدِّثْ بِالْعِلْمِ غَيْرَ أَهْلِهِ؛ فَتَجْهَلَ، وَلَا تَمْنَعِ الْعِلْمَ أَهْلَهُ؛ فَتَأْثَمَ، وَلَا تُحَدِّثْ بِالْحِكْمَةِ عِنْدَ السُّفَهَاءِ؛ فَيُكَذِّبُوكَ، وَلَا تُحَدِّثْ بِالْبَاطِلِ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ؛ فَيَمْقَتُوكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْمَعْنَى فِي كُتُبِهِمْ، وَبَسَطُوهُ بَسْطًا شَافِيًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَنَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ لَا يُقَدِّرُ قَدَرَ هَذَا الْمَوْضِعِ يَزِلُّ فِيهِ، فَيُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»([179]).
قلت: كل هذا من باب الحِفَاظِ على هذا الدين؛ كي لا يَدْخُلَ فيه ما ليس منه بالفهم الخاطئ، ومن باب الحِفَاظِ على جهود المحدثين في حراستهم حديثَ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكيف يُقال بعد ذلك: حَدِّثْ بالحديث الضعيف، وارْوِهِ للناس، واعْمَلْ به، ولا تُبَيِّنْ لهم ضَعْفَهُ، لأنه في باب الفضائل ونحوها؟
وأي مفسدةٍ أكبر من اعتقاد ثواب بصورة مُفَصَّلةٍ، وليس لذلك أصل يُعْتَمَدُ عليه؟ وأي مفسدة أكبر من اشتهار ذلك بين العامة دون تمييزٍ! ومن إقبال العامة على البدع والمُحْدَثَات التي أخذوها من الأحاديث الضعيفة والواهية والمنكرة؛ ظنَّاً منهم أنها صحيحة؟ وأي مفسدةٍ أكبر من الإتيان على قواعد المحدثين بالإهدار؟ أو من مزاحمة النوافل الثابتة بالنوافل المبتدعة والعديد من الأذكار؟!
رَدُّ قول من قال: إذا كان الحديث الضعيف مندرجاً تحت أصلٍ عامٍ، أو كان في معناه حديثٌ صحيح؛ فإن العمل حينذاك يكون بالحديث الصحيح لا بالضعيف!!
قلت: إن القول بأن العمل في هذه الحالة ليس بالحديث الضعيف، إنما هو بالحديث الصحيح فيه نظر؛ لأن عندنا أمرين:
الأول: وهو هيئة العبادة، وصِفَتُها، وكيفيتها، مع مراعاة الزمان والمكان، وهذا الأمر -على قول شيخ الإسلام- لا يُؤْخَذ إلا من الحديث الصحيح لا الضعيف، ولا إشكال في هذا، والأمر كما قالوا -بعد غَضِّ الطَّرْفِ عما يُمْكِن أن يُعْتَرَضَ به- إذا لم يكن في الضعيف زيادة في الهيئة، أو توقيت بزمان أو مكان.
الثاني: وهو التحفيز والتشويق للقيام بالعمل، فإذا قرأ المرءُ الحديثَ الضعيف، وفيه: أن مَنْ فَعَل كذا؛ فُتِحَتْ له أبواب السماء، ومَنْ فَعَل كذا؛ كان له من الأجر كذا وكذا ألف حسنة، أو يُحَطُّ عنه كذا وكذا ألف خطيئة، أو يُرْفَعُ كذا وكذا ألف درجةَ… إلى غير ذلك، قالوا: فهذا الأَجْرُ المَرْوِيُّ في هذا الحديث الضعيف سيُرغِّبُه في العمل به، لكن كيف يرغّبه في العمل به، دون اعتقادِ ثُبُوته؟ بل مع اعتقادِ ضعفِهِ، وكتمانِ العملِ بهِ، وعدمِ إظهارِهِ، -كما يقول بعض القائلين بهذه القاعدة- سيزهد الناس بالتمسك بهذا الضعيف!!
وأيضاً: فهناك عَمَلٌ آخَرُ، وهو عَمَلُ القلب، وانشراحُه للعمل الظاهر وحِرْصُه عليه، فنحن لا نُسَلِّم بأن العمل-في هذه الحالة- إنما هو عملٌ بالحديث الصحيح فقط، بل للحديث الضعيف أثرٌ ومشاركةٌ في العمل به، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، سواء كانت في جهة الرجاء أو الخوف، أو في جهة الإقبال على العمل، أو الإدبار عنه، ومجرد التحفيز على العمل، أو التنفير منه؛ عملٌ أيضًا، فلا نسَلِّم بأن العمل في هذه الحالة إنما هو بالصحيح فقط، وإن كان هذا التفسير الذي ذكره شيخ الإسلام والشاطبي -رحمهما الله-قد خَفَّفَ كثيراً -لو راعاه القائلون بهذه القاعدة – من الخطر الوارد على الحديث النبوي من تفسير جماعة آخرين من العلماء لمعنى الاندراج تحت الأصل العام.
فإن قيل: لقد قال بهذه القاعدة أو سهَّل فيها جمهورُ العلماء -كما سبق ذِكْرُهُ-، بل هناك من ادَّعى الإجماع، أو الاتفاق على ذلك؟!.
فالجواب: لا نُسَلِّمُ بدعوى الإجماع أو الاتفاق على العمل بهذه القاعدة، وقد سبق من كلام الشاطبي -رحمه الله- أن العبرة بالدليل لا بمجرد الأقاويل، وطالما أن في المسألة خلافًا؛ فالترجيح مُتَعَيَّنٌ، والراجحُ خلافُ ما عليه الجمهور، وكم من قول للجمهور، وكان الراجِحُ خِلَافَهُ.
قلت: فالأمر كما قال الشاطبي -رحمه الله-: الأحكام خمسةٌ، ومن جملتها، الاستحبابُ، والكراهةُ، والإباحةُ، والقائلون بهذه القاعدة يطلقون هذه الأحكام على ما تضمنتها الأحاديثُ الضعيفةُ من أعمال، ثم هل المغازي والقصصُ والحكاياتُ، لا يتعلق بها حُكْمٌ، وكثيرٌ من الأحكام ترجع إليها؟ وهل التفسير لا يتعلق به حُكْمٌ، ومعلوم أن كثيرا من ذلك تنبني عليه أحكام أيضًا؟!!
وقد ساق البيهقيُّ -رحمه الله- بسندِهِ في «دلائل النبوة» إلى ابن مهدي بنحو ما سبق في الكلام على المراد بباب الفضائل، وساق سنده إلى القطان
-رحمه الله- قال: «تساهَلُوا في التفسير عن قومٍ لا يُوَثِّقونهم في الحديث».
وقال البيهقي -رحمه الله-: «إنما تَسَاهَلُوا في أَخْذِ التفسير عنهم؛ لأن ما فَسَّرُوا به ألفَاظَه تَشْهَدُ لهم به لغاتُ العرب، وإنما عَمَلُهُم في ذلك الجَمْعُ والتقريبُ فقط»([180]).
والظاهر من كلام البيهقي -رحمه الله- هذا أنه يقول: ليس العملُ حينئذٍ بالضعيف، إنما العمل بالقرائن الأخرى، فإن هذا الضعيفَ لم يُعْمَلْ به استقلالاً، إنما عُمِلَ به لأن له شواهد تشهد له في العربية أو نحو ذلك، بل ظاهر القرآن يشهد له.
بيانُ حِرْصِ أهل الحديث على النصِّ النبوي، وأنهم يكتُبون الحديث الضعيف للتَّحْذِير منه، لا للعَمَل به:
ومما يدل على حِرْصِ المحدثين وحمايتهم للحديث النبوي من أن يَدْخُل فيه ما ليس منه: ما أخرج ابن حبان في «المجروحين»، قال: رَأَى أحمدُ ابنُ حنبل -رحمه الله- يحيى بنَ معين في زاويةٍ بِصَنْعَاء، وهو يَكْتُبُ صَحِيفةَ مَعْمَرٍ عن أَبَانَ عن أنسٍ، فإذا اطَّلَعَ عليه إنسانُ كَتَمَهُ، -أي أَخْفَاهُ منه- فقال أحمدُ بنُ حنبل -رحمه الله- له: تَكْتُبُ صَحِيفةَ مَعْمَرٍ عن أَبَانَ عن أنسٍ، وتَعْلَمُ أنَّها مَوْضُوعةٌ؟ فلو قال لك القائل: أنت تَتَكَلَّمُ في أَبَانَ، ثم تَكْتُبُ حَدِيثَهُ على الوَجْهِ؟ قال: «رَحِمَكَ الله يا أبا عبد الله، أَكْتُبُ هذه الصَّحِيفَةَ عن عبد الرزاق عن معمر عن أبانَ عن أنس، وأَحْفَظُهَا كُلَّها، وأَعْلَمُ أنَّها موضوعةٌ؛ حتى لا يَجِيءَ إنسانٌ، فَيَجْعَلَ بَدَلَ «أَبَان» «ثابتا»، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كَذَبْتَ، إنما هي: «أبان» لا «ثابت»!!([181])
قلتُ: وهذا يدل على أن الأئمة كانوا يَكْتبون حديث الضعفاء الساقطين للمعرفة والتحذير منه، لا للرواية والعمل به، وصَحِيفَةُ مَعْمَرٍ فيها أحاديثُ في الأحكام والفضائل، والله أعلم.
فإن قيل: أبان متروك؛ فالجواب أن كثيرًا من القائلين بهذه القاعدة يُمَشُّون -من حيث الواقع- حديثَ المتروكين بل الوضاعين، وإنْ نصُّوا على خلاف ذلك في الموضوع؛ فإنَّ واقِعَهم وواقع من يتبعهم بخلاف ذلك!!.
وكذلك أخرج ابن عبد البر -رحمه الله-: عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قال: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكْتُبَ الْحَدِيثَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: حَدِيثٌ أَكْتُبُهُ أُرِيدُ أَنْ أَتَّخِذَهُ دِينًا، وَحَدِيثُ رَجُلٍ أَكْتُبُهُ فَأُوقِفُهُ: لَا أَطْرَحُهُ وَلَا أَدِينُ بِهِ، وَحَدِيثُ رَجُلٍ ضَعِيفٍ أُحِبُّ أَنْ أَعْرِفَهُ، وَلَا أَعْبَأَ بِهِ»([182]).
والمراد بذلك: أن يكتب حديث الثقات للعمل بما فيه والتَّدَينِ به، وحديث أهل اللِّين وسوء الحفظ، لا للعمل به، ولكن إن وَجَدَ له عاضدًا؛ اعْتَمَدَهُ، وإلا فلا، ويكتب حديث أهل الوهاء والترك والتهمة والكذب؛ لِيَعْرِفَهُ ويُحذِّرَ منه، فإذا جاء راوٍ ضعيفٍ أو مُتَّهم وأَبْدل هذا المتروك بثقةٍ غيره: إما وهمًا وتخليطًا، أو عمْدًا وكذبًا؛ ردَّ عليه، وقال: هو من حديث فلانٍ المتروك، لا من حديث فلانٍ الثقة، فيكتبه لهذا، وإلا فهو لا يعبأ به أصلًا!!
وكثير من العاملين بهذه القاعدة يروون أحاديث الصِّنفيْن الأخيرين دون مبالاةٍ، بل يعملون بِمُوجَبها، ويَدْعُونَ الناسَ إلى ذلك، وينكرون على من أنكر عليهم، ويُسْتَثْنَى من هذا الإطلاق بعضُ العلماء الذين أخرجوا الموضوعَ من جملة ما يُرْوَى، واشترطوا عدمَ إشهارِ ذلك، لكن الواقعَ شيئٌ آخر، فقد وقع كل ما كانوا يَحْذَرُونَ وقوعَهُ، ولم يلتفتْ مَنْ يَدَّعِي اتباعهم في ذلك إلى شروطهم، والله المستعان!!
g
g
(الفَصْلُ السادس:













