كتب للقراءة

الطرح والإهمال 4

الطرح والإهمال

في مذهب المانعين من العمل بالحديث الضعيف مطلقاً،
وأدلتهم، ومناقشة ذلك)

وقد اسْتَدَلَّتْ هذه الطائفةُ على صحة قولها بعدَّة أدلةٍ، منها:

الدليل الأول:

أن العمل بالحديث الضعيف الذي ليس له جابر؛ عَمَلٌ به مع الشك، أو عَملٌ بِظَنٍ مرجوح، وهذا لا يجوز.

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «النزهة» عند كلامه على الحديث من حيث القبول والردّ: «لكنْ؛ إِنَّما وَجَبَ العَمَلُ بالمَقْبولِ مِنها؛ لأَنَّها إِمَّا أَنْ يُوْجَدَ فيها أَصْلُ صِفَةِ القَبولِ – وهُو ثُبوتُ صِدْقِ النَّاقِلِ -، أَوْ أَصْلُ صِفَةِ الرَّدِّ – وهُو ثُبوتُ كَذِبِ النَّاقِلِ – أَوْ لاَ:

فالأوَّلُ: يَغْلِبُ على الظَّنِّ ثُبوتُ صِدْقِ الخَبَرِ؛ لِثُبوتِ صِدْقِ ناقِلِهِ؛ فيُؤخَذُ بِهِ.

والثاني: يَغْلِبُ على الظن كَذِبُ الخبر؛ لثبوت كَذِبِ ناقله؛ فَيُطْرَحُ.

والثَّالِثُ: إِنْ وُجِدَتْ قرينَةٌ تُلْحِقُهُ بأَحَدِ القِسْمَيْنِ؛ الْتَحَقَ، وإِلاَّ فَيُتَوَقَّفُ فيهِ، وإِذا تُوُقِّفَ عَنِ العَمَلِ بهِ؛ صارَ كالمَرْدودِ؛ لا لِثُبوتِ صِفَةِ الرَّدِّ؛ بل لكَوْنِه لمْ تُوجَدْ فيهِ صفةٌ توجِبُ القَبولَ، واللهُ أعلمُ».([183])

وقال -رحمه الله- أيضاً: «قال ابن الصلاح: ومن ذلك ضَعفٌ لا يزول بمجيئه من وجه آخر لقوة الضعف، وتقاعُدِ الجابر عن جَبْرِه ومقاومته، كالضعف الذي ينشأ من كَوْن الراوي مُتَّهما بالكذب، أو كَوْن الحديث شاذًّا، وهذه جملة يُدْرَكُ تفاصيلُها بالمباشرة»([184]).

أقول: -أي الحافظ ابن حجر-: «لم يَذْكُرْ للجابر ضابطا يُعْلَمُ منه ما يَصْلُحُ أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يَسْتَوِي الاحتمالُ فيهما؛ فهو الذي يَصْلُح لأن ينجبر، وحيث يَقْوَى جانبُ الرد؛ فهو الذي لا يَنْجَبِرُ، وأما إذا رَجَحَ جانبُ القبول؛ فليس من هذا، بل ذاك في الحُسْنِ الذاتي -والله أعلم».

وقال أيضًا -رحمه الله-: «ومَتى تُوبِعَ السَّيِّءُ الحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ: أي: كأَنْ يكونَ فوقَهُ أَو مِثْلَه لا دُونَه، وكَذا المُخْتَلِطُ الَّذي لم يتَمَيَّزْ، وكذا المَسْتورُ، والإِسنادُ المُرْسَلُ، وكذا المُدَلَّسُ إِذا لم يُعْرَفِ المحذوفُ منهُ؛ صارَ حديثُهُم حَسنًا لا لذاتِهِ، بل وَصْفُهُ بذلك باعتبارِ المَجْموعِ من المتابِعِ والمتَابَعِ؛ لأنَّ معَ كلِّ واحدٍ منهُم احْتِمالَ كونِ روايتِه معه صوابًا أَو غيرَ صوابٍ على حدٍّ سواءٍ.

فإِذا جاءَتْ مِنَ المُعْتَبَرينَ روايةٌ مُوافِقةٌ لأحدِهِم؛ رُجِّحَ أَحدُ الجانِبينِ مِن الاحْتِماليْنِ المَذكورَيْنِ، ودلَّ ذلك على أَنَّ الحَديثَ مَحْفوظٌ؛ فارْتَقى مِن درَجَةِ التوقُّفِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ، واللهُ أَعلمُ، ومعَ ارْتِقائِهِ إِلى دَرَجَةِ القَبولِ؛ فهُو مُنْحَطٌّ عنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لذاتِه، ورُبَّما توقَّفَ بعضُهم عنْ إِطلاقِ اسمِ الحَسَنِ عليهِ»([185]).

وقال السخاوي -رحمه الله-: «قوله: (وَلَمْ يَكُنْ فَرْدًا وَرَدْ). بَلْ جَاءَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَأَكْثَرَ: فَوْقَهُ، أَوْ مِثْلَهُ لَا دُونَهُ ; لِيَتَرَجَّحَ بِهِ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّ سَيِّئَ الْحِفْظِ مَثَلًا حَيْثُ يَرْوِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَبَطَ الْمَرْوِيَّ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَكُونَ ضَبَطَهُ، فَإِذَا وَرَدَ مِثْلُ مَا رَوَاهُ أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ ضَبَطَ.

وَكُلَّمَا كَثُرَ الْمُتَابِعُ؛ قَوِيَ الظَّنُّ، كَمَا فِي أَفْرَادِ الْمُتَوَاتِرِ ; فَإِنَّ أَوَّلَهَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَفْرَادِ، ثُمَّ لَا تَزَالُ تَكْثُرُ إِلَى أَنْ يُقْطَعَ بِصِدْقِ الْمَرْوِيِّ، وَلَا يَسْتَطِيعُ سَامِعُهُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ»([186]).

وقال -رحمه الله- أيضًا: «(فَإِنْ يَقُلْ) حَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَسَنَ لَا يُشْتَرَطُ فِي ثَانِي قِسْمَيْهِ ثِقَةُ رُوَاتِهِ، وَلَا اتِّصَالُ سَنَدِهِ، وَاكْتُفِيَ فِي عَاضِدِهِ بِكَوْنِهِ مِثْلَهُ، مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، فَكَيْفَ (يُحْتَجُّ بِالضَّعِيفِ) مَعَ اشْتِرَاطِهِمْ أَوْ جُمْهُورِهِمُ الثِّقَةَ فِي الْقَبُولِ؟ (فَقُلْ): إِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْهُ (إِذَا كَانَ) الْحَدِيثُ (مِنَ الْمَوْصُوفِ رُواتُهُ) وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ (بِسُوءِ حِفْظٍ)، أَوِ اخْتِلَاطٍ، أَوْ تَدْلِيسٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ، فَذَاكَ (يُجْبَرُ بِكَوْنِهِ) أَيِ: الْمَتْنِ (مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ يُذْكَرُ)….إلى أن قال: لِاشْتِرَاطِهِ مَا يَنْجَبِرُ بِهِ التَّفَرُّدُ، وَإِنَّمَا انْجَبَرَ لِاكْتِسَابِهِ مِنَ الْهَيْئَةِ الْمَجْمُوعَةِ قُوَّةً، كَمَا فِي أَفْرَادِ الْمُتَوَاتِرِ وَالصَّحِيحِ لِغَيْرِهِ الْآتِي قَرِيبًا.

وَأَيْضًا، فَالْحُكْمُ عَلَى الطَّرِيقِ الْأُولَى بِالضَّعْفِ، إِنَّمَا هُوَ لَأَجْلِ الِاحْتِمَالِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فِي سَيِّئِ الْحِفْظِ مَثَلًا ; هَلْ ضَبَطَ أَمْ لَا؟ فَبِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ ضَبَطَ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ كُلُّ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ تَعْرِيفِ التِّرْمِذِيِّ»([187]).

وقال شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-: «ولا يَرِدُ هنا ما اشتهر من القول بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ فإن هذا محله فيما ثبت مشروعيته بالكتاب أو السنة الصحيحة، أما ما ليس كذلك؛ فلا يجوز العمل فيه بالحديث الضعيف؛ لأنه تشريع، ولا يجوز ذلك بالحديث الضعيف؛ لأنه لا يفيد إلا الظن المرجوح اتفاقاً؛ فكيف يجوز العمل بمثله؟! فليَتنَبَّه لهذا من أراد السلامة في دينه؛ فإن الكثيرين عنه غافلون. نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق»([188]).

وقال -رحمه الله- أيضاً: «القاعدةُ الثانية عشرة: تركُ العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال»

قال -رحمه الله-: «اشتهر بين كثير من أهل العلم وطلابه: أن الحديث الضعيف يجوز العمل به في فضائل الأعمال، ويظنون أنه لا خلاف في ذلك، كيف لا والنووي -رحمه الله- نقل الاتفاق عليه في أكثر من كتاب واحد من كتبه؟ وفيما نقله نَظَرٌ بَيِّنٌ؛ لأن الخلاف في ذلك معروفٌ؛ فإن بعض العلماء المحققين على أنه لا يُعْمَلُ به مطلقاً: لا في الأحكام ولا في الفضائل، قال الشيخ القاسمي -رحمه الله- في «قواعد التحديث»([189]): «حكاه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» عن يحيى بن معين، ونسبه في «فتح المغيث» لأبي بكر بن العربي، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضاً… وهو مذهب ابن حزم…».

قلت -أي: شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى-: وهذا هو الحق الذي لا شك فيه عندي؛ لأمور:

الأول: أن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح، ولا يجوز العمل به اتفاقاً، فمن أخرج من ذلك العمل بالحديث الضعيف في الفضائل لابد أن يأتي بدليلٍ، وهيهات!.

الثاني: أنني أفهم من قولهم: « … في فضائل الأعمال» أي الأعمال التي ثبتت مشروعيتها بما تقوم الحجة به شرعاً، ويكون معه حديثٌ ضعيفٌ يُسَمِّى أَجْراً خاصَّاً لمن عَمِلَ به، ففي مثل هذا يُعْمَل به في فضائل الأعمال؛ لأنه ليس فيه تشريعُ ذلك العملِ به وإنما فيه بيان فضلٍ خاصٍّ يُرْجَى أن يناَلُهُ العامِلُ به»([190]).

قلت: وهو كما قال -رحمه الله-.

فالعمل بالحديث الضعيف -في أحسن أحواله-عَمَلٌ به مع الشك -الذي يستوي فيها طرفا الردِّ والقبول-، وعلى هذا فكيف نَنْسِبُ لرسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قولًا مع الشك في ثبوته عنه؟ والله -جلَّ شأنه- يقول: [ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ] {يونس:36}، وقال -سبحانه-: [ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ] {النجم:23}، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إياكم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أَكْذَبُ الحديث»([191]). إلى غير ذلك من الأدلة التي فيها ذَمُّ الظن وذَمُّ العمل به.

فائدة: في بيان الظن المقبول، والظن المردود:

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْره: لَيْسَ الْمُرَادُ تَرْكَ الْعَمَل بِالظَّنِّ الَّذِي تُنَاط بِهِ الْأَحْكَام غَالِبًا، بَلْ الْمُرَادُ تَرْكُ تَحْقِيقِ الظَّنّ الَّذِي يَضُرّ بِالْمَظْنُونِ بِهِ، وَكَذَا مَا يَقَع فِي الْقَلْب بِغَيْرِ دَلِيل، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَائِل الظُّنُون إِنَّمَا هِيَ خَوَاطِرُ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا، وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ لَا يُكَلَّف بِهِ، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث «تَجَاوَزَ اللَّه لِلْأُمَّةِ عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا»([192]).

وقال -رحمه الله- أيضًا: «وَأَمَّا وَصْفُ الظَّنّ بِكَوْنِهِ أَكْذَبَ الْحَدِيث، مَعَ أَنَّ تَعَمُّد الْكَذِب الَّذِي لَا يَسْتَنِد إِلَى ظَنٍّ أَصْلًا أَشَدُّ مِنْ الْأَمْر الَّذِي يَسْتَنِد إِلَى الظَّنّ؛ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الظَّنّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَنِد إِلَى شَيْء يَجُوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ، فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَيُجْعَلُ أَصْلًا، وَيُجْزَمُ بِهِ، فَيَكُون الْجَازِم بِهِ كَاذِبًا؛ وَإِنَّمَا صَارَ أَشَدَّ مِنْ الْكَاذِب؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ فِي أَصْلِهِ مُسْتَقْبَحٌ مُسْتَغْنًى عَنْ ذَمّه، بِخِلَافِ هَذَا؛ فَإِنَّ صَاحِبه بِزَعْمِهِ مُسْتَنِدٌ إِلَى شَيْء، فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ أَشَدَّ الْكَذِب مُبَالَغَةً فِي ذَمّه وَالتَّنْفِير مِنْهُ، وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّ الِاغْتِرَار بِهِ أَكْثَر مِنْ الْكَذِب الْمَحْض؛ لِخَفَائِهِ غَالِبًا، وَوُضُوح الْكَذِب الْمَحْض»([193]).

وقال أبو العباس القرطبيُّ -رحمه الله-: «الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَةِ الَّتِي لَا سَبَب لَهَا، كَمَنْ يَتَّهِم رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله: [ﭝ ﭞ] وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْص يَقَع لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَة، فَيُرِيد أَنْ يَتَحَقَّقَ؛ فَيَتَجَسَّسَ، وَيَبْحَثَ وَيَسْتَمِعَ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيث يُوَافِق قَوْله تَعَالَى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ] {الحجرات:12}، فَدَلَّ سِيَاقُ الْآيَة عَلَى الْأَمْر بِصَوْنِ عِرْضِ الْمُسْلِم غَايَةَ الصِّيَانَة؛ لِتَقَدُّمِ النَّهْي عَنْ الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قَالَ الظَّانّ: أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّق؛ قِيلَ لَهُ: [ﭝ ﭞ ] فَإِنْ قَالَ: تَحَقَّقْت مِنْ غَيْر تَجَسُّس؛ قِيلَ لَهُ: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ]([194]).

وقال القاضي عياض -رحمه الله-: «اِسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ قَوْمٌ عَلَى مَنْع الْعَمَل فِي الْأَحْكَام بِالاِجْتِهَادِ وَالرَّأْي، وَحَمَلَهُ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ظَنٍّ مُجَرَّد عَنْ الدَّلِيل، لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ وَلَا تَحْقِيقِ نَظَرٍ»([195]).

وقال الإمام النووي -رحمه الله-: «لَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيث بِالظَّنِّ مَا يَتَعَلَّق بِالِاجْتِهَادِ الَّذِي يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ أَصْلًا، بَلْ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِذَلِكَ ضَعِيف، أَوْ بَاطِل.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ضَعْفَه ظَاهِرٌ، وَأَمَّا بُطْلَانَهُ فَلَا؛ فَإِنَّ اللَّفْظ صَالِحٌ لِذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاض، وَقَدْ قَرَّبَهُ فِي «الْمُفْهِم» وَقَالَ: الظَّنّ الشَّرْعِيّ الَّذِي هُوَ تَغْلِيبُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْيَقِين، لَيْسَ مُرَادًا مِنْ الْحَدِيث، وَلَا مِنْ الْآيَة، فَلَا يُلْتَفَت لِمَنْ اِسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى إِنْكَار الظَّنّ الشَّرْعِي»([196]).

وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: «اِحْتَجَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة عَلَى مَنْ قَالَ بِسَدِّ الذَّرِيعَة فِي الْبَيْع، فَأَبْطَلَ بَيْعَ الْعِينَة، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَال: النَّهْيُ عَنْ الظَّنّ بِالْمُسْلِمِ شَرًّا، فَإِذَا بَاعَ شَيْئًا؛ حُمِلَ عَلَى ظَاهِره الَّذِي وَقَعَ الْعَقْد بِهِ، وَلَمْ يَبْطُل بِمُجَرَّدِ تَوَهُّم أَنَّهُ سَلَكَ بِهِ مَسْلَك الْحِيلَة، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ»([197])

(فائدة):

قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فإن الظن أكذب الحديث» قد اسْتُشْكِلتْ تَسْمِيةُ الظنِّ حديثاً!!

وأُجِيبَ: بأن المراد عدمُ مطابقةِ الواقع، سواء كان قولا أو فعلا، ويُحْتَمَل أن يكون المرادُ ما ينشأ عن الظن، فَوَصَفَ الظنَّ به مجازاً».

أما القائلون بهذه القاعدة -أعني القائلين بالرخصة في العمل بالضعيف في فضائل الأعمال- فيرون أن هذه الأدلة في غير موضعها؛ قائلين: إن الآياتِ والأحاديثَ الواردةَ في ذَمِّ الظَنِّ؛ إنما وردتْ في الظن الذي ليس له أَمَارَةٌ عِلْمية، أو أمارةٌ تدل على العمل به، أو على قبوله، قالوا: وليس هذا مما نحنُ فيه، إنما هذا هو الوهم([198])، الذي يكون جانبُ الردِّ فيه أرجحَ من جانبِ القبولِ، أو هو القول الباطل، الذي هو ضد الحق، أما ما نحن فيه؛ ففيه احتمالُ ثُبُوتِه إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإن كان ظنًّا ضعيفًا.

وأُجيب: بأن الحديث الضعيف الذي يُفيد -في أحسن أحواله- ظَنًّا مساويًا؛ فالقول بأنه ليس داخلًا في الظن المذموم؛ ليس على إطلاقه، فإن الآيات والأحاديث تذم العمل الذي هو بدون قرائنَ مُرَجِّحةٍ له، والحديثُ الضعيفُ ليس له قرينةٌ تُرَجِّحُهُ على أقلِ أحوالِهِ؛ فإن احتمالَ قبولِهِ وَرَدِّهِ متساويان، وإلا فهناك من يقول: إنه يفيد ظنًّا مرجوحًا لا مساوياً، والظن المرجوح درجات متفاوتة، فمن الضعف ضعفاً خفيفاً، ومنه الضعيف جداً، أو الواهي فما دونه مما ليس بموضوع.

فإن قالوا: هنالك مرجحاتٌ، ومنها قولنا: أن يكون الحديث مندرجًا تحت أصلٍ عام، وأن يكون ذلك في باب الفضائل لا في باب الأحكام… إلى غير ذلك؛ قلت: ليس فيما ذكروه قرينةٌ مرجحةٌ؛ فهذه أمور قد تقدم الكلام عنها، فالذي يظهر أن العمل بالظن المتساوي الطرفين عملٌ بدون مرجِّح، ولا يَسْلَم ذلك من الذم.

ثم كيف يَنْسِبُهُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ويَنْشُرُ ذلك في الناس، في الكتب، والمجالس، والخطب، والمحاضرات…إلخ، ولا يَكْشِفُ عن ضعْفه؛ كي لا يَزْهَدَ الناسُ فيه، ولا يكونَ ذلك مذمومًا؟! وقد ذَكَرَ عَدَمَ البَيَانِ لِضَعْفِهِ ابنُ الصلاح، وابنُ الوزير في «تنقيح معاني الأنظار»، كما في «توضيح الأفكار» وقد تقدم النقل عنهما وعن غيرهما في الفصل السابق.

الدليل الثاني:

قال المانعون: إن الحديث الضعيف لا يَثْبُتُ به شيء من الأحكام الخمسة: سواء كان الوجوبَ، أو الحرمةَ، أو الاستحبابَ، أو الكراهةَ، أو الإباحةَ – وهذا بإقرار عددٍ ممن قالوا بهذه القاعدة؛ بل منهم من ادَّعى الإجماع على ذلك-؛ فإن هذه الأحكام مرجعها إلى الله –عز وجل- وإلى رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكيف نقول: إن هذا الشيء مُسْتَحَبٌ، أو من الفضائل، ونحن لم نقف على دليل خاصٍّ به عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والاستحبابُ أَحَدُ هذه الأحكام الخمسة؟

وقد قال الصنعاني -رحمه الله- في «توضيح الأفكار» – كما سبق قريبًا -: «… وإلا فالندب من الأحكام، والترغيبُ وفضائلُ الأعمال تَرِد بما يفيده-أي يفيد النَّدْبَ-» !!.

وسبق عن الشاطبي –رحمه الله- أن مَنْ فَرَّقَ بين الأحكام الخمسة بثبوت بعضها بالضعيف دون بعض؛ فقد فَرَّقَ بلا دليلٍ يدلُ على صحةِ تَفْرِقتِه.

أما القائلون بالجواز: فيجيبون عن هذا الدليل بأننا لا نُسلِّم لكم بأن الحديث الضعيف لا يَثْبُتُ به شيءٌ من هذه الأحكام؟ فهناك من العلماء من قال بالعمل بالحديث الضعيف في باب الأحكام والحلال والحرام، وهناك من العلماء -ويكاد يكون إجماعًا منهم-مَنْ قالوا بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فلماذا تقولون: إن الحديث الضعيف لا يُؤْخَذ منه شيءٌ من الأحكام؟ أليست هذه قواعدَ العلماء؟ فهل هؤلاء العلماء يَكْذِبون على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ويَنْسِبُونَ إلى الله –عز وجل- وإلى رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحكامًا غير صحيحة؟ هل أنتم أَغْيَرُ على هذا الدين من هؤلاء العلماء؟

والجواب: أن الاحتجاج بأن مِنَ العلماء مَنْ فَعَلُوا ذلك، ليس بحجة؛ لأنه ليس إجماعًا يَقْطَعُ العُذْرَ كما مرَّ بنا، وكما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وطالما أنه ليس إجماعًا؛ فلابد من الترجيح وطلب الدليل، وأن وجوه الترجيح للمنع أَوْلىَ وأَكْثرُ وأَشهرُ من وجوه ترجيح الجواز، كما سبق، وكما سيأتي -إن شاء الله تعالى-

وأكثر المجيزين فَصَّلوا، فقالوا: نعم، الحديثُ الضعيفُ لا يُؤْخَذُ منه شيءٌ من الأحكام في الحلالِ والحرامِ، أما الاستحبابُ والكراهةُ والإباحةُ؛ فلا نُسَلِّم لكم بهذا!!.

فائدةٌ في نَقْلِ الاتفاق على أن الضعيف لا تَثْبُتُ به الأحكام، وأن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام:

قال العلامة القاسمي -رحمه الله-: قال المحقق جلالُ الدين الدَّوَانيُّ([199]) في رسالته «أنموذج العلوم»: «اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تَثْبُتُ به الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز بل يُسْتَحَبُ العملُ بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وممن صرح به النووي في كُتُبه، لا سيما كتاب: «الأذكار» وفيه إشكالٌ: لأن جوازَ العمل واسْتِحْبَابَه كلاهما من الأحكام الشرعية الخمسة، فإذا اسْتُحِبَّ العملُ بمقتضى الحديث الضعيف؛ كان ثبوته بالحديث الضعيف، وذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة.

وقال القاسمي -رحمه الله- أيضًا: وقد ناقش الدَّوانيَّ –رحمه الله- الشهابُ الخفاجيُّ في: «شرح الشفا» فقال بعد نَقْلِهِ مُلَخَّصَ كلامه المذكور ما صورته: «ما قاله الجلالُ مخالفٌ لِكَلامِهِم بِرُمَّتِهِ، وما نَقَلَهُ من الاتفاقِ غيرُ صحيحٍ، مع ما سمعتَهُ من الأقوالِ -يعني في العملِ بالضعيفِ- والاحتمالاتُ التي أبداها لا تُفِيدُ سوى تسويدِ وجْهِ القِرْطَاسِ، والذي أَوْقَعَهُ في الحِيرةِ: تَوَهُمُهُ أن عدمَ ثبوتِ الأحكامِ بهِ متفقٌ عليه، وأنه يَلْزَمُ من العملِ بِهِ في الفضائلِ والترغيبِ؛ أنه يَثْبُتُ به حُكْمٌ من الأحكامِ، وكلاهما غيرُ صحيحٍ، أما الأولُ: فلأنَّ من الأئمة مَنْ جَوَّزَ العملَ بِهِ بِشرُوطِهِ، وقَدَّمَهُ على القياسِ، وأما الثاني: فلأنَّ ثُبُوتَ الفضائلِ والترغيبِ لا يَلْزَمُهُ الحُكْمُ، ألا ترى أنه لو رُوِىَ حديثٌ ضعيفٌ في ثواب بعض الأمور الثابِتِ استحبابُهَا والترغيبُ فيه، أو في فضائل بعض الصحابة – رضوان الله عليهم – أو الأذكار المأثورة؛ لم يلْزَمْ مما ذُكِرَ ثُبُوتُ حُكْمٍ أصلا، ولا حاجة لتخصيص الأحكام والأعمال- كما تَوَهَّم – للفَرْقِ الظاهِرِ بين الأعمال وفضائل الأعمال، وإذا ظَهَرَ عَدَمُ الصَّوابِ؛ لأن القَوْسَ في يَدِ غَيْرِ بَارِيهَا؛ ظَهَر أنه إِشْكَالٌ، ولا خَللٌ ولا اخْتِلالٌ».

ثم قال القاسمي -رحمه الله-: «وأقول: إن للشهاب وَلَعًا في المناقشة غريبًا، وإنْ لم يَحْظَ الوَاقفُ عليها بطائلٍ! وتلك عادةٌ اسْتَحْكَمَتْ منه في مصنفاته، كما يَعْلَمُهُ من طَاَلعَهَا؛ ولعله هو الذي سَوَّدَ وجه القِرْطاس ها هنا؛ إذ لا غُبَار على كلام الجلال.

وأما انتقاده عليه بنقله الاتفاق على أن الحديث الضعيف لا تَثْبُتُ به الأحكام مع وجود الخلاف فيه؛ فلأنه عنى اتفاقَ مُدَقِقِّي النقادِ، وأُولِي اشتراطِ الصحة في قبول الإسناد، كالشيخين وأضرابهما ممن أسلفنا النقل عنهما في المذهب الأول في الضعيف، إنْ لم نَقُلْ إن الجلال لم يَرَ مُقاَبِلَهُ مما يَجْدُرُ سَوْقُه مقابِلًا، حتى يَحْكِي الخلافَ فيه؛ وكثيرًا ما يترفع المؤلفون عن الأقوال الواهية؛ -ولو في نظرهم- فَيَحْكُونَ الاتفاقَ، ومرادهم اتفاق ذوي التحقيق، كما هو معلوم في المؤلفات المتداولة…. إلخ([200])

وقال أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي -رحمه الله-: شرط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال: أن لا يكون شديد الضعف، وأن يدخل تحت أصل عام، وأن لا يُعْتَقَدَ سُنِّيَتُهُ بذلك الحديث. اهـ

ثم قال -رحمه الله-: زاد في «النهاية»: – «وشَرَطَ بعضُهم أن لا يُعْتَقَدَ السُّنِّيةُ -، وفيه نظرٌ، بل لا وجه له؛ لأنه لا معنى للعمل بالضعيف في مثل ما نحن فيه إلا كونه مطلوباً طلباً غير جازم، وكل مطلوب طلباً غير جازم سُنَّةٌ، وإذا كان سُنَّةً؛ تَعَيَّنَ اعْتِقَادُ سُنِّيَتِهِ».([201])

وقال العلامة المعلمي -رحمه الله-: «قال الزركشي في مقدمة «الذهب الإبريز»: «الثاني: أن هذا الاحتمال الذي قلناه من جواز إدراجه تحت العمومات، يريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛ لأن الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة؛ يحتاج إلى دليل عليه ولا بدّ، بخلاف ما إذا بُنِيَ على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت، ولا بتلك الهيئة، وهذا هو الذي قلنا باحتماله، وجواز العمل به».([202])

فإن قيل: القول بأن الضعيف لا يَثْبُتْ به حُكْمٌ غير صحيح؛ فمن العلماء من يرى العمل بالحديث الضعيف حتى في باب الأحكام.

أُجيب: بأن هذا قولٌ مردودٌ، كما سبق في الفرع الذي تناوَلْتُ فيه هذا القول.

فإن قيل: المراد بقولهم: لا يَثْبُتُ به حُكْمٌ: أي الحلالُ والحرامُ فقط؟!

أُجيب: بأن هذا تخصيصٌ بلا مُخَصِّص، ولا دليل عليه.

وقد أجاب عن هذه التفرقة الإمامُ الشاطبيُّ والإمامُ الشوكانيُّ -رحمهما الله- بأن الأحكام الخمسة متساويةُ الأقدامِ في طريقة الثبوت، فالذي يَثْبُتُ به الوجوبُ تَثْبُتُ به الحُرْمَةُ، والذي يَثْبُتُ به الكراهةُ يَثْبُتُ به الاستحبابُ والإباحةُ، والله أعلم.

قال الشاطبي -رحمه الله-: «فَإِذًا؛ هَذَا التَّرْغِيبُ الْخَاصُّ يَقْتَضِي مَرْتَبَةً فِي نَوْعٍ مِنَ الْمَنْدُوبِ خَاصَّةً؛ فَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ إِلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ: «إِنَّ الْأَحْكَامَ لَا تُثْبَتُ إِلَّا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ»، وَالْبِدَعُ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الصَّحِيحِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعَاتِ؛ كَالتَّقْيِيدِ بِزَمَانٍ، أَوْ عَدَدٍ، أَوْ كَيْفِيَّةٍ مَا، فَلْيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَحْكَامُ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ ثَابِتَةً بِغَيْرِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِمَا أَسَّسَهُ الْعُلَمَاءُ.

وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَحْكَامَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فَقَطْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَلِ الْأَحْكَامُ خَمْسَةٌ، فَكَمَا لَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ إِلَّا بِالصَّحِيحِ؛ فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ النَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ إِلَّا بِالصَّحِيحِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ؛ فَاسْتَسْهِلْ أَنْ يَثْبُتَ فِي أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلَا عَلَيْكَ.

فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: كُلُّ مَا رُغِّبَ فِيهِ إِنْ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَمَرْتَبَتُهُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ؛ فَالتَّرْغِيبُ فِيهِ بِغَيْرِ الصَّحِيحِ مُغْتَفَرٌ([203])، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ التَّرْغِيبِ؛ فَاشْتَرِطِ الصِّحَّةَ أَبَدًا؛ وَإِلَّا خَرَجْتَ عَنْ طَرِيقِ الْقَوْمِ الْمَعْدُودِينَ فِي أَهْلِ الرُّسُوخِ، فَلَقَدْ غَلِطَ فِي الْمَكَانِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْفِقْهِ، وَيَتَخَصَّصُ عَنِ الْعَوَامِّ بِدَعْوَى رُتْبَةِ الْخَوَاصِّ، وَأَصْلُ هَذَا الْغَلَطِ: عَدَمُ فَهْمِ كَلَامِ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ»([204]).

وقال الشوكاني -رحمه الله-: «قِيلَ: وَهَذَا النَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ يَخْتَصُّ بِالْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ، وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْفُرُوعِيَّةُ الِاجْتِهَادِيَّةُ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهَا جَائِزٌ، وَمَا زَالَ الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ مُخْتَلِفِينَ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ مَا زَالَ فِي تِلْكَ الْعُصُورِ الْمُنْكِرُ لِلِاخْتِلَافِ مَوْجُودًا، وَتَخْصِيصُ بَعْضِ مَسَائِلِ الدِّينِ بِجَوَازِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا دُونَ الْبَعْضِ الْآخَرِ ليس بصواب؛ فالمسائل الشرعية متساوية الْأَقْدَامِ فِي انْتِسَابِهَا إِلَى الشَّرْعِ»([205]).

وقال -رحمه الله- أيضاً: «وبيان ذلك أن الأحكام الشرعية عندي متساويةُ الأقدام، مُنْتَسِبَةٌ إلى الشرع نِسْبةً واحدةً، وَكَوْنُ بعضِهَا راجعا إلى الاعتقاد، وبعضِها راجعا إلى العمل؛ لا يستلزم تَفَاوتَها على وَجْهٍ يكون الاختلافُ في بعضها مُوجِبًا لعدم نجاة بعض المختلفين، وفي بعضها لا يُوجِبُ ذلك؛ فَاعْرِفْ هذا وافْهَمْهُ»([206]).

وقال -رحمه الله- أيضاً: «فقد أخطأ من قال: إنه يجوز التساهل في الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال؛ وذلك لأن الأحكامَ الشرعيةَ متساويةُ الأقدام، لا فرق بين واجبها ومُحَرَّمِهَا ومَسْنُونِهَا ومَكْرُوهِهَا ومَنْدُوبِهَا، فلا يَحِلُّ إثبات شيء منها إلا بما تقوم به الحجة، وإلا فهو من التَّقَوُّلِ على الله بما لم يَقُلْ، ومن التَّجَرِّي على الشريعة المطهرة بإدخال ما لم يَكُنْ فيها، وقد صَحَّ تواترًا أن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَسَلَّمَ – قال: «مَنْ كَذَبَ علي مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيتَبوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار»، فهذا الكذاب الذي كذب على رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَسَلَّمَ -محتسبًا للناس بحصول الثواب؛ لم يَرْبَحْ إلا كونَهُ من أهل النار»([207]).

وقال -رحمه الله-: «قال ابن عبد البر: إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأن أبا معمر عَبَّادَ بن عبد الله انفرد به، وهو متروك، وأهل العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل، فيروونها عن كُلٍّ، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام، وأقول: إن الأحكام الشرعية متساويةُ الأقدام، لا فَرْقَ بينها، فلا يَحِلُّ إِثْبَاتُ شيءٍ منها إلا بما تقوم به الحجة، وإلا كان من التقول على الله بما لم يَقُلْ، وفيه من العقوبة ما هو معروف، والقَلْبُ يَشْهَدُ بوضْع ما ورد في هذا المعنى وبطلانه. والله أعلم»([208]).

وقال -رحمه الله- أيضاً: «وقد سَوَّغَ بعضُ أهل العلم العملَ بالضعيف في ذلك مطلقا، وبعضُهم مَنَعَ من العمل بما لم تُقَمْ به الحجةُ مطلقًا، وهو الحق؛ لأن الأحكام الشرعية متساويةُ الأقدام، فلا يَحِلُّ أن يُنْسَبَ إلى الشرع ما لم يَثْبُتْ كَوْنُه شَرعًا؛ لأن ذلك من التقول على الله بما لم يَقُلْ، وما كان في فضائل الأعمال إذا جُعِلَ ذلك العملُ منسوبا إليه نِسْبَةَ المدلولِ إلى الدليلِ؛ فلا ريب أن العمل به- وإن كان لم يَفْعَلْ إلا الخير: من صلاةٍ، أو صيامٍ، أو ذِكْرٍ-، لكنه مُبْتَدِعٌ في ذلك الفعل، من حيث يجوز اعتقادُ مشروعيةِ ما ليس بِشَرْعٍ، وأَجْرُ ذلك العمل لا يوازي وِزْرَ الابتداع، فلم يكن فِعْلُ ما لم تَثْبُتْ له مصلحةٌ خالصةٌ – بل مُعَارَضُةٌ بمفسدة هي إثم البدعة- ودَفْعُ المفاسد أَهَمُّ من جَلْبِ المصالح، ثم مثل هذا مما يندرج تحت عموم حديث «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ»([209]).

قلت: ومن قال: إن الوجوب والحرمة يُشترط في ثبوتهما صفاتٌ معينة للرواة، ولا تُشترط هذه الصفات في ثبوت الاستحبابِ والكراهةِ والإباحةِ؛ فهو الذي عليه الدليل!!

فإن قال: إن العلماء قد فَرَّقُوا بين هذا وذاك، وذلك بترخيصهم في العمل بهذه القاعدة؛ فقد سبق الكلام على الاحتجاج بصنيع العلماء.

(فائدة): حول قاعدة سَدِّ الذرائع:

الدليل الثالث:

ومما يَسْتَدِلُّ به المانعون: أن المنع من العمل بالضعيف مطلقًا موافق للقاعدة الشهيرة، وهي سَدُّ الذرائع([210])، قالوا: لأننا رأينا الناس قد هَرْوَلُوا إلى الاستعمال السيئ لهذه القاعدة: فرأيناهم يُحَدِّثُون بالموضوعاتِ، والمكذوباتِ، والبواطيلِ، والواهياتِ، والمنكراتِ، ورأيناهم لا يقفون حتى عند كلام العلماء أو شروط المرخصين لهم بذلك، ولم يتقيدوا بالضوابط التي قالها العلماء، بل انْجَفَلُوا إلى ما هو أشدُّ من ذلك، بما لا خلاف فيه بين المجيزين للقاعدة والمانعين منها، فَالمُتَفَقُ عليه بين القائلين بالجواز والمنع أن الحديث الموضوعَ المخْتَلق لا يُرْوَى إلا مع بيان حاله وحال رُواته، وإنما يُروى لمعرفته والتحذير منه فقط، أما هؤلاء فيروونه في المحافل العامة، ويعملون به على الملأ، بل ينكرون على من أنكر عليهم ذلك!!، بل وَصَلَ ببعضِهِم الأمر إلى عَمَلِ وإشاعةِ عِدَّةِ صُورٍ من الشركِ الأكبِر، مستدلِّينَ لها ببعض الأحاديث الباطلة !!

قالوا: فالواقع يشهد أن الناس يروون الموضوعاتِ والبواطيلَ، ويروون ما لا أصل له، بدعوى أن هذا من باب رواية الحديث الضعيف في باب الفضائل، وهو باب قد سَهَّل فيه العلماء!!

قالوا: فلما رأينا الناس يُسيئونَ استعمالَ هذا الشيء؛ فمن باب سَدِّ الذريعة وإغلاق أيِّ باب يَدْخل منه ما ليس من الشريعة المطهرة المكرمة بلا بينة ولا برهان؛ فإننا نُغْلِقُ هذا البابَ بالكليةِ.

قالوا: وقد جاءت الشريعةُ بذلك في الأحاديثِ الصحيحة المرفوعةِ التي لا خلاف في أنها حَقٌّ، وأنها ليستْ اجتهادًا بشرياًّ، بخلاف هذه القاعدة، التي هي عبارة عن اجتهاد جماعة من العلماء، أو جمهور العلماء، وقد سبق ذِكْرُ أدلة ذلك.

فمراعاةُ آثارِ هذه الأحاديث وهذه القواعد وما تؤول إليه، ومراعاةُ مآلاتِ الأمور أمرٌ مُعتبر في القرآن والسُنة، وفي فِعْلِ الصحابةِ –رضي الله عنهم-، وفتاوى أهل العلم –رحمهم الله- ما يدل على ذلك.

والله –عز وجل- يقول: [ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ] {البقرة:104}، فإذا كانت اللفظةُ المباحةُ في الأصل إذا اسْتُعْمِلتْ استعمالًا يُفْضِي إلى حَمْلِها على غير وجهها الصحيح؛ فَيَلْزم تغييرُها، واستبدالُها بكلمةٍ أخرى؛ فكل هذا يدل على أن القرآن والسُنة وفِعْلَ الصحابة، وصنيعَ العلماء، كل هذا يُؤَكِّد قاعدة سَدِّ الذرائع، وأن القول بقاعدة العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، قد فَتَحَ على الأمةِ بَابًا، الله أعلم متى يُغْلق، وإذا أُغْلق؛ فمتى تزول آثاره السيئة المنتشرة في الأمة من مئات السنين؟!

ولا سبيل إلى السلامة والفكاك والنجاة من هذا كله، والتقليل من الشر الذي حصل بسبب هذه القاعدة، إلا بالقول: بأن هذه القاعدة يُمْنَعُ استعمالُها بالكلية؛ وأنه لا يُعْمل إلا بالحديث الصحيح أو الحسن الثابتيْن عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما لم يكن كذلك؛ فلا يُرْوَى إلا مَقْرونًا بالبيان، أي بيان حاله ضعفًا، أو وهاءً، أو سقوطا، سواءً كان هذا في باب العقائد والأحكام، أو في باب الفضائل ونحوها، ولا يُذْكَر ذلك إلا لطلاب العلم، أما العامة فكم جَرَّبْنَا عليهم أن منهم من ينسب إلينا أنه سمع أحدنا يروي الحديث الفلاني، وهو حديث موضوع، لم نتكلم به أصلا، لا مقرونا ببيان حاله، ولا مسكوتًا عن بيان حاله!!!.

شبْهةٌ والردُ عليها:

وهناك شُبْهةٌ قد يُورِدها بعضُ المنتصرين لهذه القاعدة، فيقولون: هل أنتم أَغْيَرُ على هذه الشريعة من الإمام أحمد والعلماء الذين قالوا: إذا رُوِّينا في الحلال والحرام؛ شَدَّدْنا، وإذا رُوّينا في الفضائل؛ تساهلنا؟ وهل أنتم أعرف بباب سد الذرائع من هؤلاء العلماء؟ وهل أنتم أعلم من هؤلاء بالشريعة؟!

فما بالكم الآن، تَعُدُّون أنْفُسَكُم المحافظين على حُرْمَةِ شريعة الإسلام؟ هل هؤلاء العلماء كانوا مُفَرِّطين فيها؟! فإن كان هذا تساهلًا؛ فَحَيّهَلا به مِنْ تساهل، ودَعُونا نتساهَلُ كما تساهَلَ العلماء الأوائلُ، دَعُونا نتساهل كما تساهل من هو أفضل منا ومنكم، وأيضاً: فإذا كان الذي عليه العلماء تساهلًا؛ فلا يكون غيره إلا تَعَنُّتًا!!

هذه خلاصةُ ما يمكن أن يقوله القائلون بالعمل بهذه القاعدة، أو المُنتصرون لها في هذا العصر- وإن كنتُ لم أسمع هذا من إيراداتهم من أحد منهم- إلا أنه احتمال واردٌ، والحقُّ ضالةُ المؤمنِ.

والجواب على ذلك أن يُقال: لو فتحنا هذا الباب، وقلنا في كل مسألة: هل أنتم أعلمُ من الجمهور؟ هل أنتم أفضل ممن قال بالقول الفلاني من العلماء؟ لكان ذلك سببًا لترك كثير من الحق الذي تؤيده الأدلة، وبذلك نكون «جمهوريين»!! لا نخرج أبدًا عما يقوله الجمهور، فالجمهور لهم أقوال كثيرة خالفوا فيها الصوابَ -وإن كان صوابُهم أكثر- فلعلهم اعتمدوا على حديثٍ صحيح في نظرهم، وهو في الحقيقة عند أهل الشأن بباب التصحيح والتضعيف والقبول والتزييف ليس كذلك، ولم يَعْلم مَنْ عَمِل به بحاله، أو اعتمدوا على شيءٍ يظنون أنه صارِفٌ للأدلة، والأمر ليس كذلك، وهناك ما هو أولى مما اعتمدوا عليه، إلى غير ذلك من الأعذار المقبولة التي يُعْتَذَرُ بها لأهل العلم الأفاضل المجتهدين، دون تقليدهم وتَرْكِ الأدلة الثابتة من هدْيهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لمجرّد قولهم، والعلماء أنفسهم قد حَذَّرُوا من تقليدهم، أو ترك الأدلة لقولهم([211]).

وأيضًا: فقد رأينا كثيرًا من المسائل قال فيها الجمهور بقول، وخالفهم علماء آخرون، وكان الصوابُ مع القلة، فكيف ترجحون بذلك القولَ الذي لا يَدْعَمُهُ الدليلُ أصلًا؟ فالعبرة بالدليل، وليست العبرة بهذه الأقاويل، وهل نحن عندما نقول: إن هذه القاعدة في العمل بالضعيف في الفضائل غير صحيحة؛ هل يَلْزم من ذلك اتهامُ العلماء الأوائل أو من بعدهم من أهل العلم والتحريّ بأنهم يجهلون الأدلة الدالة على سدِّ الذرائع، أو أنهم لا يغارون على الدين؟! معاذ الله!!، فما نحن وأكبر منا وأصغر من السابقين واللاحقين إلا حَسَنَةٌ مِنْ حسناتِهم.

إنما نحن نقول: هذا اجتهادٌ منهم، -فجزاهم الله خيرًا -على اجتهادهم، وعلى حرصهم على حثِّ الناس على العمل بما في ثبوته ظَنٌّ ما، وإن كان مرجوحا، والمجتهدُ مأجورٌ على اجتهادِهِ، إما أَجْرًا واحدًا أو أجْريْن، وهم هنا مجتهدون، وقد قصدوا بهذه القاعدة بَثَّ الحديث الذي قد يُظَنُّ ثبوته إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الناس، ونَشْرَهُ بينهم؛ للعمل بما له أصل ثابت بكيفيته وهيئته عنه -صلوات الله وسلامه عليه- فهم مأجورون على حُسْن قصْدهم، لا سيما مع ظن كثير منهم أن العمل بالحديث الضعيف في الفضائل لا تترتب عليه مفسدة، أما كونُهم معصومين من الخطأ؛ فلا قائل به منهم -فضلا عن غيرهم-، وهذا كله فرعٌ عن عدم التسليم بدعوى الإجماع، ولو كان الإجماع صحيحًا ثابتًا؛ لكان للناس شأنٌ آخر، وما أَظُنُّ أمرًا يُفْضي إلى كل هذه المفاسد يمكن أن يُجْمِعَ العلماءُ على جوازِه، بل لو رأى من أجاز العملَ بالحديث الضعيف في الفضائل، وما آل إليه حالُ الناس؛ فلا أَشُكُّ في أنهم كانوا سَيُحَذِّرُونَ من ذلك؛ لأنهم حَذَّرُوا من الوقوع فيما هو دون ما آلت إليه هذه القاعدة والعاملون بها بمراحل، وحاشاهم –رحمهم الله- أن يُحَذِّرُوا من قَطْرَةٍ، ويُرَخِّصُوا في مَطْرَةٍ !!!

أما والأمر كذلك؛ فالمجالُ مفتوح للنظر في الأدلة والترجيح بينها حسب قواعد الأئمة أنفسهم، فلا تُرْهبونا بدعوى الجمهور، ولا تُمْسِكوا عصا الجمهور؛ لتخيفوا بها كل من أراد أن يعمل بالدليل -إن كان أهلا لذلك- وإن خالف قولَهُم، فكلٌ يُؤْخذ من قوله ويُرَدُّ إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

وإذا كان الإمام أحمد أنكر على من يدَّعي الإجماع في مسألة ما، بحجة أنه لم يَعْلَم فيها مخالفًا، فرَدَّ عليه قوله، وقال: «من قال: أَجْمَعَ النَّاسُ؛ فقد كَذَب، مَنْ أَدْراه لعل الناس اختلفوا؟»([212]) فكيف تُنْكِرُونَ علينا اتِّباعهم في ذلك.؟!!

وأيضًا: فالجمهور قد خالفهم عدد من العلماء، فلو أخذنا بطريقتكم؛ لقلنا لكم: هل أنتم تتهمون من منع من العمل بهذه القاعدة من العلماء المجتهدين بالتشدد أو التعنت؟ ولسْنا نحن ولا أنتم بأَفْضَلَ ولا أَغْيَر على السنة من بعضهم، فضلا عن مجموعهم…؟!!

ولكننا لا نستجيز هذا الأسلوب الذي يحرص على التشنيع على المخالف في البحث العلمي، فالبحث العلمي بين أهله والمتأهلين له قائم على التفتيشِ عن الأدلةِ، وجَمْعِهَا، ونَقْدِهَا: روايةً ودرايةً، ومَعْرِفَةِ من قال بها من أهل العلم، وترجيحِ الراجح منها حسب الأدلة والقواعد المعمول بها عند العلماء سلفا وخلفًا، وليس قائما على التقليد والتشنيع، فالمقلد ليس من أهل العلم باتفاق([213])، والتشنيعُ والتشهيرُ في غير موضعه، ومع من لا يستحقه؛ ظُلْم وعدوان وافتراء، والله أعلم.

فهذا جواب القائلين بقاعدة سدِّ الذرائع على من خالفهم، وهي قاعدة عريقة عتيقة في الفقه والسلوك وأمور الدعوة، بل في الدين كله.

وإذا لم تُسْتَعْمَلْ هذه القاعدة -أعني قاعدة سد الذرائع – في هذا الموضع لحماية حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والدفاع والذَّبِّ عنه، كي لا يَدْخُلَهُ ما ليس منه، ولو بحُسْن نية مع سُوء الفهم أو التطبيق؛ فمتى تُستعمل هذه القاعدة إذًا؟ فإن هذه المسألة التي أصبحتْ المنابر، والمجالس، والمحافل، والمجامع تَعِجُّ بها عَجًّا وَعَجِيجًا([214])، وأصبحتْ الكُتُبُ بسببها طافحةً بالأحاديثِ الموضوعةِ والباطلة؛ بحجة أن هذا من باب الفضائل، أو يُعْمَل به في هذا الباب الذي تساهل فيه عدد من العلماء!! فإن لم تُستعمل هذه القاعدة في قطْع دابر هذا الدخيل على الحديث النبوي؛ فقُلْ لي بربِّك: متى تُستعمل، وتكون حائلا بين الحديث النبوي وما يُلْصَق به مما ليس منه؟!!

هذا، ومن القائلين -أنفسهم- بهذه القاعدة من يعيب على بعض العلماء تفسيرَهُم اندراجَ الحديث الضعيف تحت أصل عام بما سبق تفسيره، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- لما تكلم على كلام الأئمة: كابن المبارك، وابن مهدي، وابن حنبل؛ قال -ما معناه-: من نسب إلى الأئمة أنهم يعملون بالحديث الضعيف في باب الفضائل في هيئة العبادة وصفتها إلى غير ذلك؛ فقد كذب عليهم بإجماع.

والمخالفون لنا وله قالوا: من أين لك هذا؟ وأَتَوْا بأدلة ووقائع عينية -في نظرهم- فيها أسئلة وُجِّهَتْ لهؤلاء العلماء، وأطلقوا فيها الجواب بالعمل بالضعيف في فضائل الأعمال.

إذًا فالقائلون بهذه القاعدة من العلماء منهم المسْتَنْكِرُ لهذا الإطلاقِ الواردِ عن بعض العلماء الأوائل؛ ولذلك اضْطُّر إلى وَضْع شروط وقيود للعمل بها لم يُسْبَقْ إليها، وقد فَسَّر بعضُهم بعضَ الشروط بما يَحْمي الحديثَ النبوي -إلى حدٍّ كبير-من الاستعمال الخاطئ للقاعدة، ومع ذلك فلم يَرْضَ بهذا كثير من المتأخرين المُسَهِّلين والمبالغين في العمل بهذه القاعدة.

فَمِنْ شُروط المجيزين: تفسيرهم الاندراج تحت أصلٍ عامٍّ بخلاف ما أطلقوه، وكذلك ألا يُعْتَقَد عند العمل بالحديث الضعيف ثُبُوتُهُ، كي لا يُظَنَّ أن الحديثَ الضعيفَ منسوبٌ إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وألا يُشْهَرَ ذلك؛ كي لا يُقْتَدى به، وهذا الشرط ذكره الحافظ ابن حجر
–رحمه الله – حيث قال: «وينبغي مع ذلك اشتراط أن يَعْتَقِدَ العاملُ كونَ ذلك الحديث ضعيفًا، وأن لا يُشْهَر بذلك؛ لئلا يَعْمَلَ المرءُ بحديث ضعيف، فَيُشَرِّعَ ما ليس بشرع، أو يراه بعضُ الجهال، فيظن أنه سنة صحيحة»، وقد سبقه إلى هذا ابن دقيق العيد –رحمه الله-.([215])

وهكذا نجد أنه كلما وَجَدَ العالمُ من علمائنا أن هناك ثَغْرةً تتسلّل منها الأحاديث الواهية إلى الحديث النبوي؛ فإنه يبادر فيضع شرطًا زائدًا -على شروط من قبله- لهذه القاعدة، أو يفسِّر شرطاً شرطه من قبله بما يَدْفَع به
-إلى حد كبير- هذا الاستعمال السيّئ لها، فالقائلون بهذه القاعدة-أنفسهم- مختلفون في معنى هذه الشروط، فأين دعوى الإجماع التي يدعيها بعضهم، والعلماء القائلون بذلك لم يتفقوا أصلًا فيما بينهم-إلا في جزء معين-؛ فضلًا عمن خالفهم فيما ذهبوا إليه من العلماء؟

ولذلك فالحديث الضعيف الذي ينفرد بِذْكر ثوابٍ مخصوصٍ على فِعْلٍ ثابتٍ بأدلة أخرى؛ لا تطمئن إليه النفس؛ لأنه إخبار عن الله –عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وإذا كان ذلك كذلك؛ فلا يُؤْخَذ هذا إلا بما جاء عن الله، أو ثَبَتَ عن رسوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَسَلَّمَ -.

فالوعد والوعيد كلاهما أمرٌ غيبي، والإخبار عن الغيب يحتاج إلى ثبوت الشيء بالطرق والوسائل المعمول بها عند أهل هذا الشأن؛ لأنه يَشُقُّ على العاملِ بالضعيفِ، المداومِ عليه، والحريصِ على التعبد به؛ اعتقادُ عدمِ ثبوته، والواقعُ خيرُ شاهد.

الدليل الرابع:

استدل القائلون بالمنع من العمل بهذه القاعدة، بقول الله –عز وجل: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ] {المائدة:3}.

وَوَجْهُ الاستدلال بهذه الآية: أننا اتفقنا على أن الحديث الصحيح، والحديث الحسن من جملة هذا الدين، واختلفنا فيما دون ذلك.

فالأمر المتفق عليه يكون من الدين، والمختلف فيه يكون من الزيادة في الدين، وهي داخلة في عموم الحَدَث عندنا، وقد ورد التحذير منه بقوله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ»([216])؛ فلا نُسَلِّم بإدخال الشيء المتنازع فيه من جملة هذا الدين.

وأيضًا: فالدين قد اكتمل بالقرآن الكريم والثابت من السنة؛ فما زاد عن ذلك إدخالُ ما ليس منه في الدين، وهذه بدعة، لا سيما أنه يُقْصَدُ بها التعبُّد، ثم إن إدخال شيءٍ في الدين، وهو غريب عنه فيه استدراك على رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ونِسْبَةُ ما ليس من كلامه إليه -صلوات الله وسلامه عليه-.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -: «الْمُحْدَثُ فِي الْفِقْه، والتعَبُدُّ الْمُحْدَثُ: كالتصوف الْمُحْدَثِ، والسياسة المُحْدَثةِ، يظنّ طوائف من النَّاس أَن الدّين مُحْتَاج إِلَى ذَلِك، لَا سِيمَا كل طَائِفَة فِي طريقها، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك؛ فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ] {المائدة:3} إِلَى غير ذَلِك من النُّصُوص الَّتِي دلّت على أَن الرَّسُول عَرَّفَ الْأمة جَمِيع مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من دينهم، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ] {التوبة:115}.

وَقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَرَكْتُكُم على الْبَيْضَاء: لَيْلهَا كنهارها، لَا يزِيغ بعدِي إِلَّا هَالك» وَقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّه من يَعِشْ مِنْكُم بَعْدِى؛ فسيرى اخْتِلَافا كثيرا؛ فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بَعْدِي؛ تمسَّكُوا بهَا، وعَضُّوا عَلَيْهَا بالنواجذ» فلولا أَن سنته وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين تَسَعُ الْمُؤمنَ وَتَكْفِيه عِنْد الِاخْتِلَاف الْكثير؛ لم يَجُزْ الْأَمر بذلك»([217]).

الدليل الخامس:

مما ذَكَره المانعون من العمل بالحديث الضعيف في الفضائل، قولُهم: كيف ينفرد راوي هذا الحديث الضعيف بما لم يَعْرِفْهُ رواةُ الحديث الصحيح أو الحسن، الرواةُ لأصل الحديث دون ذكرٍ منهم للثواب أو العقاب الذي انفرد به الضعيف؟ فهذا يُدْخِلُ في قلوبنا الريبة من رواية الضعيف، ولا نعمل بها، لا سيما إذا اتَّحَدَ المخرجُ؛ فإن ما زاده الضعيف -حينئذٍ- يكون زيادةً منكرةً!!

الدليل السادس:

تَحْذِيرُ أئمة الحديث من الرواة الذين يروون عن كل أحد، ولا يتحاشَوْن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، وأهل التهمة والكذب والمـَيْن، حتى قالوا: «فلانٌ حاطبُ ليل»، أو «يجمع التِّبْرَ مع التِّبْنَ»، أو «فلان يبيع اللحم مع العظام، والغَثَّ مع السَّمين» والذين يروون الحديث الضعيف ويُمشُّونه في كتبهم ومجالسهم -وكذا ما هو أشد ضعْفًا منه- ويعملون بهذا كله؛ حَالُهُم أَشَدُّ من حال حُطَّاب الليل، فالأولون إنما كانوا يَرْوُون عن الراوي الضعيف أو عن الثقة والضعيف، ومن أراد أن يَعْمَلَ بالحديث؛ فلْيَبْحَثْ في رجال إسناده، والمتأخرون يَرْوُونه، ويَعْمَلُون برواية هذا الضعيف، بل وينشرونه في الناس، وفي المحافل العامة، ويمنعون من بيان ضعْفه لمن سمعه منهم، أو أراد أن يَقْتَدِي بهم!!!؛ فتحذير هؤلاء الأئمة ممن سبق وصْفُهم؛ دليل على عدم العمل بما يروونه، فضلاً عن التعبد به، ونَشْرِه في عوامِّ الناس دون بيان حاله.

(فائدة): في معنى البدعة الإضافية.

الدليل السابع:

قالوا -أيضًا-: قولكم أيها المجيزون بشرط الاندراج تحت أصل عامٍّ؛ شبيهٌ بالبدعة الإضافية، التي يكون أَصْلُهَا ثابتًا في الشريعة، ثم أُلْحِقَ بها أمرٌ ليس بثابت([218])، قالوا: فأنتم الآن إن كنتم تجوِّزون ذلك؛ فَجَوِّزوا القول بالبدعة الإضافية، كمن يُسَبِّح دُبُر كل صلاة -مثلًا- بدل ثلاث وثلاثين تسبيحة، فيسبح أربعين تسبيحة مثلًا-بحجة أنه من الإكثار من ذكر الله- فأضاف شيئًا على الثابت في الشرع من جنسه، وتعبَّدَ الله بأن هذا أكثر قُربةً وأجْرًا؛ لكونه أكثرَ في العدد، وهذا فيه تعقُّبٌ على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-!!!

الدليل الثامن:

واستدل المانعون من العمل بهذه القاعدة بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من حدَّث عَنِّي بحديث يَرَى -أو يُرَى- أنه كَذِبٌ؛ فهو أَحَدُ الكاذِبَيْنِ، أو أحد الكاذِبِين»([219])، قالوا: هذا فيمن رَوَى أو حَدَّث، فكيف بمن عمل، ودعا غيره للعمل به؟!

وهذا الحديث يشمل الكذبَ الاصطلاحيَّ، والكذبَ اللُّغَويَّ، ومعروف عند أهل الحجاز: أنهم يُطْلِقُون الكذب على مُطْلَقِ الخطأ([220])، فَمَنْ حَدَّث بحديث، ونسبه إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو لا يَعْلم أنه من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أم لا؛ فهو داخلٌ تحت هذا الحديث، فكيف وأنتم تَعْلَمون أن الحديث الضعيف ليس من حديث رسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل تمنعون من أراد أن يُبَيِّنَ حاله؟! ومع ذلك ترْوُونه وتعْمَلُون به، بل تُدْخِلُونَهُ في كتبكم، وتتحدثون به في المحافل العامة، فينتشر انتشار النار في الهشيم؟! وقد ذَكَر مجمل هذا الاستدلال، الحافظُ أبو حاتم ابنُ حبان البُسْتِي –رحمه الله- في كتابه «المجروحين»([221]).

فقد قال -رحمه الله-: (باب ذِكْرِ التغليظِ في الكذب على رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-) وبعد أن ذَكَرَ عِدَّة أدلة في عدم الرواية عن الضعيف، قال: «ذِكْرُ خَبَرٍ ثانٍ يُصَرِّح بصحة ما ذكرناه»….، وساق الحديث السابق، ثم قال أبو حاتم ابن حبان -رحمه الله-: «في هذا الحديث، أو في هذا الخبر دليل على صحة ما ذَكَرْنا: أن الـمُتحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مما تُقُوِّلَ عليه، وهو يَعْلَم ذلك؛ يكون كأحد الكاذِبِين، على أن ظاهر الخبر ما هو أَشَدُّ، وذاك أنه قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ رَوى عَنِّي حديثًا، وهو يُرى أنه كَذِبٌ» ولم يَقُلْ: «إنه يَتَيَقَّنْ أنه كَذِبٌ».

قال: «فكُلُّ شاكٍّ فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح؛ داخلٌ في خطاب هذا الخبر».

قال: «ولو لم يُتَعَلَّم التاريخُ، وأسماءُ الثقات والضعفاء، ومن يجوز الاحتجاج بأخبارهم ممن لا يَجُوز إلا لهذا الخبر الواحد؛ لكان الواجب على كل مَنْ يَنْتَحِلُ السُّنَنَ أن لا يُقَصِّر في حِفْظ التاريخ؛ حتى لا يَدْخُل في جُمْلة الكَذَبَةِ على رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-».

إلى أن قال -رحمه الله -: «ذِكْرُ خَبَرٍ ثالث، … وساق حديث: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»، ثم قال -رحمه الله-: «في هذا الخبر زَجْرٌ للمرء أن يُحَدِّث بكل ما يسمع، حتى يَعْلَم على اليقين صِحَّتَهُ، ثم يـُحَدِّثَ به دون ما لا يَصِحُّ على حَسْبِ ما ذكرناه قَبْلُ»([222]).

وللمانعين من العمل بهذه القاعدة أن يقولوا: هذا كلام الحافظ ابن حبان، ظاهره المنع من رواية المكذوب وغير المكذوب!!

أما المكذوب: فلقوله -رحمه الله -: «ما تُقُوِّلَ على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو يَعْلَمُ ذلك، ولظاهر الخبر «مَنْ رَوى عَنِّي حديثًا، وهو يُرى أنه كَذِبٌ»، قال: ولم يَقُلْ: إنه تَيَقَّن أنه كَذِبٌ.

وأما غير المكذوب: فهو لقوله –رحمه الله -: «فهو شاكٌّ في صحتهِ، أو حتى يَعْلَمَ صِحَّتَه من غيره»، إلى غير ذلك.

قالوا: فهذا مَنعٌ عامٌّ من رواية الضعيف أو المشكوك في صحته؛ وهذا فَهْمٌ لبعض العلماء المحدثين لهذا الحديث العام.

الدليل التاسع:

قال المانعون أيضًا: لماذا أنتم أيها المجيزون لهذه القاعدة تتشبثون بالعمل بهذه الأحاديث الضعيفة في باب الفضائل؟

هل أنتم قد عمِلْتُم بكل الأحاديث الصحيحة والحسنة في باب الفضائل، وَفَرَغْتُمْ من ذلك كله، وما بقي إلا الأحاديث الضعيفة أمامكم؟

هل أنتم انتهيتم من الرواية والعمل بكل ما ثَبَتَ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في هذا الباب؛ حتى تبحثوا عن هذا الحديث الضعيف، وتَنْشُروه بين الناس؟

أما يَكْفِينَا ويَكْفِيكُم ما ثَبَتَ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الأحاديث الصحيحة والحسنة؟

فما هو السبب في هذه الهمة العالية عندكم في جَمْع الأحاديث هذه، وبَثِّهَا في الكتب والمجالس والمجامع والمدارس؟ ونحن وأنتم في كثير من الأحوال لم نَعْمَلْ بأكثر ما صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟

لقد كان الأَحْرَى بكم؛ لا سيما والعُمُر قصيرٌ، والعلْمُ كثيرٌ، أن تَشْغَلُوا الوقت بما صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأن تُقَدِّمُوا الأَهمَّ فالأَهمَّ.

الدليل العاشر:

قال المانعون أيضًا: أما تعلمون أيها المجيزون أن الفضائل والمكارم هذه من جملة هذا الدين؛ وأن نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»([223]).

فالمؤمن يَجْزِمُ بأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يَدَع شيئًا من المكارم والفضائل والآداب إلا وأخبرنا به، ودلّنا وحَثَّنَا عليه، فهذا من جملة ما بُعِثَ من أَجْلِهِ نبينا الكريم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قد أَشْهَدَ رَبَّهُ على أنه قد بَلَّغَ أُمَّتَهُ، وشهادَتِهِم له بذلك،([224]) وإذا كان لا يَدَع شيئًا من المكارم إلا وقد أخبرنا به؛ فمن باب حِفْظ هذا الدين، وأن الله –عز وجل -قد تكَفَّل بحفظِهِ؛ فلابد أن يُبَلِّغنا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كل ما هو ثابت من الفضائل والمكارم، فَلِمَ نَذْهَبُ بعد ذلك إلى غيرهِ، ونَتَشَبَّثُ به؟

هذا؛ وأكثر هذه الإلزامات والجواب عليها؛ قد افترضتُها من عندي للطائفتين طالما أنها واردة عقلا، وليس هناك ما يمنعها شرعا؛ لأن المراد هو الوصول إلى الحق، وهذا يقتضي ذِكْرَ ما يمكن أن يَسْتدل به كل فريق على قوله، وذِكْرَ ما يُمْكِن أن يجيبَ به كل فريق على الآخر، وترجيحَ الراجحِ في النهاية.

شُبْهةٌ والردُّ عليها:

فإذا قال المجيزون: إن قواعد العلماء قد رخَّصت لنا في العمل ببعض الحديث الضعيف، وإذا كان ذلك كذلك؛ فهذا الجزء يكون من جملة هذا الدين.

فالجواب: أليس منهجُ العلماء والمحدثين معروفا بالاحتراز، والتيقظ، والتوَّقي لحديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كي لا يَدْخُل في الدين ما ليس منه؟

أليس العلماءُ كانوا يقفون في حديث الرجل كُلِّه إذا جُرِّبَ عليه الاختلاط في مجلسٍ واحد، حتى يتأكدوا من أن ما أَخَذَه الرواة عنه كان قبل اختلاطه؟!

أليسوا كانوا يقفون في حديث الرجل كُلِّه إذا جُرِّبَ عليه التدليس في عدة مواضع، حتى يُصرح بالتحديث عن شيخه الذي يروي عنه الحديث؟!

أليسوا كانوا يَقِفُون في حديث الرجل إذا عُلِمَ عنه المخالفة في بعض المواضع، حتى يترجح لديهم أنه لم يَهِمْ فيما انفرد به من زيادة، أو أنه قد تُوبع عليها؟!

كل هذا كان من علمائنا من باب التوقي والتحرز والخشية من أن يَدْخُلَ في الدين ما ليس منه، ثم بعد ذلك تقولون: الظن المتساوي في القبول أو الرد هو من جملة الدين، بل تنسبون هذا إلى العلماء، أين أنتم من منهج العلماء وأصولهم الراسخة الثابتة؟

فالمتوقع أن المجيزين للعمل بالضعيف في الفضائل لا دليل لهم في مثل هذا المقام الدقيق، إلا أن يقولوا: هل أنتم أعلم من العلماء الذين أجازوا العمل بهذه القاعدة؟

والجواب: أن العلماء لهم كلمات مُطلقة، وهناك من قيّدها، أو هناك من العلماء أيضًا من نازعهم فيها؛ ولم يتفق العلماء على هذا القول بقبول هذه القاعدة، إنما لهم شروط تُقَيِّد هذا الإطلاق، وإذا اختلف العلماء؛ رجحنا بين أقوالهم بما تشهد له الأدلة.

وقد قال عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله- وهو من المُسَهِّلين في العمل بالحديث الضعيف في الفضائل-: «لا يَنْبَغِي للرجل أن يَشْغَل نفسه بكتابة أحاديث الضعفاء؛ فإن أقَلَّ ما فيه: أن يَفُوتَهُ بقَدْر ما يَكْتُبُ من حديث أهل الضعف يَفُوتُه من حديث الثقة»([225]).

وقال ابن المبارك -رحمه الله- وهو من المُسَهِّلين كذلك في العمل بهذه القاعدة: «لَنَا فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ شُغُلٌ عَنْ سَقِيمِهِ»([226])

فالعُمُرُ قصير، والعَمَلُ أو العلم كثير، فإن اشتغل المرء بأحاديث الضعاف؛ ضيَّع أحاديثَ الثقات، فاشْتَغِلْ يا طالب النجاة في الدارين أولًا بالثقات ورواياتهم.

فهذا كلام الإمام ابن مهدي -رحمه الله-، وهو ممن يَرَى العملَ بالقاعدة المذكورة، وممن يقول: «إذا رُويِّنا في الحلال والحرام؛ شَدَّدْنا، وإذا رُويِّنا في الفضائل؛ تساهلنا» فلا بد أن يُحْمَلَ كلامه على أنهم أجازوا ذلك في حالات ضيقة، وظني أنهم لو رأَوْا ما وَصَلَ إليه حالُ مَنْ يَدَّعُون -في هذا العصر- اتباعَهُمْ في ذلك، والأخذَ بقواعدهم؛ لكان لهم شأن آخر؛ بدليل أن من جاء بعدهم من العلماء، أضافوا لهذا القول المطلق بالجواز شروطا وقيوداً، وفَسَّرُوا بعض كلام من سبقهم بما يحمي السنة -في نظرهم- مما أراده المخالفون والمتذرِّعون بهذه القاعدة، والمتمسِّحون بكلام العلماء، وهم عنه بمعْزِل.

الدليل الحادي عشر:

واستدل القائلون بالمنع من العمل بالحديث الضعيف في باب فضائل الأعمال وغيره بما رُوِيَ عن شعبة بن الحجاج –رحمه الله- أنه بَحَثَ عن حديثٍ واحد في باب الفضائل بحثًا عظيمًا، وانتقل من بلدٍ إلى بلد، ومن مدينةٍ إلى أخرى، وهو يبحث عن صحة حديثٍ في باب الفضائل.

فلو كان الأمر كما تقولون: إن العلماء أجمعوا على الترخيص في العمل بالضعيف، وروايته في باب الفضائل؛ فلماذا هذا الجُهْدُ العظيم الذي بَذَله شعبة؟ فقد كان يَكْفي شعبةَ أن يقول: هذا من باب الفضائل، ويأْخُذَ به وهو في داخل داره، ويصرف هذا الجهدَ الذي بذله في رحلته تلك بالبحث عن أحاديث أخرى في باب العقائد والأحكام مثلًا!!([227])

هذه خلاصة ما يُمكن أن يُقال حول هذا الخبر، أو حول هذا الأثر، لكن للقائلين بالجواز أن يُجيبوا بأجوبة على هذا الاستدلال، وهي:

أولًا: هذا الأثر من طريق نصر بن حماد، وهو مُتهم، فكيف تحتجون علينا بسند فيه متهم؟ نعم، قد جاء من غير طريق نصر بن حماد، لكن ليس فيه موضع الشاهد الذي أنتم تستدلون به، وذلك في «الجرح والتعديل»([228]) فقد جاء هذا الأثر بإسناد صحيح، لكن بدون تفصيل هذا الشاهد، مما يدل على أن موضع الشاهد لكم فيه لا يُلتفت إليه.

ثانيًا: أننا لو سلَّمنا بأن أثر نصر بن حماد صحيح ثابت؛ فهل يلزم من ذلك الرحلة والتفتيش عن صحة ما رُوِيَ في باب الفضائل؟ فمن الممكن أن يُقال: إن شعبة رحل ليتأكد من سماع عبد الله بن عطاء من عقبة بن عامر؟

فإنه ذُكِر له أنه سمع منه، وهو مُسْتَبْعِدٌ له، ولذلك قال لأبي إسحاق: هل سمع عبد الله بن عطاء من عقبة بن عامر؟ فشعبة لما رأى الأمر مُريبًا؛ أراد أن يتثبت من السماع، فلما وجد واسطة؛ أراد أن يبحث عنها، فوجد واسطة ثانية، وثالثة، ورابعة، فكان البحث لذلك فقط، ليس لعدم العمل بالرخصة، وأن باب الفضائل لا يُعْمَلُ بضعيف السند فيه، ولكن من المعلوم أن شعبة كان يهتم بمسألة السماع، فلعله رَحَل هذه الرحلة الشاقة من أجل أن يَحْفَظَ لنا سماع عبد الله بن عطاء من عقبة بن عامر، أم لا؟

لكن قد يقول قائل: في القصة -لو صحَّ سنَدُها- أن شعبة لما أُخْبِر بشَهْر، وأن الحديث من طريقه؛ قال: دمَّرَ عليَّ شَهْرٌ هذا الحديثَ، ولو صح لي؛ لكان أحب إلي من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين، وظاهر هذا أن الرحلة لم تكن للتأكد من صحة السماع فقط، ولكن كانت للتأكد من ذلك ومن ثقة رجال السند، وإن كان هذ في باب الفضائل، ولكن الذي يظهر -أيضًا- أن هذا ليس بمُلْزِم.

وعلى كُلِّ حال: فالعُمدة للمجيزين في الردِّ على المانعين: على عدم صحة هذا الإسناد، والله تَعَالَى أعلم.

الدليل الثاني عشر:

ومما قال المانعون: أين نحن من قول العلماء: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء» و«بيننا وبين القوم القوائم» «والإسناد كالسُّلَّم، فمن أراد أن يَطْلَعَ السطح؛ فلا يَطْلَعُ بدون سُلَّم» إلى غير ذلك من كلماتهم([229]).

وقد كان النقاد يَعُدُّون حديث الرجل كلمةً كلمةً، فإذا رواه مرة أخرى، وزاد فيه كلمةً؛ صاحُوا به، فكيف نستسيغ لأنفسنا العمل بقاعدة تأتي على تلك الجهود من جذورها وأصولها؟ بل ونمنع من أراد أن يبين للناس ضَعْفَ الروايات التي رواها غير الثقات؟!

الدليل الثالث عشر:

واستدل المانعون أيضًا بما كان عليه الصحابة –رضي الله عنهم- وتابِعيهم بإحسان، من التحري والتدقيق والاحتياط في الرواية عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- والأمثلة على ذلك كثيرة، فمن ذلك ما رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» عن سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه- قال: «ما يمنعني من الحديث عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن لا أكون أكثر أصحابه حديثا، ولكني أكره أن يَتَقَوَّلُوا عَلَيَّ»([230])

وروى الحاكم أيضاً عن مالك-رحمهما الله-أنه قال: «لقد حَدَّثْتُ بأحاديث، وَدِدْتُ أني ضُرِبْتُ بكل حديث منهما سوطين ولم أُحَدِّثْ بها»

قال الحاكم -رحمه الله-: فمالك بن أنس على تحرجه، وقلة حديثه يتقي الحديث هذه التقية؛ فكيف بغيره ممن يحدث بالطِّمِّ والرِّمِّ([231]).

ثم قال الحاكم -رحمه الله-: «هذه التقية التي ذكرناها عن الصحابة والتابعين وأتباعهم كل ذلك ليميزوا بين الصحيح والسقيم؛ فَيَسْلَمُوا من التحديث-يعني بالضعيف-»([232]).

الدليل الرابع عشر:

واستدل المانعون أيضًا بقلة تحديث كثير من أكابر الصحابة -رضي الله عنهم- مع طول صحبتهم للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكثرة ما تحملوه عنه من العلم.

فقد قال الإمام النووي -رحمه الله-: «وأما توقُّفُ الزُّبَيْرِ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ –رضي الله عنهم- فِي الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا؛ فَلِكَوْنِهِمْ خَافُوا الغلط والنسيان، والغالِطُ وَالنَّاسِي، وَإِنْ كَانَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى تَفْرِيطٍ لِتَسَاهُلِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ».([233])

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «فَإِنَّ مَا انْفَرَدُوا بِهِ مِنْ الْعِلْمِ عَنَّا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهِ، فَلَمْ يَرْوِ كُلٌّ مِنْهُمْ كُلَّ مَا سَمِعَ، وَأَيْنَ مَا سَمِعَهُ الصِّدِّيقُ –رضي الله عنه- وَالْفَارُوقُ-رضي الله عنه- وَغَيْرُهُمَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ
–رضي الله عنهم- إلَى مَا رَوَوْهُ؟ فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ صِدِّيقُ الْأُمَّةِ مِائَةَ حَدِيثٍ، وَهُوَ لَمْ يَغِبْ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي شَيْءٍ مِنْ مَشَاهِدِهِ، بَلْ صَحِبَهُ مِنْ حِينِ بُعِثَ، بَلْ قَبْلَ الْبَعْثِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَانَ أَعْلَمَ الْأُمَّةِ بِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَجِلَّةُ الصَّحَابَةِ رِوَايَتُهُمْ قَلِيلَةٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا سَمِعُوهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ، وَشَاهَدُوهُ، وَلَوْ رَوَوْا كُلَّ مَا سَمِعُوهُ وَشَاهَدُوهُ؛ لَزَادَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا صَحِبَهُ نَحْوَ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْكَثِيرَ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ «لَوْ كَانَ عِنْدَ الصَّحَابِيِّ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؛ لَذَكَرَهُ» قَوْلُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ سِيرَةَ الْقَوْمِ وَأَحْوَالَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيُعَظِّمُونَهَا، وَيُقَلِّلُونَهَا؛ خَوْفَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَيُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ الَّذِي سَمِعُوهُ مِنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِرَارًا، وَلَا يُصَرِّحُونَ بِالسَّمَاعِ، وَلَا يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-»([234]).

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ اخْتِيَارِ قِلَّةِ التَّحْدِيثِ دَلِيلٌ لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً، وَالْمُخْطِئُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْثُومٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لَكِنَّ الزُّبَيْرَ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالْخَطَأِ؛ لَكِنْ قَدْ يَأْثَمُ بِالْإِكْثَارِ؛ إِذْ الْإِكْثَارُ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ، وَالثِّقَةُ إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ، فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ خَطَأٌ؛ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ لِلْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لم يَقُلْهُ الشَّارِع، فَمن خشِي من الْإِكْثَار الْوُقُوعَ فِي الْخَطَأِ؛ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَارَ، فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ، وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ، أَوْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ؛ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ، فَسُئِلُوا؛ فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْكِتْمَانُ –رضي الله عنهم- »([235]).

الدليل الخامس عشر:

واستدل المانعون بكلامٍ للإمام مسلم -رحمه الله- في «مقدمة صحيحه»، فقد قال عنه الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: «وظاهِرُ كلام مسلم يقتضي أنه يرى أن الفضائل والأحكام لا تُؤْخَذُ إلا مما صَحَّ أو ثَبَتَ عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-»([236]).

* وهذه عِدةُ مواضع من كلام الإمام مسلم -رحمه الله- في «مقدمة صحيحه»:

فقد قال -رحمه الله-: (باب وجوب الرواية عن الثقات، وترك الكذابين، والتحذير من الكذب على رسول الله -عليه الصلاة والسلام-).

قال: «اعلم – وفقك الله تعالى-أن الواجب على كل أحدٍ عَرَفَ التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين؛ ألا يَرْوِيَ منها إلا ما عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ، والسِّتارةَ في ناقليه، وأن يَتَّقِيَ منها ما كان منها عن أهل التُّهم والمعاندين من أهل البدع»([237]).

قلت: وللقائلين بالجواز أن يقولوا: ظاهر هذا القدر من كلام الإمام مسلم -رحمه الله-: أنه يتكلم في حديث المتهمين، ونحن لا نخالفكم في هذا النوع، أو في هذا الصنف، إنما نحن نخالفكم في نوع آخر، ألا وهم أهل الضعْفِ الخفيف في حفظهم، وهم من أهل الصدق والديانة.

وأُجيب: بأن كثيرًا من القائلين بهذه القاعدة يرون جواز العمل بالحديث ما لم يكن مكذوبًا، فيدخل فيه أيضًا جزء من حديث أهل الضعف الشديد، ورواية من غلب عليهم الوهم، أو من فَحُشَ خَطَؤُهم أو غَلَطُهم، بل ظاهر صنيع كثير من المتأخرين المجيزين لهذه القاعدة العملُ بالموضوعات والبواطيل في الفضائل أيضًا.

قال المانعون: وقد قال الإمام مسلم –رحمه الله- في (باب ما تَصِحُّ به روايةُ الرُّوَاةِ بعضِهم عن بعض): «وأشْبَاهُ ما ذَكَرْنا من كلام أهل العلم في مُتَّهمي رواة الحديث، وإِخْبَارِهِم عن معايبهم كثير، يطوُلُ الكتاب بِذْكره على استقصائه، وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن تَفَهَّم وعَقَلَ مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا، وإنما أَلْزَمُوا أنفسَهم الكشفَ عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفْتَوْا بذلك حين سُئلوا لما فيه من عظيم الخَطَر؛ إذِ الأخبارُ في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب».

قال -رحمه الله-: «فإذا كان الراوي لها ليس بمعدنٍ للصدق والأمانة، ثم أَقْدَمَ على الرواية عنه مَنْ قد عَرَفَه، ولم يُبَيِّن ما فيه للغير ممن جَهِلَ معرفته؛ كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًّا لعوامِّ المسلمين؛ إذْ لا يُؤْمَن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكْثَرَها أكاذيب لا أَصْلَ لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ؛ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلَا مَقْنَعٍ»([238]).

قلت: وظاهر ما سبق من كلامه أنه يريد المتروكين والكذابين أهل التهمة، ومن يُقال في أحدهم: ليس بثقة، ولا مَقْنَع، أو غَيْر مَقْنَع، وهذه كلمات لا تقال إلا في الجرح الشديد.

إلا أن مسلمًا -رحمه الله- لم يقتصر على التحذير من الرواية عن هذا القسم فقط، بل قال: «وَلَا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضِّعَافِ، وَالأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ، وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا وَالِاعْتِدَادِ بِهَا إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِّ؛ وَلِأَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلَانٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَلَّفَ مِنَ الْعَدَدِ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي الْعِلْمِ هَذَا الْمَذْهَبَ، وَسَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ؛ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ بِأَنْ يُسَمَّى جَاهِلًا أَوْلَى مَنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى عِلْمٍ» اهـ.

قلت: فالقائلون بالمنع يُسْتَدلُّ لهم بكلام الإمام مسلم، فقد جعل تحذيره شاملا لرواية ما فيه تحليل وتحريم، وترغيب وترهيب، وسواء كان من جهة من اشتدّ جَرحُهم، أو خَفّ جَرْحُهم من أهل الضعف والجهالة والتوهن، والله أعلم.

وفيما قاله الإمام مسلم -رحمه الله- ما يدل على أنه ممن لا يرى رواية الحديث الضعيف في الفضائل والأحكام، إلا مع بيان حال رواته، وقد سبق ذلك من كلام الحافظ ابن رجب عن مسلم، فأين دعوى الإجماع على رواية الحديث الضعيف في الفضائل دون بيان حال رواته؟!!

فإن قيل: إن مسلمًا -رحمه الله- قسَّم الرواة إلى ثلاثة أقسامٍ، قِسْمُ الثقات المشاهير، وقِسْمُ الضعفاء الذين خفَّ ضعفهم، وقِسْمُ المتروكين والكذابين؛ فأعرض عن أحاديث القسم الأخير، وأخرج للقسمين الأوَّلَيْن، وهذا يدل على أنه يرى العمل بالحديث الضعيف في الفضائل!!

والجواب على هذا: أنه بعيدٌ، وخلافُ الواقع، فمسلم –رحمه الله-أَدْخَلَ رواية الراوي الضعيف عنده في باب الأحكام وفي باب الفضائل، وليس في باب الفضائل فقط، والعلماء لهم اعتذارات لصاحبي الصحيح في إدخالهما روايةَ الرجل الضعيف عندهما، وقد أجاب مسلم عن ذلك لمحمد ابن مسلم بن وارة-رحمهما الله- ، بأنه أدخل حديث بعض الضعفاء في «صحيحه» للعُلُوِّ في رواياتهم، وإلا فأصل الحديث ثابت من رواية الثقات عنده بنزول، فقبِل ذلك منه ابن وراة، ورضي عنه، وحدّثه بعد أن كان قد امتنع من تحديثه، كما حكاه عمرو بن سعيد البرذعي الحافظ، وليس في هذا كله دليل لكم، والله أعلم([239]).

فمن المحتمل أن مسلمًا -رحمه الله- إنما أخرج للضعيف في الشواهد لا في الأصول، أو أخرج للضعيف ما علم أن له أصلًا، أو أخرج له ما علم أنه انتقاه من حديثه عن بعض شيوخه، وهذا كله بالإضافة إلى ما اعتذر به مسلم-رحمه الله-، والله أعلم.

فالقول بأنه ما أدخل هذا في كتابه إلا لأنه يقول بهذه القاعدة؛ قول بعيد.

وعلى كل حال: فابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في «شرح علل الترمذي» نسب إلى الإمام مسلم -رحمه الله- أن ظاهر كلامه وتشنيعه في «مقدمة صحيحه» يقتضي أنه لا يرى العمل بالحديث الضعيف في الفضائل([240]).

الدليل السادس عشر:

قال المانعون: وقد جاء عن ابن المبارك -أيضاً- الاعتناء بالبحث عن الأسانيد والتفتيش عنها حتى في باب الفضائل.

ففي «مقدمة صحيح مسلم» قال مسلم -رحمه الله-: وقال محمد: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالَقَاني، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، الحديث الذي جاء: «إن من البر بَعْدَ البر أن تُصَلِّي لأبويك مع صلاتك، وتَصُومَ لهما مع صومك» قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق، عمَّنْ؟ قال: قلتُ: هذا من حديث شهاب بن خِراش، قال: ثقة، عَمَّنْ؟ قال: قلتُ: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة، عَمَّنْ؟ قال: قلتُ: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مفاوِزَ تَنْقَطعُ فيه أعناقُ الـمَطِيِّ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف»([241]).

قال المانعون: فهذا عبد الله بن المبارك-وهو ممن تساهل في رواية الضعيف في الفضائل- بلغه حديثٌ في باب الفضائل، وسأل عَمَّنْ، عَمَّنْ، عَمَّنْ؟ ولمَّا رأى الإسناد قد انقطع؛ قال: هذه مفاوزُ تَنْقَطِعُ فيها أعناق الإبل، وما استجاز ابن المبارك أن يُحَدِّثَ بهذا الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو ينسبه إليه، واستدل بعمومات أخرى متفق عليها، مع أن هذا الانقطاع لا يلزم منه أن يكون فيه كذاب، وفي هذا دليل على أن ابن المبارك-في هذا الموضع- يرى التفتيش في الأسانيد، حتى في أحاديث الفضائل، وكثير ممن جاء عنهم التساهل في رواية الضعيف في الفضائل جاء عنهم التفتيش في الأسانيد التي رُوِيَت بها الفضائل والأحكام.

وقد قال ابن المبارك -رحمه الله-: «لَنَا فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ شُغُلٌ عَنْ سَقِيمِهِ»([242]).

أما القائلون بهذه القاعدة: فلهم أن يُجِيبُوا على المانعين المستدلين بهذا الكلام عن ابن المبارك من عدة وجوه:

الأول: أن ابن المبارك ثَبَتَ عنه أنه قال: «إذا رُوِّينا في الحلال والحرام؛ شَدَّدْنا، وإذا رُوِّينا في الفضائل؛ تساهلنا، أو تسامحنا»، فهو من القائلين بهذه القاعدة.

ثانيًا: ها هو ابن المبارك -رحمه الله- قد ذَكَر الأثر، وبين حاله، ثم قال: «ولكن ليس في الصدقة اختلاف» أي يُتصَدَّق عن الوالد، فهذه مسألة ما فيها خلاف.

قالوا: فلو صح الحديث؛ لكان إلى قولنا – نحن المجيزين- أقرب من قولكم أيها المانعون.

ويجاب عن جواب المجيزين: بأن ابن المبارك -رحمه الله- لم يَسْتَحِلَّ أن يَقْبل حديثا لا يُعْرَف سَنَدُهُ، ويعُزوه إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكيف إذا عُرِفَ ضَعْفُهُ؟ وهذا شاهدٌ للمانعين.

وأيضاً: فإن ابن المبارك -رحمه الله- لمَّا عَرَفَ إسناده، وظَهَرَ له الانقطاعُ الواضح الجليُّ فيه؛ قال ما قال، والحديث في باب الترغيب والترهيب.

وقوله: «لكن ليس في الصدقة اختلاف» أي ليس هناك اختلاف في فضْل الصدقة، وذلك لثبوت فضلها بأدلة كثيرة، وهناك أحاديث يقويها بعض العلماء في الصلاة للوالدين([243])، وقد يكون ابن المبارك يرى صحتها، ولذلك قال ما قال، وانظر «شرح النووي لصحيح مسلم» ففي كلامه ما يُقَوِّي حجة المانعين، والله أعلم.

الدليل السابع عشر:

ذكر القائلون بالمنع أن المنع هو ظاهر كلام البخاري، فقد قال جمال الدين القاسمي في «قواعد التحديث» -مستدلا به على المنع-: إنه ظاهر كلام البخاري، فقد قال: «والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضًا؛ يدل عليه شَرْطُ البخاري في «صحيحه» وتشنيعُ الإمام مسلم على رواية الضعيف، كما أسلفناه»([244]).

فإن قال المجيزون: إن مذهب البخاري يدل على أن ذلك شرطٌ في «صحيحه» لا في الصحة!!

فالجواب: أن التَّشْدِيدَ في إثبات الصحة ليس تَشْدِيد البخاري وحده، بل إن الإمامَ أحمدَ والأئمةَ كُلَّهم يُشَدِّدُون في السماع، ويرونه شرطا للصحة، فالقول بأن الإمام البخاري هو فقط الذي يُشدد في شرطه في السماع؛ ليس صحيحا، بل هو مذهب المحققين، كما قال الحافظ ابن رجب –رحمه الله- في «شرح العلل» : «وما قاله ابن المديني والبخاري، هو مقتضى كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع، كما تقدم عن الشافعي -رحمه الله- ، فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك: لم يَثْبُتْ لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة؛ منهم الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد، رَأَوا أنسًا، ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مُرْسَلَةٌ، كذا قاله أبو حاتم، وقاله أبو زرعة أيضًا في يحيى بن أبي كثير، فدل كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أَضْيَقُ من قول ابن المديني والبخاري، فإن المَحْكِيَّ عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع، وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع-رحمهم الله جميعاً-.

واعتبار السماع أيضًا لاتصال الحديث: هو الذي ذكره ابن عبد البر
-رحمه الله- ، وحكاه عن العلماء، وقوَّة كلامه تُشْعِرُ بأنه إجماع منهم، وقد تقدم أنه قول الشافعي-رحمه الله- أيضًا.

…وحكى البرديجي -رحمه الله- قولين في ثبوت السماع بمجرد اللقاء، فإنه قال: قتادة حَدَّثَ عن الزهري، قال بعض أهل الحديث: لم يَسْمَعْ منه، وقال بعضهم: سمع منه؛ لأنهما الْتَقَيا عند هشام بن عبد الملك-رحمه الله-.

ومما يستدل به أحمد وغيره -رحمهم الله- من الأئمة على عدم السماع والاتصال: أن يَرْوِيَ عن شيخ من غير أهل بَلَدِهِ، لم يُعْلَمْ أنه دخل إلى بَلَدِهِ، ولا أن الشيخ قَدِمَ إلى بلد كان الراوي عنه فيه.

نقل مهنا عن أحمد -رحمهما الله-، قال: لم يسمع زُرَارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام، وزرارة بصري.

وقال الدارقطني -رحمه الله-: لا يَثْبُتُ سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء؛ لأنهما لم يلتقيا، ومراده: أنه لم يَثْبُتْ التقاؤهما: لا أنه ثبت انتفاؤه؛ لأن نفيه لم يَرِدْ في رواية قط.

فإن كان الثقة يروي عمن عاصره أحيانًا، ولم يَثْبُتْ لُقِيُّهُ له، ثم يُدْخِلُ أحيانًا بينه وبينه واسطة؛ فهذا يَسْتَدِلُ به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه.

ثم قال: وكلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في هذا المعنى كثير جدّاً، يطول الكتاب بِذِكْرِه، وكله يدور على أن مجرد ثُبُوت الرواية لا يَكْفي في ثُبُوت السماع، وأن السماع لا يَثْبُتُ بدون التصريح به، وأن رواية من روى عمن عاصره تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة؛ يدل على أنه لم يسمع منه، إلا أن يثبت له السماع منه من وجه.

وكذلك رواية من هو من بلد عمن هو ببلد آخر، ولم يَثْبُتْ اجتماعُهما ببلد واحد؛ يدل على عدم السماع منه.

وكذلك كلام ابن المديني، وأحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبرديجي، وغيرهم، في سماع الحسن من الصحابة، كله يدور على هذا، وأن الحسن لم يصح سماعه من أحد من الصحابة إلا بثبوت الرواية عنه أنه صرح بالسماع منه، ونحو ذلك، وإلا فهو مُرْسَل، فإذا كان هذا قولَ هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله، وصحيحه وسقيمه، مع موافقة البخاري وغيره؛ فكيف يصح لمسلم –رحمه الله- دعوى الإجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المُعْتَدِّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعْرَفُ عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحِفْظِهم، ويشهد لصحة ذلك حكايةُ أبي حاتم، كما سبق اتفاقُ أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يَثْبُتْ له السماع من عروة مع إدراكه له، وقد ذكرنا من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول، لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء، فلا يَبْعُد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء»([245]).

الدليل الثامن عشر:

نقل المانعون أيضًا عن ابن معين -رحمه الله- أنه كان يرى التسوية بين الفضائل والأحكام في عدم العمل بالضعيف فيهما: ذَكَر هذا ابن سيد الناس -رحمه الله- في «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير»، قال: وممن حُكِيَ عنه الترخص في ذلك، أي في رواية الضعيف في الفضائل: الإمامُ أحمد -رحمه الله-، وممن حُكِيَ عنه التسوية في ذلك بين الأحكام وغيرها يحيى بن معين([246]).

قالوا: فقد ذَكَر ابنُ سيد الناسِ يحيى بن معين من جملة الذين سَوَّوْا بين الأحكام وغيرها في منع الرواية إلا بما صح.

ولمن يُنازِعُ في هذا أن يقول: إن يحيى بن معين سُئل عن بعض الرُّوَاة؛ فقال: خُذْ عنه ما كان في الفضائل، ولا تأخذ عنه ما كان في سُنَّةٍ([247])، فلا يُسَلَّم لكم بأن يحيى بن معين ممن قال بالمنع، فإما أن يقال: ليحيى بن معين
-رحمه الله- قولان في ذلك، وإما أن يُرَجَّحَ القول عنه بالجواز، وهذا أَوْلَى لوجود النصوص المذكورة عنه بخلاف القول بالمنع، فقد ذكره ابن سيد الناس -رحمه الله-، ولم يذكر رواية عن ابن معين بذلك.

الدليل التاسع عشر:

قال المانعون -أيضًا-: هذا كلام العلامة أبي شامة([248]) في «الباعث على إنكار البدع والحوادث»، قال – وهو يتكلم عن الحافظ ابن عساكر – قال: «كنتُ أَوَدُّ أن الحافظ لم يَذْكُرْ ذلك؛ فإن فيه تقريرًا لما فيه من الأحاديث المنكرة، فَقَدْرُهُ كان أجلَّ مِنْ أن يُحدِّث عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام -بحديث يُرَى أنه كَذِبٌ، ولكنه جرى في ذلك على عادة جماعة من أهل الحديث يتساهلون في أحاديث فضائل الأعمال»، وهو عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الفقه والأصول خطأ، بل ينبغي أن يُبَيِّن أمره إن عَلِم، وإلا دخل تحت الوعيد في قوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَسَلَّمَ – «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ»([249]).

قلت: فقوله: «على عادة جماعة من أهل الحديث» اسْتَدَل به المانعون على أن دعوى الإجماع لا تَصِحُّ.

واستدل بهذا القائلون بالمنع على منعهم، وعدُّوا أبا شامة من جملة من قال بقولهم، بل قد عزا –رحمه الله- هذا القولَ بالمنع إلى المحققين من أهل الحديث وعلماء الفقه والأصول، وليس هذا على إطلاقه، فقد سبق الترخُّصُ في ذلك عن عددٍ من الكبار، بل وكبار الأئمة!!

الدليل العشرون:

سبق أن المانعين نقلوا عن الإمام الشوكاني -رحمه الله- أنه قال: «وقد سوَّغ بعضُ أهل العلم العملَ بالضعيف في ذلك مُطلقًا، وبعضهم مَنَع من العمل بما لم تقُم به الحجة مُطلقًا» قال: «وهو الحق؛ لأن الأحكام الشرعية متساويةُ الأقدام؛ فلا يَحِلُّ أن يُنْسَبَ إلى الشرع ما لم يَثْبُتْ كونُهُ شرعًا؛ لأن ذلك من التقوُّل على الله بما لم يَقُلْه. اهـ.

ومع ذلك فقد نقل المجيزون عنه الرخصة في باب الفضائل([250]).

الدليل الحادي والعشرون:

هناك -أيضًا-كلام للشيخ أحمد شاكر،([251]) وشيخنا العلامة الألباني
-رحمهما الله تعالى([252])-وكذلك بعض أهل العلم المتأخرين والمعاصرين، كل هذا يستدل به المانعون على أن من العلماء السابقين واللاحقين من منع من هذا أيضًا.

الدليل الثاني والعشرون:

-واستدل بعضهم بأن الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «هَدْي الساري»([253]) تكلم على من سبقه في عِدَّة أحاديث «الصحيح» وأن هناك مَنْ قَلَّد غيره في العَدِّ؛ فوهِم، وأن الحافظ -رحمه الله- عَدَّ بنفسه، فرأى أن هناك أُناسًا قَلّدوا في العَدِّ فوهموا، فمما قال-رحمه الله-: «إن هذا اسْتِرْوَاحُ المُتَأَخِّرِ لكلامِ المتقدمِ، وقد لا يكون المتقدمُ قد حَرَّرَ المسألة».

قال المانعون: وهذه القاعدة المجيزة للعمل بالضعيف انتشرت عندما أخذ المتأخِّر بكلام الأئمة الأولين، الذين قالوا بهذه القاعدة، وهذا اسْتِرْوَاحٌ من المتأخرين، أو ممن جاء بعد المتقدمين.

قالوا: ولعل الأوائل ما حرروا المسألة، أو لم تَظْهَرْ لَهُمْ الآثارُ السيئةُ للاستعمال السيئ لهذه القاعدة في ذلك الزمان – كما ظهر لنا بعد ذلك بقرون- وهؤلاء أخذوا بقولهم.

لكن للقائلين بالقاعدة أن يقولوا: هذا مقبول مثلًا في رجل عدَّ الأحاديث وأخطأ في ذلك، أما هذا العدد الكبير من العلماء القائلين بالرخصة، فلا يقال: كلهم قد أخطؤوا، ولم يَتَأَنِّوا في الأمر، أو لم يُحَرِّرُوا المسألة! هذا أمر يُسْتَبْعَدُ فيه قياس هذا بهذا!!

قلت: واستدلال المانعين بهذا الوجه ليس قويًّا، والله أعلم.

الدليل الثالث والعشرون:

-وقد يستدل المانعون -أيضًا-بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «إبطال التحليل» بأنه رُبَّ قاعدة وَضَعَها الرجل، لو يعرف ما آلتْ إليه؛ لَمَا وَضَعها([254]).

قلت: ومع أن الأمر كذلك، وأن هذه القاعدة قد فَتَحَتْ على الناس باب شر كبير، وأبْطلتْ العملَ عند المتأخرين بالقواعد التي وضعها المتقدمون لتمييز الصحيح من الضعيف؛ لكن استعمال هذا القول من شيخ الإسلام –رحمه الله- في هذا الموضع يُسْتَبْعَدُ؛ لأن هذا -لو سلمنا بأن ظاهر كلامه يقبَلُه- إنما يكون في العالِم أو العالميْن أو الثلاثة، أما هذا العدد الكبير، فيُسْتَبعد في حقهم أنهم وضعوا قاعدة لم يتأمَّلوا في مآلها، وإن كنتُ أرى أن هذه القاعدة قد آلتْ إلى شَرٍّ كبير وبلاء مبير!!، لكن المجتهدين لهم أجرهم، وهم ما بين الأجر والأجرين، فلا يُظَنُّ بهم إلا أنهم بَلَغُوا جُهْدَهم في النظر في الحال والمآل، ومع ذلك لو اطلعوا على حال من يدَّعي اتباعهم في هذه القاعدة في هذا الزمان -وأكثرهم إما: عوام، أو متعالمون، أو صوفية خرافية – لما تَرَدَّدُوا-والله أعلم- في إنكار هذا الحال، فقد أنكروا على الثقات بعض رواياتهم، وهم أحسنُ حالا بكثير مما وصل إليه المتأخرون المقَلِّدون لهم، والله أعلم.

وخلاصة ما تقدم: أن من المانعين من العمل بهذه القاعدة جماعة من العلماء، وهم: يحيى بن معين، والبخاري-ولم أقف على نصٍّ بذلك- ومسلم، والشاطبي يؤول كلامه في الجملة إلى ذلك، وهو الظاهر من كلام البيهقي، وابن حزم، وما يقتضيه كلام ابن دقيق العيد، وأبي بكر بن العربي، وأبي شامة، والعز بن عبد السلام، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وجلالِ الدين الدَّوَانيِّ، والشوكاني، والقاسمي، ومن المعاصرين العلامة أحمد شاكر، وشيخنا الألباني، -رحم الله الجميع-؟



g

g