(الجرح والتعديل بين المانعين منه والمسرفين فيه)
- السؤال الثاني عشر: نسمع من البعض: أن عِلْمَ الجرح والتعديل ليس موجودًا الآن، ولا له حاجة في هذا الزمان، ولا يجوز استعماله مع الأفراد والجماعات أو الفِرَق، وهناك من يُطْلق استعماله لكل أحد مع كل من خالفه، فما هو الصواب في ذلك؟
الجواب:
أولًا:
لا شكَّ أن الجرح والتعديل عِلْمٌ قد استعمله علماء الأمة من السلف الصالح في بيان حال رواة الحديث النبوي قوة وضعفًا، وقبولًا وردًّا، وجعلوه سيفا مسلولا على أهل البدع والزندقة، الذين يَنْخَرون في عقائد المسلمين، ويَهْدِمون أصولَ أهل السنة والجماعة، زاعمين أن الحق معهم، وأن أهل السنة لا يَعْرِفُون العلومَ العقليةَ، والأصولَ النظريةَ، وكان علماء السنة يتكلمون في الراوي من جهة العدالة والضبط، والمراد بالعدالة: السلامة من أسباب الفسق -سواء كان عن شهوة أو شُبهة-وخوارم المروءة، والمراد بالضبط: الإتقان والحفظ من الراوي لمروياته، وعدم المخالفة لمن هو أوثق منه، ولهم تفاصيل واسعة في هذا الأمر، يعرفها أهل الاختصاص والاشتغال بهذا الشأن.
وإليك جملةً من الأدلة والآثار والأقوال في أهمية هذا العلم العظيم في الذبّ عن السنة إذا اسْتُعْمِل بضوابطه الدقيقة:
فقد قَالَ نَصْرُ بنُ زَكَرِيَّا: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: الذَّبُّ عَنِ السُّنَّةِ: أَفْضَلُ مِنَ الجِهَادِ فِي سَبِيْلِ اللهِ.
فَقُلْتُ ليَحْيَى: الرَّجُلُ يُنْفِقُ مَالَهُ، وَيُتْعِبُ نَفْسَهُ، وَيُجَاهِدُ، فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْهُ؟!
قَالَ: نَعَمْ، بِكَثِيْرٍ.([446])
وقِيلَ لِلإمام أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَعْتَكِفُ، أَحَبُّ إلَيْك أَوْ يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ؟ فَقَالَ: إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَفْضَلُ.([447])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فَبَيَّنَ -أي: الإمام أحمد أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ – فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ إذْ تَطْهِيرُ سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ، وَدَفْعُ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ؛ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْلَا مَنْ يُقِيمُهُ اللَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ؛ لَفَسَدَ الدِّينُ، وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ فَسَادِ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا؛ لَمْ يُفْسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهُمْ يُفْسِدُونَ الْقُلُوبَ ابْتِدَاءً». اهـ([448])
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: «المُتِّبِعُ للسنة كالقابض على الجَمْرِ، وهو عندي اليوم أفضل من الضَّرْبِ بالسيوف في سبيل الله».([449])
وقال الحميدي -شيخ الإمام البخاري رحمهما الله-: «والله! لأن أَغْزُوَ هؤلاء، الذين يَرُدُّون حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحبُّ إليَّ من أن أَغْزُوَ عِدَّتهم من الأتراك».([450])
يعني بالأتراك آنذاك: الكفار المحاربين للإسلام، بخلاف جنس الأتراك اليوم.
وقال الإمام الترمذي في كتاب «العلل» في آخر «جامعه»: «وَقَدْ عَابَ بَعْضُ مَنْ لاَ يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ الكَلاَمَ فِي الرِّجَالِ، وَقَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ، مِنْهُمُ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَطَاوُوسٌ، تَكَلَّمَا فِي مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ، وَتَكَلَّمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، وَتَكَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ فِي الحَارِثِ الأَعْوَرِ.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَعَبدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَشُعْبَةَ بْنِ الحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَعَبدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَوَكِيعِ بْنِ الجَرَّاحِ، وَعَبدِ الرَّحمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، تَكَلَّمُوا فِي الرِّجَالِ وَضَعَّفُوا.
وإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عِندَنَا -وَاللهُ أَعْلَمُ-: النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، لاَ يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الطَّعْنَ عَلَى النَّاسِ، أَوِ الغِيبَةَ، إِنَّمَا أَرَادُوا عِندَنَا أَنْ يُبَيِّنُوا ضَعْفَ هَؤُلاَءِ؛ لِكَيْ يُعْرَفُوا.
لأَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ ضُعِّفُوا كَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ مُتَّهَمًا فِي الحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَةٍ وَكَثْرَةِ خَطَإٍ، فَأَرَادُوا هَؤُلاَءِ الأَئِمَّةُ أَنْ يُبَيِّنُوا أَحْوَالَهُمْ؛ شَفَقَةً عَلَى الدِّينِ وَتَثَبُّتًا؛ لأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي الدِّينِ أَحَقُّ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ فِي الحُقُوقِ وَالأَمْوَالِ.
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القَطَّانُ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنِ الرَّجُلِ تَكُونُ فِيهِ تُهْمَةٌ أَوْ ضَعْفٌ، أَسْكُتُ أَوْ أُبَيِّنُ؟ قَالُوا: بَيِّنْ».([451]) اهـ
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في «شرح علل الترمذي»: «مقصود الترمذي أن يبين أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله».([452])
وقال الحافظ ابن رجب في «شرح علل الترمذي»([453]): «هذا الأثر خَرَّجَهُ البخاري في أول كتابه «الضعفاء»، كما خَرَّجَهُ الترمذي ههنا عنه، وخَرَّجَهُ مسلم في مقدمة كتابه عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى بن سعيد، قال: سألت الثوري وشعبة ومالكا وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثَبْتًا في الحديث، فيأتيني الرجل، فيسألني عنه؟ قالوا: أَخْبِرْ عنه ليس بثَبْتٍ.
ورواه أبو بكر النجاد، (نا) جعفر بن محمد الصائغ، (نا) عفان، (نا) يحيى بن سعيد، قال: سألت شعبة وسفيان ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يُتَّهَمُ في الحديث، أو لا يَحْفَظُ. قالوا: بَيِّنْ أَمْرَهُ للناس([454]).
وقال يعقوب بن شيبة، (ثنا) موسى بن منصور، حدثني أبو سلمة الخزاعي قال: سمعت حماد بن سلمة، ومالك بن أنس، وشريك بن عبد الله، يقولون في الرجل يُحَدِّث، نُخْبِر بأمره، يعنون ضَعْفَهُ مِنْ قُوَّتِهِ، وصِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ.
قال: وقال شريك: كيف نعرف الضعيف من القوي إذا لم نُخْبِرْ به؟([455]). اهـ
وقد ظن بعض الناس أن ذلك -بإطلاق- من باب الغِيبة، وليس كذلك؛ فإن ذِكْر عَيْبِ الرجل إذا كان فيه مصلحة، ولو كانت مصلحةً خاصّةً، كالقدح في شهادة شاهد الزور؛ فهذا جائز بغير نزاع؛ لِحِفْظِ حق شخص معيَّن، فما كان فيه مصلحة عامة للمسلمين أَوْلَى.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده، عن بهز بن أسد، قال: لو أن لرجل على رجل عَشْرَةَ دراهم، ثم جَحَدَه؛ لم يستطع أَخْذَها منه إلا بشاهديْنِ عَدْلَيْنِ، فدينُ الله أَحَقُّ أن يُؤْخَذَ فيه بالعدول.([456])
* وكذلك يجوز ذِكْرُ العيب إذا كان فيه مصلحة خاصة، كمن يستشير أحدًا في نكاح امرأةٍ، أو معاملة مع آخر، وقد دَلَّ عليه قولُ النبي -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس:
«أما معاوية؛ فصُعْلُوك لا مال له، وأما أبو جَهْم؛ فلا يَضَعُ العصا عن عاتقه».([457])
وكذلك استشار النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عليًّا وأسامة في فراق أهله، لما قال أهل الإفك ما قالوا.([458])
ولهذا كان شعبة يقول: «تعالَوْا حتى نغتاب في الله ساعة»([459])، يعني: نذكر الجرح والتعديل للرواة.
وذكر ابن المبارك رجلًا، فقال: يَكْذِب، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟
قال: اسْكُتْ؛ إذا لم نُبَيِّنُ؛ كيف يُعْرَفُ الحقُّ من الباطل؟.([460])
وكذا رُوِيَ عن ابن علية، أنه قال في الجرح: إن هذا أمانة، ليس بِغِيبة.([461])
وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يُسْأَل عن الرجل يَغْلَطُ ويَهِمُ ويُصَحِّفُ؟
فقال: بَيِّنْ أَمْرَهُ، فقلت لأبي زرعة: أترى ذلك غِيبة؟ قال: لا.([462])
وروى أحمد بن مروان المالكي، (ثنا) عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي، فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، وفلان ثقة.
فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تَغْتَب العلماء.
قال: فالتفت أبي إليه، قال: ويْحَكَ، هذا نصيحة، ليس هذا غِيبة.([463])
وقال محمد بن بندار السباك الجرجاني: قلت لأحمد بن حنبل: إنه لَيَشْتَدُّ عَلَيَّ أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب؟
قال أحمد: إذا سَكَتَّ أنت، وسَكَتُّ أنا، فمن يُعَرِّفُ الجاهلَ الصحيحَ من السقيم؟.([464])
وقال إسماعيل الخطبي، ثنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ لعله أن يكون مرجئا، أو شيعيا، أو فيه شيء من خلاف السنة، أَيَسَعُنِي أن أَسْكُتَ عنه، أم أُحَذِّر عنه؟
فقال أبي: إن كان يَدْعُو إلى بدعة، وهو إمام فيها، ويدعو إليها، قال: نعم، تُحَذِّرُ عنه.([465])
وقد خَرَّجَ ذلك كُلَّهُ أبو بكر الخطيب في كتاب «الكفاية»، وغيره من أئمة الحفاظ.
وكلام السلف في هذا يطول ذِكْرُهُ جدا.
وذكر الخلال، عن الحسن بن علي الإسكافي، قال: سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عن معنى الغِيبة – يَعْنِي: فِي النَّصِيحَةِ -؟ قال: إذا لم تُرِدْ عَيْبَ الرجل.
قلت: فالرجل يقول: فلان لم يَسْمَعْ، وفلان يُخْطِئ؟
قال: لو ترك الناسُ هذا؛ لم يُعْرَفْ الصحيحُ من غيره.([466])
وخرج البيهقي من طريق الحسن بن الربيع، قال: قال ابن المبارك:
المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يَكْذِب.
فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟
قال: اسْكُتْ؛ إذا لم نُبَيِّنْ كيف يُعْرَفُ الحقُّ من الباطل؟ أو نحو هذا». اهـ
وقال ابن الجوزي : «كان الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل لشدة تمسكه بالسنة يتكلم في جماعة من الأخيار إذا صدر منهم ما يخالف السنة، وكلامه محمول على النصيحة للدين» ا هـ([467])
وقال ابن هبيرة في حديث أبي سعيد في قتال الخوارج: «فيه من الفقه: توفُّر الثواب في قَتْل الخوارج، وأنه بَلَغَ إلى أن خاف عليٌّ -رضي الله عنه- أن يَبْطَرَ أصحابه إذا أخبرهم بثوابهم في قَتْلِهِم، وإنما ذَكَر هذه لئلا يَرَى أحدٌ في وقت ظهور مِثْلِهِم أن قتال المشركين أَوْلَى من قتالِهِم، بل قتالُهُم على هذا الكلام أَوْلَى من قتال المشركين؛ لأن في ذلك حِفْظَ رأس مال الإسلام، وقتالُ المشركين هو طَلَبُ رِبْحٍ في الإسلام.». اهـ([468])
وقد بَيَّن ذلك ووضَّحه أَتَمَّ إيضاح شيخُ الإسلام ابن تيمية -عليه من الله الرحمة والرضوان- حيث قال في سياق التأكيد على وجوب بيان حال أعداء الدين: «وَإِذَا كَانَ النُّصْحُ وَاجِبًا فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ: مِثْلَ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَغْلَطُونَ، أَوْ يَكْذِبُونَ، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت مَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ – أَظُنُّهُ – وَالْأَوْزَاعِي عَنْ الرَّجُلِ يُتَّهَمُ فِي الْحَدِيثِ أَوْ لَا يَحْفَظُ؟ فَقَالُوا: بَيِّنْ أَمْرَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ: فُلَانٌ كَذَا، وَفُلَانٌ كَذَا!! فَقَالَ: إذَا سَكَتَّ أَنْتَ وَسَكَتُّ أَنَا؛ فَمَتَى يَعْرِفُ الْجَاهِلُ الصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ.
وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ، وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ». اهـ([469])
وقال : «والداعي إلى البدعةِ مستحقُّ العقوبةِ باتفاق المسلمين، وعقوبَتُهُ تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه… ولو قُدِّر أنه لا يَسْتَحِقُّ العقوبةَ، أو لا يُمْكِن عقوبَتُهُ؛ فلابد من بيان بدعته، والتحذير منها؛ فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي أمر الله به ورسوله»([470]). اهـ
ويقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية في شأنِ أهلِ الزَّيغِ والضَّلالِ، والذَّابِّينَ عنهم-: «وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ: فَرُءُوسُهُمْ هُمْ أَئِمَّةُ كُفْرٍ، يَجِبُ قَتْلُهُمْ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ إذَا أُخِذَ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَيُبْطِنُونَ أَعْظَمَ الْكُفْرِ، وَهُمْ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ قَوْلَهُمْ وَمُخَالَفَتَهُمْ لِدِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ عُقُوبَةُ كُلّ مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ، أَوْ ذَبَّ عَنْهُمْ، أَوْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ، أَوْ عَظَّمَ كُتُبَهُمْ، أَوْ عُرِفَ بِمُسَاعَدَتِهِمْ وَمُعَاوَنَتِهِمْ، أَوْ كَرِهَ الْكَلَامَ فِيهِمْ، أَوْ أَخَذَ يَعْتَذِرُ لَهُمْ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَدْرِي مَا هُوَ، أَوْ: مَنْ قَالَ: إنَّهُ صَنَّفَ هَذَا الْكِتَابَ؟([471])، وَأَمْثَالَ هَذِهِ الْمَعَاذِيرِ الَّتِي لَا يَقُولُهَا إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُنَافِقٌ؛ بَلْ تَجِبُ عُقُوبَةُ كُلّ مَنْ عَرَفَ حَالَهُمْ، وَلَمْ يُعَاوِنْ عَلَى الْقِيَامِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ الْقِيَامَ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ أَفْسَدُوا الْعُقُولَ وَالْأَدْيَانَ عَلَى خَلْقٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، وَهُمْ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛ فَضَرَرُهُمْ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ مَنْ يُفْسِدُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دُنْيَاهُمْ وَيَتْرُكُ دِينَهُمْ: كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَكَالتَّتَارِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ الْأَمْوَالَ، وَيُبْقُونَ لَهُمْ دِينَهُمْ»([472]). اهـ
قلت: وهذا الموقف إنما يكون مع غلاة المبتدعة، الذين خالفوا الكتاب المستبين، والسنة المستفيضة، والإجماع المُتَيَقَّن، وانبروا للدعوة إلى ذلك، مع وضوح المحجة لهم، وقيام الحجة عليهم، إلا أنهم أهل أهواء وشقاق وفتنة، وليس هذا الحكم عامًّا في كل من وقع في بدعة عن اجتهاد وتأويل، مع إيمانه في الجملة بما عليه سلف الأمة: الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم، وينافح عن ذلك، ويجتهد في نشر مذهب السلف ليله ونهاره، ولكنه زلّ في فهم أمر من أمور العقيدة، فهؤلاء ليسوا ممن يُعامَل هذه المعاملة، التي فَصَّلها شيخ الإسلام ويلزم نُصْحُهُم، أو التحذير من الاقتداء بهم فيما جانبوا فيه الصواب، إن لم يتيسر نُصْحُهم.
ويدل على هذه التفرقة تفصيلُ شيخ الإسلام نَفْسِهِ وكثيرٍ من علماء السنة، وتفرقَتُهُم بين من حارب منهج السلف، وانتصر لعلم الكلام، وقدَّم العقل والنظر على النقل والخبر والأثر، ولجّ في بدعته، وناظر عليها، ودعا إليها، وبَيْنَ مَنْ لَيْلُهُ ونَهَارُهُ في نصرة الكتاب والسنة، والانتماء إلى منهج الصحابة والقرون المفضلة، لكنه زَلَّ في موضع أو أكثر عن اجتهاد وتأويل، لا عن عنادٍ وتعطيل، والله أعلم.
ثانيًا: الناس في هذا الباب أربعة أصناف:
- فمنهم: المشنِّع على استعمال السلف لهذا العلم، وقد سبق بيان فساد قولهم.
- ومنهم: من يُجِيز ذلك للسلف في علم الرواية فقط، ويُنْكِر استعمال الخلف لهذا العلم أصلًا، وواقع هؤلاء يناقض تأصيلهم، فما برحوا يُحَذِّرون من المخالف في العقيدة وغيرها، وإن كان في الجملة سُنِّيًّا، ولكنهم أرادوا ذمَّ من غلا في استعمال هذا العلم -وهذا أمرٌ يُشْكَرون عليه- لكنهم أغلقوا الباب على غيرهم بالكلية، وفي هذا تفصيل، والله أعلم.
- ومنهم: المتشبِّع بما لم يُعْطَ، الزاعم أنه على منهج السلف في التحذير من أهل البدع، وواقعه أنه مُسْرِفٌ متهوِّر، بعيد عن الورع والمعرفة بما يخوض فيه، بل لا يدري ما يخرج من فيه.
- ومنهم: من يَسْلُكُ منهجَ السلف في استعمال هذا العلم بشروطه التي نص عليها العلماء، وهذا القسم هم من وفَّقهم الله وهداهم إلى الصراط المستقيم.
وإليك جملة من أقوال العلماء في بيان طريقة السلف في هذا الباب، وذم الطرفيْن المتقابلَيْن:
– قال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»([473]):
«وَقَدْ أَمَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو ابْنُ الصَّلَاحِ بِانْتِزَاعِ مَدْرَسَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْآمِدِيِّ، وَقَالَ: أَخْذُهَا مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِ عَكَّا، مَعَ أَنَّ الْآمِدِيَّ، لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِهِ أَكْثَرُ تَبَحُّرًا فِي الْفُنُونِ الْكَلَامِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَّةِ مِنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِهِمْ إسْلَامًا، وَأَمْثَلِهِمْ اعْتِقَادًا». اهـ
– ويقولُ الإمامُ ابنُ قيم الجوزية : «القلمُ الثَّاني عشر: القلمُ الجامعُ، وهو قلمُ الرَّدِّ على المبطلينَ، ورفعِ سُنَّةِ المُحِقِّينَ، وكشفِ أباطيلِ المُبْطِلينَ -على اختلافِ أنواعِها وأجناسِها-، وبيانِ تناقضِهم، وتهافتِهم، وخُروجِهم عنِ الحقِّ، ودُخولهم في الباطلِ، وهَذَا القلمُ -في الأقلامِ- نظيرُ الملوكِ في الأنامِ، وأصحابُهُ أهلُ الحُجَّةِ، الناصرونُ لما جاءتْ بهِ الرُّسلُ، المحاربونَ لأعدائِهم، وهُم الدَّاعونَ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، المجادلونَ لمنْ خَرجَ عنْ سبيلِه بأنواعِ الجدالِ، وَأَصحابُ هذا القلمِ حَرْبٌ لكُلِّ مُبْطِلٍ، وعَدُوٌّ لكُلِّ مُخالفٍ للرُّسلِ؛ فَهم في شأنٍ وغيرهم منْ أصحابِ الأقلامِ في شأنٍ». اهـ([474])
– وقال الإمام ابن القيم -وهو يتحدث عن أهل التأويل الفاسد-: «فكشفُ عورات هؤلاء، وبيانُ فضائحهم، وفسادُ قواعدهم من أفضل الجهاد في سبيل الله.
* وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت: «إن رُوُحَ القُدُسِ معك ما دُمْتَ تنافح عن رسوله»([475]) وقال: «اهْجُهُم أو هَاجِهِم وجبريلُ معك»([476])، وقال: «اللهم أَيِّدْهُ بروح القُدُس ما دام ينافح عن رسولك»([477])، وقال عن هجائه لهم: «والذي نفسي بيده، لهو أشد فيهم من النَّبْل»([478]).
وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله، وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح: من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمه الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صِدْقٍ؛ يتضمن مِنْ عَبَثِ المتكلم بالنصوص، وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طَعْنُ الذين يلمزون الرسولَ ودينَهُ، وأهلِ النفاق والإلحاد؛ لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إِفْكٌ ومُحال، وكُفْرٌ وضلال، وتشبيه وتمثيل أو تخييل، ثم صرفها إلى معان يُعْلَمَ أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي والألغاز، لا يَصْدُر ممن قَصْدُه نُصْحٌ وبيانٌ، فالمدافعةُ عن كلام الله ورسوله، والذَّبُّ عنه من أفضل الأعمال، وأَحَبِّهَا إلى الله، وأَنْفَعِهَا للعبد». اهـ([479])
– وقد ذكر الإمام ابن القيم أنَّ الجهاد بالحُجَّة واللسان مقدَّمٌ على الجهاد بالسيف والسِّنان، حيث قال: «ولهذا كان الجهادُ نوعين:
جهادٌ باليد والسِّنان، وهذا المشاركُ فيه كثير.
وجهادٌ بالحجَّة والبيان، وهذا جهادُ الخاصَّة مِنْ أَتْبَاعِ الرسُل، وهو جهادُ الأئمَّة، وهو أفضلُ الجهادَين؛ لِعِظَمِ منفعته، وشدَّة مُؤْنَتِهِ، وكَثْرَةِ أعدائه.
* قال تعالى في سورة الفرقان- وهي مكيَّة-: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ] {الفرقان:51، 52}، فهذا جهادٌ لهم بالقرآن، وهو أكبرُ الجهادَين، وهو جهادُ المنافقين أيضًا؛ فإنَّ المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظَّاهر، وربَّما كانوا يقاتلون عدوَّهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {التوبة:73}، {التحريم:9}، ومعلومٌ أن جهادَ المنافقين بالحجَّة والقرآن». اهـ([480])
– وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي :
«ولهذا نجد في كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية: من التفسير، وشروح الحديث، والفقه، واختلاف العلماء، وغير ذلك؛ ممتلئة بالمناظرات، وردِّ أقوال من تُضَعَّفُ أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ولم يترك ذلك أَحَدٌ من أهل العلم، ولا ادَّعَى فيه طعنًا على من ردَّ عليه قولَه، ولا ذمًّا، ولا نقصًا، اللهم إلا أن يكون المصنِّف ممن يُفحش في الكلام، ويُسيءُ الأدب في العبارة، فيُنْكَر عليه فحاشَتُهُ وإساءَتُهُ دون أصل ردِّه ومخالفته؛ إقامةً للحجج الشرعية والأدلة المعتبرة، وسبب ذلك أن علماء الدين كلَّهم مُجْمِعُون على قَصْد إظهار الحق الذي بَعَثَ الله به رسولَهُ -صلى الله عليه وسلم-، ولأنْ يكون الدينُ كُلُّه لله، وأن تكون كلمته هي العليا، وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كلِّه من غير شذوذ شيء منه؛ ليس هو مرتبة أحد منهم، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المُجْمَعُ على علمهم وفضلهم يَقْبَلُون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيرًا، ويُوصُون أصحابَهُم وأتباعَهُم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم، كما قال عمر -رضي الله عنه- في مهور النساء، وردَّت المرأة بقوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ] {النساء:20}، فرجع عن قوله، وقال: (أصابتِ امرأةٌ ورجلٌ أخطأ) وروي عنه أنه قال: (كل أحد أفقه من عمر)».
(قلت: قد سبق في موضع آخر أن هذه القصَّة لا تصح من جهة سندها).
ثم قال : «وكان بعض المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول: «هذا رَأْيُنا، فمن جاءنا برأْيٍ أحسنَ منه؛ قَبِلْنَاه».
وكان الشافعي يبالغ في هذا المعنى، ويوصي أصحابه باتباع الحق، وقبول السنة إذا ظهرتْ لهم على خلاف قولهم، وأن يُضْرَبَ بقوله حينئذٍ الحائط، وكان يقول في كتبه: «لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى يقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {النساء:82}».
وأَبْلَغُ من هذا: أنه قال: «ما ناظرني أحد فبالَيْتُ: أَظْهَرَتْ الحجةُ على لسانه أو على لساني».
قلت: وهذا يدل على أنه لم يكن له قَصْدٌ إلا في ظهور الحق، ولو كان على لسان غيره ممن يناظره أو يخالفه.
ومن كانت هذه حالَهُ؛ فإنه لا يَكْرَه أن يُرَدَّ عليه قولُه، إذا بانَتْ له مخالفتُهُ للسنة: لا في حياته، ولا في مماته، وهذا هو الظن بغيره من أئمة الإسلام الذابين عنه، القائمين بنَصْرِه من السلف والخلف، ولم يكونوا يكرهون مخالفة من خالفهم أيضًا بدليلٍ عَرَضَ له، ولو لم يَكُن ذلك الدليلُ قويًا عندهم، بحيث يتمسكون به، ويتركون دليلهم له.
ولهذا كان الإمام أحمد تعالى- يَذْكُر إسحاق بن راهويه، ويَمْدَحُهُ، ويُثْنِي عليه، ويقول: (وإن كان يخالف في أشياء؛ فإن الناس لم يَزَلْ بعضُهم يخالف بعضًا) أو كما قال.
وكان كثيرًا ما يُعْرَضُ عليه كلامُ إسحاقَ وغيرِهِ من الأئمة، ومَأْخَذُهُم في أقوالهم، فلا يوافقهم في قولهم، ولا يُنكِر عليهم أقوالَهم ولا استدلَالَهم، وإن لم يكن موافقًا على ذلك كله، وقد استحسن الإمام أحمد ما حُكِيَ عن حاتمٍ الأصَمِّ، أنه قيل له: أنت رجل أعجمي لا تُفْصِح، وما ناظرك أحد إلا قَطَعْتَهُ، فبأي شيء تَغْلِبُ خَصْمَك؟ فقال بثلاث: أفرح إذا أصاب خَصْمِي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عنه أن أقول له ما يسوؤه، أو معنى هذا، فقال أحمد: (ما أَعْقَلَهُ مِنْ رَجُلٍ).
وعلى ذلك فرَدُّ المقالات الضعيفة، وتبيينُ الحق في خلافها بالأدلة الشرعية، وكشف عوار أهل البدع والمارقين بقصد رجوعهم إلى الحق، أو حَذَر الناس من اتباعهم على خطئهم؛ ليس هو مما يَكْرَهُهُ أولئك العلماء، بل هو مما يحبونه، ويمدحون فاعِلَهُ، ويُثْنُون عليه، فلا يكون داخلًا في الغِيبة بالكلية، فلو فُرِضَ أن أحدًا يكره إظهار خطئه المخالفِ للحق؛ فلا عبرة بكراهته لذلك؛ فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقول الرجل؛ ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين له، سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته.
وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه، وأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك هو الدين كما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-. اهـ([481])
– وقال الحافظ ابن رجب : «وأما إذا كان مرادُ الرادِّ بذلك إظهارَ عيب من ردَّ عليه، وتنقصَه، وتبيينَ جَهْلِهِ وقصورِهِ في العلم، ونَحْوَ ذلك؛ كان مُحَرَّمًا: سواء كان ردُّه لذلك في وَجْه من ردَّ عليه، أو في غَيْبَتِهِ، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخِلٌ فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه، وتوعد عليه في الهمز واللمز، وداخِلٌ أيضًا في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يُؤْمِنْ بقلبه؛ لا تُؤذوا المسلمين، ولا تَتَّبِعُوا عوراتهم؛ فإنه من يَتَتَبَّع عوراتهم؛ تَتَبَّعَ الله عورته، ومن يَتَّبِعُ الله عورته؛ يفضحْهُ ولو في جوف بيته».
وهذا كله في حق العلماء المُقْتَدَى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة، ومن تَشَبَّهَ بالعلماء وليس منهم؛ فيجوز بيانُ جهلهم، وإظهارُ عيوبهم؛ تحذيرًا من الاقتداء بهم، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم.
قال : ومن عُرِفَ منه أنه أراد بردِّه على العلماء النصيحة لله ورسوله؛ فإنه يجب أن يُعامَل بالإكرام والاحترام والتعظيم، كسائر أئمة المسلمين الذين سبق ذِكْرُهُم وأمثالُهم، ومن تَبِعَهُم بإحسان.
ومن عُرِفَ منه أنه أراد برده عليهم التنقصَ والذمَّ وإظهار العيب؛ فإنه يستحق أن يُقَابَلَ بالعقوبة؛ ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة.
ويُعْرَف هذا القَصْدُ تارة بإقرار الرادِّ واعترافه، وتارة بقرائن تحيط بفعله وقوله، فمن عُرف منه العلمُ والدينُ، وتوقيرُ أئمة المسلمين، واحترامُهُم؛ لم يَذكر الردَّ وتبيينَ الخطأ إلا على الوجه الذي يراه غيره من أئمة العلماء.
وأما في التصانيف وفي البحث وجب حَمْلُ كلامه على الأول – وهو النصيحة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم -، ومن حَمَلَ كَلَامَهُ على غير ذلك- والحال على ما ذُكِرَ – فهو ممن يَظن بالبريء الظنَّ السوءَ، وذلك من الظن الذي حرمه الله ورسوله، وهو داخِلٌ في قوله سبحانه: [ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ] {النساء:112}، فإن الظن السوء ممن لا تَظْهَرُ منه أماراتُ السوء مما حرمه الله ورسوله، فقد جمع هذا الظانّ بين اكتساب الخطيئة والإثم ورَمْيِ البريء بها.
ويُقَوِّي دخولَهُ في هذا الوعيد إذا ظَهَرَتْ منه – أعني هذا الظانَّ – أماراتُ السوء مثلُ: كثرةِ البغي، والعدوان، وقلةِ الورع، وإطلاقِ اللسان، وكثرةِ الغِيبةِ والبهتانِ، والحسدِ للناس على ما آتاهم الله من فضله، والامتنانِ، وشدةِ الحرصِ على المزاحمة على الرئاساتِ قبل الأوان.
فمن عُرِفَتْ منه هذه الصفات التي لا يَرْضَى بها أهل العلم والإيمان؛ فإنه إنما يُحَمَّلُ تَعَرُّضَهُ العلماء، وإذا كان ردُّه عليهم على الوجه الثاني؛ فيَسْتَحِقُّ حينئذٍ مقابلتَهُ بالهوان، ومن لم تظهر منه أماراتٌ بالكلية تدل على شيء؛ فإنه يجب أن يُحْمَلَ كلامه على أحسن مُحْتمَلاتِهِ، ولا يجوز حَمْلُه على أسوأ حالاته، وقد قال عمر -رضي الله تعالى عنه-: (لا تظن بكلمة خَرَجَتْ من أخيك المسلم سوءًا، وأنت تجد لها في الخير مَحْمَلًا([482])». اهـ([483])
قال ابن حجر الهيتمي: «قال بعض أكابر أئمتنا، كالإمام أبي القاسم الرافعي : مِنْ لُطْفِ الله بهذه الأمة، وما خصَّها به من الكمالات: أنَّ علماءَها لا يَسْكُت بعضُهم على غَلَطِ غيره، ولا على بيان حاله، وإن كان المعتَرَضُ عليه والدًا فضلًا عن غيره… بخلافِ غيرها من الأُمَم؛ فإنهم تمالؤوا وتطابقوا على أن بعض علمائهم لا يُنْكِر على بعض… فلما تطابقوا على ذلك؛ تغيَّرت مِلَلُهُم، وبُدِّلَتْ شرائِعُهم». اهـ([484])
وفي المقابل: فهناك من منع من استعمال هذا العلم مطلقًا؛ بحجة أنه غِيبةٌ ووقيعةٌ في أعراض الناس، وأن أعراض الناس حُفْرة من حُفَر النار، وقَفَ عليها طائفتان: المحدِّثون، والقضاة أو الحُكَّام([485]).
ولا شك أن عِرْض المسلم مُحْتَرَمٌ -حَيًّا ومَيِّتًا- ولا يجوز النَّيْلُ منه، لكن إذا كان هذا المسلم قد قال قولًا خالف فيه الكتابَ الْمُحْكَمَ، والسنةَ المستفيضةَ، والإجماعَ المتيقَّنَ، وكان هناك من يتَّبعه على زلّته، ثقةً منه بِعِلْمِه أو دينه؛ فهنا يتعيّن النصحُ له ولمن يأخذ بقوله المخالف، وتَحْذيرُهُ من مغبّة ذلك، وحُرْمةُ الشريعةِ والدينِ مقدّمةٌ على حُرْمةِ العالِم، وحَقُّ الأجيالِ الموجودة واللاحقة في النُّصْح والبيانِ لهم لازمٌ لمن عَرَفَ خَطَأَ مَنْ أخطأ.
- وإليك بعضَ الأدلة التي تدل على أن القدح في أهل البدع والأهواء ليس من الغِيبة المحرمة:
* روى الشيخان عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا رَآهُ؛ قَالَ: «بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ» فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ، وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ: مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ».([486])
قال النووي : «قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُبَيِّنَ حَالَهُ؛ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ، وَلَا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبعده ما دل على ضَعْف ايمانه، وارتد مع المرتدين، وجيء بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَوَصْفُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ بِأَنَّهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ؛ وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ تَأَلُّفًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُدَارَاةُ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ؛ وَجَوَازُ غِيبَةِ الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ فِسْقَهُ، وَمَنْ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنْهُ». اهـ([487])
* ونظير هذا الحديث ما رواه البخاري في «صحيحه» عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَظُنُّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا».
* وفي رواية: «يَا عَائِشَةُ، مَا أَظُنُّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ».([488])
فَذِكْرُ النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لهذين الرجلين إنما هو للتحذير منهما، والحُكْمُ جارٍ على أمثالهما من أهل الفساد: أن يُحْذَر منهم».ا.هـ
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «إن مثل هذا الذي وقع في الحديث ليس من الظن المنهي عنه؛ لأنه في مقام التحذير مِنْ مِثْلِ من كان حاله كحال الرجلين، والنهي إنما هو عن الظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه». اهـ.([489])
* ومما يُسْتَشْهَدُ به في هذا الباب من السنة أيضًا: ما ثبت في «صحيح مسلم»([490])من قصة فاطمة بنت قيس، حين شاورت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيمن تَنْكِحُ، لَمَّا خَطَبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم؟ فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، أنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ساق هذا الحديث: «وكان هذا نُصْحًا لها -وإن تَضَمّن ذِكْرَ عَيْبِ الخاطب- وفي معنى هذا نُصْحُ الرجل فيمن يعامله، ومن يُوَكِّلُه، ويُوصِي إليه، ومن يَسْتَشْهِدُه، بل ومن يتحاكم إليه، وأمثال ذلك، وإن كان هذا في مصلحة خاصَّة؛ فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين: من الأمراء والحكام والشهود والعمال: أهل الديوان، وغيرهم؛ فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم». اهـ.([491])
لقد مضى أهل السنة من الأولين ومن بعدهم من المتأخرين على طريقة واحدة في التعامل مع أهل البدع، وذلك بعيبهم، والتحذير منهم، وهَجْرهم، والنهي عن مجالستهم -كل ذلك بعد النصح والبيان، وقابلوا ذلك بالعناد والإعراض-؛ خوفًا على من لا يعلم حالهم ممن خالطهم أو جالسهم من فتنتهم.
وكانوا يرون أن ذكر عيوبهم ومساوئهم -بعد النُّصْح وتحذيرهم من مغبَّة أمرهم- ليس من باب الغِيبة المحرمة، وقد استثنى أهل العلم من النهي عن الغيبة سِتًّا من الحالات التي تجوز فيها الغِيبة، كما قال الناظم:
| والقَدْحُ ليس بغِيبَةٍ في سِتَّةٍ | مُتظلِّمٍ ومُعَـرِّفٍ ومُحَـذِّرِ | |
| ومُجَاهِرٍ فِسْقًا ومُسْتَفْتٍ ومَنْ | طَلَبَ الإعانَةَ في إزالةِ مُنْكَرِ |
وهذه بعض أقوال علماء السلف في بيان مشروعية التحذير علانية من دعاة البدعة وبدعهم، ومن المتوغِّلين في الضلالة، مع عدم مبالاتهم بنصائح أهل السنة لهم، وأدلتهم التي يذكرونها لهم:
فقد روى اللالكائي عن عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى قَتَادَةَ، فَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْخَطَّابِ، أَلَا أَرَى الْعُلَمَاءَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَالَ: «يَا أَحْوَلُ، وَلَا تَدْرِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ابْتَدَعَ بِدْعَةً؛ فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُذْكَرَ حَتَّى تُعْلَمَ»، فَجِئْتُ مِنْ عِنْدِ قَتَادَةَ، وَأَنَا مُغْتَمٌّ لِقَوْلِهِ فِي عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نُسُكِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَهَدْيِهِ، فَوَضَعْتُ رَأْسِي بِنِصْفِ النَّهَارِ، فَإِذَا أَنَا بِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فِي النَّوْمِ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، وَهُوَ يَحُكُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، قُلْتُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، تَحُكُّ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: إِنِّي سَأُعِيدُهَا، فَتَرَكْتُهُ حَتَّى حَكَّهَا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعِدْهَا، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ».([492])
وفي «السنة» للخلال وغيره، عن زائدة قال: قلت لمنصور: يا أبا عتاب، اليوم الذي يصوم فيه أحدنا يَنْتَقِصُ الذين يَنْتَقِصُون أبا بكر وعمر؟ قال: نعم. اهـ.([493])
وروى الإمام أحمد عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا غِيبَةَ لَهُمُ: الْإِمَامُ الْخَائِنُ، وَصَاحِبُ الْهَوَى الَّذِي يَدْعُو إِلَى هَوَاهُ، وَالْفَاسِقُ الْمُعْلِنُ فِسْقَهُ».([494])
وقال أيضًا : ليس لمبتدع غِيبَةٌ.([495])
وعن إبراهيم التيمي قال: ثلاثة ليس لهم غِيبَةٌ: الظالم، والفاسق، وصاحب البدعة.([496])
وقال أيضًا : ثلاث كانوا لا يُعدونَهنَّ من الغِيبة: الإمام الجائر، والمبتدع، والفاسق المجاهر بفسقه.([497])
قلت: الكلام عن الإمام الجائر أو الخائن لا يكون علانية، وعند كل أحد، إنما يكون عند مَن يُرْجَى منه أن يقوم بنُصْحه وتحْذِيره من مَغَبَّة أمره، ووعْظِه ببيان حقِّ الله عليه وحقِّ الرعيَّة فيما استرعاه الله عليه، وإلا ضربَتْ الفوضى أطنابَها في أطراف البلاد ووسطها، وليس هذا منهج السلف، وإنما وضَّحْتُ هذا الأمر خَشْية فهم الكلام على غير وجهه، وعلى خلاف مراد أئمة السلف المتكلمين به، ولابد من مراعاة هذا مع كلامهم المتواتر والمستفيض في التحذير من الطعن في الحكام، والسعْي في نزع اليد من الطاعة، فلا يُحْكم لكلمة واحدة على مئات النصوص الجلية عنهم، بخلاف ما قد يُفْهم منها، والله أعلم.
وقال الإمام الشافعي : «وَأَمَّا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَيَقُولُ: كُفُّوا عَنْ حَدِيثِهِ، وَلَا تَقْبَلُوا حَدِيثَهُ؛ لِأَنَّهُ يَغْلَطُ، أَوْ يُحَدِّثُ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ، وَلَيْسَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ عَدَاوَةٌ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْأَذَى، الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْقَائِلُ لِهَذَا فِيهِ مَجْرُوحًا عَنْهُ لَوْ شَهِدَ بِهَذَا عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ بِعَدَاوَةٍ لَهُ؛ فَتُرَدَّ بِالْعَدَاوَةِ لَا بِهَذَا الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يُبْصِرُ الْفُتْيَا، وَلَا يَعْرِفُهَا؛ فَلَيْسَ هَذَا بِعَدَاوَةٍ وَلَا غِيبَةٍ إذَا كَانَ يَقُولُهُ لِمَنْ يَخَافُ أَنْ يَتَّبِعَهُ فَيُخْطِئَ بِاتِّبَاعِهِ، وَهَذَا مِنْ مَعَانِي الشَّهَادَاتِ، وَهُوَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِأَعْظَمَ مِنْ هَذَا؛ لَمْ يَكُنْ هَذَا غِيبَةٌ، إنَّمَا الْغِيبَةُ: أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالْأَمْرِ، لَا بِشَهَادَتِهِ لِأَحَدٍ يَأْخُذُ بِهِ مِنْهُ حَقًّا: فِي حَدٍّ، وَلَا قِصَاصٍ، وَلَا عُقُوبَةٍ، وَلَا مَالٍ، وَلَا حَدٍّ لِلَّهِ، وَلَا مِثْلُ مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِعُيُوبِهِ؛ فَيَنْصَحَهُ فِي أَنْ لَا يَغْتَرَّ بِهِ فِي دِينِهِ، إذَا أَخَذَ عَنْهُ مِنْ دِينِهِ مَنْ لَا يُبْصِرُهُ، فَهَذَا كُلُّهُ مَعَانِي الشَّهَادَاتِ الَّتِي لَا تُعَدُّ غِيبَةً». اهـ([498])
وقَالَ عَبْد اللَّه بْن أحمد -رحمهما الله-: جاء أبو تراب النحشبي إلى أبي -رَضِيَ اللَّهُ عنه- فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال: أَبُو تراب: يا شيخ، لا تغتاب العلماء؛ فالتفت أبي إليه، وقال له: وَيْحَكَ، هذا نصيحة، ليس هذا غِيبة. اهـ([499])
وعن الحسن بْن عَلِيٍّ الإسكافي قَالَ: سألت أبا عبد اللَّه عَنْ معنى الغِيبة فقال: إذا لم تُرِدْ عيبا لرجل، قلت: فالرجل يقول: فلان لم يسمع، وفلان يخطئ، فقال: لو تُرِكَ هذا؛ لم يُعْرَفْ الصحيحُ من غيره. اهـ([500])
وقيل لسفيان بن عيينة : «إِنَّ هَذَا يَتَكَلَّمُ فِي الْقَدَرِ، أَعْنِي إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى، فَقَالَ: عَرَّفُوا النَّاسَ بِدْعَتَهُ، وسَلُوا رَبَّكُم الْعَافِيَة». اهـ.([501])
وجاء في رسالة أسد بن موسى إلى أسد بن فرات: «اعْلَمْ -أَيْ أَخِي- أَنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الْكِتَابِ إِلَيْكَ: مَا ذَكَرَ أَهْلُ بِلَادِكَ مِنْ صَالِحِ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ إِنْصَافِكَ النَّاسَ، وَحُسْنِ حَالِكَ مِمَّا أَظْهَرْتَ مِنَ السُّنَّةِ، وَعَيْبِكَ لِأَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِكَ لَهُمْ، وَطَعْنِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، وَشَدَّ بِكَ ظَهْرَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَوَّاكَ عَلَيْهِمْ بِإِظْهَارِ عَيْبِهِمْ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، فَأَذَلَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَصَارُوا بِبِدْعَتِهِمْ مُسْتَتِرِينَ، فَأَبْشِرْ -أَيْ أَخِي- بِثَوَابِ ذَلِكَ، وَاعْتَدَّ بِهِ أَفْضَلَ حَسَنَاتِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الْأَعْمَالُ مِنْ إِقَامَةِ كِتَابِ اللَّهِ، وَإِحْيَاءِ سُنَّةِ رَسُولِهِ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ أَحْيَا شَيْئًا مِنْ سُنَّتِي؛ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» وَضَمَّ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، وَقَالَ: «أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى هَذَا، فَاتُّبِعَ عَلَيْهِ؛ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبِعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَمَنْ يُدْرِكُ أَجْرَ هَذَا بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ؟. اهـ.([502])
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشهير بابن أبي زمنين : «ولم يَزَلْ أهلُ السنة يعيبون أَهْلَ الأهواء المُضِلَّة، ويَنْهَوْن عن مجالستهم، ويُخَوِّفُون فِتْنَتَهُم، ويُخْبِرُون بخلاقِهِم، ولا يرون ذلك غِيبةً لهم، ولا طَعْنًا عليهم».([503])
وقال الغزالي : «اعلم أن المُرَخِّص في ذِكْرِ مساوي الغير: هو غَرَضٌ صحيح في الشرع، لا يمكن التوصل إليه إلا به، فيدفع ذلك إثم الغِيبة، وهي ستة أمور…
ثم قال: الرابع: تحذير المسلم من الشر، فإذا رأيتَ فقيهًا يتردد إلى مبتدع أو فاسق، وخِفْتَ أن تتعدى إليه بِدْعَتُهُ وفِسْقُهُ؛ فلك أن تكشف له بدعتَهُ وفِسْقَهُ، مهما كان الباعثُ لك الخوفَ عليه من سراية البدعة والفسق لا غيره، وذلك موضع الغرور؛ إذْ قد يكون الحسد هو الباعث، ويُلَبِّسُ الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق، وكذلك من اشترى مملوكًا، وقد عرفت المملوك بالسرقة أو بالفسق أو بعيب آخر؛ فلك أن تَذْكُر ذلك؛ فإن في سكوتك ضرَرَ المشترى، وفي ذِكْرِكَ ضَرَرَ العبد، والمُشْتَرِى أَوْلَى بمراعاة جانبه، وكذلك المُزَكِّي إذا سئل عن الشاهد؛ فله الطعن فيه إنْ عَلِمَ مَطْعنًا، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَشَارُ فِي التَّزْوِيجِ وَإِيدَاعِ الْأَمَانَةِ؛ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَعْرِفُهُ عَلَى قَصْدِ النُّصْحِ للمستشير، لا على قَصْد الوقيعة، فإن عَلِمَ أنه يترك التزويج بمجرد قوله: لا تَصْلُحُ لك؛ فهو الواجب، وفيه الكفاية، وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه؛ فله أن يُصَرِّحَ به». اهـ([504])
وَيَقُول النَّوَوِيُّ : «يَجُوزُ تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ وَنَصِيحَتُهُمْ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ لِلْحَدِيثِ وَالشُّهُودِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، بَل وَاجِبٌ لِلْحَاجَةِ.
وَمِنْهَا: إِذَا اسْتَشَارَكَ إِنْسَانٌ فِي مُصَاهَرَتِهِ، أَوْ مُشَارَكَتِهِ، أَوْ إِيدَاعِهِ، أَوِ الإْيدَاعِ عِنْدَهُ، أَوْ مُعَامَلَتِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَذْكُرَ لَهُ مَا تَعْلَمُهُ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ». اهـ([505])
ويَقُول الْقَرَافِيُّ : «أَرْبَابُ الْبِدَعِ وَالتَّصَانِيفِ الْمُضِلَّةِ: يَنْبَغِي أَنْ يُشْهِرَ النَّاسُ فَسَادَهَا وَعَيْبَهَا، وَأَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ؛ لِيَحْذَرَهَا النَّاسُ الضُّعَفَاءُ؛ فَلاَ يَقَعُوا فِيهَا، وَيَنْفِرَوا عَنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ مَا أَمْكَنَ، بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَعَدَّى فِيهَا الصِّدْقَ، وَلاَ يَفْتَرِيَ عَلَى أَهْلِهَا مِنَ الْفُسُوقِ وَالْفَوَاحِشِ مَا لَمْ يَفْعَلُوهُ، بَل يَقْتَصِرُ عَلَى مَا فِيهِمْ مِنَ الْمُنَفِّرَاتِ خَاصَّةً، فَلاَ يُقَال فِي الْمُبْتَدِعِ: إِنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَلاَ أَنَّهُ يَزْنِي، وَلاَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ.
وَيَجُوزُ وَضْعُ الْكُتُبِ فِي جَرْحِ الْمَجْرُوحِينَ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَالأْخْبَارِ بِذَلِكَ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الْحَامِلِينَ لِذَلِكَ، لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَنْقُلُهُ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى فِي نَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ضَبْطِ الشَّرِيعَةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لأجل عَدَاوَةٍ، أَوْ تَفَكُّهٍ بِالأَعْرَاضِ، وَجَرْيًا مَعَ الْهَوَى؛ فَذَلِكَ حَرَامٌ، وَإِنْ حَصَلَتْ بِهِ الْمَصْلَحَةُ عِنْدَ الرُّوَاةِ». اهـ([506])
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الاتفاق على وجوب التحذير من أهل البدع، وأن ذلك من الغِيبة الجائزة، قال : «وأما الشخص المعين فَيُذْكَرُ ما فيه من الشر في مواضع:
… ومنها: أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم … وإذا كان النصح واجبًا في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل نقلة الحديث، الذين يَخْلِطُون، أو يَكْذِبون، كما قال يحيى بن سعيد: سألت مالكًا والثوري والليث بن سعد، أظنه والأوزاعي، عن الرجل يُتَّهَمُ في الحديث ولا يَحْفَظ، فقالوا: بَيّن أَمْرَهُ، وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: أنه يَثْقُل عَلَيَّ أن أقول: فلان كذا، وفلان كذا، فقال: إذا سَكَتَّ أنت، وسَكَتُّ أنا، فمتى يَعْرِفُ الجاهلُ الصحيحَ من السقيم؟!
ومِثْل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنّة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف، أَحَبُّ إليك أو يَتَكَلَّمُ في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف؛ فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع؛ فإنما هو للمسلمين، هذا أَفْضَلُ.
فَبَيَّنَ أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذْ تطهيرُ سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودَفْعُ بَغْيِ هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين.
ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء؛ لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا اسْتَوْلَوْا لم يُفْسِدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تَبَعًا، وأما أولئك فهم يُفْسِدون القلوب ابتداءً». اهـ([507])
يقول الإمام ابن القيم في «زاد المعاد» في معرض ذكره للفوائد المستنبطة من غزوة تبوك: «ومنها جواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حَمِيَّةً أو ذَبًّا عن الله ورسوله، ومن هذا طَعْنُ أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة، ومن هذا طَعْنُ ورثة الأنبياء وأهل السنة في أهل الأهواء والبدع؛ لله لا لحظوظهم وأغراضهم». اهـ([508]).
وذكر الشاطبي في «الاعتصام» ضمن حديثه عن أحكام أهل البدع: «ذِكْرهم بما هم عليه، وإشاعة بدعتهم كي يُحْذَروا، ولئلا يُغْتَرَّ بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف ذلك». اهـ.([509])
وَفِي «مُغْنِي الْمُحْتَاجِ» يقُول الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ : «يُنْكَرُ عَلَى مَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى وَالْوَعْظِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَيُشْهَرُ أَمْرُهُ؛ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ». اهـ([510])
وَيقول أيضًا : لَوْ قَال الْعَالِمُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ: لاَ تَسْمَعُوا الْحَدِيثَ مِنْ فُلاَنٍ؛ فَإِنه يَخْلِطُ، أَوْ لاَ تَسْتَفْتُوا مِنْهُ؛ فَإِنهُ لاَ يُحْسِنُ الْفَتْوَى؛ فَهَذَا نُصْحٌ لِلنَّاسِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الأّْم»، قَال: وَلَيْسَ هَذَا بِغِيبَةٍ، إِنْ كَانَ يَقُولُهُ لِمَنْ يَخَافُ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَيُخْطِئَ بِاتِّبَاعِهِ. اهـ([511])
وقال ابن حجر الهيتمي في سياق ما يُسْتَثْنى من الغِيبة المحرمة: «الرَّابِعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشَّرِّ، وَنَصِيحَتُهُمْ: كَجَرْحِ الرُّوَاةِ، وَالشُّهُودِ، وَالْمُصَنِّفِينَ، وَالْمُتَصَدِّينَ لِإِفْتَاءٍ أَوْ إقْرَاءٍ مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّةٍ، أَوْ مَعَ نَحْوِ فِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ، وَهُمْ دُعَاةٌ إلَيْهَا وَلَوْ سِرًّا، فَيَجُوزُ إجْمَاعًا؛ بَلْ يَجِبُ». اهـ([512])
قلت: ولا يلزم من نُصْح التابع وبيان خطأ المتبوع أن يُتَجاوز الحد في بيان خطئه، أو يُتَّخَذ عِرْضُهُ غَرَضا للطعن، أو الحَطِّ عليه، أو يُرْمَى بما ليس فيه، بحجة أننا نكره من ليس من أهل السنة، فإن الله يقول: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ] {المائدة:8}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «أَلَّا يَعْتَدِيَ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي بِزِيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعِ فِي بُغْضِهِمْ، أَوْ ذَمِّهِمْ، أَوْ نَهْيِهِمْ، أَوْ هَجْرِهِمْ، أَوْ عُقُوبَتِهِمْ؛ بَلْ يُقَالُ لِمَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ: عَلَيْك نَفْسَك، لَا يَضُرُّك مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْت، كَمَا قَالَ: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ] {المائدة:8} الْآيَةَ. وَقَالَ: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ] {البقرة:190} وَقَالَ: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ] {البقرة:193} فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْآمِرِينَ النَّاهِينَ قَدْ يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ، إمَّا بِجَهْلِ وَإِمَّا بِظُلْمِ، وَهَذَا بَابٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْعَاصِينَ».
وقال : «وَلَا سِيَّمَا كَثْرَةُ الْفُضُولِ فِيمَا لَيْسَ بِالْمَرْءِ إلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ أَمْرِ دِينِ غَيْرِهِ وَدُنْيَاهُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ التَّكَلُّمُ لِحَسَدٍ أَوْ رِئَاسَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ: فَصَاحِبُهُ إمَّا مُعْتَدٍ ظَالِمٌ، وَإِمَّا سَفِيهٌ عَابِثٌ، وَمَا أَكْثَرُ مَا يُصَوِّرُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ بِصُورَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَتَأَمُّلُ الْآيَةَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاءِ لِلْمَرْءِ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت مَا يَقَعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ: عُلَمَائِهَا، وَعُبَّادِهَا، وَأُمَرَائِهَا، وَرُؤَسَائِهَا؛ وَجَدْت أَكْثَرَهُ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، الَّذِي هُوَ الْبَغْيُ بِتَأْوِيلِ، أَوْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَمَا بَغَتْ الْجَهْمِيَّة عَلَى الْمُسْتَنَّةِ فِي مِحْنَةِ الصِّفَاتِ وَالْقُرْآنِ؛ مِحْنَةِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَكَمَا بَغَتْ الرَّافِضَةُ عَلَى الْمُسْتَنَّةِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَكَمَا بَغَتْ النَّاصِبَةُ عَلَى عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَمَا قَدْ تَبْغِي الْمُشَبِّهَةُ عَلَى الْمُنَزِّهَةِ، وَكَمَا قَدْ يَبْغِي بَعْضُ الْمُسْتَنَّةِ إمَّا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِمَّا عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ بِزِيَادَةِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ الْإِسْرَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِمْ: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {آل عمران:147}. وَبِإِزَاءِ هَذَا الْعُدْوَانِ تَقْصِيرُ آخَرِينَ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ، أَوْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا، فَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرِ إلَّا اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِأَمْرَيْنِ، لَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظَفَرَ: غُلُوٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ، فَالْمُعِينُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَفَاعِلُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَزِيَادَةٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَبَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَاَللَّهُ يَهْدِينَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ». اهـ([513])
وها هو الحافظ الذهبي يبين أن بُغْضَ المبتدعة بلا ميزان شرعي؛ أَدَّى بالبعض إلى تجاوز طريقة السلف، والعدول عن النهج السَّوِيّ، فقال في ترجمة يحيى بن عمار : «وكان مُتَحَرِّقًا على المبتدعة والجهمية، بحيث يؤول به ذلك إلى تجاوز طريقة السلف، وقد جعل الله لكل شيء قَدْرا». اهـ([514])
وسَبَقَ من كلام الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي : «هيهات هيهات! إن في مجال الكلام في الرجال عقباتٌ، مرتقيها على خَطَر، ومُرْتَقِبُهَا هوًى، لا منجى له من الإثم ولا وَزَر، فلو حَاسَبَ نفسَهُ الرامي أخاه: ما السبب الذي هاج ذلك؟ لتحقق أنه الهوى الذي صاحِبُهُ هالك». اهـ([515])
قال القرافي في مَعْرِض ذلك: «متى كان لأجل عداوة، أو تَفَكُّهٍ بالأعراض، وجَرْيًا مع الهوى؛ فذلك حرام». اهـ([516])
قال الفضيل بن عياض: «ما من أحد أَحَبَّ الرياسة إلا حَسَدَ وبَغَى، وتَتَبَّعَ عيوبَ الناس، وكَرِهَ أن يُذْكَر أحد بخير».([517])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَهَذَا كُلُّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا لِهَوَى الشَّخْصِ مَعَ الْإِنْسَانِ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، أَوْ تَحَاسُدٌ، أَوْ تَبَاغُضٌ، أَوْ تَنَازُعٌ عَلَى الرِّئَاسَةِ، فَيَتَكَلَّمُ بِمَسَاوِئِهِ مُظْهِرًا لِلنُّصْحِ، وَقَصْدُهُ: فِي الْبَاطِنِ الْغَضُّ مِنْ الشَّخْصِ، وَاسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ، فَهَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ و «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» بَلْ يَكُونُ النَّاصِحُ قَصْدُهُ أَنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ ذَلِكَ الشَّخْصَ، وَأَنْ يَكْفِيَ الْمُسْلِمِينَ ضَرَرَهُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَيَسْلُكَ فِي هَذَا الْمَقْصُودِ أَيْسَرَ الطُّرُقِ الَّتِي تُمَكِّنُهُ». اهـ([518])
وعند تقرير شيخ الإسلام للقول بهجر المبتدع الداعي لبدعته، والتغليظ في ذمِّه؛ يُبَيِّنُ أن «المقصود بذلك رَدْعُه، ورَدْعُ أمثاله، للرحمة والإحسان، لا للتشفي والانتقام».([519])
وهذا الخُلُق من دلائل سَعَة الصدور وسلامة القلوب من الغِلِّ والهوى، قال سفيان بن دينار : قلت لأبي بشير -وكان من أصحاب علي رضي الله عنه-: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: «كانوا يَعْمَلون يسيرا، ويُؤْجَرون كثيرا» فقال سفيان: ولم ذلك؟ قال: «لسلامة صدورهم».([520])
قال الإمام ابن القيم : «مَشْهَدُ السَّلَامَةِ وَبَرْدِ الْقَلْبِ، وَهَذَا مَشْهَدٌ شَرِيفٌ جِدًّا لِمَنْ عَرَفَهُ، وَذَاقَ حَلَاوَتَهُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ وَسِرُّهُ بِمَا نَالَهُ مِنَ الْأَذَى، وَطَلَبِ الْوُصُولِ إِلَى دَرْكِ ثَأْرِهِ، وَشِفَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ يُفَرِّغُ قَلْبَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّ سَلَامَتَهُ وَبَرْدَهُ وَخُلُوَّهُ مِنْهُ أَنْفَعُ لَهُ، وَأَلَذُّ وَأَطْيَبُ، وَأَعْوَنُ عَلَى مَصَالِحِهِ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ؛ فَاتَهُ مَا هُوَ أَهَمُّ عِنْدَهُ، وَخَيْرٌ لَهُ مِنْهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَغْبُونًا، وَالرَّشِيدُ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ، فَأَيْنَ سَلَامَةُ الْقَلْبِ مِنِ امْتِلَائِهِ بِالْغِلِّ وَالْوَسَاوِسِ، وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي إِدْرَاكِ الِانْتِقَامِ؟.». اهـ([521])
قال السخاوي : «إذا أمكنه الجرح بالإشارة المُفْهِمَة، أو بأدنى تصريح؛ لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخَّص فيها للحاجة لا يُرْتَقَى فيها إلا إلى ما يُحَصِّل الغَرَضَ». اهـ([522])
وقال : «لا يجوز التجريح بسببين إذا حَصَل بواحد، فقال العز بن عبد السلام في (قواعده): إنه لا يجوز للشاهد أن يَجْرح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة؛ فَلْيُقَدَّرْ بِقَدْرها. ووافقه عليه القرافي، وهو ظاهر».([523])
وقال اللكنوي : «لما كان الجرح أمرا صعبا؛ فإن فيه حَقَّ الله مع حق الآدمي، وإنما جُوِّزَ للضرورة الشرعية؛ حَكَموا بأنه لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة..». اهـ([524])
ومِنْ ثَمَّ فما ينبغي لنا أن نطلق «الكلام على أحد بالجزاف، بل نُعطي كُلَّ شيخ قِسْطَهُ، وكُلَّ راوٍ حظَّه، والله الموفق لذلك، المانُّ بما يجب من القول والفعل معا». اهـ([525])
وقال أيضًا : «لسنا ممن يُوهِمُ الرعاعَ ما لا يستحقه، ولا ممن يحيف بالقدح في إنسان، وإن كان لنا مخالفا، بل نعطي كل شيخ حظه مما كان فيه، ونقول في كل إنسان ما كان يستحقه من العدالة والجرح».([526])
قلت: كما يجب أن يُعْلَم في هذا السياق قُبْحُ التعميم بغير وجه حق ولا حَدٍّ عند النقد أو الرد؛ فإنه من أكثر الأخطاء انتشارا بين الناس، وله صُوَر، منها:
– مَنْ يُعَمِّم الحكم على جميع الأعمال بمجرد النظر إلى عمل واحد، وفي ذلك جور في الحكم!
– ومن الناس من يعمم الحكم على شخص بالنظر إلى مرحلة واحدة من مراحل حياته، ربما تغير عنها، وفي ذلك تَعَدٍّ وظُلْم!
– ومن الناس من يعمم الحكم على طائفة من الناس من خلال النظر إلى حال شخص واحد أو أشخاص منها، وهم ليسوا من كبارها، أو مُنَظِّريها، أو مُؤَسِّسِيها!.
وقد ذكر الغزالي قصةً رمزيةً في خصوص هذا تستحق التأمل مفادها: أن ثلاثة من العميان أُدخِلوا على الفيل، وكانوا لم يروه من قبل، فوضع أحدهم يده على رِجْله، ووضع الآخر يده على ذيله، ووضع الثالث يده على بطنه، فلما خرجوا سألوهم: ما الفيل؟
فقال الأول: الفيل كسارية المسجد.
وقال الآخر: الفيل كخرطوم طويل به شعر كثيف.
وقال الثالث: الفيل كالجبل العظيم الأملس!!
فأُدخلوا مرة أخرى على الفيل، وأَمْسكوا بجميع أجزائه، وعندها ضحكوا من تعريفاتهم السابقة للفيل، واستطاعوا أن يصفوه على حقيقته.([527])
وما قيل هنا فيمن وقع في بدعة، يقال فيمن وَهِمَ في الرواية، أو ساء حِفْظه لما يرويه.
ويقال أيضًا لمن منع أصلًا من استعمال علم الجرح والتعديل: إذا كان الشاهد يَشْهَد على الرجل في خُصومة ما بينه وبين آخَرَ في شيء يسير من الدنيا، فيطلب القاضي مَنْ يُزَكِّي الشاهدَ أو يطعنُ فيه؛ للحفاظ على حق خصمه، وإن كان درهمًا أو دينارًا؛ فكيف لا يجوز بيانُ حال من أخطأ على الشريعة، ونَسَب إليها ما ليس منها، أو أصَّلَ أصولَ أهل الزيغ والضلال، أو زَهَّد في منهج أهل السنة والجماعة؟ فالتحذير من هذا أَوْلَى لا للانتقام منه، ولكن للحفاظ على دين جيلٍ ومستقبل أجيالٍ من المسلمين إلى آخر الزمان، فإن الشريعة دينهم الصافي، ويجب أن تُصَفَّى مما أُلْحِق بها مما ليس منها.
والجرح والتعديل في هذا الزمان إنما يكون في باب التمسك بالسنة أو الإعراض عنها، وفي التكلُّم في العلم بعلم أو جهل، ونحو ذلك مما سبق، أما باب الرواية والرواة فليس معنا إلا ما قاله أهل العلم الأوائل فيهم مَدْحًا وقَدْحًا، مع محاولة الجمع بين كلامهم حسب قواعدهم التي ساروا عليها .
ثالثًا: شروط الجرح والتعديل:
والعلماء قد وضعوا لذلك شروطًا يجب مراعاتها فيمن اشتغل بالجرح والتعديل، كل ذلك حتى لا يُقْحم الجهلةُ أنْفُسَهم في هذا الباب، ولا يَتَكَلَّمَ فيه من لا يَدْرِي ما يَخْرُجُ من رأسه.
فلابد من مراعاة شروط الاشتغال بهذا الأمر، ومنها:
١- ما ذكره الحافظ الذهبي في «الموقظة»([528]) فقال: «والكلام في الرواة يحتاج إلى وَرَعٍ تامٍّ، وبراءة من الهوى والميل…» اهـ، فاشترط الورع التام، والبراءة من الهوى فيمن تكلم في الرواة-وإن كانوا مغمورين غير مشاهير- فكيف بالكلام في العلماء الذين خَدَمُوا الإسلامَ خِدْمَةً جليلةً، ونافَحُوا عنه باليد واللسان والقلم، وكشفوا عَوَار أهل البدع والزندقة، لكِنْ زَلَّتْ أقدامُهم في موضِعٍ أو مواضع عن اجتهاد وتأويل؟!
وقال الحافظ الذهبي أيضًا في «تذكرة الحفّاظ» في ترجمة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: «حُقَّ على المحدِّث أن يتورّعَ فيما يُؤدِّيه، وأن يَسْأَلَ أهلَ المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل إلى أن يصير العارفُ الذي يُزكِّي نَقَلةَ الأخبارِ ويُجَرِّحُهم جَهْبِذًا؛ إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة، والسهر والتيقظ، والفهم مع التقوى والدين المتين، والإنصاف، والتردد إلى العلماء، والإتقان، وإلا تفْعَلْ:
| فدَعْ عَنْكَ الكتابةَ لسْتَ مِنْها | ولَوْ سَوَّدتَ وجْهَكَ بالمدادِ |
فإن آنسْتَ مِنْ نَفْسِك فَهْمًا، وصِدْقًا، وورعًا؛ وإلا فلا تَفْعَلْ، وإن غَلَبَ عليك الهوى والعصبيةُ لرأْيٍ ولمذْهَبٍ؛ فبالله لا تتْعَبْ، وإن عَرَفْتَ أنك مُخَلِّطٌ مُخَبِّطٌ، مُهْمِلٌ لحدود الله؛ فَأَرِحْنَا مِنْك». اهـ.
٢- وما ذكره اللكنوي في «الرفع والتكميل»([529]) في شرط الجارح والمعدِّل: «يُشترط في الجارح والمعدِّل العلمُ، والتقوى، والورعُ، والصِّدْقُ، والتجَنُّبُ عن التعصُّبِ، ومعرفةُ أسبابِ الجرحِ والتزكيةِ، ومن ليس كذلك؛ لا يُقْبَل منه الجرح ولا التزكية». اهـ.
3- وقال التاج السبكي : «من لا يكون عالمًا بأسبابهما -أي الجرح والتعديل- لا يُقْبلان منه، لا بإطلاق ولا بتقييد»([530]) اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في «شرح النخبة»: «إن صَدَر الجرحُ من غير عارفٍ بأسبابه؛ لم يُعْتَبَرْ به».
والجارح أو المُعَدِّل إذا سئل عن سبب حُكْمه، فأجاب بما لا يُجَرِّح العلماءُ به، أو يُعَدِّلون بمثله؛ نُسب إلى التشدد أو التساهل، ولا يُؤخذ بقوله إذا انفرد؛ فكيف إذا خُولف([531])؟
4- معرفة الجارح أو المُعَدِّل لدلالات عبارات الجرح والتعديل، حتى يستعمل العبارة الدالة على مراده، دون فضفضة واسعة، أو عكس ذلك.
وعبارات الأئمة في الجرح والتعديل أكثر من أن تُحْصَر، وهناك فروق كثيرة ودقيقة بين عبارات الأئمة في ذلك، فلا بد من أن يكون المشتغل بذلك عالمًا بدلالات الألفاظ، فالأئمة على سبيل المثال يفرِّقون بين من قيل فيه: «لا بأس به» ومن قيل فيه: «ليس به بأس» فيرون أن الأول أحسن حالًا من الثاني؛ لأن كلمة «لا» أَعْرَقُ وآصَلُ في باب النفي من كلمة «ليس» فأين هذه الدقة من تهوّر كثير ممن يتكلمون في هذا الشأن اليوم بلا خِطَام ولا زِمام؟!([532])
وإنَّ اتساع اللغة، وتَعَدُّدَ مدلولات الكلمة، يجعل القارئ يقف مع بعضها موقف المتردد في تنزيلها على أي المدلولات التي ظهرت له، فإذا ما كانت الكلمة قد رسخت في ذهنه على مدلولٍ معين؛ سارع في تنزيلها حسب اصطلاحه هو في كلامه، لا على اصطلاح المتكلم.
ولهذا وقع الغلط في الفهم والاستدلال في شتى الفنون؛ بسبب العزوف عن فهم مصطلحات المتكلم، قبل البدء في تفهمه، والاستدلال به.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «…. وكذلك الألفاظ المشتركة والمنقولة والمُغَيَّرة شرعًا، نقلًا وتغييرًا شَرْعيين أو عُرْفيين، إنما يريد بها المتكلم في الغالب أحد المعنيين، مع أن المعاني الأُخَر جائزة الإرادة، ولم تُرَدْ…
إلى أن قال : وهذا باب واسع، فمن تأمل كل لفظ في كلام متكلم؛ رأى أنه يجوز أن يراد به من المعاني ما شاء الله، والمتكلم لم يُرد إلا واحدًا من تلك المعاني…». اهـ([533])
وقال أيضًا: «ومَنْ لم يَعْرِف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها، ويخاطبهم بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وعادتهم في الكلام؛ وإلا حرّف الكلم عن مواضعه، فإن كثيرًا من الناس ينشأ على اصطلاحِ قوم وعادَتِهِم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله، أو رسوله، أو الصحابة، فيظن أنّ مراد الله، أو رسوله، أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريدُه بذلك أهلُ عادته واصطلاحه، ويكون مرادُ الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك؛ وهذا واقع لطوائف من الناس، من أهل الكلام، والفقه، والنحو، والعامة، وغيرهم». اهـ([534])
وقال الإمام ابن القيم : «والعلم بمراد المتكلم، يُعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علته، والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني لأرباب المعاني والفهم والتدبر….. وقد يَعْرِضُ لكل من الفريقين ما يُخِلُّ بمعرفة مراد المتكلم، فَيَعْرِض لأرباب الألفاظ التقصيرُ بها عن عمومها، وهَضْمُها تارةً، وتحميلُها فوق ما أُريد بها تارةً، ويَعْرِضُ لأرباب المعاني فيها نظير ما يَعْرِضُ لأرباب الألفاظ، فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين..». اهـ([535])
وقد وقع غَلَطٌ عظيم في أبواب الشريعة خاصة، ومنشأه: الجهل بمراد الله، ومراد رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وتنزيل الألفاظ الشرعية على المصطلحات الحادثة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله، أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث، فيريد أن يفسِّر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويَحْمِلَهُ على تلك اللغة التي اعتادها». اهـ([536])
وقال الإمام ابن القيم : «… تنزيل كلام الله وكلام رسوله، على الاصطلاحات التي أحدثها أرباب العلوم، من الأصوليين، والفقهاء، وعلم أحوال القلوب، وغيرهم، فإن لكل من هؤلاء اصطلاحات حادثة في مخاطباتهم وتصانيفهم، فيجيء من قد أَلِفَ تلك الاصطلاحات الحادثة، وسبقت معانيها إلى قلبه، فلم يَعْرِفْ سواها، فيسمع كلام الشارع، فَيَحْمِله على ما أَلِفَهُ من الاصطلاح؛ فيقع بسبب ذلك في الفهم عن الشارع، ما لم يُرِدْهُ بكلامه، ويقع من الخلل في نظره ومناظرته ما يقع، وهذا من أعظم أسباب الغلط عليه…». اهـ([537])
قال أبو الوليد الباجي : «فعلى هذا يَحمِل ألفاظ الجرح والتعديل، مَن فهم أقوالهم وأغراضهم، ولا يكون ذلك؛ إلا لمن كان من أهل الصناعة والعلم بهذا الشأن، وأما مَن لم يَعْلَمْ ذلك، وليس عنده من أحوال المحدثين إلا ما يأخذه من ألفاظ أهل الجرح والتعديل، فإنه لا يمكنه تنزيل الألفاظ هذا التنزيل، ولا اعتبارها بشيء مما ذكرنا، وإنما يَتْبَعُ في ذلك ظاهر ألفاظهم فيما وقع الاتفاق عليه، ويقف عند اختلاف عباراتهم..». اهـ.([538])
والغلط في فهم مصطلح إمام من أئمة الجرح والتعديل، له أثر واضح في الحكم على الراوي جرحًا أو تعديلًا.([539])
وبالتالي، يظهر الغلط في الحكم على الحديث؛ علمًا بأن أهمية تتبع المصطلحات تظهر أكثر في فن الجرح والتعديل، وذلك لأمور منها:
1) استخدام الأئمة المصطلح لأكثر من معنى.([540])
قال د. خالد الدريس: «وقد لاحظت أن الحفاظ والنقاد المتقدمين، يوجد في مصطلحاتهم ميل للتوسع في مدلولها… ثم ذكر أمثلة على ذلك..».([541])
وقد برر الدكتور هذا التوسع بقوله: «ومثل هذه المصطلحات الواسعة، يحتاج إليها كل علم في بداياته، وخاصة إذا كان ذلك العلم في مرحلة نُمُو وتَشَكُّل، ولم تستقر بعدُ قواعده وقوانينه واصطلاحاته، كما هو الحال في مصطلح الحسن، في زمن أولئك الأئمة..». اهـ([542])
2) أن الغالب على عبارات الأئمة الاختصار الشديد؛ لاعتمادهم على فهم السائل والمتلقي.([543])
قال د. محمد العُمَري: «ولذلك جاءت عباراتهم فيها اختصار شديد، في غاية من الدقة، ووضوح الدلالة في كثير منها، وقد روعي فيها المعنى اللغوي، والاصطلاحي، فتأمل الفرق بين عباراتهم: «يروي المناكير»، و«له مناكير»، و«أحاديثه منكرة»، و«منكر الحديث»…».([544])
3) أن بعض عباراتهم لم تُذْكَر في كتب المصطلح، ولم يُوَضَّح معناها.
قال مكي بن إبراهيم : سئل شعبة عن ابن عون؟ فقال: سَمْنٌ وعَسَلٌ، قيل: فما تقول في هشام بن حسان؟ قال: خَلٌّ وزَيْتٌ. قيل: فما تقول في أبي بكر الهذلي؟ قال: دَعْني لا أَقيء به. ا. هـ.([545])
قال السبكي : «ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح أيضًا: حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ، فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة، فيفهمها على غير وجهها؛ والخبرة بمدلولات الألفاظ؛ ولاسيما العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس، وتكون في بعض الأزمنة مدحًا, وفي بعضها ذمًا, أمر شديد لا يدركه إلا قعيدٌ بالعلم». اهـ.([546])
وقال المعلمي : «صِيَغُ الجرح والتعديل كثيرًا ما تُطْلَقُ على معانٍ مغايرة لمعانيها المقررة في كتب المصطلح، ومعرفة ذلك؛ تتوقف على طول الممارسة، واستقصاء النظر». اهـ.([547])
وقال : «…. منهم من لا يطلق «ثقة» إلا على من كان في الدرجة العليا من العدالة والضبط؛ ومنهم من يطلقها على كل عدل ضابط، وإن لم يكن في الدرجة العليا، ومنهم من يطلقها على العدل، وإن لم يكن ضابطًا؛ ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا واحدًا قد توبع عليه؛ ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا له شاهد؛ ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا لم يستنكره هو؛ ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى عنه ثقة إلى غير ذلك؛ وهم مع ذلك مختلفون في الاستدلال على أحوال الرواة، فمنهم المبالغ في التثبت، ومنهم المتسامح، ومَن لم يعرف مذهب الإمام منهم، ومنزلته من التثبت؛ لم يعرف ما تعطيه كلمته، وحينئذ فإما أن يتوقف، وإما أن يحملها على ما هو المشهور في كتب المصطلح، ولعل ذلك رَفْعٌ لها عن درجتها، وبالجملة: فإن لم يتوقف؛ قال بغير علم، وسار على غير هدى».([548])
والجهل بمدلول المصطلح، ومراد الإمام منه؛ قد يؤدي إلى تجهيل الأئمة، ونسبتهم للتناقض، فمثلًا: أسباط بن نصر الهمْداني، قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة أخرى: ثقة.([549])
فغير العارف بمصطلح الإمام ابن معين قد ينسبه إلى التناقض.
وعلى كل حال: فهناك من يتكلم في الجرح والتعديل بلا ورعٍ ولا معرفةٍ بأسباب الجرح، فيجرِّح المخالفَ بزعم أنه يَنْزِلُ في البلد الفلاني على فلان، أو رآه يمشي معه، أو فلان -الذي يقلده المتكلم- غير راضٍ عنه، أو زار المنطقة الفلانية، ولم يزُرْ فلانًا، وربما قال فيه: هو أخبث من اليهود والنصارى، أو أضرّ منهم، أو أضرُّ من إبليس وفرعون، وغير ذلك من كلمات الظلم والظلمات التي قالها كثير ممن تسوَّر هذا العلم، وليس ذا علم ولا فهم ولا ورع!!
ومعلوم أن الرواة عند السلف أقسام: فمنهم العَدْلُ الْمُزَكَّى، ومنهم الْمُضَعَّفُ المجروحُ، ومنهم المجهولُ الذي لا يَعْلَم العالمُ عَيْنَه أو حالَهُ، وبعضُ غلاة التجريح في زماننا وفي بلدنا يُجَرِّحُ المجهولَ الذي لا يَعْرِفُه هو، بزعم أنه لو كان هذا الرجل من أهل السنة؛ لَعَرَفَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَعْرِفْهُ؛ دَلَّ ذلك على أنه مجروح عنده وعند أتباعه، وأنه ليس من أهل السنة، ومن لم يكن من أهل السنة؛ فهو من أهل البدعة، فبالله هل كان السلف يُبَدِّعون من لا يعرفونه؟ أم كانوا يَحْكُمون عليه بالجهالة فقط؟ مع أن المجهول تزول جهالته بمعرفة أحد أهل الشأن به، أما هؤلاء الغلاة: فلو زكَّى الرجُلَ عشرات ممن يختلفون معهم؛ ما زاده عندهم إلا ضلالا ومروقًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، من جهل الجاهلين، وتسلّط الأفّاكين، وإذا أنكر أحد على هؤلاء صنيعهم؛ قالوا: هذا جرح وتعديل، مع أن هؤلاء ما عندهم إلا جرح وتجريح، أما التعديل -بل المبالغة المخزية فيه- فهو خاص بمن قلّدهم وأَسْلَم لهم زمامه، وذلك لمدّة يسيرة، ثم يَنْقَلِبون عليه، ويَقْلِبُون له ظَهْر الْمِجَنّ، ويَكِيلون له التّهم كيْلا، وذلك إذا خالفهم، أو تَلَكَّأ أو ترَدَّد في حُكْم من أحكامهم الطائشة على أحد مما خالفهم، ثم تثور الفتنة بينهم، ويتكلَّم كل منهم في الآخر بما هو أشد مما كانوا يتكلمون به من قبل في مخالفهم… وهكذا… ولا تزيدهم الأيام إلا غلوًّا، أو تشظِّيًا وبُعْدًا عن المنهج الدعوي والتربوي الذي كانوا عليه من قبل، وهذه سيما الباطل وأهله، فالحمد لله على العافية مما ابْتُلِيَ به كثيرٌ من العِبَاد.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
٣٠/ رجب ١٤٣٩ هجرية.
A
A
[13]هل في بعض مسائل العقيدة اختلاف بين السلف، أم كل مسائل العقيدة مُجْمَعٌ عليها؟













