(هل في بعض مسائل العقيدة اختلاف بين السلف،
أم كل مسائل العقيدة مُجْمَعٌ عليها؟)
- السؤال الثالث عشر: سمِعْنَا مِن كثيرٍ ممَّن ينتسبُ إلى العلمِ أن السلف الصالح -رحمة الله عليهم- في القرون المُفَضَّلة، ومن اتبعهم بإحسانٍ، لم يختلفوا قَطّ في مسائل العقيدة، وادعى هؤلاء أن مسائل العقيدة مجمعٌ عليها بين علماء السنة، ولم يخالفهم فيها إلا أهلُ البدع والضلال، وبناءً على ذلك قالوا: مَن خالف في أي مسألةٍ مِن المسائل العلمية – وهي مسائل العقيدة – فهو مبتدعٌ، يُلْحَق بفرق البدع والضلال، ويكون بعينه خارجًا من دائرة أهل السنة والجماعة، أما الخلاف في المسائل العملية – وهي مسائل الأحكام والفقه – فالخلافُ فيها مُحْتَمَلٌ، والمخالف فيها مِن أهل السنة.
فما صحة هذا القول؟
الجواب: إطلاق هذا القول خطأٌ وإحداث في منهج أهل العلم مِن عدة وجوه:
الوجه الأول: أن مسائل العقيدة ومسائل الأحكام في كلٍّ منهما أصولٌ وفروعٌ، وفي كلٍّ منهما ما هو مجمعٌ عليه وما هو مُخْتَلَفٌ فيه، والمخالفُ في هذه المسائل أو تلك له الحكمُ الذي يناسبه كما هو مُفَصَّلٌ في غير هذا الموضع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «أما التفريق بين نوعٍ، وتسميتُه مسائلَ الأصول، وبين نوعٍ آخر وتسميتُه مسائلَ الفروع؛ فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذَكَره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض؛ فإنه يقال لمن فَرَّقَ بين النوعين: ما حَدُّ مسائل الأصول التي يَكْفُر المخطئ فيها؟، وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟.
فإن قال: مسائل الأصول: هي مسائل الاعتقاد، ومسائل الفروع: هي مسائل العمل؛ قيل له: فتنازع الناس في محمد -صلى الله عليه وسلم- هل رأى ربه أم لا؟، وفي أن عثمان أفضل من علي، أم علي أفضل؟، وفي كثير من معاني القرآن، وتصحيح بعض الأحاديث، وهي من المسائل الاعتقادية العِلْمِية، ولا كُفْر فيها بالاتفاق، ووجوب الصلاة والزكاة والصيام وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية، والمنكر لها يَكْفُر بالاتفاق.
وإن قال: الأصول هي المسائل القطعية؛ قيل له: كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية، وكون المسائل قطعيةً أو ظنيةً هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية؛ لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتَيَقَّن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنية، فضلًا عن أن تكون قطعية؛ لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكُّنه من العلم بدلالته». اهـ([550])
وقد قال الإمام ابن القيم : «إنهم قَسَّموا الدين إلى مسائل علمية وعملية، وسَمَّوْها أصولا وفروعًا، وقالوا: الحق في مسائل الأصول واحد، ومن خالفه؛ فهو كافر أو فاسق، وأما مسائل الفروع، فليس لله تعالى فيها حكم معين، ولا يُتَصَوَّر فيها الخطأ، وكل مجتهد مصيب لحكم الله تعالى الذي هو حُكْمُه، وهذا التقسيم لو رجع إلى مجرد الاصطلاح لا يتميز به ما سَمَّوْه أصولًا مما سَمَّوْه فروعا، فكيف وقد وضعوا عليه أحكامًا وضعوها بعقولهم وآرائهم… ومنها: إثبات الفروع بأخبار الآحاد دون الأصول، وغير ذلك، وكل تقسيم لا يَشْهَد له الكتاب والسنة وأصول الشرع بالاعتبار؛ فهو تقسيم باطل يجب إلغاؤه». اهـ([551])
على أنه ينبغي التنبيه في هذه المسألة على أن هذا التقسيم لا يُردُّ جملةً، بل يصح إذا تحقق فيه أمران:
الأول: إعادة النظر في ضوابط التمييز بين الأصول والفروع، وذلك بوضع ضوابط صحيحة المعنى من الناحية الشرعية.
الثاني: التحقيق العلمي للأحكام المتعلقة بكل من الأصول والفروع.
ومما يدل على أن هذا التقسيم قد يُقْبَلُ إذا توفرت شروط معينة: موقف شيخ الإسلام ذاته من هذه المسألة؛ حيث إنه استعمل عبارة «أصول الدين وفروعه»، لكن ليس على اصطلاح أهل الكلام، ومن ذلك – مثلا – قوله: «وإذا عرفت أن مُسَمَّى «أصول الدين» في عُرْف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام؛ لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات؛ تَبَيَّن أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين، فهو موروث عن الرسول». اهـ([552])
وقوله: «ما زال كثير من أئمة الطوائف الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية -وإن كانوا في فروع الشريعة مُتَّبِعِين بعضَ أئمة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين -، فإنهم يقولون: نحن في الأصول أو في السنة على مذهب أحمد بن حنبل». اهـ([553])
وقوله: «والغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في «أصول الدين وفروعه» في الدلائل والمسائل بأكمل المناهج». اهـ([554])
فهذا يدل على أن هذا التقسيم إذا كان منضبطًا بضوابط شرعية صحيحة، وبُنِيتْ عليه أحكام صحيحة كذلك؛ فإنه لا مانع منه، أو يكون بهذا الاعتبار مسألة اصطلاحية، لا يترتب عليها أحكام شرعية، وعليه فلا ينسب هذا التقسيم إلى الشرع، بحيث تترتب عليه أحكام شرعية، وهذا الذي قد يُحمل عليه موقف شيخ الإسلام من هذه المسألة، بحيث يُحْمَلُ عدم ارتضائه لهذا التقسيم، واستعماله للتعبير الدال عليه في موضع آخر؛ يُحْمَلُ ذلك على إنكاره ترتيب أحكام التكفير والتفسيق وغيرها على أساس ذلك التقسيم.([555])
الوجه الثاني: كلامُ علماء السنة يدل على وقوعِ الخلافِ أيضًا بين أهل السنة في مسائل علمية عقدية.
ومن الأمثلة على وقوع الخلاف بين السلف حول بعض مسائل العقيدة:
1 – اختلافهم في رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- لربه ليلة المعراج، هل وَقَعَتْ أم لا؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى- كما في «مجموع الفتاوى»: «وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمدا هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس -رضي الله عنهما- وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدا رأى ربه ليلة المعراج: وكانت عائشة -رضي الله عنها- وطائفة معها تنكر ذلك»([556]). اهـ
وقال شيخ الإسلام : «وتنازعوا -أي الصحابة- في مسائل علمية اعتقادية؛ كسماعِ الميت صوتَ الحيِّ، وتعذيبِ الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد -صلى الله عليه وسلم- رَبَّهُ قبل الموت، مع بقاء الجماعة والأُلفة». اهـ.([557])
وقال شيخ الإسلام أيضًا: «وليست هذه المسألة -يعني مسألة رؤية الكفار ربهم يوم القيامة- فيما عَلِمْتُ- مما يوجب المهاجرة والمقاطعة؛ فإن الذين تكلموا فيها قبلنا: عامتهم أهل سنة واتباع، وقد اخْتَلَفَ فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا، كما اخْتَلَفَ الصحابةُ -رضي الله عنهم- والناسُ بعدهم في رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- رَبَّهُ في الدنيا، وقالوا فيها كلمات غليظة؛ كقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «من زعم أن محمدًا رأى ربه؛ فقد أعْظم على الله الفرية!!»، ومع هذا، فما أوجب هذا النـزاعُ تـهاجرًا ولا تقاطعًا». اهـ.([558])
2- ومن ذلك أيضًا: اختلافُهُم في أنه: هل يكون للبدن في القبر عذاب أو نعيم دون الروح، أم لا؟
ففي «مجموع الفتاوى»: سئل شيخ الإسلام تعالى- عن عذاب القبر: هل هو على النفس والبدن، أو على النفس دون البدن؟
فأجاب: «بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة، تَنْعَمُ النَّفْسُ وتُعَذَّب منفردةً عن البدن، وتُعَذَّبُ مُتَّصِلَةً بالبدن، والبدن مُتَّصِلٌ بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مُجْتَمِعَيْن، كما يكون للروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة والكلام»([559]). اهـ
وقال في المرجع السابق: «ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين، واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة، وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب؟ أثبت ذلك طائفة منهم، وأنكره أكثرهم»([560]). اهـ
3- ومن ذلك: اختلافهم فيما يوزن يوم القيامة: هل هو العمل، أَمْ صحائف العمل، أَمْ العامل نفسه، أي صاحب الأعمال؟([561]).
ويقولُ –أيضًا في شأنِ أهلِ التَّوحيدِ والسنة-: «وإنْ حَصلَ بينهم تنازعٌ في شيءٍ مِمَّا يَسوغُ فيه الاجتهادُ؛ لم يُوجِبْ ذَلكَ تَفَرُّقًا ولا اختلافًا، بلْ هم يَعلمونَ أنَّ المصيبَ منهم له أجرانِ، وأنَّ المجتهدَ المخطئَ له أجرٌ على اجتهادهِ، وخطؤهٌ مغفورٌ له»([562]). اهـ
4 – ومن ذلك أيضًا: اختلاف أهل السنة في رؤية الكفار ربَّهم يوم القيامة في العَرْض؛
فقد اختلف العلماء في رؤية المنافقين لله تعالى يوم القيامة، بل اختلفوا في رؤية الكفار – عموما – لله تعالى يوم القيامة.
وسبب هذا الاختلاف: أنه لم يَرِدْ نَصٌّ قاطع، أو ظاهِرٌ ظهورا قويا، يدل على الإثبات أو النفي، فاجتهد العلماء في فهم النصوص الواردة في ذلك، ولهذا فليست هذه المسألة من مسائل الاعتقاد التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها، كما أنها ليست من المسائل التي يُبَدَّع فيها المخالف، بل لا حرج على من أثبتها أو نفاها أو توقف فيها، حسب ما ظهر له من الأدلة الشرعية، لا عن تعصُّب أو اتباعٍ للهوى.
وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية اختلاف العلماء في رؤية الكفار لله تعالى يوم القيامة، فقال: «فَأَمَّا» مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الْكُفَّارِ «: فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الْكَلَامُ فِيهَا وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا – فِيمَا بَلَغَنَا – بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَأَمْسَكَ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ….
أَحَدُهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَالِ: لَا الْمُظْهِرُ لِلْكُفْرِ، وَلَا الْمُسِرُّ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرُهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَرَاهُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمُنَافِقِيهَا وَغَبَرَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، فَلَا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ خُزَيْمَة مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ إتْيَانِهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ تَعْرِيفٍ وَتَعْذِيبٍ – كَاللِّصِّ إذَا رَأَى السُّلْطَانَ – ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ؛ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُمْ، وَيَشْتَدَّ عِقَابُهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَوْل غَيْرِهِمْ؛ وَهُمْ فِي الْأُصُولِ مُنْتَسِبُونَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِلَى سَهْلٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْتَسْتَرِي». اهـ([563])
ثم ذكر شيخ الإسلام أدلة هذه الأقوال وناقشها.
فمما استدل به القائلون بأن المنافقين سيرون الله تعالى في الموقف: حديثا أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله عنهما-.
* فعن أَبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-: «أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟»، قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟»، قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ؛ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا؛ فَلْيَتَّبِعْهُ…» إلى أن قال: «وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ، فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ».([564])
* وعن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَة ِ؟، قَالَ: «هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا؟»، قُلْنَا: لاَ، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ، إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا»، ثُمَّ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ…» إلى أن قال: «حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ، وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَلاَ يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ؛ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ؛ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ، فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ…»([565])
ففي هذين الحديثين: أن الله تعالى سيأتي هذه الأمة وفيها منافقوها في صورة غير صورته، ثم يأتيهم مرة أخرى في صورته، فأخذ بعض العلماء منه أن المنافقين سيرون الله.
قال الإمام ابن خزيمة تعالى-: «جميعُ أمة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: بَرِّهِم وفاجِرِهِم، مُؤْمِنِهِم ومُنَافِقِهِم، وبعضُ أهل الكتاب: يرون الله يوم القيامة.
يراه بعضهم رؤية امتحان، لا رؤية سرورٍ وفرحٍ وتلذُّذٍ بالنظر في وجه ربهم - ذي الجلال والإكرام-.
وهذه الرؤية: قبل أن يُوضَعَ الجسرُ بين ظَهْرَيْ جهنم… – ثم ساق الحديثين السابقين –». اهـ([566])
وأُجِيبَ عن هذا الاستدلال: بأن الحديث ليس فيه التصريح بذلك، وإنما فيه أن الجمع الذي فيه المؤمنون والمنافقون سيرون الله، ولا يلزم من ذلك أن يراه جميعهم.([567])
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز : هل رؤية الله -سبحانه وتعالى- ثابتة؟ وما الدليل؟ وما القول الراجح في ذلك؟ وهل المنافقون يرونه في المحشر؟
فأجاب : «رؤية الله في الآخرة ثابتة عند أهل السنة والجماعة، من أنكرها؛ كَفَرَ، يراه المؤمنون يوم القيامة، ويرونه في الجنة كما يشاء بإجماع أهل السنة، كما قال : [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ] {القيامة:22، 23} وقال -سبحانه-: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ] {يونس:26}.
وقد فَسَّر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله، وتواترت الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وفي الجنة.
أما في الدنيا: فلا يُرَى في الدنيا، كما قال -سبحانه وتعالى-: [ﭥ ﭦ ﭧ ] {الأنعام:103}، وقال لموسى: [ﯝ ﯞ ] {الأعراف:143}، وثبت عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «واعلموا أنه لن يَرَى أَحَدٌ رَبَّهُ حتى يموت»؛ فالدنيا ليست محل الرؤية؛ لأن الرؤية نعيم، رؤية الله أعلى نعيم أهل الجنة، وهذه الدار ليست دار النعيم، دار الأكدار، ودار الأحزان، ودار التكليف، فلا يُرَى في الدنيا، لكنه يُرَى في الآخرة، يراه المؤمنون، أما الكفار فهم عنه محجوبون، كما قال -سبحانه-: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ] {المطففين:15} فالكفار محجوبون عن الله يوم القيامة، والمؤمنون يرونه في الآخرة، والصحيح أن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم ير ربه.
أما المنافقون: فمحل نظر، جاء في بعض الروايات ما يدل على أنه يأتي هذا اليوم، الأمة وفيها منافقوها، لكن ليس فيه الصراحة بأنهم يرونه يوم القيامة». اهـ([568])
وقد ذكر شيخ الإسلام أعذار من اختلف من أهل العلم في هذه المسألة؛ فإن مع كل فريق من الأدلة ما يرى أنه يدل على ما ذهب إليه.
فقال : «أَمَّا الْجُمْهُورُ فَعُذْرُهُمْ ظَاهِرٌ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ، وَأَنَّ عَامَّةَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي «الرُّؤْيَةِ» لَمْ تَنُصَّ إلَّا عَلَى رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ نَصٌّ صَرِيحٌ بِرُؤْيَةِ الْكَافِرِ، وَوَجَدُوا الرُّؤْيَةَ الْمُطْلَقَةَ قَدْ صَارَتْ دَالَّةً عَلَى غَايَةِ الْكَرَامَةِ وَنِهَايَةِ النَّعِيمِ.
وَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ عُمُومًا وَتَفْصِيلًا: فَقَدْ ذَكَرْتُ عُذْرَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: قَوْلُهُ: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ] {المطففين:15}، هَذَا الْحَجْبُ بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: حَجَبْت فُلَانًا عَنِّي، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْحَجْبَ نَوْعُ رُؤْيَةٍ؛ وَهَذَا حَجْبٌ عَامٌّ مُتَّصِلٌ، وَبِهَذَا الْحَجْبِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَتَجَلَّى لِلْمُؤْمِنِينَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ بَعْدَ أَنْ يُحْجَبَ الْكُفَّارُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، دَائِمًا أَبَدًا سَرْمَدًا.
وَيَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ السَّلَفِ مُطَابِقٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ «الرُّؤْيَةِ» الَّذِي هُوَ عَامٌ لِلْخَلَائِقِ، قَدْ يَكُونُ نَوْعًا ضَعِيفًا، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ «الرُّؤْيَةِ» الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ فَإِنَّ «الرُّؤْيَةَ» أَنْوَاعٌ مُتَبَايِنَةٌ تَبَايُنًا عَظِيمًا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ طَرَفَاهَا». اهـ([569])
والأهم في هذه المسألة:
– إثبات أن المؤمنين سيرون الله تعالى في موقف الحساب، وفي الجنة، وأن هذه الرؤية الحاصلة لهم في الجنة: هي أعظم نعيمهم.
– أن أحدًا لن يرى الله تعالى في الدنيا، ولم يختلف العلماء في حصول ذلك لأحد إلا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مع أن الصحيح في ذلك أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم ير ربه -سبحانه وتعالى-.
– أن الكفار والمنافقين – إن قيل بأنهم سيرون الله في موقف الحساب
– فإن هذه الرؤية ليست رؤية نعيم، وإنما هي رؤية حساب وامتحان.
– أنه ليس لأحد أن يطلق القول بأن الكفار سيرون ربهم من غير تقييد؛ لأن الرؤية المطلقة قد صار يُفْهَم منها الكرامة والثواب، وليس لأحد أن يطلق لفظا يوهم خلاف الحق، إلا أن يكون مأثورا عن السلف في الباب، وإطلاق القول برؤية الكفار أو المنافقين: ليس مما أُثِرَ عن السلف في هذا الباب.([570])
5 – وكذلك اختلفوا في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة:
قال شيخ الإسلام : «وكذلك نَاظَرَ الإمامُ أحمد أقوامًا من أهل السُنَّة في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة، حتى آلت المناظرةُ إلى ارتفاعِ الأصواتِ، وكان أحمدُ وغيرُهُ يَرَوْنَ الشهادةَ، ولم يَهْجُروا منْ امتنع من الشهادة إلى مسائل نظيرَ هذه كثيرة»([571]).
6 – ومن أمثلة ذلك: ما وقع من خلاف ابن خزيمة في حديث الصورة لما عليه أكثر أهل العلم:
فمحمد بن إسحاق بن خزيمة، إمام من الأئمة، زلَّ في حديث الصورة: «خلق الله آدم على صورته» وقال: إن الصورة هي صورة آدم، ومن العلماء من يقول: من لم يَقُل: هي صورة الرحمن؛ فهو جَهْمي، وإن كان بعض أهل العلم له كلامٌ حول هذا الحديث في بعض ألفاظه.
– وفي ترجمة ابن خزيمة ، قال الذهبي : «ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النفوس، وجلَالَةٌ في القلوب؛ لعلمه ودينه واتباعه السنة، وكتابُهُ في التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة؛ فليُعْذرْ من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده، مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتباع الحق، أهدرناه، وبدعناه؛ لقلّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه». اهـ.([572])
هذا مع أن هناك من الأئمة من جعل الكلام بذلك في حديث الصورة من قول الجهمية.([573])
– وفي ترجمة محمد بن نصر المروزي ، ذكر الذهبي بعض المسائل التي خالف فيها أهل السنة -مع إمامته- وقد هجره بعض علماء وقته، فَرَدَّ ذلك الذهبي، ثم قال: «ولو أنَّه كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل، خطأ مغفورًا له، قُمْنَا عليه، وبدَّعْناه، وهَجَرْنَاه؛ لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة». اهـ.([574])
فتأمل قوله: «فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة»؛ ففيه إشارة إلى أن هذا المسلك المخالف مسلك أهل الهوى والفظاظة، كيف لا، وهم بهذا سيهدرون الدين بإهدار علمائه؟!!
فهذه أمثلة على مسائل عقدية اختلف فيها السلف، وسبق ذِكْر أمثلة كثيرة مما خالف فيه عددٌ من الأئمة علماء السنة في مسائل عقدية، فأنكر العلماء قولهم، وحذَّروا من اتباعهم عليه، ولم يترتب على هذا الخلاف في النهاية تكفيرٌ ولا تبديعٌ، وقد قال شيخ الإسلام :«وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم…». إلى أن قال : «وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية، كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد -صلى الله عليه وسلم- ربَّه قبل الموت، مع بقاء الجماعة والألفة، قال: وهذه المسائل: منها ما أَحَدُ القولين خطأٌ قطعًا، ومنها ما المصيبُ في نَفْسِ الأمـر واحِدٌ عند الجمهـور أَتْبَاع السلف، والآخَـُر مُؤَدٍّ لما وَجَبَ عليه بحسب قُوة إدراكه…إلخ». اهـ([575])
الوجه الثالث: جَعْلُ أصحابِ هذه الشبهة أيَّ خلافٍ في العقيدةِ مُوجبًا للحكم بأن صاحبه خارجٌ مِن أهل السنة، ومُلْحَقٌ بالفِرَقِ الهالكة، مَنْشَؤه جهلُهم بما جرى بين أئمة السلف والعلماء من خلافاتٍ كثيرة، وكانوا يختلفون، لكن لا يلزم من ذلك حكمُهم على المخالف بعينه بالكفر أو البدعة أو الفسق، بل كانوا ينظرون إلى المخالف: هل مخالفته بسببِ اتباعه هواه، وارتمائه في أحضان أهل البدع، ونُفرته من طريقة أهل السنة والجماعة، أو بسبب تأويله واجتهاده، فربما لم تصح عنده الأحاديث التي يحتج بها أهل السنة، ومُخالِفُهم عالم مِن أهل الاجتهاد أيضًا، أو صَحَّتْ عنده لكنه أَوَّلَها تأويلًا خالف به أهلَ العلم، أو عَلَقَتْ في ذهنه شبهاتٌ، حالَتْ بينه وبين الفهم الصحيح للأدلة المذكورة.. إلخ.
فمن كان من المعروفين بالانتصار للسنة والدفاع عنها وعن طريقة أهل السنة والجماعة، لكن زَلَّتْ قدمُه في موضعٍ مِن المواضع، فهذا القسم يُردُّ خطؤه، ويُبَيَّنُ للناس حتى لا ينخدعوا به، لكن هذا المجتهد باقٍ في جملة أهل السنة إما مطلقًا، أو في أبواب دون أبواب، بل لا يُحْرَمُ مِن أجرٍ واحدٍ؛ لاجتهاده السائغ، وخطؤه مغفور له.
* كما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه عَنْ عبد الله بن عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رضي الله عنهما- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ؛ فَلَهُ أَجْرٌ».([576])
أما القسمُ الآخرُ المُتَّبِعُ لهواه وأُصُولِ فرقته الضالة؛ فيُلْحَقُ بها، والحكمُ عليه مِن جهة النوع ما بين الكفر أو البدعة أو الفسق، بحسب نوع خطئه، وأما الحكم على عينه بحكم ما من هذه الأحكام، فلابد من استيفاء شروطه فيه، وانتفاء موانعه عنه.
ومن الأمثلة الصريحة على ما سبق: أن شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه الامام ابن القيم -رحمهما الله- وهُمَا مَنْ هُمَا في نُصرة الحق وأهله بما لا تكاد تجده عند غيرهما، ومع ذلك فقد زَلَّتْ قدمُهُما في مسألةٍ أجمع فيها العلماء على خلاف قولهما، وهي قولُهما بفناء نار الكفار، بل دخولهم الجنة بعد ذلك([577])، وهذا القولُ مخالفٌ مخالفةً صريحةً لصريح عمومات الأدلة، ولإجماع العلماء على عدم فناء نار الكفار أبد الآبدين.
وقد بحثتُ ذلك بحثًا مُوَسَّعًا في شرحي «شرح السنة» للبربهاري ، وأجبتُ على أكثر مِن عشرين وجهًا استدل بها الامامُ ابن القيم ، وَرَدَدْتُّ على مَن نفى صحة هذا القول عنهما، وذكرتُ من سبقني من علماء السنة في نسبة هذا القول إليهما.
ومع هذا كلِّه: فهل رمى أَحَدٌ -من مشاهير علماء السنة الصافية- كلا الشيخين بالكفر أو البدعة أو الضلالة؟!
ومن الخلاف أيضًا في مسائل العقيدة، مع عدم الحكم على المخالف بالكفر أو البدعة لكونه من علماء السنة، وممن قضى عمره في خدمة السنة والذبِّ عنها، وتفنيد ما عليه أهل البدع:
- قول مجاهد بن جبر وهو تلميذ ابن عباس -رضي الله عنهما- والامام في التفسير، وذلك في تفسير قوله تعالى: [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {القيامة:22، 23}، فقال: «تنتظر الثواب من ربها»، وسندُه صحيحٌ إلى مجاهد.([578])
وقد عَدَّ عدد من العلماء هذا القولَ من مجاهد من الأقوال الشاذة غير المعتبرة، التي خالف فيها قول أهل السنة قاطبة في تفسير الآية، ووافق فيه تفسير أهل الاعتزال للآية، بل منهم من ذكر عنه أنه ينفي رؤية المؤمنين ربهم!!
وهي من مسائل الإجماع بين أهل السنة، والتي صَحَّتْ فيها الأحاديث المتواترة، بل وصَحَّ فيها التفسير القرآني البليغ في هذِه الآية.([579])
وقال ابن منده : «أجمع أهل التأويل كابن عباس وغيره من الصحابة، ومن التابعين: محمد بن كعب، وعبد الرحمن بن سابط، والحسن بن أبي الحسن، وعكرمة، وأبو صالح، وسعيد بن جبير، وغيرهم أن معناه: إلى وَجْه ربها ناظرة. والآخرون نحو معناه، ومن رُوِىَ عنه أن معناه: أنها تنتظر الثواب؛ فقول شَاذٌّ لا يَثْبُتُ». اهـ ([580])
وقال ابن عبد البر : «قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وأقاويل الصحابة، وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم: ما ثبت في ذلك عن نبيهم – صلى الله عليه وسلم -، وليس من العلماء أحد إلا وهو يُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَكُ إلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -»، ثم بَيَّنَ أن مجاهدًا وإن كان أَحَدَ المُقَدَّمين في العلم بتأويل القرآن؛ فإن قوله هذا مهجور عند العلماء، مرغوب عنه.([581])
وبنحوه ذكر إسحاق بن راهويه في «مسنده»([582])، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، وجماعة.([583])
وأخرج أبو العباس السراج في «تاريخه» عن الحسن بن عبد العزيز الجروي -وهو من شيوخ البخاري-: سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول: سمعت مالك بن أنس وقيل له: يا أبا عبد الله، قول الله تعالى: [ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ] {القيامة:23} يقول قوم إلى ثوابه، فقال: كذبوا، فأين هم عن قوله تعالى: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ] {المطففين:15}.([584])
وقد اعتذر أَبُو مُحَمَّد ابن حزم عن مجاهد بقوله: «أَن الْخَبَر لم يَبْلُغْ إِلَيْهِ». اهـ([585])
على أن بعض أهل العلم نَفَى صحة هذا القول عن مجاهد وقال: إن الأسانيد الواردة عن مجاهد، والتي قال فيها: «لا يراه أحد من خَلْقِهِ» ضعيفة.
والذي ثبت عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: «تنتظر الثواب من ربها»، وهذا لا يعني أنه ينكر رؤية رب العالمين في الجنة، وليس في كلامه الذي ثبت بسند صحيح تصريح بذلك، وتضعيف السند أولى من أن ينسب إلى إمام كمجاهد قولٌ كهذا.([586])
بل إضافةً لذلك: فقد قد ثبت عن مجاهد أنه فسر الآية بالنظر إلى وجه الله تعالى.([587])
فلو ثبت هذا كان صريحًا في موافقة مجاهد لباقي السلف، وإن لم يثبت؛ فلا يدل قوله هذا على أنه لا يرى الرؤية، وإنما غاية ما فيه أنه ذهب في تفسير الآية مذهبا مخالفا لمذهب من أثبتها، ولا يعني انتفاء دلالة الآية عنده على الرؤية انتفاء دلالة غيرها من الأدلة الأخرى، ولا سيما الأحاديث، والتي بلغت حدَّ التواتر.([588])
ولكن سبق أن القول بنفي الرؤية قد اشتهر عنه، ونسبه إليه جماعة من الأئمة، ومع ذلك فما أسقط ذلك قدره عندهم، ولا عند الأمة، أي: ما رماه أحد من العلماء الذين أثبتوا عنه هذا القول الاعتزالي بالبدعة أو الضلالة، إنما اكتفوا بالتحذير من قوله، فأين هذا من طيْش الغلاة في التبديع اليوم بأحكام تهتز لها الجبال على أناس لم يخطئوا أصلا، بل الحق معهم، وإن كان في كلامهم لفظٌ غير مقبول -مع وجود من سبقهم إليه من أهل العلم- فقد رجعوا عنه، وأعلنوا ذلك، ومع ذلك فالغلاة سائرون في طيشهم وإسرافهم؟!!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة: هل كل مجتهد مصيب؟:
«فصل والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية…
كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه، ويبين المراد، ولم يَعْرِفْه:
مثل مَن اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يُرَى لقوله: [ﭥ ﭦ ﭧ ] {الأنعام:103} ولقوله: [ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ] {الشورى:51}.
كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما يدلان بطريق العموم.
وكما نُقِلَ عن بعض التابعين: إن الله لا يُرى. وفسروا قوله: [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {القيامة:22، 23} بأنها تنتظر ثواب ربها، كما نُقِلَ عن مجاهد وأبي صالح». اهـ([589])
وإمامة مجاهد في التفسير، وعدالته، وتَثَبُّتُهُ في رواية الأحاديث، وأَخْذُه التفسير عن شيخه حبر الأمة ابن عباس -رضي الله عنهما- وملازمته له، وحكايته عن نفسه أن القرآن استغرق عِلْمَه([590])، من الأمور المشهورة عنه، وهي ترفع من قدره ومكانته في هذا العلم، وتجعله في مصاف كبار مفسري التابعين، وهذا الذي استقر عليه رأي العلماء، وأجمعت عليه كلمتهم:
قال قتادة : «أعلم من بقي بالتفسير مجاهد».([591])
وقال خصيف : إن مجاهدًا أعلم أصحاب ابن عباس بالتفسير.([592])
ويقول سفيان الثوري : «إذا جاءك التفسير عن مجاهد؛ فحَسْبُك به».([593])
وقيل لشريك : «أي الرجلين كان أعلم بالتفسير: مجاهد أو سعيد ابن جبير؟، قال: كان مجاهد».([594])
ووصفه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه كان آية في التفسير.([595])
كما حكى الحافظ الذهبي إجماع الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به.([596])
وقال الحافظ ابن كثير : «كان أعلم أهل زمانه بالتفسير».([597])
وكان مجاهد شديد النفور من الأهواء والبدع، ويقول: «ما أدري أي النعمتين أعظم علي؟: أن هداني إلى الإسلام، أو جَنَّبَني الأهواء».([598])
ولمجاهدٍ قولٌ آخرُ في تفسير قوله تعالى: [ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ] {الإسراء:79}، فقد قال: «يجلسه معه على العرش»، وفي رواية: «يجلسه على العرش»([599]).
وهذا الأثر فيه ليث بن أبي سُليم، وهو ضعيف من جهة حفظه.([600])
وهناك مَن خالف هذا الرأي، وتمسكَ بالأحاديث المتفق عليها في تفسير المقام المحمود بالشفاعة العظمى.
وهذا الأثر مما أُنكر على مجاهد حتى ذُكِر في ترجمته، قال الحافظ الذهبي في ترجمة مجاهد في «ميزان الاعتدال»: ومِنْ أَنْكَرِ ما جاء عن مجاهد في التفسير في قوله: [ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {الإسراء:79} قال: يُجلسه معه على العرش. اهـ([601])
ومن أشهر من خالف رأيَ مجاهدٍ ، واعتبره قولًا شاذًا مخالفًا للإجماع: الإمام ابن عبد البر ، حيث قال: «على هذا أهل العلم في تأويل قول الله : [ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {الإسراء:79} أنه الشفاعة، وقد رُوِيَ عن مجاهد: أن المقام المحمود: أن يُقْعِدَهُ معه يوم القيامة على العرش، وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين: أن المقام المحمود هو المقام الذي يَشْفَعُ فيه لأمته». اهـ([602])
وبنحو هذا قال القاضي أبو الوليد ابنُ رشد الجَدُّ القرطبي([603])، والقَاضِي عِيَاض([604])، وأكثر المفسرين، كالواحدي([605])، والقرطبي، وكذلك ابن جرير الطبري إلا أنه لم يَعُدَّ قول مجاهد شاذًا، وإنما اعتبر له وجهًا([606])-([607])
وكذلك شيخنا الألباني .([608])
ومع ذلك فجمهور علماء السنة يقولون به، وكثيرٌ من الأئمة ذَكَرَ أن العلماء تَلَقَّوْهُ بالقبول، بل عَدُّوا مَن لم يَقُلْ به جهميًا، بل ويُقتل، وعلى رأسهم: الإمام أحمد ([609])، والآجري([610])، وأبو بكر النجاد([611]([612])، وشيخ الإسلام ابن تيمية([613])، وغيرهم .
وقال الحافظ الذهبي : «فممن قال: إن خبر مجاهد يُسَلَّم له ولا يُعَارَضُ: عباس بن محمد الدوري الحافظ، ويحيى بن أبي طالب المحدث، ومحمد بن إسماعيل السلمي الترمذي الحافظ، وأبو جعفر محمد بن عبد الملك الدقيق، وأبو داود السجستاني سليمان بن الأشعث صاحب السنن…، وإمام وقته إبراهيم بن إسحاق الحربي، والحافظ أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، وحمدان بن علي الوراق الحافظ، وخَلْقٌ سواهم من علماء السنة ممن أعرفهم، وممن لا أعرفهم، ولكن ثبت في الصحاح أن المقام المحمود في الشفاعة العامة الخاصة بنبينا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -». اهـ كلام الحافظ الذهبي.([614])
وقال الحافظ الذهبي أيضًا في كتابه العرش: «… أبو بكر المروزي صاحب الإمام أحمد، وهو مِنْ أَجَلِّ من أخذ الفقه عنه، أَلَّفَ هذا الكتاب في حدود السبعين ومائتين، لما أنكر بعض الجهمية أن الله يقعد محمدًا -صلى الله عليه وسلم- على العرش، واستفتى من كان في عصره في ذلك.
وممن أفتى المروزي بأن الخبر يُسَلَّم كما جاء ولا يُعارَضُ: أبو داود صاحب «السنن»، وعبد الله بن الإمام أحمد، وإبراهيم الحربي، ويحيى بن أبي طالب، وأبو جعفر الدقيقي، ومحمد بن إسماعيل السلمي الترمذي، وعباس بن محمد الدوري، ومحمد بن بشر بن شريك بن عبد الله النخعي». اهـ([615])
وقال عبدالله بن الإمام أحمد بن حنبل-رحمهما الله- (290هـ): «سمعت هذا الحديث من جماعةٍ، وما رأيت أحدًا من المُحدّثين يُنكره، وكان عندنا في وقتِ ما سمعناه من المشائخ: أن هذا الحديث إنّما تُنكره الجهمية». اهـ([616])
ومنهم أيضًا: ابن العربي المالكي([617])، وابن القيم في قصيدته النونية، والشّيخ مُحمّد بن إبراهيم([618])، والشيخ صالح الفوزان([619])، والشيخ صالح آل الشيخ([620])، والشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه الرَّاجِحِي.
(والخلاصة) أن هذا خلاف كبير مشهور بين أهل السنة في تفسير المقام المحمود، وهي مسألة عقدية، ومع ذلك فعلماء السنة الذين ينكرون قول مجاهد لم يبدِّعُوه كما يفعل الغلاة المسرفون، والذين قالوا بقوله لم يبدعوا من أنكر هذا القول، وإن كان قد وافق الجهمية في إنكارهم هذا التفسير، ولا يلزم من موافقتهم أن يكونوا جهمية خارجين من دائرة أهل السنة، ومن الفِرَق الهالكة، فليس كل من وافق فرقة ضالة في قولٍ من أقوالهم؛ كان منهم، ويُنسب إليهم مع تبرؤه منهم ومن طرائقهم، فهل يَعْقِلُ الغلاةُ المتهورون في زماننا، ويتركون التلبيس على الناس بأن ما هم عليه من الطيش والهوَس والهوى هو منهج أهل السنة والجماعة، وطريقة السلف الصالح؟!!
- ومن ذلك أيضًا: اختلاف العلماء في الحلف بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:
فجمهور الأئمة: أبو حنيفة ومالك والشافعي ذهبوا إلى المنع من ذلك، وأنها يمينٌ لا تَنْعَقِد، ولا كفارة لها؛ لأنها حَلِفٌ بغير الله -جل شأنه-.
وقد ورد النهي عن الحلف بغير الله، كما جاء في الحديث المتفق عليه: «أَلاَ إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا؛ فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ».([621])
وفي السنن وغيرها: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ».([622])
ووافقهم الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه.
وخالفهم في الرواية الأخرى، وذهب إلى أنها يمينٌ تنعقد، وعلى الحانثِ فيها كفارةٌ.
وعَدَّ شيخُ الإسلام ابن تيمية هذا القولَ شاذًا ضعيفًا مخالفًا للأصول والنصوص والقواعد، مع أنه قول أحمد إمام الحنابلة-في إحدى روايتيه-.([623])
فهذا اختلاف بين كبار علماء الأمة في مسألةٍ قد تبلغ الكفر، وعلى الأقل الوقوع في الإثم، ولم يتهم أحدٌ منهم الآخر بما يفعله الغلاة أصحابُ هذه الشبهة الساقطة!!.
- ومن ذلك أيضًا: ما نُسب إلى الإمام أحمد بن حنبل في مَسِّ منبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وتقبيله للتبرك به، والتقرب إلى الله تعالى بذلك.
والعمدة في ذلك على ما جاء في كِتاب «العلل ومعرفة الرجال» لعبدِ الله بن الإمام أحمدَ: أنَّه سألَ أباه: (الرَّجُلُ يمسُّ منبرَ النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- ويتبرُّك بمَسِّه، ويُقَبِّله، ويَفعَلُ بالقبرِ مِثلَ ذلك، أو نَحوَ هذا؛ يُريدُ بذلك التقرُّبَ إلى الله -جلَّ وعزَّ-؟ فقال: لا بأسَ بذلك).
وهذا النَّقل ثابتٌ في الكِتابِ المذكور، ولم يُشَكِّك في ثبوته أحدٌ.
وقد نقله الحافظ الذهبي ، فقال: «قلت: أين المتنطع الـمُنْكِر على أحمد، وقد ثبت أن عبدالله سأل أباه عمن يَلْمَس رُمَّانة منبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويـَمَسُّ الحجرة النبوية، فقال: لا أرى بذلك بأسًا.
أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع». اهـ([624])
وذهب من خالف هذا القول إلى أن غير عبد الله مِن تلامذة أحمد لم يذكروا هذا عنه، كالأثرم، وقد أجاز مَسَّ المنبر دون إلصاق البطن بالقبر.([625])
وفي رواية صالح بن أحمد عن أبيه أجاز أحمد وضع اليد على رمانة المنبر، والموضع الذي جلس فيه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دون مَسِّ الحائط أو تقبيله.([626])
وأجاب المانعون من ذلك أيضًا: بأن أصحاب أحمد وكثيرًا من الحنابلة، لم يأخذوا بما تدل عليه رواية عبدالله بن أحمد، وبتوقف أحمد في تقبيل المصحف، وعلماءُ المذهب أَعْرَفُ الناس بمذهبهم، ولا يكادون يخالفونه.
قالوا: وفي تَنَكُّبِ أئمة المذهب عن رواية عبدالله بن أحمد دليلٌ على أنهم يرون شذوذها وعدم اعتبارها، وهم أرباب المذهب، وأدرى الناس بمراد إمامهم.
وعندي: أن رواية عبدالله بن أحمد ثابتةٌ، فعبد الله من أجل تلامذة أبيه، والملازمين له، لكن هذه الرواية ليس عليها العمل في المذهب، والتمسُّحُ بالقبر أو بالحجرة النبوية أَشْنَعُ، وذريعةٌ للوقوع في المحظور أو الشرك؛ فيجب سَدُّ الباب.
وقال العَلَّامة المُعَلِّميُّ اليمانيُّ (ت:1386هـ): «عُلماءُ الأُمَّة سَلَفًا وخَلَفًا مُجمِعون على أنَّ التبرُّك بالقُبور: بالاستلامِ، والتمسُّح، والتقبيل، ووضعِ العينينِ، ونحوه؛ كلُّه مُحادَّةٌ للهِ ورسولِه، وخروجٌ عن سواءِ سَبيلِه؛ فالعلماء بين مُكفِّرٍ ومُفسِّق. ولا يصِحُّ قياسُ قبرِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ- على آثارِه؛ لأنَّ القبورَ -ولا سيَّما قُبورُ الأنبياء والصالحين- مَظِنَّةُ افتِتان الناسِ وضَلالِهم». اهـ([627])
فهذا القول عن أحمد مخالفٌ لبقية أقواله، وعلماءُ مذهبه -فضلًا عن غيرهم- على خلافه، وهو الحق، ومع ذلك لما كان أحمد إمام اهل السنة، بل الصِّدِّيقُ الثاني لهذه الأمة؛ اكتفى العلماء بردِّ قوله، بل بعضهم شَكَّكَ في صحة نسبته إليه، ولم يُبَدِّعْه أحدٌ، وهناك من أثبته، وعَدَّ القول بشذوذه تَنَطُّعًا، كالذهبي والمقصود: أنه لم يطعن أحد في مخالفه في ذلك في دينه أو سُنِّيَّته، وأما الغلاة ففي خَبْطهم وخَلْطهم يترددون!!!
فأين المتهورون الذين يطلقون الكلام بلا زمامٍ ولا خطامٍ، فينفون وقوع الخلاف مِن أحدٍ من علماء السنة في أي مسألةٍ عقائدية، وأن المخالف في أي مسألةٍ عقديةٍ أقل أحواله أنه مبتدعٌ ضالٌّ؟!!
بل هناك من نقل عن ابن عمر -رضي الله عنهما- التمسح بالمنبر، وانظر الرد على من استدل بذلك في «فتاوى اللجنة الدائمة»([628]).
الوجه الرابع: قال الشيخ العلامة ابن عثيمين : «مسائل العقيدة ليست كلها مما لابد فيه من اليقين؛ لأن اليقين أو الظن حسب تجاذب الأدلة، وتجاذب الأدلة حسب فهم الإنسان وعِلْمِهِ، فقد يكون الدليلان متجاذبين عند شخص، ولكن عند شخص آخر ليس بينهما تجاذب إطلاقا؛ لأنه قد اتضح عنده أن هذا له وَجْهٌ، وهذا له وَجْهٌ، فمثل هذا الأخير ليس عنده إشكال في المسألة، بل عنده يقين، وأما الأول فيكون عنده إشكال، وإذا رَجَّحَ أَحَدَ الطرفين فإنما يُرَجِّحُه بغلبة الظن.
ولهذا لا يمكن أن نقول: إن جميع مسائل العقيدة مما يتعين فيه الجزم، ومما لا خلاف فيه؛ لأن الواقع خلاف ذلك؛ ففي مسائل العقيدة ما فيه خلاف، وفي مسائل العقيدة ما لا يستطيع الإنسان أن يجزم به، لكن يترجح عنده.
إذًا هذه الكلمة التي نسمعها: بأن مسائل العقيدة لا خلاف فيها؛ ليس على إطلاقها؛ لأن الواقع يخالف ذلك.
كذلك مسألة العقيدة بحسب اعتقاد الإنسان، فليس كل مسائل العقيدة مما يُجْزِمُ فيه الإنسانُ جَزْما لا احتمال فيه، فهناك بعض المسائل – أحاديث أو آيات – قد يَشُكُّ الإنسان فيها، كقوله تعالى: [ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ] {القلم:42} هذه من مسائل العقيدة، وقد اختلف فيها السلف؛ هل المراد ساقه أو المراد الشدة؟». اهـ([629])
وهذا ما لزم بيانه وتحريره وتقريره، وقد أطَلْتُ في ذلك لما وقع من خلاف وتنازع بسبب هذه الشبهة، فكان من اللازم اقتلاعها من جذورها، وبيان الفارق الجليّ بين نهج السلف وتخليط المدَّعين زورا اليوم: أنهم -ومن هم على شاكلتهم فقط- أولى بالسلفية من غيرهم!!، وصلَّى الله وسلَّم وبارَكَ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أبد الآباد.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني.
A
A
[14]الولاءُ والبراءُ والمدحُ والذمُّ والوصْلُ والهَجْرُ كل هذا يتبَعَّضُ بحسب حال الأشخاص













