تَبْصِيرُ الأَنَامِ بِتَصْحِيحِ الأَفْهَامِ
(سُؤَالٌ وَجَوَابٌ حَوْلَ مَسَائِلَ دَعوِيَّةٍ وَمَنْهَجِيَّةٍ)
1445هـ / 2023 م
رقم الإيداع:
الترقيم الدولي:
تَبْصِيرُ الأَنَامِ بِتَصْحِيحِ الأَفْهَامِ
(سُؤَالٌ وَجَوَابٌ حَوْلَ مَسَائِلَ دَعوِيَّةٍ وَمَنْهَجِيَّةٍ)
كَتَبَهُ
أَبُو الْحَسَنِ مُصْطَفَى بْنُ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمَانِيُّ
غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ
المجلد الأول
A
A
المقدمة
المقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، قيوم الأرض والسماوات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيُّه من خلقه وخليلُه، كشف الله به الغمة، وأنار به القلوب والظلمات.
أما بعد:
فهذا كتابٌ يسَّر الله بإتمامه، وهو في غالب مادته كتبْتُهُ لدفع شبهات الذين ابْتُليتْ بهم دعوة أهل السنة في هذا الزمان، وهم حزب الغلاة في التصنيف والتبديع لكثيرٍ من علماء ودعاة أهل السنة والجماعة، وإن كنتُ في قليلٍ منه قد أُجيب عن أسئلةٍ في جوانب ليست لصيقةً بباب الشبهات.
وهذا الكتاب مُكَوَّنٌ مِن مجموعِ إجاباتي على أسئلةٍ وردتْني مِن عددٍ مِن طلاب العلم على فتراتٍ متفاوتةٍ، وذلك عندما شاع وذاع الخلاف بيني وبين الشيخ ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله- وقد كتبتُه في الرَّدِّ على قواعده الموتورة المشؤومة، التي فرَّقَتْ صفوفَ الدعوة والدعاة في المشرق والمغرب، وشُغِلَ بسببها الدعاةُ بغير شغلهم النافع المثمر في طلب العلم والتعليم، ونَشْرِ السُّنن، وقَمْعِ البِدَعِ؛ فاشتغلوا بالقيل والقال، والتبديع والتضليل لمن هم قائمون في ثغور الدعوة في أنحاء البلاد الإسلامية وغيرها، وأصبح هَمُّ الواحدِ منهم: كيف يجمع قصاصات أوراقٍ وأشرطةٍ لفلانٍ وفلانٍ، وفلانٌ بَدَّعَهُ فلان، وفلانٌ يُحَذِّرُ من فلانٍ، ثم اختلفوا بينهم، فيَصُبُّ الواحدُ منهم جامَ غضبِه وكراهيتِه لزميله أو شيخه، وربما سافر المسافات الطويلة؛ لينتزع فتوى من فلانٍ في تبديع فلان، وذلك بعد إلقاء سؤالٍ عليه لا صلة له بواقع المسؤول عنه، ثم يطير فرحًا بقول المسؤول: من قال كذا؛ فهو مبتدعٌ، ثم ينزلها ذلك الزائغُ المفتونُ على فلان بعينه، الذي هو حريصٌ على تبديعه، ويقول: فلانٌ يحذِّر من فلانٍ، بل ربما سلك مسلك السُّوقة، ويعمل لهذه الفتوى العامة، المقرونة بوصْفٍ مُعّيَّنٍ لا وجود له في الواقع، قائلًا: انتظروا مفاجأةً كبرى أو الصاعقةً؛ ألا وهي تحذيرُ فلانٍ مِن فلانٍ… وهكذا!!!؛ فكتبتُ في دفع شبهات الشيخ ربيع -وفقه الله- وشبهات من قلّده عددًا من الكتب والرسائل، كما سجَّلْتُ في ذلك عددًا من الأشرطة الصوتية، وتَمَّ تفريغُ بعضِها في هذه الكتب، وقد نفع الله -جل ثناؤه، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه- بهذه الجهود الضعيفة نفعًا عظيمًا في بلدانٍ شتى، وأنقذ الله -جل شأنه- بها أعدادًا كثيرة، لا يعلمها إلا علامُ الغيوب، أنقذهم من براثِن وشِباك أهل الغُلو والتَّهَوُّرِ والإسراف في الأحكام على المخالف لهم -وإن كان مَنْ خالفهم أَهْدى منهم سبيلا، وأقومَ قِيلًا-!!.
وقد حَرِصْتُ في ردودي على الشيخ ربيع -حفظه الله- ومقلديه شرقًا وغربًا -وفقنا الله وإياهم لكل خيرٍ في الحال والمآل- على أن يكون الردُّ في حدود العلم والعدل والإنصاف والأدب([1])، بل في كثيرٍ من المواضع عاملتُهم بالفضل قبل العدل، ولم أعاملْه وحزبَه الطائش بأسلوبهم وألفاظهم الفجَّة الفظَّة، ولم أحكم عليهم يومًا من الأيام بحكمٍ جائرٍ ظالمٍ كأحكامهم المسرفة فيّ وفي غيري؛ فإني أعتقد -ولله الحمد- أنهم -في الجملة أو المجموع- من جملة أهل السنة، بل منهم العالم، ومنهم طالب العلم المجتهد في الطلب، ومنهم الداعية الذي نفع الله -جل ثناؤه- به في جانبٍ آخر؛ فعلَّم التوحيد وقرَّره، وأحْيا الله -جل وعلا- به كثيرًا من السنن، وأمات الله به كثيرًا من البدع… إلخ، لكن زلّتْ أقدامهم -أصلحنا الله وإياهم- بسبب الغلو الذي ابتُلُوا به؛ فأحدثوا قواعد مبتدعة، كانت بلاءً شديدا على دعوة أهل السنة؛ بل رجَعتْ عليهم أنفسهم فيما بينهم، فتفرقوا شذَرَ مذَرَ، وتزداد فرقتُهم يوما بعد يوم، ومن جملة معاملتي لهؤلاء الغلاة بالعدل والإنصاف: أنني أدافع عنهم عندما يتجاوز الحدَّ في الكلام عليهم أحدٌ؛ ممن نالهم أذاهم وافتراءاتهم؛ فيرميهم بما أعرف عنهم خلافه، فأقول له: اتق الله؛ فإن هذا تجاوزٌ منك عليهم، وظلمهم إياك لا يُسِّوغ لك أن تفتري عليهم ما ليس فيهم؛ لأن الأمرَ دينٌ، وكلاًّ مِنَّا سيُسْأل عن قوله في يوم عصيب!!
ومن قواعدهم الفاسدة-أصلحنا الله وإياهم-: قولهم: من لم يُبَدِّع المبتدع -أي الذي هو في نظرهم أنه مبتدع، وإن لم يكن في الواقع كذلك-؛ فهو مبتدع، ويُهجَرُ، ومن لم يبدِّعْ هذا المبتدعَ الثاني؛ يُبَدَّع ويُهجر أيضًا… وهكذا تتسلسل بهم هذه الحلقاتُ الجائرةُ المفْسِدةُ بلا هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ!!
وكقولهم-هدانا الله وإياهم-: من كان من أهل السنة عنده انحرافٌ في بابٍ ما -أي في نظرهم أيضًا، فضلًا عن أن يكون عنده انحرافٌ حقيقيٌّ- فلا يُتعاون معه مطلقًا في أيِّ بابٍ من الأبواب، وإن كان في بابٍ من أبواب الخير المحض، أو في أمرٍ فيه مصلحةٌ عامةٌ للإسلام والمسلمين بلا شك، ولا تتحقق هذه المصلحة العامة وذلك بتقدير أهل العلم إلا بهذا التعاون مع هذا المبتدع!!
وكذلك لا يُؤخذ عنه علم، ولا يُستفاد منه في مجلسه أو من كتابه أو شريطه، ولا يُتعاون معه بشكلٍ من الأشكال؛ لأن هذا -في نظرهم الأعشى- مِن التمييع والضعف في الولاء والبراء – وهو أصلٌ مِن أصول الدين- وكأنهم لم يسمعوا بموقف سفيان الثوري وقد سُئل عن ثور بن يزيد الكلاعي -وكان ثقةً ثبتًا في الحديث، لكنه رُمِىَ ببدعةِ القدرية- فقال كلمته المشهورة: «خُذُوا عن ثَوْرٍ، واتَّقُوا قَرْنَيْهِ»([2])، وهذا الجواب منه يُمثِّلُ قاعدةً شرعيةً منهجيةً أصيلةً عند العلماء: أي خُذوا منه الحق، واحذروا الباطل الذي عنده، ومعلومٌ أن كُتُبَ الصحاح والسنن والمسانيد فيها الكثيرُ من رواية الثقات في الديانة والأمانة، وهيبة الكذب في الحديث النبوي، وهم كذلك أهل الحفظ لما سمعوه من مشايخهم، ومع ذلك فهم مبتدعة: إما بالتشيُّع، أو الإرجاء، أو القَدَر، أو التجَهُّم، أو الخروج،… إلخ، والأئمة -على مذهب جمهور المحدثين- يأخذون عنهم رواياتهم، ويروون أحاديثهم في كتبهم، ومعلومٌ أن الأخذ عنهم لا يكون إلا بعد لقائهم والجلوس معهم، فلم يكن هناك في ذلك الزمان إمكانية التعلُّم عن بُعْد، ولا يُعقل أن الطالبَ السُّنيَّ سيدخل على شيخه الذي مُسَّ ببدعةٍ وهو مُكْفَهِرٌّ عابسُ الوجه في وجه شيخه، ولا يُسَلِّم عليه؛ فجميع هؤلاء الرواة على مذهب هؤلاء الغلاة؛ كل منهم: مُمَيِّع، ومُلَمِّع لأهل البدع، ولم يقُم بأصل الولاء والبراء، وهو من أصول الدين… إلخ!!
وكذلك يروْن -أصلحنا الله وإياهم- أن من وقع في بدعةٍ -ولو في تَوَهُّمهم- أنه لا يُمدح أبدًا بأيِّ وجْهٍ من الوجوه – وإن كان في الجانب الذي قد أحسن فيه: كتفوُّقٍ في العلم، أو شجاعةٍ ونكايةٍ في الكفار… إلخ- ولا يُوالَى أبدًا، ولا يُتعاون معه على حقٍّ موافقٍ للشرع أبدًا… إلخ؛ مُدَّعين أن هذا عَمَلٌ بمنهج الموازنات، وهو عندهم -وفي تفسيرهم الضَّيِّقِ للموازنات- بدعةٌ وضلالةٌ، وحزبيةٌ مقيتَةٌ، وتضْييعٌ وتذْويبٌ للسنة ودعوتها!!
وقد نقلْت في الرد عليهم من الأدلة والنقولات عن أهل العلم ما يفيء به العاقل إلى الحق، ولا أدري: هل وقف هؤلاء على مثل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أم لا؟ فقد قال : «فإذا تعذّر إقامةُ الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة، مَضَرَّتُها دون مضرة تَرْكِ ذلك الواجب؛ كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه؛ خيرًا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل»([3]).
أما الغلاةُ هؤلاء فلا تتقبل عقولُهم أن هذه المسائل فيها تفصيل؛ فقد يجوز -بل يجب- التعاون مع المبتدعة، بل الكفار في بعض الجوانب ضد من هم أشدّ منهم بدعة وكفرا وضررا وإفسادًا على الإسلام أحيانًا!!
وكذلك يروْن -أو يرى بعضهم أو كثيرٌ منهم- أن المخالف لهم ولو في أمرٍ اجتهاديٍّ -والحق في كثير من الأحيان مع هذا المخالف لهم- فيرون أنه يُقاطَعُ، ولا يُزارُ أبدًا حتى التوبة منه إلى قولهم الفاسد، أو الموت، بل لا يُتَرحَّم عليه إذا مات وهو مختلفٌ معهم؛ بل يُدعَى عليه بالهلاك وحلول النقمة عليه إذا مَرِض، ويسجدون سجود الشكر إذا بلغهم موتُ من يُبدِّعونه من أهل السنة -وإن كان من كبار العلماء من يُثْني على هذا الميت، ويحثُّ الناس على الاستفادة من كتبه وتراثه العلمي، مع نُصْحِه -إن كان حيًا- فيما جانَبَ فيه الصوابَ، ومع مراعاة الأسلوب الصحيح في النصيحة، والتزام آدابها الشرعية-، ومنهم من يحرق كتبه، وينشر صورته وهو يحرق هذه الكتب في وسائل التواصل، بل وَصَلَ الأمر ببعضهم إلى القول بعدم جواز الصلاة خلفه أو عليه إذا مات، وأن لا يُدْفن في مقابر المسلمين.
وكذلك يرون -أصلحنا الله وإياهم- الإهدارَ والإسقاطَ والخسف بمن خالفهم -ولو في مسائل اجتهادية- ومعلوم أن الخلاف في الحكم على الرجل جرحًا أو تعديلًا من جملة المسائل الاجتهادية، التي اختلف فيها أئمة العلماء، مع بقاء الأُلْفة والمودة والتناصر فيما بينهم على الحق، كل هذا؛ مع أنهم -حسب علمي- لم يسجدوا شكرًا لله-جل وعلا- حين بلغهم موتُ حَبْرٍ أو أكثر من أحبار اليهود، أو موت راهبٍ من رهبان النصارى -وقد بلغ أذى كلٍّ منهم الأمةَ شرقًا وغربًا ما لا يخفى على أحد-، وكذلك إذا بلغهم موت أحد آيات المُعَمّمين من الرافضة، الذين لا يرقبون في مؤمنٍ إِلًّا ولا ذمةً، وكذلك إذا بلغهم موت أحد المجاذيب من كبار المخرِّفين القبوريين- وإن كان السجود من أصله ليس واجبًا- لكن هذا الصنيع الشنيع منهم يدل على انحرافٍ في توجههم في باب الولاء والبراء!!
كما أنهم -وفقنا الله وإياهم للحق- يمتحنون الناس بمشايخهم وأصحابهم ومقالاتهم المحدثة هذه ونحوها، فمن وافقهم عليها؛ فهو من أهل السنة، بل هو أسدٌ من أُسود السنة، ولا نظير له، وهو حامل راية أو لواء التوحيد والسنة، أو لواء الجرح والتعديل، أو عَلَمٌ في التقعيد والتأصيل، وقامع أهل البدع، وشُدَّ عليه بيديْك ونواجذك، وهو إمام أهل الزمان، ونابغة الوقت… إلخ هذه الألقاب الفضفاضة، التي لا يَفْرح بها منهم إلا مفتون أو مغرور، ومن خالفهم؛ فهو مبتدعٌ ضالٌّ، زائغٌ، بل زنديقٌ زنديقٌ، ومُلَبِّسٌ، ومراوغٌ، ومُنْدَسٌّ في الصف، وممن يكيد للدعوة، بل هو أَخْبث وأضر من اليهود والنصارى، وأَضَرُّ من أهل البدع الكبار، كالرافضة والجهمية، بل أحيانا يقولون: أَضَرُّ من إبليس… إلخ هذا الجنون!! وقَصَروا منهج السلف والسلفية عليهم وعلى مشايخهم وطلابهم -وإن كانوا قد اختلفوا بعد ذلك فيما بينهم اختلافا فاضحا مُخزيا بلا حياء منهم، وأخرج بعضُهم بعضًا من دائرة أهل السنة، وحذَّروا من مشايخهم، الذين كانوا عندهم بالأمس حَمَلَةَ لواء الجرح والتعديل، ورافعي راية السنة والسلفية، وربما قالوا فيمن بالغوا في مدحه بالأمس إذا اختلفوا معه اليوم: جاهل، وجُوَيْهل، وجهول، وكذاب، ودجال!! ولا أدري: كيف يعدُّون الرجل ممن لا نظير له في العلم والتأصيل والتقعيد، فإذا خالفوه في الحكم على شخص ما -وهي مسألة اجتهادية يَسَعُ فيها الخلافُ المختلفين العقلاء-، أو أنه تَرَكهم عندما ظهر له انحرافهم؛ قالوا فيه: جاهل وجويهل وجهول؟ فهل سَرَتْ عليه ليلةٌ فمَسَحتْ كلَّ ما عنده من العلم؟! مع أن علماء السلف -رحمة الله عليهم- كم شَهِدوا لعدد من أهل البدع بالعلم، وسعة الرواية، والذكاء، وحُسْن التصنيف، والقدرة على الجدال والمحاجة… الخ!!.
ومن قواعدهم الفاسدة: عدمُ حَمْل مُجمَل كلام الرجل -سُنيًّا كان أو مبتدعًا- على مُفَصّله، ويتولَّوْن هُمْ تفسيرَ مُجْمَلِه بالدخول في نيته وقصده، ويضغطون على كلمته، ويَحْمِلُونها على أسوأ محاملها؛ حتى تضع مولودًا مشؤومًا، اسمه «الزندقة والكيد للسنة وعلمائها»!! وهذا منهم مخالفٌ للأدلة النقلية والعقليَّة ومنهج العلماء من السلف والخلف، وقد وضَّحْتُ ذلك في رسالةٍ لي باسم: «الجواب الأكمل على من أنكر حَمْلَ المجمل على المفصَّل» وهي ضمن مجموع الرسائل في الرد عليهم في كتابٍ لي، باسم: «الدفاع عن أهل الاتباع».
ويروْن -هدانا الله وإياهم- أن المسلم الذي وقع في بدعةٍ حقيقيةٍ -فضلًا عن بدعةٍ وهميةٍ عندهم!!- لا يجوز أن يُحَب ويُوالَى من وجْه لما عنده من خيرٍ ونفعٍ في العلم، والورع والزهد، أو الجهاد في سبيل الله… إلخ، ويُبْغَضَ من وجْهٍ آخر لما عنده من بدعة، دون إفراطٍ أو تفريطٍ في الحُبِّ والبُغضِ، وأنه لا يُمدَح مِن وجهٍ، ويُذم مِن وجهٍ لذلك أيضًا، فعندهم للأشخاص: إما ولاءٌ كامل، أو براءٌ كامل، وهذا مذهب أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والمرجئة: فالخوارج يرون البراء الكامل ممن وقع في معصية كبيرة أو بدعة؛ لأنهم يُكَفِّرون بالمعصية، وبنحوهم المعتزلة، وإن لم يكفروا بالكبيرة، لكنهم جميعًا يرون له الخلود في النار؛ فمِنْ هنا لا يكون لصاحب الكبيرة أو البدعة عندهم جزء من الولاء أو المدح، والمرجئة يرون أن المعصية لا تَنْقُصُ الإيمان أصلا، بل إيمانه كامل مع وجود الكبيرة أو البدعة، ومِنْ هنا فإنهم يرون الولاء الكامل للفُسّاق، أما أهل السنة الذين يرون أن المعصية تَنْقُصُ الإيمانَ ولا تنقُضُه؛ فيرون الولاء، أو المدح، أو الوصْل للمسلم الفاسق -إذا احتاج الأمر لذلك بالضوابط الشرعية- بقدر ما عنده من الخير، والبراء منه، أو الذمِّ له، أو الهجر والعقوبة بقدر ما عنده من المعصية، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المسلم عند أهل السنة يُحَبُّ ويُبْغَضُ، ويُوصَل ويُهجر، ويُمدَح ويُذَمُّ بقَدْرِ ما عنده من خير وشر، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، بل قال في عدة مواضع من كتبه: وعلى هذا أَجْمَعَ أهل السنة والجماعة بخلاف أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والمرجئة، كاللصِّ المسلم الفقير: تُقْطَع يدُه لسرقته، ويُعْطَى من بيت المال لسَدِّ حاجته!! وقد وضحْتُ هذا بتوسُّع في عدة مواضع من هذا الكتاب-ولله الحمد والمنة-.
ويرى هؤلاء الغلاة -عافانا الله وإياهم من كل بلاء- أيضًا: أنه كلما كان الرجلُ أكثر صلاحًا ونفعًا في الأمة، ثم زلّ في بابٍ ما – وإن كانت هذه الزلة إنما هي في نظرهم فقط لا في الحقيقة والواقع- فيجب الحذر والتحذير منه أكثر مما يُحَذَّر من المشركين والمبتدعة الكبار، بزعم أن هؤلاء الكفار ورؤوس البدع الكبرى من الروافض والجهمية والقبوريين ونحوهم لا يَغْتَرُّ بهم أحدٌ؛ فإنَّ أَمْرَهم مكشوفٌ للقاصي والداني -هكذا يزعمون-!!، بخلاف الرجل الصالح العالم الذي خالفهم؛ فإن الناس يثقون به، ويأخذون عنه؛ فيتعين عندهم التحذير منه، والإكثار من ذلك بجميع الوسائل؛ حتى لا يفتتن به أحد، وعلى ذلك؛ فيلزم التحذير من أَخْذِ العلم عن الإمام أحمد لشهرته في الأمة بالخير والعلم والفضل والسنة؛ لأنه خالف -عند بعضهم- في مسألة التوسّل بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وفي مسألة التبرك بمنبره -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكذلك ابن خزيمة وهو مُلَقَّب بإمام الأئمة؛ لأنه خالف في إنكاره مسألة صورة الرحمن، وكذلك الحافظ الذهبي خالف في مسائل حول التبرك ونحوه، وكذا الحافظ النووي والحافظ ابن حجر، والشوكاني والصنعاني وغيرهم من العلماء – جميعًا- وما أكثرهم، ومع ذلك فلهم زلاتٌ، وكلٌّ من العلماء يُؤخذ منه ويُرَدُّ إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولا شك أن هؤلاء العلماء لهم قَدَمُ صدْق في الأمة، وهُم موضع الثقة والرتبة العالية في نفوس الأمة، وعلى قول هؤلاء الغلاة -المخالفين للعقل والنقل والتاريخ والواقع- يجب الحذر والتحذير بشدة منهم -حتى لا يفتتن أو يغتر بهم أحد- ويكون التحذيرُ منهم أشدَّ من التحذير من رؤوس البدع؛ بزعْم أنهم لا يَغْتَرُّ بهم أحدٌ!! وعلى ذلك فقد انقلبت موازين الولاء والبراء عند هؤلاء الغلاة ومن سلّطهم الله عليه!!..
ولا أدري: هل هؤلاء لا يروْن ضرر اليهود والنصارى في قتل المسلمين، واحتلال بلادهم، وإفساد ما بينهم؛ حتى تفرَّقت صفوفهم ودُولُهم، ولا يرون إعلامهم الفاسد كم أفسد في الرجال والنساء والأطفال، ولا يروْن ما ينفقون من أموال لنشر مذاهب هدامة، وعقائد كفرية وردة في صفوف أهل الإسلام، ولا يروْن مناصرتهم لأهل البدع من الروافض والقبوريين وغيرهم ضد أهل السنة، بل يغيرون بلدانا كاملة كانت مع السنة، فأصبحت رافضية، ولا يروْن المنظمات التي باسم الإغاثة كم تنشر من الأخلاق الفاسدة، والفواحش التي تنافي الرجولة، بل تدعو للمثلية… وكم يذكر المرء من فساد عند أهل الكفر والبدع، وقد عَمِيَ هؤلاء أو تعامَوْا عنها، ويقيسون حال الكفار والمبتدعة في هذا الزمان -وهم أهل الشوكة اليوم- على الكفار والمبتدعة في زمن الإمام أحمد وغيره من علماء السلف -وقد كانوا أذلة مقهورين، لا يُخشى منهم، ويتمسّكون بقول أحمد للمتوكل -رحمهما الله- غير مبالين للفارق والأحوال التي أشرتُ إليها، فهل هؤلاء يؤتمنون على الدين؟!
إلى غير ذلك من القواعد الفاسدة والمفسدة، والتي ستَظهر لك من خلال هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى-.
ولما كانت الشبهاتُ خطّافةً، والقلوبُ ضعيفةً؛ آثرتُ أن يكون ردّي عليهم قائمًا على مناقشات علمية: نقلية وعقلية هادئة؛ ومُدَعَّمة بنقولات العلماء من السلف والخلف، حتى تقتلع هذه الأجوبةُ تلك الشبهاتِ من جذورها، وتَسْلَم القلوب والعقول من أَنِينها وأَطِيطها !! وفي أكثر الأحوال لا أُسَمِّيهم أصلًا؛ لأن المراد والقصد: بيان الحق الذي تشهد له الأدلة، والذي كان ولا زال عليه علماء السنة؛ لإعانة هؤلاء الغلاة على الرجوع إلى الحق، وإلا فيكفي تحذير الناس من اتباعهم على الباطل.
ولا شك أن هذا لا يكون إلا مع من أراد الله -جل ثناؤه- له التوفيق والسداد، أما من كان غير ذلك؛ فإما أن يُعْرِض عن النظر في الكتاب بالكلية؛ عملا منه بما عبَّأه به هؤلاء الغلاة، وأوهموه بأن ما هو عليه من الإعراض عن كتب المبتدعة -يقصدونني وطلاب العلم الذين كشفوا باطلهم- إنما هو منهج السلف الصالح!!
وأيضا: فمن لم يُرِد الله -جل شأنه- به خيرا؛ قد يقرأ الكتاب؛ ليبحث فيه فقط عن زلَّة؛ فيطير بها فرحا، ويصُدَّه ذلك عن الاستفادة مما في الكتاب من نقاشاتٍ علميةٍ، وقد يترك الأدلة والنقولات العلمية، ويذهب ويتهم مخالفه في النيات والمقاصد، فيقول: ما قال كذا إلا لأنه يريد كذا، أو يقصد كذا، ويَعُدُّ ذلك من الفراسة المحمودة؛ وحقيقتُها وسوسةٌ من الشيطان تصده عن سبيل الله، أو تحول بينه وبين المبادرة بالرجوع إلى الحق قبل فوات الأوان، وحلول المنية على هذه الضلالات، وإلا فالباحث عن الحق ينظر في أدلة خصمه، ولا يَشْقُّ عن قلبه، بل يقبل الحق منه بدليله، ويرد الباطل عليه، ولا يلتفت إلى نيته، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأبي هريرة -رضى الله عنه- في قصة الشيطان الذي جاءه سارقا من بيت المال عدة ليال، وفي الليلة الثالثة أرشده ذلك الشيطان إلى قراءة آية الكرسي عند النوم؛ فيحميه ذلك منه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: « صَدَقَك، وهو كذوب»، فطالب الحق، والمؤْثِرُ له على غيره من اتباعٍ للهوى، أو تقليدٍ وعصبيةٍ لشيخٍ ما: يقبل الحق ممن قاله، ويدَع نيته على بارئه، حتى وإن كان كافرا!!
هذا؛ وقد أكثرتُ من الردود على هؤلاء الغلاة وشيخهم الشيخ ربيع المدخلي-سلَّمه الله- لشدة فتنتهم، وأثرها السيئ على القلوب والصفوف شرقًا وغربًا، وكانت فتنتُهم هذه قُرَّةَ عَيْنٍ لأعداء الإسلام وأهل البدع، الذين عجزوا عن تفريق كلمة أهل السنة؛ حتى تحقق -لهم ذلك بلا تعب ولا ثمن- على أيدي هؤلاء الغلاة وشيخهم وقواعدهم المشؤومة، وهذا ما خطّط له أهل البدع من زمانٍ طويلٍ، إلا أنهم عجزوا عن ذلك!!
فلضراوة فتنتهم؛ أكثرتُ من مناقشة شبهاتهم مِن عِدَّةِ جهات في عدة كتب، ولا غرابة في الإكثار -كما قد يتوهم البعض، وربما بَغَى بعضُهم وتجاوز الحدَّ؛ فذمّ الظالمَ والمظلومَ المدافعَ عن نفسه وعن الدعوة بالحق والإنصاف والأدب-؛ فإن السلف لما حصلت فتنة الجهمية مثلًا -وبأشكال متعددة- أكثروا من الرد عليهم، وتصنيف المؤلفات الكثيرة لدحض شبهاتهم، حتى شَغَلَ ذلك أكبر مساحة في كُتب العقيدة، بل صنَّفوا كتبا مستقلة في الرد على شبهاتهم، ولم يسْتنكر عليهم بعض علماء السنة، كما يستنكر كثرة الردود بعض من لم يدرك حجم الفساد الذي أفسده هؤلاء الغلاة وشيخهم اليوم!!
وفي النهاية أقول: إني أحمد الله -جل ثناؤه- أن مَنَّ عليّ بالشيخ أبي سليمان محمد بن صلاح آل سلامة الدمياطي -حفظه الله وسلمه ووفقه-؛ فقد ساعدني أيَّما مساعدة في جمع ودعم مادة هذا الكتاب بأدلةٍ ونقولاتٍ علميةٍ، كان لها الأثرُ البالغُ في نضوج هذا الكتاب، ولولا الله ثم اجتهاده وصبره معي وعلىَّ؛ لما كان الكتاب على هذا الحال، فأسأل الله تعالى أن يجزيه عني وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجعل العمل منا جميعًا في هذا الكتاب وغيره من أقوالنا وأعمالنا وأحوالنا خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به في دَحْرِ شبهات الغلاة، وأن يهدي به قلوب من وقف عليه، أو سمع به، أو نُقِل له منه كثير أو قليل، ويجعل هذا وغيره نورًا لنا في قلوبنا، وقبورنا، وعلى الصراط حال مُرورنا، وأن يُثَبِّتَ بذلك وبغيره أقدامنا وذرياتنا وأحفادنا وأسباطنا وأهلينا وإخواننا على الحق المبين، وأن يحفظهم من فتن الشهوات والشبهات، والله ولي التوفيق والسداد.
كما أحمد الله وأشكره، ثم أشكر الشيخ أبا إسحاق إبراهيم بن مصطفى آل بحبح الدمياطي -حفظه الله- الذي نفعني الله بمشورته، ومتابعته وحرصه على أن يكون الكتاب على حالة حسنة ما أمكن، وأرجو أن يكون الله -جل قدره- قد حقق له مراده في هذا الكتاب وغيره؛ فجزاه الله وأهله وذريته خيرًا كثيرًا مزيدًا مباركًا فيه إلى يوم الدين؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
كما أشكر أخانا الشيخ خالد بن الوليد -حفظه الله- الذي كان عونا لي في جمع كثير من أصل هذا الكتاب، وذلك في دار الحديث بمأرب، كما أشكر حبيبنا الدكتور عمر بن أحمد عِلِيو الحضرمي -حفظه الله ومتَّع به- على ما بذله معي من جهد كبير -في دار الحديث بمأرب- في كتابة هذه الأسئلة والأجوبة، ومتابعة نشرها مفرَّقة قبل جمعها في هذا الكتاب، وغير ذلك من جهود مباركة، جعلها الله في ميزان حسناته أضعافًا مضاعفة، وأصلح أهله وذريته.
(تنبيه): الأصل في هذه الأسئلة والأجوبة: أنها للرد على شبهات الغلاة في التبديع، الذين قلّدوا بدون بصيرة أو خوفا من سلاطة لسان الشيخ ربيع المدخلي-حفظه الله-، والذين أثاروا فتنة عظيمة، وفُرْقة مريرة في صفوف أهل السنة في أنحاء العالم، ومع هذا الزيغ فهم ينسبون هذه الفوضى لمنهج السلف، وما عليه كبار أهل العلم المعاصرون، وكل هذا كذبٌ ومَيْن، وزورٌ وتشبُّعٌ بما لم يُعْطَوْا، وفي غضون ذلك موضع في الردِّ على بعض طلاب العلم، الذي تأثر بما عليه كبير الغلاة في وقت ما -وإن لم يكن مقلدًا وذيلا له- لكنه سلك شيئا مما عليه الغلاة، وكتب ونشر بعض كلامهم في الردّ علىَّ، ولما نشر انتقاده قبل الاتصال بي ونُصْحي – مع عدم وجود جفاء بيننا-؛ فأجبْتُ على كلامه بجوابٍ مكتوبٍ، ونشرتُه -كما نشر هو كلامه في وسائل التواصل- ثم أدخلتُ اعتراضَه وجوابي عليه في هذا الكتاب؛ لأن فيه عدة شبهات وادعاءات علىّ، أخذها من أفواه الغلاة دون تثبت، إن كان صاحب هذا النقد في نظري أجَلَّ من أن يكون من الغلاة في قواعدهم، ولا أزكيه على الله تعالى، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
رئيس رابطة أهل الحديث باليمن،
والقائم على دار الحديث الخيرية بمأرب.
18 رجب 1445هـ
A
A
[1]












