(حُكْم الدعوة إلى التعاون مع المخالف على أمْرٍ مشروع)
حُكْم الدعوة إلى التعاون مع المخالف على أمْرٍ مشروع
- السؤال الأول: هل يجوز للعالم السُّنِّي أن يطالب بالتعاون بين أهل السنة الصافية والاتجاهات الإسلامية المخالفة في بعض الجوانب على أمر مشروع، أم يُعَدُّ هذا من التمييع للدعوة الصافية؟
الجواب:
هذا من الشبهات التي يتعلق بها الغلاة في تبديع أهل السنة، وأفسدوا بها أفهام كثير من طلاب العلم، مع أن في المقام تفصيلًا:
أولًا: السعْي في جَمْعِ كلمة الاتجاهاتِ الْمُنْتَسِبةِ إلى عقيدة ومنهج أَهْل السنة والجماعة، أو على الأقل التعاون بينها على جزء من الحق مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ، وواجِبٌ حَيَاِتيّ، والشهادة بالحسنة من المخالف إذا دَعَتْ الحاجةُ -الحقيقية لا الوهمية- إليها دون مفسدة أكبر؛ من العَدْل والإنصاف، وعَكْسُها ظُلْمٌ وبخسٌ وعدوان.
ومن الأدلة على ذلك:
1- قال تعالى: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}.
قال ابن خويز منداد في أحكامه: «والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه: فواجبٌ على العالم أن يُعينَ الناسَ بعلمه؛ فيعلِّمَهم، ويُعينَهُم الغنيُّ بماله، والشجاعُ بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويَسْعَى بذمتهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم».
ويجب الإعراضُ عن المُتَعَدِّي، وتَرْكُ النصرة له، ورَدُّهُ عما هو عليه». اهـ([4])
بل التعاون على البرِّ والتقوى مع البَرِّ والفاجر والمسلم والكافر جائز، وقد يجب، بشرط أن تكون المفسدة المتوقعة من وراء ذلك -حالًا ومآلًا- دون المصلحة المُحَقَّقة من وراء هذا التعاون، وأن يكون تَرْكُ التعاون مع المخالف على هذه الجزئية من البر سببًا في تضييع مصالح، وجَلْب مفاسد أكبر من مفسدة التعاون مع المخالف، وتقدير المصالح والمفاسد راجع لأهل العلم والحلم والفهم للقرائن التي تَحُفُّ المقام، وليس الأمر تابعًا للأحداث، أو لأهل الإفراط أو التفريط، أو للأهواء بلا خطام ولا زمام.
2- بل لا يخفى على أحد رزقه الله بصيرة في الدين أن المؤمنين يَفْرَحُون بنصر أهل الكتاب على المشركين، بل قد أضاف الله نَصْرَ أهل الكتاب على المشركين إليه -سبحانه وتعالى- فقال-جل ثناؤه-: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ] { الروم:4-5} والمراد به نصر الروم على الفرس([5])، ولا يخفى الحكمُ على أهل الكتاب وعقائدهم الذين نزل فيهم صَدْرُ سورة الروم.
فلا يلزم من اجتماع الكلمة مع المخالف -في بعض الأحيان لمصلحة شرعية- أو التعاون معه، أو الاعتراف بما عنده من الحق والصواب: الذوبانُ في الجماعات الأخرى، ولا يلزم من محافظتنا على منهجنا وخصوصياتنا: أن نُقَوِّي شوكَةَ العدوِّ الأكثرِ انحرافا وحِقْدا وفَتْكا بالحق وأهله من حيث لا نَشْعُر، فنخذل من هو أقرب منه إلى الحق، نكايةً بالجماعة الفلانية، أو بالحزب الفلاني!!
3- وفي حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قيل: يا رسول الله، هذا نُصْرَتُه مظلومًا، فكيف أَنْصُرُه إذا كان ظالمًا؟ قال: «تَحْجِزُهُ، تَمْنَعُهُ؛ فإن ذلك نَصْرُهُ».([6])
4- وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَالَ: «شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلامٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ، وَأَنِّي أَنْكُثُهُ».([7])
قال المناوي : «وأَصْلُ ذلك: أنه اجتمع بنو هاشم وزهرة وتميم في الجاهلية بمكة في دار ابن جُدعان، وتحالفوا على أن لا يتخاذلوا، ثم ملؤا جُفَيْنَةَ طِيبًا، ووضعوها في المسجد عند الكعبة، وغمسوا أيديهم فيها، وتعاقدوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، ومسحوا الكعبة بأيديهم المطيبة توكيدا، فَسُمُّوا «المُطَيَّبِين» وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفا آخر، وتعاهدوا على أن لا يتخاذلوا، فَسُمُّوا «الأحلاف» وكان رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من المطيبين، وكان عمر -رضي الله عنه- من الأحلاف، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه باق على ما حضره من تحالف قومه الـمُطَيَّبين من التناصر على الحق، والأخذ للمظلوم من الظالم، وأنه لا يتعرض له بنقض، بل أحكامه باقية في الإسلام، وفيه: أن ما كان من حلف الجاهلية لا يبطله الإسلام». اهـ([8])
فهذه أدلة تدل على مشروعية التعاون مع البر والفاجر إذا كان الأمر المتعاوَنُ عليه موافقًا للكتاب والسنة، ولازالت الدول مسلمُها وكافرُها عبر التاريخ تتعاون فيما بينها على أمور تتحقق من ورائها المصلحة الكبرى للمتعاونين، فهذا الأمر مما يدل عليه النقل والعقل والتاريخ والواقع.
ثانيًا: أن هذا هو صنيع أهل العلم وتقريرهم، فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يتردد في الشفاعة في دفع بعض الظلم عن بعض أهل البدع، فقد شفع عند القاضي حسام الدين الحنفي([9]) عندما أراد حَلْقَ لحية الأذرعي([10])، وحَلْقُ اللحية معصية، والأذرعي خصم لشيخ الإسلام ومع ذلك فقد قال: «فقمتُ إليه -أي القاضي الحنفي- ولم أَزَلْ به حتى كَفَّ عن ذلك -أي عن حلق اللحية، ورَكُوب الأذرعي الحمار؛ لِيُطَافَ إهانة له به- قال: وجَرَتْ أمور، لم أَزَلْ فيها محسنًا إليهم،… ثم ذكر أنه يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر،… ثم قال: وابن مخلوف([11]) لو عَمِلَ مهما عَمِلَ، والله ما أَقْدِرُ على خير إلا وأَعْمَلُه معه، ولا أُعين عليه عدوَّه قطّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نيتي وعَزْمي….». اهـ([12])
وقال: «ومما ينبغي أن يَعْرِفَ به الشيخ: أني أخاف أن القضية تخرج عن أمره بالكلية، ويكون فيها ما فيه ضرر عليه، وعلى ابن مخلوف، ونحوهما،….. وأنا مساعد لهما على كل بِرٍّ وتقوى». ا.هـ.([13])
هذا، مع أنه قد قال في ابن مخلوف في موضع آخر: «إن ابن مخلوف رجل كذاب فاجر، قليل العلم والدين». ا هـ.([14])
وقد قال شيخ الإسلام في سياق بيان أن الهجر مشروط بتحصيل المصالح ودفع المفاسد، وأننا لو تركنا العلم الذي عند أهل البدع؛ لانْدَرَس العلم والسنن، ثم قال: «فإذا تَعَذَّر إقامةُ الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرَّتها دون مضرة تَرْكِ ذلك الواجب؛ كان تحصيلُ مصلحة الواجب مع المفسدة المرجوحة معه خيرًا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل». اهـ.([15])
وقد قال الإمام ابن القيم : «ومنها –أي: من الفوائد المستفادة من صُلْح يوم الحديبية- أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة، إذا طلبوا أمرًا يُعَظِّمون فيه حُرْمَةً من حرمات الله تعالى؛ أُجيبوا إليه، وأُعْطُوُه، وأُعِيُنوا عليه، وإنْ مُنِعوا غيره، فيعاوَنون على ما فيه تعظيم حرمات الله، لا على كُفْرهم وبَغْيهم، ويُمنعون ما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى، مُرْضٍ له؛ أُجِيبَ إلى ذلك، كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أَعْظمُ منه، وهذا مِنْ أَدَقِّ المواضع، أو أَصْعَبِها، وأَشَقِّها على النفوس». اهـ.([16])
قلت: نعم، هذا أمر شاق إلا على من نوّر الله بصيرته، وأعانه على نفسه وهواه، ووفقه لاتباع الهدى، وكان العمل لنصرة الحق أحبَّ إليه من انتصار رأيه وحزبه… إلخ!!
وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة»: «أَقْرَبُ الجماعات الإسلامية إلى الحق، وأَحْرَصُها على تطبيقه: أهلُ السنة، وهم أهلُ الحديث، وجماعةُ أنصار السنة، ثم الإخوان المسلمون، وبالجملة: فكل فرقة من هؤلاء وغيرهم، فيها خطأ وصواب، فعليك بالتعاون معها فيما عندها من الصواب، واجتناب ما وَقَعَتْ فيه من أخطاء، مع التناصح والتعاون على البر والتقوى». اهـ([17])
قلت: هذا صحيح من حيث التأصيل العام، وعند التفصيل وتنزيل ذلك على الواقع؛ فلابد فيه من دراسة الأمر من جميع جوانبه حالًا ومآلًا، ويكون ذلك بتقدير علماء أهل السنة الكبار، لا بتقدير المتحمسين أو المتهورين أو المميِّعين المتساهلين، لأن هناك من يستغل الدعوة إلى الاجتماع أو التعاون على جزء من الحق؛ ليلبِّس بشبهاته على من لا يحسن فهم نقاط الاختلاف؛ فيسحب ببيانه الساحر، أو بوسيلة أخرى-وهي كثيرة- الكثير من المناصرين للسنة الصافية: سواء كانوا عامة أو شبه عامة!! فالأمر يحتاج إلى صدق مع الله، ودراية بالقرائن التي تحفّ المقام، وتغليب مصلحة الإسلام على مصلحة الشخص، أو الحزب، أو الجماعة!!.
وقد سئل سماحة الشيخ ابن باز عن الجبهة الإسلامية السودانية التي تضم مختلف الاتجاهات الحركية والصوفية والسلفية، وذُكِرَ له أنها قامت بعمل سياسي، ومجابهة واسعة مع الشيوعيين، والتغريبيين؛ فأجاب تعالى -: «بأن التعاون بين المسلمين في محاربة المذاهب الهدَّامة، والدعوات المضلِّلة، والنشاط التنصيري والشيوعي والإباحي؛ من أهم الواجبات، ومن أعظم الجهاد في سبيل الله، لقول الله : [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}، ونَصَحَهم سماحته بتقوى الله، وتصفية صفوفهم من كل ما يخالف الشرع المطهَّر، والتحاكمِ إلى شرع الله والثبات عليه.([18])
وبمعنى هذا قال شيخنا العلامة العثيمين – رحمة الله عليه – فذكر : «أن الموقف الصحيح من الجماعات الدعوية: أن نتعاون معهم، وأن نكون جميعًا دعاةً إلى الحق، متآلفين؛ لأن أوْلى الناس بالتعاون والتآلف: هم دعاة الحق… فواجبنا نحو الفئات الدعوية أن نتعاون معهم…»، وذكر أن من التعاون معهم نُصْحَهُم ومَنْعَهُم من الظلم، ثم قال: «ولا شك أن الفئات الدعوية التي تنهج منهجًا معينًا، لا شك أن فيهم الخطأ والصواب، فالواجب بيان الخطأ، والتحذير منه، وبيان الصواب، والحث عليه». اهـ.([19])
وقال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي – رحمة الله عليه- في رسالة «هذه دعوتنا وعقيدتنا»([20]): «ونرى وجوب التعاون مع أي مسلم في الحق، ونبرأ إلى الله من الدعوات الجاهلية». اهـ.
وفي «قمع المعاند»([21])، قال وقد سئل عن التعاون مع محمد سرور- فقال: الأخ محمد سرور عَرَضَ علينا التعاون معه، ولم يَعْرِضْ علينا الانضمام معه؛ لأن كُلا آيس من انضمام هذه الدعوة المباركة إلى جماعة من الجماعات، أما مسألة التعاون: فإنْ شاء الله نتعاون مع كل مسلم؛ لأن الله يقـول في كتابه الكريـم: [ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] {المائدة:2}، نتعاون مع كل مسلم لمصلحة الإسلام، أما إذا كانت المصلحة حزبية، ويَدْعون الناس باسم الإسلام، وإذا حصل لهم ما يريدون؛ انقضى الأمر؛ فهؤلاء ينبغي أن يُحْذَر منهم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُلْدغ المؤمن من جُحْرٍ مرتين…». اهـ.
وقال : «فالمسلم الذي يَدْعُو إلى التعاون معه، ولم يَلْدَغْ أهلَ السنة؛ فإنهم مُسْتَعِدُّون للتعاون معه…». اهـ.([22])
فهذا كلام العلماء آخذ بعضه بِحُجَزِ بعض.
ثالثًا: ضوابط التعاون مع المخالف:
أُلْفِتُ النظر لما سبق من كلام لنا في عدة مواضع في هذا الكتاب وغيره من ضوابط هذا التعاون، وكل ذلك مستفاد من مجموع كلام العلماء سلفا وخلفا، وعليها يُحمل كلام من أطلق من العلماء، وخلاصة ذلك عدة أمور:
1- أن يكون التعاون هذا إنما هو لتحقيق مصلحة متحققة أو راجحة لا وهمية أو خيالية، سواء كانت واجبةً أو مستحبةً.
2- أن يكون تقدير المصلحة بميزان الشرع، لا بالموازين الحزبية، ويكون ذلك بتقدير العلماء الكبار من أهل السنة، لا بتقدير الحركيين والمتحمسين أو المتساهلين المميّعين، أو المتشددين المنغلقين المبالغين في التوجُّس-وإن كان لتوجسهم أحيانا ما يسوغه- لكن إذا كان هذا الحال سيضيع مصلحة الإسلام، أو يضر الدعوة حالا ومآلا؛ فلا!!.
3- أن نأمن من حدوث مفسدة مساوية للمصلحة، أو غالبة، وذلك بالميزان الشرعي أيضًا.
4- أن الباب في القول بمشروعية التعاون مع المخالف لا يُفتح لكل أحد، بل هذا راجع للعلماء وطلاب العلم الذين لا يُخشى عليهم أن يُفْتَنُوا بما عند المخالفين من محاسن؛ وذلك لرسوخهم في معرفة السنة الصافية، وشبهات من خالفها والجواب عليها، والذين يحسنون تقدير المصالح والمفاسد في الجملة، وقد يكون التعاون من الجميع دون مراعاة بعض هذه الشروط، إذا دَعَتْ الظروف أو الضرورة لذلك: كالتصدي للرافضة أو الشيوعية وغيرهم، أو أي غزو على البلد المسلم السني، ونحو ذلك.
5- أن يترتَّب على ترك التعاون معهم وقوع مفسدة على الإسلام وأهله، أو تفوتهم مصلحة أعظم نفعًا مما يستفيده المخالفون من التعاون معهم.
6- ألا يَغْتَرَّ بذلك من لا يُحْسن معرفة الفرق بين أهل الحق الصافي وغيرهم، أو كانت مفسدة الاغترار أقلَّ من المصلحة المتحققة.
رابعًا: مسالك الناس تجاه مطلب التعاون مع المخالف على الخير:
بعضُ الناس تُجَاهَ هذا المطلبِ إما أن يَسْلُكَ مَسْلَكَ الإفراط، أو مَسْلَكَ التفريط، فبعضهم ينظر إلى الحسنات وجوانب الإصابة في تلك الاتجاهات المخالفة، ويَغْفُل بالكلِّيَّة عن جانب المخالفات والانحرافات عندهم، وكذلك جانب الحيل والمكر لاصطياد بعض أهل السنة؛ لإدخالهم في الحزبيات المفسدة، فَيِنْطَلِقُ داعيةً إلى الاجتماع بين أهل الحق الصافي وهذه الاتجاهات، بحجة أن إلهَنَا واحدٌ، وأن نَبَّيَنا واحدٌ، وأن كتابَنَا واحدٌ، وأن قِبْلَتَنا واحدةٌ، وهذا يُعْجِبُ المخالفين ولا يُقوِّمُهم، ويُفَرِّقُ الموافقين ولا يحافظ عليهم أو ينفعهم، فيكونُ كمن طَلَبَ المزيد من الربح؛ فَضَيَّعَ رأسَ المال، وربما ابْتَلَع المخالفون إخوانه، فَصَبَغُوهم بعُجَرِهم وبُجَرِهم بما عندهم من الانحرافات؛ بزعم أن «مصلحة الدعوة» تقتضي ذلك!!
وفي المقابل لهذا المسلك؛ فهناك من يرفضُ مدّ يده لإخوانه أهل السنة الصافية -وإن كانوا أقومَ منه قِيلًا، وأَهْدَى سبيلًا- نظرا لمخالفته وانحرافه، وغُلُوِّه في الأحكام الجائرة على مخالفه من أهل السنة، وقِصَر نَظَرِهِ، واضطراب أمْرِه!! فإذا كان هذا حالَه مع من هم أولى بالحق منه؛ فما هو الظن به فيمن عندهم انحرافات وإن كانت لا تخرجهم بأعيانهم من دائرة السنة إلا بشروط وضوابط ليس هذا موضعها؟!
والصوابُ: أن الاجتماع له صُوَرٌ ومراتب متفاوتة: فإعمال كل صورة ومرتبة في موضعها بشروطها، مع مراعاة الموازنة بين المقاصد والمفاسد، وبين مرحلة الاستخلاف ومرحلة الاستضعاف، والظروف التي تمر بها الدعوة، وأحوال المخالف قوة وضعفًا، والحال والمآل في الإقدام أو الإحجام، ومن راعى ذلك بالضوابط الشرعية؛ فقد أخذ بالدين من جميع جوانبه.
فلا يجوز -مثلا- عَدَمُ مناصرةِ من يَتَصَّدى للرد على شبهات غلاة الرافضة والصوفية، ومن يكشف عوار ضلالاتهم وأكاذيبهم، ومن يتصدى للشيوعية الماحقة ونحوهم -وإن أساء لنا في قليل أو كثير، أو انحرف في الدعوة في جوانب أخرى- بحجة أنه من جماعة كذا، أو من الحزب الفلاني، أو من طائفة نختلف معها في بعض الجوانب؛ لأن خِذْلانه، والردّ عليه، وتشويه صورته أمام خصومه الذين هم أشد ضررًا وفتكًا بالإسلام وأهله؛ يُفْرِح الخصوم، ويُقَوِّي شوكَتَهم على من حذَّر الناس من مسالكهم المنحرفة الضالة، فتقْوى شوكة الرافضة وأشباههم، الذين يَطْمِسُون عقيدتنا، ويُعَلِّمون الأجيال اللاحقة أوابقهم، وأوابدهم، وخرافاتهم وضلالاتهم: من تكفير الصحابة، والوقوع في الغلو المفضي إلى الشرك الأكبر، وغير ذلك من أعمال تصادم الدين وثوابته عند أهل السنة والجماعة!!
وقد أفتى أئمة السنة بإعانة الأقل بدعة على الأكثر بدعة، ومن ذلك إعانة الأشاعرة على المعتزلة، ومدحُوا الأشاعرة فيما أصابوا فيه وأحسنوا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَةٌ، وَأَنَا كُنْت مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْوَحْشَةِ، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَنَحْوِهِ، الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ، كَمَا يَذْكُرُ الْأَشْعَرِيُّ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ، وَكَمَا قَالَ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: إنَّمَا نَفَقَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ عِنْدَ النَّاسِ بِانْتِسَابِهِمْ إلَى الْحَنَابِلَةِ، وَكَانَ أَئِمَّةُ الْحَنَابِلَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ: كَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ، وَنَحْوِهِمَا يَذْكُرُونَ كَلَامَهُ فِي كُتُبِهِمْ، بَلْ كَانَ عِنْدَ مُتَقَدِّمِيهِمْ كَابْنِ عَقِيلٍ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، لَكِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِمَعْرِفَةِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أُصُولِ أَحْمَدَ مِنْ ابْنِ عَقِيلٍ، وَأَتْبَعُ لَهَا؛ فَإِنَّهُ كُلَّمَا كَانَ عَهْدُ الْإِنْسَانِ بِالسَّلَفِ أَقْرَبَ؛ كَانَ أَعْلَمَ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، وَكُنْت أُقَرِّرُ هَذَا لِلْحَنْبَلِيَّةِ – وَأُبَيِّنُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ -وَإِنْ كَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ الْمُعْتَزِلَةِ- ثُمَّ تَابَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ تِلْمِيذَ الجُبَّائِي، وَمَالَ إلَى طَرِيقَةِ ابْنِ كُلَّابٍ، وَأَخَذَ عَنْ زَكَرِيَّا الساجي أُصُولَ الْحَدِيثِ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ أَخَذَ عَنْ حَنْبَلِيَّةِ بَغْدَادَ أُمُورًا أُخْرَى، وَذَلِكَ آخِرُ أَمْرِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ كَانَ تِلْمِيذَ ابْنِ الْوَلِيدِ وَابْنِ التَّبَّانِ الْمُعْتَزِلِيَّيْن، ثُمَّ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَوْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ بِحَضْرَةِ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَمَا أَنَّ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ مَنْ يُبْغِضُ ابْنَ عَقِيلٍ وَيَذُمُّهُ؛ فَاَلَّذِينَ يَذُمُّونَ الْأَشْعَرِيَّ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِأَصْحَابِ أَحْمَدَ، بَلْ فِي جَمْيعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ.
وَلَمَّا أَظْهَرْتُ كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ – وَرَآهُ الْحَنْبَلِيَّةُ – قَالُوا: هَذَا خَيْرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ، وَأَظْهَرْتُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ لَمْ تَزَلْ الْحَنَابِلَةُ وَالْأَشَاعِرَةُ مُتَّفِقِينَ إلَى زَمَنِ القشيري، فَإِنَّهُ لَمَّا جَرَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ؛ تَفَرَّقَتْ الْكَلِمَةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مَنْ هُوَ زَائِغٌ وَمُسْتَقِيمٌ، مَعَ أَنِّي فِي عُمُرِي إلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيٍّ، وَلَا انْتَصَرْتُ لِذَلِكَ، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَقَدْ قُلْتُ لَهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنَا أُمْهِلُ مَنْ يُخَالِفُنِي ثَلَاثَ سِنِينَ، إنْ جَاءَ بِحَرْفِ وَاحِدٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ يُخَالِفُ مَا قُلْته؛ فَأَنَا أُقِرُّ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَا أَذْكُرُهُ فَأَذْكُرُهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بِأَلْفَاظِهِمْ وَبِأَلْفَاظِ مَنْ نَقلَ إجماعهُم مِنْ عَامَّةِ الطَّوَائِفِ، هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَة؛ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية؛ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى». اهـ([23])
هذا، مع أن خلاف أهل السنة مع الأشاعرة والكُلَّابية والكَرَّامية والسالمية لا يَخْفَى على أحد، بل هناك من يرى في بعض كلامهم الكفر: وذلك ما في كلامهم من التأويل المفضي إلى التعطيل، والبعض الآخر يخرجهم من دائرة السنة بالكلية، والبعض الأخير يجعلهم أهلَ سنة فيما وافقوا فيه، وأهلَ بدعة فيما خالفوا فيه، فلا يَحْكُم لهم بهذا أو ذاك بإطلاق.
والحقُّ وَسَطٌ بين طرفين، وهُدًى بين ضلالتين، ووادٍ بين جَبَلين وعِريْن!! [ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ] {البقرة:269}.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فمتى تَرَكَ الناسُ بعضَ ما أمرهم الله به؛ وَقَعَتْ بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تَفَرَّقَ القومُ؛ فَسَدُوا وهَلَكُوا، وإذا اجْتَمَعُوا؛ صَلَحُوا ومَلَكُوا؛ فإن الجماعة رحمة والفُرْقَةَ عذاب». اهـ([24])
خامسًا: اجتماعُ كلمةِ أهلِ الحق مَرْهُون -بعد توفيق الله تعالى – بأمور، منها: اعتراف الصادقين الْمُؤَثِّرين من كل طائفة من طوائف أهل السنة والجماعة، المختلفين فيما بينهم، بأن أفراد كل طائفة فيهم حق وباطل، وحسنة وسيئة، وسُنة وبدعة، ومعروف ومنكر، وليس هناك أفراد طائفة معصومون من الزلل من هذه الطوائف من جميع الجهات، وأما من جهة المناهج: فالطائفة الناجية المنصورة هم أهل منهج الحق، وهم الذابُّون في الواقع -لا مجرد الادعاء- عن منهج أئمة السلف الصالح، وبقَدْر قُرْب المرء من هذا المنهج وبُعْده بقَدْر قُرْبه من الحق الصافي وبُعْده، أما عصمة الأفراد فلا معصوم في هذه الأمة إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- والإجماع المتيقَّن!!
سادسًا: لو اجتمع أَهْلُ الصِّدْقِ والغيرة الصحيحة على مجموع الحق الذي عند هؤلاء وأولئك، واجتنبوا مجموع الباطل الذي عندهم جميعًا -وذلك بقدر الاستطاعة، وإن لم يتحقق كل شيء-؛ كان لهذا الأثر البالغ في صِدْق الدعوة إلى الاجتماع.
وهذا في الجملة كلام نظري، لكن -للأسف- يتحكم في واقع الطوائف أفراد متعنتون لما استحسنوه هم أو استحسنه لهم قادتهم، لكن الساعي إلى الحق، الصادق في الوصول إليه لا ييأس من بذل الجهد، وما لا يُدْرَك كُلُّه؛ لا يُتْرَك جُلُّه.
أما إذا كانت كل طائفة تعتقد أن كل الحق معها بكامله دون بقية الطوائف، وأن أفرادها قائمون بالحق من جميع جوانبه، وأن غيرها من الطوائف على الباطل المحض، ومن ثَم تتعصب كل طائفة لقولها، ومُنَظِّريها، وأتباعها، سواء كان ذلك بلسان الحال أو المقال، فَقُلْ لي بربك: كيف السبيل إلى الاجتماع، وتَرْكِ التفرق والنزاع؟!!
والواقع المؤسف: أن كل فتاة بأبيها معجبة([25])، وبداية العلاج تبدأ من هذا الاعتراف، وترجمة ذلك ببرامج علمية وعملية؛ لا تخرج عن الأصول الثلاثة، والمرجعية المعتبرة: كتاب مُحْكَم، وسنة ثابتة، وإجماع مُتَيقَّن، والتفرقة بين المسائل التي يجوز فيها الخلاف والنزاع، والمسائل التي انعقد عليها الإجماع المتيقَّن، وتناقله الخلف عن السلف دون أي نزاع.
وإلا فالدعوات إلى الاجتماع بدون ذلك كالحرث في الماء، والبذر في الهواء، وقد يُقْصد من وراء بعضها الاصطياد للغافلين من أهل الحق، وضَمُّهُم إلى الدعوات المخالفة، مما يزيد الطينَ بِلَّةً، والمريض علّة، والأمة وهَنًا وذِلّة، والله المستعان وعليه التكلان.
A
A
[2]منهج الموازنات بين التفريط والإفراط













