كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلدالأول

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الأول

(منهج الموازنات بين التفريط والإفراط)

هل كل خلاف مع الجماعات الموجودة في الساحة، والمنتمية -في الجملة- لأهل السنة والجماعة يلزم منه الافتراق والتشهير بهم؟

  • السؤال الثاني: هل يجوز ذِكْرُ شيءٍ من حسنات المبتدع في بعض الأحيان إذا قام بشيءٍ من النصرة للإسلام وأهله، أم أن هذا يُعَدُّ من «الموازنات»، وما حُكْم ما يُسَمَّى هذه الأيام بـ«منهج الموازنات»؟

الجواب:

  • أولاً: المراد بالموازنات التي نتحدث عنها هنا: ذِكْرُ شيءٍ من حَسنات المبتدع، وعَدَمُ الاقتصارِ على ذمِّه وذِكْرِ سيئاته.

ثانيًا: الناس في هذا بين غالٍ، وجافٍ، ووسَطٍ.

أما الغالي: فهو من يشترط أن المرء كلما ذَكَرَ أخطاء المبتدع، وآثارَها السَّيِّئة في الناس، وحذَّرَهم من مخالفته ومن طريقته؛ فيلزمه -من باب العدل والإنصاف في نظره- أن يَذْكُر حسناتِ هذا المخالف، وجهودَه في نُصْرَةِ الدين، ويَذْكُرَ الجوانبَ المضيئةَ في سيرته، وإلا كان المحذِّرُ منه -في نظر هذا الصنف- ظالِمًا له، بعيدًا عن سبيل المنصفين!!!

ويَسْتَدِلُّ هذا الصِّنْف على ذلك بأدلة وجوب لزوم العدل والإنصاف مع العدو والصديق، كقوله تعالى: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}، وقوله -جلَّ شأنه-: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}، وغير ذلك.

وقد عاب العلماء سلوك هذا السبيل مع من استبان ضلاله وزندقته، مِثْل:

ما جاء في ترجمة الحريري: علي بن أبي الحسن بن منصور الحوراني أو الحريري، من «سير أعلام النبلاء» حيث أورد الحافظ الذهبي ضلاله، فقال:

«قَرَأْت بِخَطّ السَّيْف الحَافِظ: كَانَ الحَرِيْرِيّ مِنْ أَفتن شَيْء وَأَضرِّهِ عَلَى الإِسْلاَمِ، تَظهرُ مِنْهُ الزَّنْدَقَة وَالاستهزَاء بِالشرع، بَلَغَنِي مِنَ الثِّقَاتِ أَشيَاءُ يُسْتَعظم ذِكرُهَا مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَالجُرْأَةِ عَلَى اللهِ، وَكَانَ مُسْتَخِفًّا بِأَمر الصَّلَوَاتِ.

وَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الصَّرِيْفِيْنِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَرِيْرِيِّ: مَا الحُجَّةُ فِي الرَّقصِ؟

قَالَ: [ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ] {الزلزلة:1}.

وَكَانَ يُطعِمُ وَيُنفِقُ وَيَتْبَعُه كُلّ مُرِيب([26]).

شَهِدَ عَلَيْهِ خَلقٌ كَثِيْر بِمَا يُوجب القتلَ، وَلَمْ يُقْدِم السُّلْطَانُ عَلَى قَتْلِهِ، بَلْ سَجَنَهُ مَرَّتَيْنِ.

أَنْبَأَنَا العَلَّامَة ابْن دَقِيق العِيْد، عَنِ ابْنِ عَبْد السَّلاَمِ سَمِعَهُ يَقُوْلُ فِي ابْن العَرَبِيِّ: شَيْخُ سُوءٍ كَذَّاب.

وَعِنْدِي مَجمُوعٌ مِنْ كَلاَمِ الشَّيْخِ الحَرِيْرِيِّ فِيْهِ: إِذَا دَخَلَ مرِيْدِي بِلاَد الرُّوْم، وَتنصَّر، وَأَكل الخِنْزِيْر، وَشرب الخَمْر؛ كَانَ فِي شغلِي!

وَسَأَله رَجُل: أَيُّ الطّرق أَقْرَب إِلَى اللهِ؟

قَالَ: اترك السَّيرَ وَقَدْ وَصلتَ!

وَقَالَ لأَصْحَابِهِ: بَايِعُونِي عَلَى أَنَّ نَمُوْت يَهُوْدَ، وَنُحْشَرَ إِلَى النَّارِ؛ حَتَّى لاَ يَصْحَبنِي أَحَدٌ لِعِلَّةٍ.

وَقَالَ: لَوْ قَدِمَ عَلَيَّ مَنْ قَتَلَ وَلَدِي، وَهُوَ بِذَلِكَ طَيِّبٌ؛ وَجَدَنِي أَطيَبَ مِنْهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَمردُ يُقدِّمُ مدَاسِي أَخْيَرُ مِنْ رِضْوَانِكُم، وَربع قَحْبَةٍ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الولدَان، أَودُّ أَشتهِي قَبْلَ مَوْتِي أَعشق، وَلَوْ صُوْرَة حَجر، أَنَا مُتَّكِل مُحَيّر، وَالعشق بِي مَشْغُوْل!!

وَقَالَ عَلِيُّ بنُ أَنْجَبَ فِي «تَارِيْخِهِ»: الفَقِيْرُ الحَرِيْرِيُّ شَيْخٌ عَجِيْبٌ، كَانَ يُعَاشِرُ الأَحدَاثَ، كَانَ يُقَالُ عَنْهُ: إِنَّهُ مبَاحِيٌّ، وَلَمْ تَكن لَهُ مُرَاقبَة، كَانَ يُخرِّب، وَالفُقَهَاءُ يُنكِرُوْنَ فِعلَهُ، وَكَانَ لَهُ قَبُولٌ عَظِيْمٌ…

ثم قال الحافظ الذهبي : وَمِمَّنِ انْتَصر لَهُ وَخضع لِكشفه الإِمَامُ أَبُو شَامَةَ، فَقَالَ: كَانَ عِنْدَهُ مِنَ القِيَام بوَاجِب الشرِيعَة مَا لَمْ يَعرفه أَحَد مِنَ الْمُتَشَرِّعِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَكْثَرُ النَّاس يَغلطُوْنَ فِيْهِ، كَانَ مُكَاشَفًا لمَا فِي الصُّدُوْرِ، بِحَيْثُ قَدْ أَطْلَعَهُ الله عَلَى سرَائِر أَوليَائِهِ.

قال الحافظ الذهبي : قُلْتُ: مَا هَذَا؟ اتَّقِ اللهَ؛ فَالكهنَةُ وَابْنُ صَائِدٍ مُكَاشَفُوْنَ لِمَا فِي الضَّمَائِرِ!». اهـ([27])

قلت: فهؤلاء لا يُذْكَرون إلا بالسوء الذي فيهم، والعياذ بالله.

  • وفي ترجمة الصابئ أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الحراني من «سير أعلام النبلاء»، قال الحافظ الذهبي : «… المشركُ، حَرَصُوا عَلَيْهِ أَنْ يُسلمَ؛ فَأَبَى، وَكَانَ يَصُوْمُ رَمَضَانَ، وَيحفظُ القرَآنَ، وَيُحتَاجُ إِلَيْهِ فِي الإِنشَاءِ، كَتبَ لعزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتيَارَ، وَلَهُ نَظْمٌ رَائِقٌ.

وَلَمَّا تملَّكَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ هَمَّ بِقَتْلِهِ، وَسَجَنَهُ، ثُمَّ أَطلقَهُ فِي سَنَةِ (371)، فَأَلَّفَ لَهُ كِتَابَ: (التَّاجِيِّ فِي أَخبارِ بنِي بُوَيْه).

مَاتَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وثمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَلَهُ إِحْدَى وَسَبْعُوْنَ سَنَةً، وَيُقَالُ: قَتَلَهُ لأَنَّهُ أَمرَهُ بعملِ (التَّارِيْخِ التَّاجِيِّ)، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فسَأَلَهُ مَا تُؤَلِّفُ؟

فَقَالَ: أَبَاطِيْل أُلَفِّقُهَا، وَأَكَاذيب أُنَمِّقُهَا، فَتَحَرَّكَ عَلَيْهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ وَطردَهُ، وَمَاتَ، فَرَثَاهُ الشَّرِيْفُ الرَّضِيُّ، فَلِيمَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا رَثَيْتُ فَضْلَهُ.

قال الحافظ الذهبي : وَهَذَا عذرٌ بَارِدٌ!». اهـ([28])

فأمثال هؤلاء لا يُذْكَرون إلا بالسوء، والتحذير منهم.

وأما الجافي: فهو الذي يمنع ذِكْر أي حسنة للمبتدع، ويُطْلِقُ هذا المنع دون استثناء، ويرى ذِكْرَ أي جُهْدٍ مَشْكُورٍ له -في حالة من الحالات- فما هو إلا تلميعٌ للمبتدع، وحَثٌّ للناس على الأخْذ عنه، وغِشٌّ وتضليلٌ للأمة، وعَمَلٌ بمنهج الموازنات المبتدَع، وذمٌّ للسلف وأَتْباعِهِم، الذين أَطْلَقُوا ذم أهل البدع في كتبهم، ولم يُعَرِّجوا على شيء من حسناتهم، بل أَسْقَطُوا ذِكْرها، وكَتَمُوا نشْرها.

ويستدل هذا الصنف على ذلك بما سطّره الأئمة في كتبهم من ذمِّ أهل البدع، والتحذير منهم دون تفصيل، كما يستدل بأن ذِكْر حسنات المبتدعة يُسْقِطُ فائدةَ التحذير من مخالفاتهم،….الخ.

وأما الوسط: فهم الذين اتبعوا منهج السلف من جميع جوانبه، وعملوا بما قاله هؤلاء تارة، وبما قاله أولئك تارةً أخرى، وليس ذلك منهم على سبيل التشهِّي أو التخليط، ولكنهم أَنْزَلُوا كلَّ حالة منزلها، بضوابطها وقيودها، واستعملوا المنع أو الجواز في حالات معلومة، فسلكوا خير المسالك، كما سيأتي مفصَّلًا -إن شاء الله تعالى- فلله دَرُّهُم، وعلى الله أجرُهم؛ فإنهم نجومُ الهُدَى ورُجُومُ العِدَى، ولا يَلْزَم من جواز ذِكْر حسنات المخالف -أحيانًا- أن يُذْكَر جميع الحسنات من جميع شعب الإيمان، التي هي بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، وإنما يُذكر منها ما يُحتاج إليه في المقام فقط، والله أعلم.

مقتدين في ذلك بتحذير النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الخوارج، مع وصْفه اجتهادَهُم في عبادتهم، لكنَّ ذِكْرَ عبادتهم هنا وَرَدَ في مقام عدم الاغترار بها، لا في مقام ضرورة ذِكْر حسناتهم، فذكر من أوصافهم للصحابة الكرام -رضي الله عنهم- كي لا يغتروا بهم، فمن ذلك: قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تحقِّرون صلاتَكُم بصلاتِهِم، وصيامَكُم بصيامِهِم» ومع ذلك قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَمْرُقُون من الدين كما يمرُق السهمُ من الرَّمِيّة» وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيهم أيضًا: «لئن أدْركتُهم؛ لأقتلنّهم قتْلَ عادٍ وإرَم»، وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيهم: «كلاب أهل النار».

وهذا هو الصواب، كما سيأتي بيانه مُفَصَّلًا -بمشيئة الله تعالى-.

وطالما أن الأصل في التعامل مع أهل البدع والأهواء هو الحذر والتحذير؛ فَلْنَذْكُر ما يدل على ذلك:

  • ثالثًا: وإليك جملةً من الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الحذر والتحذير من أهل البدع والأهواء، المُعْرضين عن منهج الأئمة:
الأدلة من القرآن الكريم:

1 – قال تعالى: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ] {الأنعام:68}.

قال الشوكاني : «وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتمسح بمجالسة المبتدعة، الذين يُحَرِّفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويَرُدُّون ذلك إلى أهوائهم المضلة، وبِدَعِهِم الفاسدة، فإنه إذا لم يُنْكِر عليهم ويُغَيِّر ما هم فيه؛ فَأَقَلُّ الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهةً يُشَبِّهُون بها على العامة؛ فيكون حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر». اهـ([29])

2 – وقال تعالى: [ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ] {النساء:140}.

قال القرطبي : «فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم؛ فقد رَضِيَ فِعْلَهُم، والرضا بالكُفر كُفر، قال الله : [ﯽ ﯾ ﯿ] فكل من جَلَسَ في مجلس معصية، ولم يُنْكر عليهم؛ يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن يُنْكِرَ عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعَمِلُوا بها، فإن لم يَقْدِرْ على النكير عليهم؛ فينبغي أن يقوم عنهم؛ حتى لا يكون من أهل هذه الآية…

وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا؛ فتجنب أهل البدع والأهواء أَوْلَى…

وروى جويبر عن الضحاك قال: دخل في هذه الآية كُلُّ مُحْدِثٍ في الدين مبتدعٍ إلى يوم القيامة». اهـ([30])

3 – وقال الله تعالى: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ] {هود:113}.

4 – وقال الله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {المجادلة:22}.

قال القرطبي تعالى: «استدل مالك تعالى- من هذه الآية على معاداة القدرية، وتَرْكِ مجالستهم… قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان». اهـ([31])

الأدلة من السنة النبوية:

وهي كثيرة، ويترجم لها المحدثون في عدة أبواب.

1 – عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- هَذِهِ الآيَةَ: [ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ] {آل عمران:7} قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ».([32])

2- وعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ: فِيهَا الجِرَاحَاتُ وَأَسْنَانُ الإِبِلِ: «وَالمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى فِيهَا مُحْدِثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ؛ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا؛ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ».([33])

3- الأحاديث المتكاثرة في: هَجْر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأهل المعاصي حتى يتوبوا، وقد ثَبَتَ ذلك في وقائع متعددة، رواها عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم-، منهم: كعب بن مالك، وابن عمرو روى حديثين، وعائشة وأنس وعمار وعلي وأبو سعيد الخدري وغيرهم -رضي الله عنهم-.

قال البغوي بعد إيراد حديث الثلاثة الذين خُلِّفُوا، وهَجْرِ النبي
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لهم:

«وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هِجْرَانَ أَهْلِ الْبِدَعِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- خَافَ عَلَى كَعْبٍ وَأَصْحَابِهِ النِّفَاقَ حِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَمَرَ بِهِجْرَانِهِمْ، إِلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ، وَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- بَرَاءَتَهُمْ، وَقَدْ مَضَتِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ عَلَى هَذَا، مُجْمِعِينَ مُتَّفِقِينَ عَلَى مُعَادَاةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَمُهَاجَرَتِهِمْ». اهـ([34])

4- كلام السلف -رحمة الله عليهم- بما ظاهره التحذير المطلق من أهل البدع دون التعريج على حسناتهم:

صرَّح السلف بضرورة التحذير من مجالسة أهل البدع، ومنعوا من الأخْذ عنهم إلا بشروط مذكورة في غير هذا الموضع، وحذَّروا من الاغترار بما عندهم من الخير، أو كثرة الأَتْبَاع لهم.

أ – تحذير السلف من المبتدعة عمومًا، وضرورة اجتنابهم وبُغْضِهم.

الإجماع على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم:

قال الإمام البغوي : «وقد مَضَتْ الصحابة والتابعون وأتباعُهُم، وعلماءُ السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم». اهـ([35])

وقد لَخَّصَ الإمام الصابوني مذهب السلف في ذلك، ثم نقل إجماع السلف على ذلك حيث قال : «.. واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع، وإذلالهم، وإخراجهم، وإبعادهم، وإقصائهم، والتباعد منهم، ومن مصاحبتهم..». اهـ([36])

وممن نقل الإجماع على ذلك -أيضًا- القاضي أبو يعلى ([37])، ونقل الاجماع على ذلك أيضًا شيخ الاسلام ابن تيمية ([38]).

وهذه جملة من أقوال عدد من العلماء والسلف الصالح-رضي الله عنهم-:

فقد أَكَّدَ السلف على التحذير من أهل البدع، ووجوب البُعْد عنهم.

فقال ابن مسعود – رضي الله عنه -: «وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يَدْعُون إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، عليكم بالعلم، وإياكم والبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق».([39])

وعن ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: «ما في الأرض قوم أبغضُ إليَّ من أن يجيئوني فيخاصموني من القدرية في القدر، وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون قَدْرَ الله، وأن الله لا يُسْأَل عما يَفْعَل وهم يُسْأَلُون».([40])

وعن مجاهد قال: قيل لابن عمر -رضي الله عنهما-: إن نجدة -أي الخارجي- يقول كذا وكذا، فجعل لا يسمع منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء.([41])

وعن تحذيرهم من سماع كلام القدرية فقد جاء عن أبي أمامة الباهلي قال: «ما كان شِرْكٌ قَطُّ إلا كان بَدْؤُه تكذيبًا بالقدر، ولا أَشْرَكَتْ أمة قط إلا بدؤه بتكذيب بالقدر، وإنكم سَتُبْلَوْن بهم أَيَّتُها الأمة، فإن لقيتموهم؛ فلا تُمَكِّنُوهم من المسألة؛ فيدخلوا عليكم الشبهات».([42])

وعن تحذيرهم من الدخول في الخصومات مع أهل الأهواء: فقد جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: «يا أبا سعيد، إني أريد أن أخاصمك، فقال الحسن: إليك عني؛ فإني قد عَرَفْتُ ديني؛ إنما يخاصمك الشاكُّ في دينه».([43])

وعن بُغْض أهل الأهواء وحُبِّ الابتعاد عنهم: فقد قال أبو الجوزاء : «لئن يجاورني قردةٌ وخنازير أَحَبُّ إلي من أن يجاورني أحد منهم». – يعني أهل الأهواء -.([44])

وكان الحسن يقول: «لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم».([45])

وعن مَعْمَر، قَالَ: كَانَ ابْنُ طَاوُسٍ جَالِسًا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ، قَالَ: فَأَدْخَلَ ابْنُ طَاوُسٍ أَصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ لِابْنِهِ: «أَيْ بُنَيَّ، أَدْخِلْ أَصْبُعَيْكَ فِي أُذُنَيْكَ، وَاشْدُدْ، وَلَا تَسْمَعْ مِنْ كَلَامِهِ شَيْئًا» قَالَ مَعْمَرٌ: ‌يَعْنِي ‌إِنَّ ‌الْقَلْبَ ‌ضَعِيفٌ.([46])

وروى الدارمي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «إذا رأيتَ قومًا يتناجَوْن في دينهم بشيء دون العامة؛ فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة».([47])

وعن ابن عون – قال: «لم يكن قوم أبغضُ إلى محمد – يعني ابن سيرين- من قوم أحدثوا في هذا القدر ما أحدثوا».([48])

قال شعبة : «كان سفيان الثوري يبغض أهل الأهواء، وينهى عن مجالستهم أشد النهي».([49])

وقال البيهقي وهو يتحدث عن الإمام الشافعي : «وكان الشافعي – رضي الله عنه – شديدًا على أهل الإلحاد وأهل البدع، مجاهرًا ببغضهم وهَجْرهم». اهـ([50])

وقال الإمام أحمد بن حنبل : «أهل البدع لا ينبغي لأحد أن يجالسهم، ولا يخالطهم، ولا يأنس بهم».([51])

وقال ابن المبارك : «اللهم لا تَجْعَلْ لصاحب بدعة عندي يدًا؛ فَيُحِبَّه قلبي».([52])

ب – بعضُ ما وَرَدَ مِنْ ذَمٍّ مُطْلَقٍ لبعض مَنْ تَلَبَّس ببدعة من غير ذِكْرِ محاسِنِهِ:

قال أيوب : «رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق بن حبيب فقال لي: ألم أرك جلست إلى طلق بن حبيب؟، لا تجالسنه، قال أيوب: وما شاورته في ذلك، ولكن يحق للرجل المسلم اذا رأى من أخيه شيئا يكرهه أن يَنْصَحه».([53])

وقال علي بن أبي خالد : قلت لأحمد – يعني: ابن حنبل -: إن هذا الشيخ – لشيخ حضر معنا – هو جاري، وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حارث القصير – يعني الحارث المحاسبي -، وكنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي: «لا تُجَالِسْهُ، ولا تُكَلِّمْهُ»، فلم أُكَلِّمه حتى الساعة، وهذا الشيخ يجالسه، فما تقول فيه؟ فرأيت أحمد قد احْمَرَّ لَوْنُهُ، وانتفخَتْ أوداجُهُ وعيناه، وما رأيته هكذا قط، ثم جعل يَنْتَفِضُ ويقول: «فَعَلَ الله به وفَعَلَ، ليس يَعْرِفُ ذلك إلا من خَبَرَهُ وعَرَفَهُ، أويه، أويه، ذاك لا يَعْرِفُه إلا من خَبَرَهُ وعَرَفَهُ، ذاك جالسه المغازلي، ويعقوب، وفلان، فأخرجهم إلى رأي جهم؛ هَلَكُوا بسببه».

فقال له الشيخ: يا أبا عبد الله، يروي الحديث، ساكن، خاشع، مِنْ قِصَّتِهِ، ومِنْ قِصَّتِهِ. فغضب أبو عبد الله، وجعل يقول: «لا يَغُرُّك خشوعُهُ ولينُهُ»، ويقول أيضًا: «لا تَغْتَرَّ بتنكيس رأسه؛ فإنه رَجُلُ سوء، ذاك لا يَعْرِفُه إلا من خَبَرَهُ، لا تُكَلِّمْه، لا كرامة له، كل من حَدَّثَ بأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكان مبتدعا تَجْلِسُ إليه؟ لا، ولا كرامة، ولا نُعْمَى عَيْنٍ»، وجعل يقول: «ذاك، ذاك».([54])

وقال علي بن شقيق : سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: «دعوا حديث عمرو بن ثابت؛ فانه كان يسب السلف».([55])

وقال أبو نعيم : «دخل الثوري يوم الجمعة، فاذا الحسن بن صالح بن حَيٍّ يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق، وأخذ نعليه وتَحَوَّلَ».([56])

وقال بشر بن الحارث الحافي : «كان زائدة يجلس في المسجد يُحَذِّر الناس من ابن حَيٍّ وأصحابه، قال: وكانوا يَرَوْن السيف».([57])

وقال محمد بن الحسن بن هارون الموصلي : «سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الكرابيسي: نُطْقِي بالقرآن مخلوق، فقال لي أبو عبد الله: إياك، إياك وهذا الكرابيسي، لا تُكَلِّمْهُ ولا تُكَلِّمْ مَنْ يُكَلِّمُهُ. أربع مرات، أو خمس مرات».([58])

وقد رُوِيَتْ عن السلف النصوص الكثيرة، ولا يحتمل المقام ذكرها هنا، وكلها تهدف إلى أمر واحد: هو اجتناب أهل البدع، والتحذير منهم؛ امتثالًا لقول الله تعالى: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ] {الأنعام:68}. وقوله تعالى: [ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ] {النساء:140}.

  • رابعًا: والسلف أيضًا جعلوا المحذِّرَ من أهل البدع مجاهدًا في سبيل الله، قائمًا بفرض من فروض الكفايات العامة، التي يجب على بعض علماء المسلمين أن يقوموا بها، وإلا أَثِموا جميعًا.

فقد قَالَ نَصْرُ بنُ زَكَرِيَّا : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ يَقُوْلُ: الذَّبُّ عَنِ السُّنَّةِ: أَفْضَلُ مِنَ الجِهَادِ فِي سَبِيْلِ اللهِ.

فَقُلْتُ ليَحْيَى: الرَّجُلُ يُنْفِقُ مَالَهُ، وَيُتْعِبُ نَفْسَهُ، وَيُجَاهِدُ، فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْهُ؟!

قَالَ: نَعَمْ، بِكَثِيْرٍ.([59])

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : «الـمُّتبِع للسنة كالقابض على الجمر، وهو عندي اليوم أفضل من الضرب بالسيوف في سبيل».([60])

قلت: فتأمل قوله : «وهو عندي اليوم…» مما يدل على أن الأعمال تتفاوت وتتفاضل مراتبها بحسب الزمان والمكان والأحوال المحيطة بالمتكلم وأهل زمانه، ففي زمن ظهور أهل البدع، وانتشار شبهاتهم يكون الذبّ عن السنة؛ لدَفْع العدو الداخلي أَوْلَى من الجهاد؛ لدفع العدو الخارجي، وفي زمن قوة الدولة والسنة يكون الجهاد لدفع الغازي أولى من التفرّغ للعلم والتعليم، وترك الغازي يسيطر على البلاد، فيُسِيم السنة وأهلها سوء العذاب، في الدماء والأموال والأعراض.

فلا يُظَنّ أن الحكم واحد في جميع الحالات.

وقال الحميدي شيخ البخاري: «والله! لأن أغزو هؤلاء الذين يَرُدُّون حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أحبُّ إليَّ من أن أغزو عِدَّتهم من الأتراك».

يعني بالأتراك: الكفار.([61])

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَإِذَا كَانَ النُّصْحُ وَاجِبًا فِي الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ: مِثْلَ نَقَلَةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يَغْلَطُونَ أَوْ يَكْذِبُونَ، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت مَالِكًا وَالثَّوْرِيَّ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ -أَظُنُّهُ- وَالْأَوْزَاعِيَّ عَنْ الرَّجُلِ يُتَّهَمُ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ لَا يَحْفَظُ؟ فَقَالُوا: بَيِّنْ أَمْرَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَ: فُلَانٌ كَذَا، وَفُلَانٌ كَذَا، فَقَالَ: إذَا سَكَتَّ أَنْتَ، وَسَكَتُّ أَنَا؛ فَمَتَى يَعْرَفُ الْجَاهِلُ الصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ؟!

وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَعْتَكِفُ أَحَبُّ إلَيْك، أَوْ يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ؟ فَقَالَ: إذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَفْضَلُ».

قال شيخ الاسلام : «فَبَيَّنَ -أي الإمام أحمد أَنَّ نَفْعَ هَذَا عَامٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ، مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ إذْ تَطْهِيرُ سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَشِرْعَتِهِ، وَدَفْعِ بَغْيِ هَؤُلَاءِ وَعُدْوَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ؛ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْلَا مَنْ يُقِيمُهُ اللَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ هَؤُلَاءِ؛ لَفَسَدَ الدِّينُ، وَكَانَ فَسَادُهُ أَعْظَمَ مِنْ فَسَادِ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا اسْتَوْلَوْا لَمْ يُفْسِدُوا الْقُلُوبَ وَمَا فِيهَا مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا، وَأَمَّا أُولَئِكَ فَهُمْ يُفْسِدُونَ الْقُلُوبَ ابْتِدَاءً» اهـ([62]).

ويقولُ الإمامُ ابنُ قيم الجوزية : «القلمُ الثَّاني عشر: القلمُ الجامعُ، وهو قلمُ الرَّدِّ على المبطلينَ، ورفعِ سُنَّةِ المُحِقِّينَ، وكشفِ أباطيلِ المُبْطِلينَ -على اختلافِ أنواعِها وأجناسِها-، وبيانِ تناقضِهم، وتهافتِهم، وخُروجِهم عنِ الحقِّ، ودُخولهم في الباطلِ، وهَذَا القلمُ -في الأقلامِ- نظيرُ الملوكِ في الأنامِ، وأصحابُهُ أهلُ الحُجَّةِ الناصرونُ لما جاءتْ بهِ الرُّسلُ، المحاربونَ لأعدائِهم، وهُم الدَّاعونَ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، المجادلونَ لمنْ خَرجَ عنْ سبيلِه بأنواعِ الجدالِ، وَأَصحابُ هذا القلمِ حَرْبٌ لكُلِّ مُبْطِلٍ، وعَدُوٌّ لكُلِّ مُخالفٍ للرُّسلِ؛ فَهم في شأنٍ وغيرهم منْ أصحابِ الأقلامِ في شأنٍ». اهـ([63])

وقال الإمام ابن القيم وهو يتحدث عن أهل التأويل الفاسد: «فكشفُ عورات هؤلاء، وبيانُ فضائحهم، وفسادُ قواعدهم من أفضل الجهاد في سبيل الله.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت: «إن رُوُحَ القُدُسِ معك ما دُمْتَ تنافح عن رسوله»([64])ـ وقال: «اهْجُهُم أو هَاجِهِم وجبريلُ معك»([65])، وقال: «اللهم أَيِّدْهُ بروح القُدُس ما دام ينافح عن رسولك»([66])، وقال عن هجائه لهم: «والذي نفسي بيده، لهو أَشَدُّ فيهم من النَّبْل»([67])

وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله، وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح: من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمه الإسلام الذين لهم في الأمة لسان صِدْقٍ، يتضمن مِنْ عَبَثِ المتكلم بالنصوص، وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طَعْنُ الذين يلمزون الرسولَ ودينَهُ، وأهلِ النفاق والإلحاد؛ لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إِفْكٌ ومُحال، وكُفْرٌ وضلال، وتشبيه وتمثيل أو تخييل، ثم صرفها إلى معان يُعْلَمَ أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي والألغاز، لا يَصْدُر ممن قَصْدُه نُصْحٌ وبيانٌ، فالمدافعةُ عن كلام الله ورسوله، والذَّبُّ عنه من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وأنفعها للعبد». اهـ([68])

وقد ذكر الإمام ابن القيم أنَّ الجهاد بالحُجَّة واللسان مقدَّمٌ على الجهاد بالسيف والسِّنان، حيث قال: «ولهذا كان الجهادُ نوعين:

جهادٌ باليد والسِّنان، وهذا المشاركُ فيه كثير.

وجهادٌ بالحجَّة والبيان، وهذا جهادُ الخاصَّة مِنْ أَتْبَاعِ الرسُل، وهو جهادُ الأئمَّة، وهو أفضلُ الجهادَين؛ لِعِظَمِ منفعته، وشدَّة مُؤْنَتِهِ، وكَثْرَةِ أعدائه.

قال تعالى في سورة الفرقان- وهي مكيَّة-: [ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {الفرقان:51، 52}، فهذا جهادٌ لهم بالقرآن، وهو أكبرُ الجهادَين، وهو جهادُ المنافقين أيضًا؛ فإنَّ المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظَّاهر، وربَّما كانوا يقاتلون عدوَّهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {التوبة:73}، ومعلومٌ أن جهادَ المنافقين بالحجَّة والقرآن». اهـ([69])

وقال أيضًا : «فما ذنب أهل السنة والحديث إذا نطقوا بما نَطَقَتْ به النصوص، وأمسكوا عما أمْسَكَتْ عنه… وردُّوا تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، الذين عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الفتنة، وأَطْلَقُوا أَعِنَّةَ المحنة، وقالوا على الله وفي الله بغير علم، فردُّوا باطِلَهُم، وبَيَّنُوا زَيْفَهُم، وكَشَفُوا إِفْكَهُم، ونافَحُوا عن الله ورسوله». اهـ([70])

قلتُ: وإذا تقرّر هذا الأصلُ الأصيلُ من منهج السلف الصالح؛ فلا عليك بعد ذلك ممن يُحذِّرُ من ذَمِّ أهل البدع مطلقا، ويرى ذلك غِيبةً وَوُلوغًا في أعراض الأبرياء؛ فإن حُرْمَةَ الشريعة مقدمة على حرمة حامِلِها إذا أخطأ على الشريعة، لكن لابد من معرفة من هم أهل البدع والأهواء الذين تتنزَّل عليهم هذه النصوص، ومتى تُنَزَّل هذه النصوص، ومتى يُعمل بالنصوص الأخرى التي فيها الثناء -أحيانا- على بعض المخالفين من بعض الجوانب؟ فإذا عُلِمَ هذا كله بضوابطه؛ فقد تَمَّ فِقْهُ هذا الباب بما أراده السلف -رحمة الله عليهم- أما أن يأخذ كل فريق ببعض النصوص التي وردت عن السلف، ويعْرض عن النصوص الأخرى؛ فهذا جهْلٌ أو هوى، والله أعلم.

  • خامسًا: الأدلة على أن التحذير من المبتدعة ورواية الضعفاء والمتروكين ليست من الغِيبة المحرمة:

1- روى الشيخان عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: «بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ» فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فِي وَجْهِهِ، وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ، وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟! إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ».([71])

قال النووي : «قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ -وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ- فَأَرَادَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُبَيِّنَ حَالَهُ؛ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ وَلَا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَالَهُ، قَالَ: وَكَانَ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبعده ما دل على ضَعْفِ ايمانه، وارتد مع المرتدين، وجيء بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَوَصْفُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ بِأَنَّهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ، وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ تَأَلُّفًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُدَارَاةُ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ، وَجَوَازُ غِيبَةِ الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ فِسْقَهُ، وَمَنْ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى التَّحْذِيرِ مِنْهُ». اهـ([72])

2 – ونظير هذا الحديث ما رواه البخاري في «صحيحه» عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «مَا أَظُنُّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا».

وفي رواية: «يَا عَائِشَةُ، مَا أَظُنُّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ».([73])

فَذِكْرُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لهذين الرجلين إنما هو للتحذير منهما، والحُكْم جارٍ على أمثالهما من أهل الفساد، أن يُحْذَر منهم.

قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «إن مثل هذا الذي وقع في الحديث ليس من الظن المنهي عنه؛ لأنه في مقام التحذير من مثل من كان حاله كحال الرجلين، والنَّهْيُ إنما هو عن الظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه». اهـ.([74])

3 – ومما يُسْتَشْهَد به في هذا الباب من السنة أيضًا ما ثبت في «صحيح مسلم» من قصة فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- حين شاورت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيمن تنكح؟ لما خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ؛ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ».([75])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ساق هذا الحديث: «وكان هذا نُصْحًا لها ـ وإن تضمّن ذِكْرَ عَيْبِ الخاطب ـ وفي معنى هذا نُصْحُ الرجل فيمن يعامله، ومن يُوَكِّلُه، ويوصِي إليه، ومن يستشهده، بل ومن يتحاكم إليه، وأمثال ذلك، وإن كان هذا في مصلحة خاصة؛ فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين: من الأمراء والحكام والشهود والعمال: أهل الديوان وغيرهم، فلا ريب أن النصح في ذلك أعظم». اهـ.([76])

وقد استثنى أهل العلم ستًا من الحالات التي تجوز فيها الغِيبة، كما قال الناظم:

القَدْحُ ليس بِغيبةٍ في سِتَّةٍمُتَظَلِّمٍ ومُعَرِّفٍ ومُحَذِّرٍ
ومُجاهرٍ فِسْقًا ومُسْتَفْتٍ ومَنْطَلَبَ الإعانةَ في إزالة مُنْكَرِ

هذا، وقد ذكرتُ كثيرًا من كلام أهل العلم في مشروعية التحذير من الدعاة إلى البدع الكبرى في إجابتي على السؤال الخاص بجواز الجرح والتعديل للحاجة الشرعية برقم (12).

سادسًا: الحالات التي يَسُوغ فيها ذِكْرُ حسنات المبتدع:

يجب أن يُعْلم -مع ما سبق- أن هناك حالاتِ تُذْكَر فيها بعض حسنات أهل البدع، إذا اقتضت الحاجةُ ذلك،

ومن الأدلة على مشروعية ذكر بعض حسنات أو منافع الرجل المخالف أو الشيء المذموم أحيانًا:
  1. قوله تعالى: [ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ] {البقرة:219} ففي هذه الآية إشارة إلى أن للخمر بعض المنافع، لكن مفسدتها أرجح من مصلحتها؛ فلا ينبغي أن يُغْتَرَّ بما فيها من مصالح.
  2. ومنها حديث عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: «وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا – الخِرِّيتُ: المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ – قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ؛ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلاَثٍ؛ فَارْتَحَلاَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ».([77])

ففيه دلالة على أن المشرك -وهو من أعظم ألفاظ الجرح وأشد الحالات الموجبة للذم- يجوز أن تذكر بعض حسناته؛ لبيان ما فيه من أمور يمكن لأهل الإسلام الاستفادة منها، فقد ذكرت ما يدل على أمانة هذا الرجل مع كُفْره، بل استأمنه رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه- على أنفسهما، وعلى عدم تسريبه خبر الهجرة للكفار، مع حرصهم وبحثهم عن أي طرف لهذا الخبر!!

ومن خلال تَتَبُّعِي لذلك من كلام أئمة السلف، ومَنْ تَبِعَهُم من الأئمة في الانتصار للسنة، ودَحْضِ شبهاتِ المبتدعةِ؛ تبيّن لي أن ذكْر حسنات المخالف المذموم -في المسائل العقدية أو العملية- له حالات، منها:

١- في حالة الترجمة لرواة الأحاديث، وعلماء المذاهب، والفِرَق، ونحو ذلك.

فالمترجِم من الأئمة يَذْكُر ما لِلْمترجَم له وما عليه، وفي هذا الموضع يَذْكُر ما يحتاج إليه المقامُ من حسنات ومواقف مشكورة للمترجَم، ولا يلزمه ذِكْرُ كُلِّ الحسنات، من كونه يصلي ويصوم ويزكي ويحج، إلى غير ذلك مما لا نزاع فيه، ويشهد لذلك كتب التراجم المطوّلة، ففيها المئات أو الألوف من التراجم التي تدلّ على ذلك، ومن هذا -على سبيل الاختصار- قول أبي إسماعيل الهَرَوي في أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، صاحب «المستدرك»: «ثقة في الحديث، رافضيٌّ خبيث»، وإن كان الذهبي قد اعترض على اتهامه بالرفض، فقال: «كلا ليس هو رافضيًّا، بل يَتَشَيَّع» اهـ([78]).

وقال الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: «شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صِدْقُه، وعليه بدعته». اهـ.([79])

وفي ترجمة أَبي بَكْرٍ مُحَمَّد بن الفَرَجِ بنِ مَحْمُوْدٍ الأَزْرَق البَغْدَادِيّ: «قَالَ الحَاكِمُ: سَمِعْتُ الدَّارَقُطْنِيّ يَقُوْلُ: لاَ بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ حُسَيْن الكَرَابِيْسِيّ، يُطعن عَلَيْهِ فِي اعْتِقَاده.

قَالَ الخَطِيْبُ : أَمَّا أَحَادِيْثه فصِحَاح.

قال الذهبي قُلْتُ: لَهُ أُسْوَة بخَلْقٍ كَثِيْرٍ مِنَ الثِّقَات، الَّذِيْنَ حَدِيْثهُم فِي «الصَّحِيْحَيْنِ» أَوْ أَحَدهُمَا، مِمَّن لَهُ بِدعَةٌ خفيفَةٌ بَلْ ثقيلَة، فَكَيْفَ الحيلَة؟ نَسْأَل اللهَ الْعَفو وَالسمَاح». اهـ([80])

ومن هذا القبيل: ما جاء في مَعْرِض تقييم كتابٍ ما مِنْ كُتب مَنْ رُمِيَ بالبدعة:

كما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن «إحياء علوم الدين» و«قوت القلوب» إلخ، فأجاب:

«أما كتاب «قوت القلوب» و«كتاب الإحياء» تَبَعٌ له فيما يَذْكُرُه من أعمال القلوب: مثل الصبر، والشكر، والحب، والتوكل، والتوحيد، ونحو ذلك، وأبو طالب أعلم بالحديث والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبى حامد الغزالي، وكلامه أسَدُّ وأجودُ تحقيقًا وأَبْعَدُ عن البدعة، مع أن في «قوت القلوب» أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة.

وأما ما في «الإحياء» من الكلام في المهلكات: مثل الكلام على الكبر، والعجب، والرياء، والحسد، ونحو ذلك؛ فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في «الرعاية»، ومنه ما هو مقبول، ومنه ما هو مردود، ومنه ما هو متنازع فيه.

و«الاحياء» فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة؛ فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذَكَرَ معارف الصوفية؛ كان بمنزلة من أَخَذَ عدوا للمسلمين أَلْبَسَهُ ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، وقالوا: مَرَّضَهُ «الشفاء» يعنى «شفاء ابن سينا» في الفلسفة، وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة ما هو أكثر مما يُرَدُّ منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه». اهـ([81])

فتأمل وَصْفَه الدقيق لكتاب «إحياء علوم الدين» وذِكْرَه ما له وما عليه!!

2- إذا كان الرجل المُتَكَلَّم فيه له قدم صدق في الإسلام، وله منزلة عظيمة، وإن أخطأ في جوانب أخرى، ومن كلام العلماء الذي يدل على ذلك:

ما جاء في العدد الثالث والأربعين([82]) من «مجلة البحوث الإسلامية» وفيها رسالة للإمام مالك من الليث بن سعد، يشير فيها إلى ما أُخِذَ على ربيعة بن أبي عبدالرحمن، الملقَّب بـ «ربيعة الرأي» وغير ذلك، فوافقه مالك على كثير مما قال، وترك مجالسة ربيعة.

فربيعة الرأي أنكروا عليه مسائل تتصل بالرأي والفتيا، وأنه لا يأخذ فيها بحديث النبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ويُعْمِلْ فيها رَأْيَهُ، حتى لُقِّبَ بـ «ربيعة الرأي»!!

3- وكذلك في حالة وقوع المبالغة في ذَمِّ المترجَم له بما ليس فيه، فيُدافِعُ المترجِمُ عن المترجَم له، فيَذْكر شيئًا من حسناته، ويُبَيِّن أنه ليس كما وصفه من قَدَح فيه.

ويشهد لهذا جواب الحافظ الذهبي السابق على أبي إسماعيل الهروي في ذمِّه الشديد للحاكم أبي عبد الله.

وقد ذكر الحافظ الذهبي ترجمة يحيى بن عمار السجستاني، فقال: «وكان مُتَحرِّقًا على المبتدعة والجهمية، بحيث يؤول به ذلك إلى تجاوز طريقة السلف، وقد جعل الله لكل شيء قدْرا» اهـ([83])

ولذلك قال القرافي : «أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يُنْشَر للناس فسادُها وعَيْبُها، وأنهم على غير الصواب؛ ليحذرها الناس الضعفاء؛ فلا يقعوا فيها، ويُنَفَّروا عن تلك المفاسد ما أمكن، بشرط ألّا يُتَعَدَّى فيها الصِّدْق، ولا يُفْتَرى على أهلها الفواحشُ ما لم يَفْعَلُوه، بل يُقْتَصَر على ما فيهم من المنفِّرات خاصة، فلا يُقال على المبتدع: إنه يَشْرَبُ الخمر، ولا أنه يَزْني، ولا غير ذلك مما ليس فيه» اهـ.([84])

وجاء في ترجمة الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي في «السير» مواضع انتقاد بعض العلماء له، ومنهم: الحَافِظُ سَيْف الدِّيْنِ ابْن المَجْدِ، إلا أنه بالغ، فقال:

ثُمَّ قَالَ السَّيْفُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُعتَمَدُ عَلَيْهِ فِي دِيْنِهِ وَعِلْمِهِ وَعَقْلِهِ رَاضيًا عَنْهُ.

قال الذهبي – قُلْتُ: إِذَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ فَلاَ اعْتِبَار بِهِم». اهـ([85])

وفي ترجمة العُثْمَانِيّ أَبي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بنِ يَحْيَى من «السير»:

«قَالَ أَبُو الفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيِّ: رَأَيْتهُ يَعظُ بِجَامِعِ القَصْرِ، وَكَانَ غَاليًا فِي مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ.

وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِر: كَانَ يُفْتِي وَيُنَاظِرُ وَيُذكِّرُ، وَكَانَتْ مَجَالِسُ تذكيرِهِ قَلِيْلَةَ الحشوِ، عَلَى طرِيقَةِ المُتَقَدِّمِيْنَ، مَاتَ فِي سَابعَ عشرَ صَفَرٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.

قال الحافظ الذهبي : «قُلْتُ: غُلاَةُ المُعْتَزِلَةِ، وَغُلاَة الشِّيْعَة، وَغُلاَة الحَنَابِلَة، وَغُلاَة الأَشَاعِرَةِ، وَغلاَة المُرْجِئَة، وَغُلاَة الجَهْمِيَّة، وَغُلاَة الكَرَّامِيَّة قَدْ مَاجت بِهِم الدُّنْيَا، وَكثرُوا، وَفِيهِم أَذكيَاءُ وَعُبَّاد وَعُلَمَاء، نَسْأَلُ اللهَ العفوَ وَالمَغْفِرَة لأَهْل التَّوحيد، وَنبرَأُ إِلَى اللهِ مِنَ الهَوَى وَالبِدَع، وَنُحبُّ السُّنَّةَ وَأَهْلَهَا، وَنُحِبُّ العَالِمَ عَلَى مَا فِيْهِ مِنَ الاتِّبَاعِ وَالصِّفَاتِ الحمِيدَة، وَلاَ نُحبُّ مَا ابْتدعَ فِيْهِ بتَأْوِيْلٍ سَائِغٍ، وَإِنَّمَا العِبرَةُ بِكَثْرَةِ المَحَاسِنِ». اهـ([86])

وفي «مجموع الفتاوى»([87]) لشيخ الإسلام : «فَأَمَّا «الِاسْمُ الْمُفْرَدُ» مُظْهَرًا مِثْلَ: «اللَّهُ» «اللَّهُ». أَوْ «مُضْمَرًا» مِثْلَ «هُوَ» «هُوَ». فَهَذَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا هُوَ مَأْثُورٌ أيضًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَلَا عَنْ أَعْيَانِ الْأُمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ، وَإِنَّمَا لَهِجَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ ضُلَّالِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَرُبَّمَا اتَّبَعُوا فِيهِ حَالَ شَيْخٍ مَغْلُوبٍ فِيهِ، مِثْلَمَا يُرْوَى عَنْ الشِّبْلِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُ اللَّهُ». فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَا تَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.

وَهَذِهِ مِنْ زَلَّاتِ الشِّبْلِيِّ الَّتِي تُغْفَرُ لَهُ لِصِدْقِ إيمَانِهِ، وَقُوَّةِ وَجْدِهِ، وَغَلَبَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ رُبَّمَا يُجَنُّ، وَيُذْهَبُ بِهِ إلَى الْمَارَسْتَانِ، وَيَحْلِقُ لِحْيَتَهُ، وَلَهُ أَشْيَاءُ مِنْ هَذَا النَّمَطِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا؛ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا أَوْ مَأْجُورًا». اهـ

وفي «مجموع الفتاوى»([88]) أيضًا ذكر شيخ الإسلام بعض مقالات الصوفية الخارجة عن هدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ثم قال: «وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ صَاحِبِ حَالٍ لَمْ يُفَكِّرْ فِي لَوَازِمِ أَقْوَالِهِ وَعَوَاقِبِهَا؛ لَا تُجْعَلُ طَرِيقَةً، وَلَا تُتَّخَذُ سَبِيلًا؛ وَلَكِنْ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا لِصَاحِبِهَا مِنْ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَا مَعَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ حُقُوقِ الطَّرِيقِ، وَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ، وَالرُّسُلُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- أَعْلَم بِطَرِيقِ سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَهْدَى، وَأَنْصَحُ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ سُنَّتِهِمْ وَسَبِيلِهِمْ؛ كَانَ مَنْقُوصًا مُخْطِئًا مَحْرُومًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا». اهـ

وقد يقع ذلك أيضًا عند مبالغة البعض في الحطِّ على كتابٍ ما وذَمِّهِ، ومثاله:

ما جاء في ترجمة الحاكم النيسابوري حيث أورد الحافظ الذهبي في «السير» كلام أَبي سَعْد المَالِيْنِيّ حيث قال: طَالعتُ كِتَاب «الْمُسْتَدْرك عَلَى الشَّيخين»، الَّذِي صَنَّفَه الحَاكِمُ مِنْ أَوله إِلَى آخِره، فَلَمْ أَرَ فِيْهِ حَدِيْثًا عَلَى شَرْطِهِمَا.

قال الحافظ الذهبي : «قُلْتُ: هَذِهِ مُكَابرَةٌ وَغُلُوّ، وَلَيْسَتْ رتبةُ أَبِي سَعْدٍ أَنْ يَحكُم بِهَذَا، بَلْ فِي «المُستدرك» شَيْءٌ كَثِيْرٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَشَيءٌ كَثِيْرٌ عَلَى شَرْطِ أَحَدِهِمَا، وَلَعَلَّ مَجْمُوع ذَلِكَ ثُلثُ الكِتَابِ، بَلْ أَقلُّ، فَإِنَّ فِي كَثِيْر مِنْ ذَلِكَ أَحَادِيْثَ فِي الظَّاهِر عَلَى شَرْطِ أَحَدِهِمَا أَوْ كليهِمَا، وَفِي البَاطن لَهَا عللٌ خَفِيَّة مُؤَثِّرَة، وَقطعَةٌ مِنَ الكِتَاب إِسْنَادُهَا صَالِحٌ وَحسنٌ وَجيّدٌ، وَذَلِكَ نَحْو رُبُعِه، وَبَاقِي الكِتَاب مَنَاكِير وَعجَائِبُ، وَفِي غُضُون ذَلِكَ أَحَادِيْثُ نَحْو المائَة يَشْهَد القَلْبُ بِبُطْلاَنهَا، كُنْتُ قَدْ أَفردت مِنْهَا». اهـ([89])

وقد صَرَّح شيخ الإسلام ابن تيمية بذلك، فقال: «أَلَّا يَعْتَدِيَ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي بِزِيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعِ فِي بُغْضِهِمْ، أَوْ ذَمِّهِمْ، أَوْ نَهْيِهِمْ، أَوْ هَجْرِهِمْ، أَوْ عُقُوبَتِهِمْ؛ بَلْ يُقَالُ لِمَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ: عَلَيْك نَفْسَك؛ لَا يَضُرُّك مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْت، كَمَا قَالَ: [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ] الْآيَةَ. وَقَالَ: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ] {البقرة:190}، وَقَالَ: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ] {البقرة:193} فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْآمِرِينَ النَّاهِينَ قَدْ يَتَعَدَى حُدُودَ اللَّهِ: إمَّا بِجَهْلِ وَإِمَّا بِظُلْمِ، وَهَذَا بَابٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْعَاصِينَ».

وقال تعالى-: «وَلَا سِيَّمَا كَثْرَةُ الْفُضُولِ فِيمَا لَيْسَ بِالْمَرْءِ إلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ أَمْرِ دِينِ غَيْرِهِ وَدُنْيَاهُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ التَّكَلُّمُ لِحَسَدِ أَوْ رِئَاسَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فَصَاحِبُهُ إمَّا مُعْتَدٍ ظَالِمٌ، وَإِمَّا سَفِيهٌ عَابِثٌ، وَمَا أَكْثَرُ مَا يُصَوِّرُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ بِصُورَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَتَأَمُّلُ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاءِ لِلْمَرْءِ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت مَا يَقَعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ: عُلَمَائِهَا، وَعُبَّادِهَا، وَأُمَرَائِهَا، وَرُؤَسَائِهَا، وَجَدْت أَكْثَرَهُ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، الَّذِي هُوَ الْبَغْيُ بِتَأْوِيلِ أَوْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَمَا بَغَتْ الْجَهْمِيَّة عَلَى الْمُسْتَنَّةِ فِي مِحْنَةِ الصِّفَاتِ وَالْقُرْآنِ: مِحْنَةِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَكَمَا بَغَتْ الرَّافِضَةُ عَلَى الْمُسْتَنَّةِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَكَمَا بَغَتْ النَّاصِبَةُ عَلَى عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَمَا قَدْ تَبْغِي الْمُشَبِّهَةُ عَلَى الْمُنَزِّهَةِ، وَكَمَا قَدْ يَبْغِي بَعْضُ الْمُسْتَنَّةِ إمَّا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِمَّا عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ، بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ الْإِسْرَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِمْ: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {آل عمران:147}.

وَبِإِزَاءِ هَذَا الْعُدْوَانِ تَقْصِيرُ آخَرِينَ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ، أَوْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا، فَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرِ إلَّا اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِأَمْرَيْنِ، لَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظَفَرَ: غُلُوٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ، فَالْمُعِينُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَفَاعِلُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَزِيَادَةٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَبَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَاَللَّهُ يَهْدِينَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ». اهـ([90])

وقال الإمام ابن القيم : «وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان:

إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراط وغُلُوٍّ.

ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، كالوادي بين جَبَلَيْن، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مُضَيِّعٌ له؛ فالغالي فيه مُضَيِّعٌ له: هذا بتقصيره عن الحَدِّ، وهذا بتجاوُزِهِ الحدَّ. اهـ([91])

4- وكذا يَذْكُرون حسنةَ المبتدع إذا كانوا في مقام المقارنة بين مُبْتَدِعَيْن -سواءً كانت المقارنة بين فردين أو طائفتين- أحدهما بدعته أَغْلَظُ من بدعة الآخر، فيحتاج العالم في هذه الحالة إلى التفرقة بين البدعتين أو أهلهما؛ دفْعًا للظلم، وإحقاقًا للحق.

فقد ذكر شيخ الإسلام الخوارج والروافض وغيرهما من أهل البدع، فذكر أن الخوارج كانوا عُبادًا متورِّعين، وأن الرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد، لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء، فالمعتزلة أَعْقَلُ منهم، وأعْلَمُ، وأَدْيَنُ، والكذب والفجور فيهم أَقَلُّ منه في الرافضة، والزيدية من الشيعة خير منهم، وأَقْرَبُ إلى الصدق والعدل والعلم، وليس في أهل الأهواء أَصْدَقُ ولا أَعْبَدُ من الخوارج، ومع هذا، فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف، ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرام مطلقًا، كما تقدَّم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء؛ خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأَعْدَلُ من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تُنْصِفُوننا، ما لا يُنْصِفُ بعضُنا بعضًا؛ وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد، مَبْنِيٌّ على جَهْل وظُلْم، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض…»، وذكر شيخ الإسلام تكفير أهل البدع لأهل السنة، ثم قال: «وأهل السنة يَتَّبِعُون الحق من ربهم، الذي جاء به الرسول، ولا يُكَفِّرُون من خالفهم فيه، بل هم أَعْلَمُ بالحق، وأَرْحَمُ بالخلق…». اهـ.([92])

وقال : «والإمامية الاثنا عشرية خير من الإسماعيلية بكثير، فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطنًا وظاهرًا، ليسوا زنادقة منافقين، لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءَهم، وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقةٌ مُنافقون، وأمَّا عوامهم الذين لم يعرفوا باطن أمرهم فقد يكونون مسلمين». اهـ([93])

وقد قال تعالى: [ﯹ ﯺ ﯻ] {الشورى:15} قال الإمام ابن القيم : «أمره أَن يُخْبِرهُمْ بِأَنَّهُ أُمِرَ بِالْعَدْلِ بَينهم، وَهَذَا يَعُمُّ الْعدْلَ فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال والآراء والمحاكمات كُلِّهَا، فَنَصَبَهُ رَبُّهُ ومُرْسِلُهُ للعدل بَين الْأُمَم، فَهَكَذَا وَارِثُهُ: ينْتَصب للعدل بَين المقالات والآراء والمذاهب، ونسبته مِنْهَا إِلَى الْقدْر الْمُشْتَرك بَينهمَا من الْحق، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وبتقريره، وبالحكم لمن خَاصم بِهِ». اهـ([94])

قلتُ: وهناك مواضع كثيرة للعلماء يردون فيها قول مَنْ رَمَى مبتدعًا أو منحرفًا بمقالة أشد من مقالته، فلا يَقْبَلُ ذلك منه أهلُ السنة، ويُعْطُون لكلِّ شيءٍ قَدْرَهُ من المدح أو القدح.

وقد جاء في «تاريخ الإسلام» للحافظ الذهبي في ترجمة ابن كُلَّاب:

«قَالَ شيخنا ابن تَيْمية: كَانَ لَهُ فضل وعِلْم ودين، وكان ممن انتُدِبَ للردّ عَلَى الجهْميّة، ومن قَالَ عَنْهُ: إنه ابتدعَ ما ابتدعه ليُظهر دين النصارى عَلَى المسلمين -كما يذكره طائفة- ويذكرون أَنَّهُ أَرْضَى أُخْتَهُ بذلك؛ فهذا كذب عَلَيْهِ، افتراهُ عَلَيْهِ المعتزلة والجهمية الذين رَدَّ عليهم؛ فإنهم يزعمون أنه من أَثْبَتَ؛ فقد قَالَ بقول النَّصَارى.

قَالَ شيخنا: وهو أقربُ إلى السنة من خصومه بكثير، فلمّا أظهروا القول بخلْق القرآن، وقال أئمة السنة: بل هُوَ كلامُ اللَّه غير مخلوق، فأَحْدَثَ ابنُ كُلاب القولَ بأنه كلامٌ قائمٌ بذات الربّ بلا قدرة ولا مشيئة، فهذا لَم يكن يتصوّره عاقل، ولا خطرَ ببال الجمهور، حتى أحدث القول بِهِ ابن كُلاب، وقد صنّف كُتُبًا كثيرة فِي التوحيد والصفات، وبيّن فيها أدلة عقلية عَلَى فساد قول الجهمية، وبيّن أن عُلُوَّ اللَّه تعالى عَلَى عرشه ومباينته لخلقه معلومٌ بالفِطرة والأدلة العقلية، كما دلّ عَلَى ذَلِكَ الكتاب والسنة، وكذلك ذكرها الحارث المحاسبي فِي كتاب «فَهْم القرآن».». اهـ([95])

وجاء في «بحر الدم، فيمن تكلم فيه أحمد بمدح أو ذم»:

في ترجمة إبراهيم بن طهمان الخراساني الهروي: قال الإمام أحمد: «كان مرجئًا، شديدًا على الجهمية»، وقال أبو زرعة: «كنت عند أحمد بن حنبل، وذُكِر إبراهيم بن طهمان – وكان متكئًا من علة- فجلس، وقال: لا يَنْبَغِي أن يُذَكَرَ الصالحون فَيُتَّكَأَ». اهـ.([96])

ففي هذا الموضع ذكر أحمد أن ابن طهمان مرجئ، وأنه شديد على الجهمية، فذكره بما يُمدح به، وبما يُذم به، وكذا فقد أجَلَّه أحمد، وبجَّلهُ، وعدّه من الصالحين، وليس في هذا وجوب ذكر الحسنة للمبتدع مطلقًا، إنما فيه جواز ذِكْر ذلك -أحيانًا- لحاجة شرعية، كالتشجيع على دفع شبهات الجهمية، الذين كانت بدعتهم من أكثر البدع أذى لأهل السنة آنذاك، فمن أطلق الوجوب أو المنع؛ فقد جانب الصواب، وإلى الله المرجع والمآب.

وكمَن يَطْعَنُ في إخلاصِ وصِدْقِ رَجُلٍ ابْتُلِيَ ببدعة، ويرميه بالزندقة، أو نحو ذلك، والرجلُ ليس كذلك- فيُدافَعُ عنه بالحق، كما كان بعض أئمة الحديث يقول -مدافعًا عمَّن بُولغَ في ذَمِّهِ-: «فلانٌ ليس به بأس، ولكنّ المسكينَ ليس له بَخْتٌ!»، أو كان من أهل الصدق، لكن أُتِيَ من قِبل التدليس، أو مَنْ وَهَم تلامذته عليه، ونحو ذلك».

ففي «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم : حَدثنا عَبد الرَّحمن حدثني أَبي، قال: سَمِعتُ فضل الأعرج، قال: سأَلتُ يَحيَى بن مَعين، عن داود بن المحبر، فقال: قد سمع، إِلَّا أَنه لم يكن له بَخْتٌ. اهـ([97]) أي حظٌّ وقبول.

وفي «الجرح والتعديل»: حَدَّثنا عَبد الرَّحمن، أَخبَرنا يعقوب بن إِسحاق، فيما كَتَبَ إِلَيَّ، حَدَّثنا عثمان بن سعيد، قال: قلتُ ليحيى بن مَعين: عبيدة بن حميد؟ قال: ما به مسكين بأس، ليس له بَخْتٌ. اهـ([98])

وفي «تاريخ بغداد»: أخبرنا أحمد بن محمد الكاتب، حارث النقال قال: أخبرنا محمد بن حميد المخرمي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن حبان، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده، قال أبو زكريا: حارث النقال قد سمع، ما هو من أهل الكذب، ولكن ليس له بخت. اهـ([99])

وفي «تاريخ بغداد»: الوليد بن شجاع بن الوليد بن قيس أبو همام…

الغلابي، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: عند أبي همام مائة ألف حديث عن الثقات.

قال الغلابي: وما سمعته يقول فيه سوءا قط، وكان يقول: ليس له بَخْتٌ. اهـ([100])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر إنكار جماعة من العلماء على القاضي أبي بكر الباقلاني، بسبب الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات، وهو الأصل الذي أوقع المعتزلة في نَفْيِ الصفات والأفعال، قال شيخ الإسلام: «…مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة، والمحاسن الكثيرة، والرد على الزنادقة والملحدين وأهل البدع، حتى إنه لم يكن في المنتسبين إلى ابن كُلَّاب والأشعري أَجَلُّ منه، ولا أَحْسَنُ تصنيفًا، وبسببه انتشر هذا القول، وكان منتسبًا إلى الإمام أحمد وأهل السنة، حتى كان يكتب في بعض أجوبته: «محمد بن الطيب الحنبلي…».

ثم قال : «قلت: أبو ذر -يعني الهروي، وهو ممن تأثر بالباقلاني- فيه من العلم والدين، والمعرفة بالحديث والسنة، وانتصابه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة، وغير ذلك من المحاسن والفضائل ما هو معروف به، وكان قد قدم إلى بغداد من هراة، فأخذ طريقة ابن الباقلاني، وحَمَلَها إلى الحرم، فتَكَلَّم فيه وفي طريقته مَنْ تَكَلَّم: كأبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وأمثالهما من أكابر أهل العلم والدين، بما ليس هذا موضعه، وهو ممن يُرَجِّحُ طريقةَ الثقفي والضبعي على طريقة ابن خزيمة وأمثاله من أهل الحديث، وأهلُ المغرب كانوا يحجون، فيجتمعون به، ويأخذون عنه الحديثَ، وهذه الطريقةَ، ويَدُلُّهم على أصلها، فيَرْحَلُ منهم من يَرْحَلُ إلى المشرق، كما رحل أبو الوليد الباجي، فأخذ طريقة أبي جعفر السمناني… صاحب القاضي أبي بكر ابن الباقلاني، ورحل بعده القاضي أبو بكر ابن العربي، فأخذ طريقة أبي المعالي في «الإرشاد».

ثم قال : «ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة، وحسناتٌ مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، مالا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعِلْم وصِدْق، وعَدْل وإنصاف…». اهـ.

إلى أن قال : «ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأخطأ في بعض ذلك؛ فالله يغفر له خطأه، تحقيقًا للدعاء الذي استجاب الله لنبيه وللمؤمنين، حيث قالوا: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286}.

قال : ومن اتَّبَعَ ظنه وهواه، فأَخَذَ يُشَنِّع على من خالفه، بما وقع فيه من خطأ، ظَنَّه صوابًا بعد اجتهاده، وهي من البدع المخالفة للسنة؛ فإنه يَلْزَمُهُ نظير ذلك، أو أَعْظَمُ أو أَصْغَرُ فيمن يُعَظّمه، وهو من أصحابه، فَقَلَّ مَنْ يَسْلَم من مثل ذلك في المتأخرين؛ لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبُعْد الناس عن نور النبوة، وشمس الرسالة، الذي به يحصل الهدي والصواب، ويزول عن القلوب الشك والارتياب…». اهـ.([101]) فتأمل هذا النور والصفاء والنقاء، ودَعْ عنك تخليط الغلاة والجفاة، ولا تغترَّ بنسبة إطلاقاتهم السقيمة، والزم هذا التفصيل.

وذكر شيخ الإسلام أن بعض الطوائف المبتدعة، لم يَنْبُلْ عند مَنْ نَبُلَ عنده من الأمة إلا بما معه من الإثبات والسنة، قال: «فالمعتزلة أولًا -وهم فرسان الكلام- إنما يُحْمَدون ويُعظَّمون عند أتباعهم، وعند من يُغْضِى عن مساويهم؛ لأجل محاسنهم عند المسلمين، بما وافقوا فيه مذهب أهل الإثبات والسنة والحديث، وردِّهِمْ على الرافضة بعضَ ما خَرَجُوا فيه عن السنة والحديث…»، وذكر شيئًا من ذلك، ثم قال: «وكذلك الشيعة المتقدِّمون، كانوا يُرجَّحون على المعتزلة، بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات، والقدر، والشفاعة، ونحو ذلك، وكذلك كانوا يُسْتَحْمَدُون بما خالفوا فيه الخوارج: من تكفير عَلِيٍّ وعثمان وغيرهما، وما كفَّروا به المسلمين من الذنوب، ويُستحمدون بما خالفوا فيه المرجئة، من إدخال الواجبات في الإيمان…وإن لم يهتدوا إلى السنة المحضة» قال : «وكذلك متكلمة أهل الإثبات: مثل الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية، إنما قُبلوا واتُّبِعوا، واستُحْمِدوا إلى عموم الأمة؛ بما أثبتوه من أصول الإيمان، من إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حُجَجِهِم، وكذلك استُحْمِدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية من أنواع المقالات، التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة، فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الردُّ على من خالف السنة والحديث، ببيان تناقض حججهم…»، ثم ذكر ما استُحْمِد من أجله المذهب الأشعري، وتكلَّم عن الأشعري ، فقال: «لكنْ كان له من موافقة مذهب السنة والحديث: في الصفات، والقَدَر، والإمامة، والفضائل، والشفاعة، والحوض، والصراط، والميزان، وله من الردود على المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية، وبيان تناقضهم؛ ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك، ويُعْرَفَ له حقُّه وقَدْرُه [ﯔ ﯖ ﯗ ﯙ] {الطلاق:3}، وبما وافق فيه السنة والحديث؛ صار له من القبول والأَتْباع ما صار، لكن الموافقة التي فيها قَهْرُ المخالف، وإظهار فساد قوله؛ هي من جنس المجاهد المنتصر، فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة؛ أفضل من الجهاد، والمجاهد قد يكون عدلًا في سياسته، وقد لا يكون، وقد يكون فيه فجور، كما قال النبي
-صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم»؛ ولهذا مَضَتْ السُّنَّة، بأن يُغْزَى مع كل أمير، بَرًا كان أو فاجرًا، والجهاد عَمَلٌ مشكور لصاحبه في الظاهر لا محالة، وهو مع النية الحسنة مشكور باطنًا وظاهرًا، وَوَجْهُ شُكْرِهِ: نَصْرُهُ للسنة والدين، فهكذا المنتصر للإسلام والسنة، يُشْكَرُ على ذلك من هذا الوجه…» الخ([102]) ما قاله فارجع إليه لنفاسته ومسيس الحاجة إليه، وانظر كم الفارق بين تقريراته وما عليه الغلاة المسرفون المتهورون اليوم، الذين يطلقون القول بتبديع من ذكر شيئا من حسنات المخالف -إذا دعتْ الحاجة إلى ذلك- ولا يجْمعون بين أطراف كلام السلف كله؛ حتى يتضح لهم منهجهم الصافي، بل كل طرف من أهل الإفراط والتفريط يأخذ طرفًا من كلامهم، ويُعْرض عما يخالف هواه، فأصبح فيهم شَبَهٌ ممن قال الله تعالى فيهم: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ] {البقرة:85}، الآية.

وقال شيخ الإسلام : «واللهُ قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط؛ فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني – فضلًا عن رافضي – قولًا فيه حق؛ أن نتركه، أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل، دون ما فيه من الحق…»، إلى أن قال : «ويرون – أي: أهل الكلام – أنه يجوز مقابلة الفاسد بالفاسد، لكنَّ أئمة السنة والسلف على خلاف هذا، وهم يذمون أهل الكلام المبتدَعِ، الذين يردُّون باطلًا بباطل، وبدعةً ببدعة، ويأمرون ألا يقول الإنسان إلا الحق، لا يَخْرُجُ عن السنة في حال من الأحوال، وهذا هو الصواب الذي أمر الله تعالى به ورسوله؛ ولهذا لم نَرُدَّ ما تقوله المعتزلة والرافضة من حق، بل قَبِلْنَاه، لكنْ بيّنّا أن ما عابوا به مخالفيهم من الأقوال؛ ففي أقوالهم من العيب ما هو أشد من ذلك…»، إلى آخر ما قاله ([103])

وفي «مجموع الفتاوى» لم يَسْتَجِزْ شيخ الإسلام أن يَنْسُب ما سمعه من مبتدعة دمشق إلى ابن مخلوف -وهو على شاكلتهم- مع كونه عَدُوًّا، فاجِرًا، لدودًا، صَبَّ جامَ غَضَبِهِ وحِقْدِهِ على شيخ الإسلام -هكذا قال .

فقال: «قُلْت: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: مَا فَوْقَ الْعَرْشِ رَبٌّ يُدْعَى، وَلَا فَوْقَ السَّمَاءِ إلَهٌ يُعْبَدُ؛ وَمَا هُنَاكَ إلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ، وَالنَّفْيُ الصِّرْفُ، وَأَنَّ الرَّسُولَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلَكِنْ صَعِدَ إلَى السَّمَاءِ وَنَزَلَ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ هُوَ هَذَا الْوُجُودُ؛ وَأَنَا اللَّهُ؛ وَأَنْتَ اللَّهُ؛ وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْعَذِرَةُ، وَيَقُولُ: إنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِي ذَلِكَ، فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَهَالَهُ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ هَذَا، فَقَالَ: «هَؤُلَاءِ؟» -يَعْنِي ابْنَ مَخْلُوفٍ وَذَوِيهِ- فَقُلْت: هَؤُلَاءِ مَا سَمِعْت كَلَامَهُمْ، وَلَا خَاطَبُونِي بِشَيْءِ؛ فَمَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَقُولَ عَنْهُمْ مَا لَمْ أَعْلَمْهُ؛ وَلَكِنَّ هَذَا قَوْلُ الَّذِينَ نَازَعُونِي بِالشَّامِ، وَنَاظَرُونِي، وَصَرَّحُوا لِي بِذَلِكَ، وَصَرَّحَ أَحَدُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا يَقُولُهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا يُخَالِفُهُمْ». اهـ([104])

وقد دافع شيخُ الإسلام عن الحكيم الترمذي، فقال: «ومن الأنواع التي في دعواهم: أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من بعض الوجوه، إن هذا لم يَقُلْهُ أبو عبد الله الحكيم الترمذي ولا غيره من المشايخ المعروفين، بل الرجل أَجَلُّ قدرًا وأعظم إيمانًا من أن يفتري هذا الكفر الصريح، ولكن أخطأ شبرًا، فَفَرَّعُوا على خطئه ما صار كفرًا». اهـ([105])

وانظر كلام الإمام أحمد في أصحاب ابن أبي نجيح القدرية، فمع إثبات بدعتهم؛ نَفَى عنهم أن يكونوا من أصحاب الكلام، يقول عبد الله بن أحمد: قال أَبي: سَيف، اختلفوا فيه: ابن سُلَيمَان، أو ابن أَبي سُلَيمَان، ثقة. زَكَرِيَّا بن إِسحَاق، ثقة. شِبل، ثقة.

هؤلاء ما أقربهم: سَيف، وزَكَرِيَّا، وشِبل، وإِبراهيم بن نافع، ثقة.

أصحاب ابن أَبي نَجِيح، قدرية عامَّتُهم، ولكن ليسوا هم أصحاب كلام، إلا أن يكون شِبل؛ لا أَدْرِي». اهـ([106])

وفي ترجمة علي بن هاشم بن البريد الكوفي، قال الحافظ الذهبي : «وَثَّقَهُ ابنُ معين وغيره، وقال أبوداود: ثَبْتٌ يَتَشَيَّع، وقال البخاري: كان هو وأبوه غالييْن في مذهبهما، وقال ابن حبان: غالٍ في التشيع، روى المناكير عن المشاهير».

قال الحافظ الذهبي : «قلت: ولغلوه ترك البخاري إخراج حديثه؛ فإنه يتجنب الرافضة كثيرًا، كأنه يخاف من تديُّنهم بالتقية، ولا نراه يتجنب القدرية، ولا الخوارج، ولا الجهمية؛ فإنهم على بدعهم، يَلْزَمُون الصدق». اهـ.([107])

فهذه شهادة عَدْلٍ خبير بالرجال وتراجمهم من الحافظ الذهبي لبعض أهل البدع الكبار، ولو قالها أحد اليوم فيمن هو سنّيّ أخطأ في شيء لا يخرجه من السلفية!! لقالوا: «هذا منهج الموازنات»، وقد يقول بعضهم: إن الذهبي في «الميزان» على منهج أهل السنة، بخلاف حاله في «النبلاء»، فهذا القول على ما فيه من الفضائح، وما يجلب الخزي على قائله؛ فلا عبرة به؛ لأن كلام الذهبي هذا موجود في «الميزان»، أي: حيث يكون الذهبي سُنِّيًّا عند هذا القائل!!! فاللهم عفوًا، وغُفْرًا، ومعذرةً إليك!!.

وقد دافع الحافظ الذهبي عن رابعة العدوية، حيث قال في ترجمتها:

قَالَ أبو سعيد ابن الأَعْرَابِيِّ: أَمَّا رَابِعَةُ فَقَدْ حَمَلَ النَّاسُ عَنْهَا حِكْمَةً كَثِيرَةً، وَحَكَى عَنْهَا سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلانِ مَا قِيلَ عَنْهَا، وَقَدْ تَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ:

وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي الْفُؤَادِ مُحَدِّثِيوَأَبَحْتُ جِسْمِي مَنْ أَرَادَ جُلُوسِي

فَنَسَبَهَا بَعْضُهُمْ إِلَى الْحُلُولِ بِنِصْفِ الْبَيْتِ، وَإِلَى الإِبَاحَةِ بِتَمَامِ الْبَيْتِ.

قال الحافظ الذهبي : وَهَذَا غُلُوٌّ وَجَهْلٌ، وَلا أحسب ينسبها إلا حلولي مباحي؛ لِيُنَفِّقَ بِهَا زَنْدَقَتَهُ، كَمَا احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ النَّبَوِيِّ: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ». الْحَدِيثَ. اهـ([108])

وانظر دفاع شيخ الإسلام عنها -أيضًا-، حيث قال: «وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ رَابِعَةَ العدوية مِنْ قَوْلِهَا عَنْ الْبَيْتِ: «إنَّهُ الصَّنَمُ الْمَعْبُودُ فِي الْأَرْضِ» فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى رَابِعَةَ، وَلَوْ قَالَ هَذَا مَنْ قَالَهُ؛ لَكَانَ كَافِرًا؛ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ». اهـ([109]).

بل قد كذّب شيخُ الإسلام كثيرًا مما نُسِبَ إلى الحَلاج([110])، وأَمْرُهُ مَشْهُوٌر في الضلالة، حتى كفّره من كفّره.([111])

فهذا كُلُّهُ من عَدْلِ أهل السنة مع مخالفيهم، فلا يلزم من ضرورة التحذير من أهل الضلالة قبولُ ما قيل فيهم من الباطل والافتراء، كما لا يلزم من دفع الافتراء عليهم الرضا بضلالتهم، ولكنَّهُ العدل والإنصاف الذي أُمِرْنا بقوله ولزومه: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}، [ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ] {البقرة:190}.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا في سياق المقارنة بين أهل البدع ونحوهم:

«وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ خَيْرٌ مِنْ الرَّافِضَةِ وَمِنْ الْخَوَارِجِ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تُقِرُّ بِخِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَكُلُّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَ عَلِيًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؛ وَلَكِنْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ مُتَقَدِّمِيهِمْ أَنَّهُ قَالَ: فَسَقَ يَوْمَ الْجَمَلِ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَلَا أَعْلَمُ عَيْنَهَا، وَقَالُوا: إنَّهُ قَالَ: لَوْ شَهِدَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ؛ لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُمَا؛ لِفِسْقِ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلِيٌّ مَعَ آخَرَ؛ فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ قَوْلَانِ، وَهَذَا الْقَوْلُ شَاذٌّ فِيهِمْ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ عَامَّتُهُمْ: تَعْظِيمُ عَلِيٍّ، وَمِنْ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ ذَمُّ مُعَاوِيَةَ وَأَبِي مُوسَى وَعَمْرِو بْنِ العاص لِأَجْلِ عَلِيٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ وَيُفَسِّقُهُمْ؛ بِخِلَافِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ هَؤُلَاءِ تَابُوا مِنْ قِتَالِهِ، وَكُلُّهُمْ يَتَوَلَّى عُثْمَانَ، وَيُعَظِّمُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيُعَظِّمُونَ الذُّنُوبَ، فَهُمْ يَتَحَرَّوْنَ الصِّدْقَ كَالْخَوَارِجِ، ولَا يَخْتَلِقُونَ الْكَذِبَ كَالرَّافِضَةِ، وَلَا يَرَوْنَ أيضًا اتِّخَاذَ دَارٍ غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْخَوَارِجِ، وَلَهُمْ كُتُبٌ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَنَصْرِ الرَّسُولِ، وَلَهُمْ مَحَاسِنُ كَثِيرَةٌ، يُتَرَجَّحُونَ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَهُمْ قَصْدُهُمْ إثْبَاتُ تَوْحِيدِ اللَّه، وَرَحْمَتِهِ، وَحِكْمَتِهِ، وَصِدْقِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَأُصُولُهُمْ الْخَمْسُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْخَمْسِ؛ لَكِنَّهُمْ غَلِطُوا فِي بَعْضِ مَا قَالُوهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُصُولِهِمْ الْخَمْسِ: فَجَعَلُوا مِنْ «التَّوْحِيدِ» نَفْيَ الصِّفَاتِ، وَإِنْكَارَ الرُّؤْيَةِ، وَالْقَوْلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَوَافَقُوا فِي ذَلِكَ الْجَهْمِيَّة، وَجَعَلُوا مِنْ «التوحيد» و«الْعَدْلِ» أَنَّهُ لَا يَشَاءُ مَا يَكُونُ، وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ، فَنَفَوْا قُدْرَتَهُ وَمَشِيئَتَهُ وَخَلْقَهُ؛ لِإِثْبَاتِ الْعَدْلِ، وَجَعَلُوا مِنْ الرَّحْمَةِ نَفْيَ أُمُورٍ خَلَقَهَا، لَمْ يَعْرِفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحِكْمَةِ، وَكَذَلِكَ هُمْ وَالْخَوَارِجُ قَالُوا بـ «إنْفَاذِ الْوَعِيدِ» لِيُثْبِتُوا أَنَّ الرَّبَّ صَادِقٌ لَا يَكْذِبُ؛ إذْ كَانَ عِنْدَهُمْ قَدْ أَخْبَرَ بِالْوَعِيدِ الْعَامِّ، فَمَتَى لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ؛ لَزِمَ كَذِبُهُ، وَغَلِطُوا فِي فَهْمِ الْوَعِيدِ، وَكَذَلِكَ «الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ بِالسَّيْفِ»، قَصَدُوا بِهِ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا يَقْصِدُهُ الْخَوَارِجُ وَالزَّيْدِيَّةُ؛ فَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْكَارُهُمْ لِلْخَوَارِقِ غَيْرِ الْمُعْجِزَاتِ، قَصَدُوا بِهِ إثْبَاتَ النُّبُوَّةِ وَنَصْرَهَا، وَغَلِطُوا فِيمَا سَلَكُوهُ؛ فَإِنَّ النَّصْرَ لَا يَكُونُ بِتَكْذِيبِ الْحَقِّ، وَذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُحَقِّقُوا خَاصَّةَ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ.

وَالْأَشْعَرِيَّةُ مَا رَدُّوهُ مِنْ بِدَعِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالرَّافِضَةِ، وَالْجَهْمِيَّة، وَغَيْرِهِمْ، وَبَيَّنُوا مَا بَيَّنُوهُ مِنْ تَنَاقُضِهِمْ، وَعَظَّمُوا الْحَدِيثَ وَالسُّنَّةَ وَمَذْهَبَ الْجَمَاعَةِ؛ فَحَصَلَ بِمَا قَالُوهُ مِنْ بَيَانِ تَنَاقُضِ أَصْحَابِ الْبِدَعِ الْكِبَار وَرَدِّهِمْ مَا انْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ؛ فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَبَقِيَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يَقْرَأُ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الجُبَّائي، فَلَمَّا انْتَقَلَ عَنْ مَذْهَبِهِمْ؛ كَانَ خَبِيرًا بِأُصُولِهِمْ، وَبِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَبَيَانِ تَنَاقُضِهِمْ، وَأَمَّا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمُعْتَزِلَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَهْمِيَّة، وَأَمَّا خَصَائِصُ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَمْ يُوَالِهِمْ الْأَشْعَرِيُّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا؛ بَلْ نَاقَضَهُمْ فِي جَمِيعِ أُصُولِهِمْ، وَمَالَ فِي مَسَائِلِ «الْعَدْلِ» و«الْأَسْمَاءِ» و«الْأَحْكَامِ» إلَى مَذْهَبِ جَهْمٍ وَنَحْوِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الطَّوَائِفِ «كالنجارية» أَتْبَاعِ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ، و«الضرارية» أَتْبَاعِ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو يُخَالِفُونَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي «الْقَدَرِ» و«الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ» و«إِنْفَاذِ الْوَعِيدِ»، وَالْمُعْتَزِلَةُ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْكَشْفِ وَالْخَوَارِقِ، وَالصُّوفِيَّةُ يَذُمُّونَهَا وَيَعِيبُونَهَا….» اهـ.([112])

ومما يدل على ذكر حسنات المبتدعة عند المقارنة بينهم أيضًا:

ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن تكلم على كثير من أهل الكلام:

قال: «وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي النَّاس: مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك، في كتاب «التأويلات» وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس».

قال: «ويوجد كثيرٌ منها في كلام خَلْقٍ غير هؤلاء، مثل أبي عليٍ الجُبَّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمداني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد الغزالي، وغيرهم، هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشرٌ المريسي، التي ذكرها في كتابه؛ وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رَدُّ التأويل وإبطالُهُ أيضًا، ولهم كلامٌ حَسَنٌ في أشياء‏». اهـ([113])

فهذا موضع أشار فيه إلى بعض حسنات أهل الكلام وأهل البدع.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وكان ممنْ انْتُدِبَ للرد عليهم
-أي للرد على أهل البدع الكبار- أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب»، – ثم قال : «وكان له فَضْلٌ وعِلْمٌ ودِينٌ، ومنْ قال: إنه ابْتَدَع ما ابْتَدَعَه؛ ليُظْهِرَ دينَ النصارى في المسلمين -كما يَذْكُره طائفةٌ في مثالبه، ويذكرون أنه أَوْصَى أُخْتَه بذلك-؛ فهذا كَذِبٌ عليه، وإنما افترى عليه المعتزلةُ والجهميةُ لما رَدَّ عليهم؛ فإنهم يزعمون أنّ مَنْ يُثبت الصفات؛ فقد قال بقول النصارى، ولا يَعْلَم هؤلاء أنّ الذين رَمَوْه بمثل هذا؛ هُمْ شَرٌّ منه، وهو خيرٌ وأَقْرَبُ إلى السُنَّة منهم». اهـ([114])

فهذا مَوْضِعٌ ذَكَر فيه ابنَ كُلَّاب، وهو رأس فرقة الكُلَّابية، ولها مقالات شنيعة، وهو من المتكلمين، وبعضهم يقول: من متكلمي أهل السُنَّة، أو من مُتَكَلِّمي أهل الإثبات، ومع ذلك ذَكَره بما عنده أو ببعض ما عنده حيث احتاج المقام لذلك.

5- كما يَذْكُر العلماءُ بعضَ محاسِن المبتدعة في حالة تقسيم أهل البدع، وبيان مراتب بِدَعِهِم، وحال المنتسبين إليها:

فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَمِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَنْ يَكُونُ فِيهِ إيمَانٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، لَكِنْ فِيهِ جَهْلٌ وَظُلْمٌ، حَتَّى أَخْطَأَ مَا أَخْطَأَ مِنْ السُّنَّةِ؛ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَا مُنَافِقٍ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ يَكُونُ بِهِ فَاسِقًا أَوْ عَاصِيًا، وَقَدْ يَكُونُ مُخْطِئًا مُتَأَوِّلًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى مَا يَكُونُ مَعَهُ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ بِقَدْرِ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ»([115]) اهـ.

فتأمل كيف أثبت لبعض أهل البدع قدْرًا من الولاية بقدْر ما عنده من الإيمان، وذكر أن منهم من يكون مخطئا متأولا مغفورا له خطؤه، فأين هذا من إسراف المسرفين، وأَخْذِهم بعضَ النصوص عن أهل العلم دون بعض وفي المقابل هناك من يأخذ جانبا مقابلا من النصوص لما عليه الغلاة؟!

وذكر شيخ الإسلام الخوارج والروافض وغيرهما من أهل البدع، فذكر أن الخوارج كانوا عُبَّادًا متورعين، وأن الرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد…، فقال:

وَهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَتَلَ الْأَشْرَافَ، وَلَمْ يَقْتُلِ الْحَجَّاجُ هَاشِمِيًّا قَطُّ، مَعَ ظُلْمِهِ وَغَشْمِهِ؛ فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَتَلَ نَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ غَيْرَ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَدْ تَزَوَّجَ هَاشِمِيَّةً، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَمَا مَكَّنَهُ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ ذَلِكَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَقَالُوا: لَيْسَ الْحَجَّاجُ كُفُوًا لِشَرِيفَةٍ هَاشِمِيَّةٍ.

وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بِالشَّامِ مِنَ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ لَهُمْ كَلِمَةٌ أَوْ سِلَاحٌ: يُعِينُونَ الْكُفَّارَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمِنَ النَّصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: عَلَى قَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ.

وَالْخَوَارِجُ مَا عَمِلَتْ مِنْ هَذَا شَيْئًا، بَلْ كَانُوا هُمْ يُقَاتِلُونَ النَّاسَ، لَكِنْ مَا كَانُوا يُسَلِّطُونَ الْكُفَّارَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

وَدَخَلَ فِي الرَّافِضَةِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ الْمُنَافِقِينَ: الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَالنَّصِيرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ يَجْتَرِئُ أَنْ يَدْخُلَ عَسْكَرَ الْخَوَارِجِ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا عُبَّادًا مُتَوَرِّعِينَ، كَمَا قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ» الْحَدِيث، فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ مِنَ الْخَوَارِجِ؟.

وَالرَّافِضَةُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَعَبِّدٌ مُتَوَرِّعٌ زَاهِدٌ، لَكِنْ لَيْسُوا فِي ذَلِكَ مِثْلَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَالْمُعْتَزِلَةُ أَعْقَلُ مِنْهُمْ وَأَعْلَمُ وَأَدْيَنُ، وَالْكَذِبُ وَالْفُجُورُ فِيهِمْ أَقَلُّ مِنْهُ فِي الرَّافِضَةِ([116]). إلى آخر ما سَبَق ذِكْره.

وقال شيخ الإسلام أيضًا: «ومما ينبغي أيضًا أن يُعْرَف: أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة.

ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف، الذين هم أَبْعَدُ عن السنة منه، فيكون محمودا فيما رَدَّهُ من الباطل، وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رَدِّهِ، بحيث جَحَدَ بعضَ الحق، وقال بَعْضَ الباطل، فيكون قد رَدَّ بدعةً كبيرةً ببدعةٍ أخفَّ منها، ورَدَّ باطلًا بباطلٍ أَخَفَّ منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة». اهـ.([117])

ويقول شيخ الإسلام في الفلاسفة -على ما هم فيه من الضلال- بعد كلام طويل عنهم وعن ضلالهم: «نعم، لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد، وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول عَرَفُوا بها ذلك، وهم قد يقصدون الحق، لا يَظْهَرُ عليهم العناد، لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ». اهـ([118])

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن سينا عندما خالف بقية الفلاسفة في مسألة عِلْمِ الله:

«وكون ابن سينا خالفهم في هذا هو من محاسنه وفضائله التي عَلِمَ فيها ببعض الحق، والحجةُ معه عليهم، كما أن أبا البركات كان أكثر إحسانا منه في هذا الباب، فكل من أَعْطَى الأدلةَ حَقَّها، وعَرَفَ من الحق ما لم يَعْرِفْهُ غيره؛ كان ذلك مما يُفَضَّلُ به ويُمْدَحُ». اهـ([119])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فكلُّ مسلم، بل كلُّ عاقل إذا فهم قولهم حقيقة؛ عَلِمَ أن القوم جاحدون للصانع، مُكَذِّبُون للرسل والشرائع، مفسدون للعقل والدين، وليس الغرض هذا الكلام فيهم؛ فإن الأشعرية لا تقول بهذا، وحاشاها من هذا، بل هم من أعظم الناس تكفيرا ومحاربة لمن هو أَمْثَلُ من هؤلاء، وإنما هؤلاء من جنس القرامطة والباطنية». اهـ([120])

6- وكذا يذكرون بعض محاسن أهل البدع عندما يَذْكُرون رَدَّ أهلِ البدع -وإن كانت من البدع الكبرى- على المشركين والباطنيين، ونَقْضَ أدلتهم وشبهاتهم، وكذلك في حالة ردهم على أهل البدع التي هي أكبر وأشد وأغلظ من بِدَعِهِم.

ومن ذلك: ما جاء في ترجمة ثابت بن أسلم أبي الحسن الحلبي:

قال الحافظ الذهبي : «العَلَّامَةُ أَبُو الحَسَنِ الحَلَبِيُّ، فَقِيْهُ الشِّيْعَةِ، وَنَحْوِيُّ حَلَبَ،… تصدَّر لِلإِفَادَة، وَلَهُ مصَنّف فِي كشف عُوَار الإِسْمَاعِيليَّة وَبَدْءِ دعوتِهم، وَأَنَّهَا عَلَى المخَارِيق، فَأَخَذَهُ دَاعِي القَوْم، وَحُمِلَ إِلَى مِصْرَ، فَصَلَبَهُ المُسْتنصر، فَلاَ رَضِيَ اللهُ عَمَّنْ قَتله، وَأُحْرِقَتْ لِذَلِكَ خِزَانَةُ الكُتُب بِحَلَب، وَكَانَ فِيْهَا عَشْرَةُ آلاَف مجلدَة، فَرَحِمَ الله هَذَا المُبْتَدِع الَّذِي ذَبَّ عَنِ المِلَّة، وَالأَمْرُ للهِ». اهـ([121])

فتأمل أيها الباحث عن الحق: متى يذكر علماء السنة بعض محاسن المبتدعة؟ فلا إفراط ولا تفريط!!

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا السياق: «وَهَذَا كَالْحُجَجِ وَالْأَدِلَّةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ؛ فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَيَقْوَى بِهَا قُلُوبُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِهَا بَاطِلَةً؛ فَغَيْرُهَا أَبْطَلُ مِنْهَا، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ دَرَجَاتٌ، فَيَنْتَفِعُ بِهَا أَقْوَامٌ يَنْتَقِلُونَ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.

وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ الرَّافِضَةِ، وَالْجَهْمِيَّة، وَغَيْرِهِمْ إلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْتَفَعُوا بِذَلِكَ، وَصَارُوا مُسْلِمِينَ مُبْتَدِعِينَ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْمُلُوكِ قَدْ يَغْزُو غَزْوًا يَظْلِمُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارَ، وَيَكُونُ آثِمًا بِذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَيَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ خَلْقٍ كَثِيرٍ، كَانُوا كُفَّارًا فَصَارُوا مُسْلِمِينَ، وَذَاكَ كَانَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَائِمِ بِالْوَاجِبِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُفَّارِ فَهُوَ خَيْرٌ، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ فِي التَّرْغِيبِ، وَالتَّرْهِيبِ، وَالْفَضَائِلِ، وَالْأَحْكَامِ، وَالْقِصَصِ، قَدْ يَسْمَعُهَا أَقْوَامٌ فَيَنْتَقِلُونَ بِهَا إلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ كَذِبًا، وَهَذَا كَالرَّجُلِ يُسْلِمُ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا، وَرَهْبَةً مِنْ السَّيْفِ، ثُمَّ إذَا أَسْلَمَ وَطَالَ مُكْثُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ دَخَلَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، فَنَفْسُ ذُلِّ الْكَفْرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَانْقِهَارُهُ وَدُخُولُهُ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ؛ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَبْقَى كَافِرًا، فَانْتَقَلَ إلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَخَفَّ الشَّرُّ الَّذِي كَانَ فِيهِ، ثُمَّ إذَا أَرَادَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ؛ أَدْخَلَ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُلَ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَعَا الْخَلْقَ بِغَايَةِ الْإِمْكَانِ، وَنَقَلَ كُلَّ شَخْصٍ إلَى خَيْرٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ [ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {الأحقاف:19}، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ يَرُدُّونَ بَاطِلًا بِبَاطِلِ، وَبِدْعَةً بِبِدْعَةِ؛ لَكِنْ قَدْ يَرُدُّونَ بَاطِلَ الْكُفَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِبَاطِلِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَصِيرُ الْكَافِرُ مُسْلِمًا مُبْتَدِعًا، وَأَخَصُّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَرُدُّ الْبِدَعَ الظَّاهِرَةَ كَبِدْعَةِ الرَّافِضَةِ، بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا، وَهِيَ بِدْعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَصْنَافَ الْبِدَعِ» اهـ.([122])

وحسب صنيع عدد من علماء السنة فحاصل ما ذُكر في الحالات التي يسوغ فيها ذِكْر حسنات المبتدع:

١- في حالة الترجمة لرواة الأحاديث، وعلماء المذاهب، والفِرَق، ونحو ذلك.

2- إذا كان المتكلَّم فيه من جهة ممن له قَدَمُ صِدْقٍ في الإسلام.

3- وكذلك في حالة وقوع المبالغة في ذَمِّ المترجَم له بما ليس فيه، فيُدافِعُ المترجِمُ عن المترجَم له، ويبين أنه ليس كذلك.

4- وكذا يَذْكُرون حسنةَ المبتدع إذا كانوا في مقام المقارنة بين مُبْتَدِعَيْن -سواءً كانت المقارنة بين فردين أو طائفتين.

5- كما يذكر العلماءُ بعضَ محاسِن المبتدعة في حالة تقسيم أهل البدع، وبيان مراتب بدعهم، وحال المنتسبين إليها.

6- وكذا يذكرون بعض محاسن أهل البدع عندما يَذْكُرون رَدَّ أهلِ البدع -وإن كانت من البدع الكبرى- على المشركين والباطنيين.

7- أن يَذْكُر المرء بعض حسناتهم على سبيل الإخبار، لا على سبيل المدح: أي يخبر عن وجود هذه المحاسن فيهم من باب الإخبار عن السمات التي يتميزون بها، دون أن يكون قصده مدحهم بهذا الإخبار، بدليل السياق نفسه، فيذكر أن هذه المحاسن لم تنفعهم، كما في أحاديث الخوارج، حيث بَيَّنَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعض محاسن الخوارج في العبادة، قاصدا بذلك الإخبار عن السمات التي يتميزون بها عن غيرهم، لا قاصدا مَدْحَهُم؛ بدليل أنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السياق نفسه بَيَّنَ أن هذا الاجتهاد في العبادة لم ينفعهم، لأنهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية.

8 – من باب الإخبار عن صدقه في الرواية: لا من باب المدح المطلق له، بدليل أنهم في الموضع نفسه يذمون بدعته، وهذا مذكور ضمنًا مع الحالة الأولى، لكن يمكن إفراده في حالة مستقلة.

9 – أن يَذْكُر المرء محاسنه لعدم العلم بحاله: وهذا يكون لسببين:

الأول: إخفاء هذا المبتدع بدعته، أو عدم ظهورها عند من مدحه في الوقت الذي مَدحَه فيه.

والثاني: عدم علم العالم بما عليه هذا المبتدع، وإن كانت بدعته ظاهرة لغير هذا العالم.

10- ذكر محاسن بعض المبتدعة للدلالة على أن هذا لم يمنعهم من الوقوع في البدع والضلال.

ومن هذا القبيل مدح شيخ الإسلام لأهل الكلام والنظر بشدة ذكائهم، لِيَصِلَ إلى نتيجةٍ مَفَادُهَا، أن من هو دونهم في الذكاء سيضِلُّ كما ضَلُّوا، لو شاركوهم في الإعراض عن الوحي، فقال في «درء تعارض العقل والنقل»([123]): «فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية، وهم لَيْلُهم ونهارُهُم يَكْدَحُون في معرفة هذه العقليات، ثم لم يَصِلُوا فيها إلى معقول صريح يناقض الكتاب، بل إما إلى حيرة وارتياب، وإما إلى اختلاف بين الأحزاب، فكيف غير هؤلاء ممن لم يَبْلُغْ مَبْلَغَهُم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه من العقليات». اهـ

ومن ذلك ما جاء في ترجمة السمان أبي سعد إسماعيل بن علي بن الحسين المعتزلي، من «سير أعلام النبلاء»([124]): قَالَ الحَافِظُ عَبْدُ العَزِيْزِ الكَتَّانِي: كَانَ أَبُو سَعْدٍ مِنَ الحُفَّاظِ الكِبَار، زَاهِدًا وَرِعًا، وَكَانَ يَذْهَب إِلَى الاعتزَال.

أَنبؤونَا عَنِ القَاسِمِ بنِ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الكَلْبِيّ قَالَ:

وَجَدْتُ عَلَى ظهر جُزْء: مَاتَ الزَّاهِدُ أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَلِيٍّ السَّمَّانُ فِي شَعْبَانَ سَنَة خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، شَيْخُ العَدْليَّة وَعَالِمُهُم، وَفَقِيْهُهُم وَمُحَدِّثُهُم، وَكَانَ إِمَامًا بِلاَ مُدَافعَة فِي القِرَاءات، وَالحَدِيْثِ وَالرِّجَال، وَالفَرَائِضِ وَالشروط، عَالِمًا بفقهِ أَبِي حَنِيْفَةَ، وَبَالخلاَفِ بَيْنَ أَبِي حَنِيْفَةَ وَالشَّافِعِيّ وَفقه الزَّيْدِيَّة.

قَالَ: وَكَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الحَسَن البَصْرِيّ، وَمَذْهَبَ الشَّيْخ أَبِي هَاشِمٍ، وَدَخَلَ الشَّام وَالحِجَاز وَالمَغْرِب، وَقرَأَ عَلَى ثَلاَثَة آلاَف شَيْخ، وَقصد أَصْبَهَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لطلب الحَدِيْث.

قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ فِي مَدحه: إِنَّهُ مَا شَاهَد مِثْلَ نَفْسِهِ، كَانَ تَارِيخ الزَّمَان، وَشيخَ الإِسْلاَمِ.

قال الذهبي : قُلْتُ: وَذَكَرَ أَشيَاء فِي وَصْفِهِ، وَأَنَّى يُوصَفُ مِنْ قَدِ اعتزلَ وَابتدعَ، وَبَالكِتَاب وَالسّنَة فَقَلَّ مَا انْتفع؟ فَهَذَا عِبْرَة، وَالتَّوفِيقُ فَمِنَ الله وَحْدَه.

هَتَفَ الذَّكَاءُ وَقَالَ لَسْتُ بنَافِعٍإِلَّا بتَوفِيقٍ مِنَ الوَهَّابِ

وَأَمَّا قَوْل القَائِل: كَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الحَسَنِ، فَمَرْدُوْدٌ، قَدْ كَانَتْ هَفْوَةٌ فِي ذَلِكَ مِنَ الحَسَنِ – يقصد القدر -، وَثَبَتَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا، وَللهِ الحَمْدُ.

وَأَمَّا أَبُو هَاشِمٍ الجُبَّائِيُّ، وَأَبُوْهُ أَبُو عَلِيٍّ فَمِنْ رُؤُوْس المُعْتَزِلَة، وَمِنَ الجَهَلَةِ بآثَار النُّبُوَّة، برعُوا فِي الفلسفَة وَالكَلاَم، وَمَا شَمُّوا رَائِحَةَ الإِسْلاَم، وَلَوْ تَغَرْغَرَ أَبُو سَعدٍ بحَلاَوَة الإِسْلاَم؛ لاَنتَفَعَ بِالحَدِيْثِ.

فَنسَأَلُ الله تَعَالَى أَنْ يَحْفَظُ عَلَيْنَا إِيْمَاننَا وَتوحيدنَا». اهـ

وفي ترجمة الشهرستاني محمد بن عبد الكريم بن أحمد من «سير أعلام النبلاء»([125])، قال الذهبي : شيخ أهل الكلام والحكمة، وصاحب التصانيف…

وكان كثير المحفوظ، قوي الفهم، مليح الوعظ…

وقال في «التحبير»: هو من أهل شهرستانة، كان إماما أصوليا، عارفا بالأدب وبالعلوم المهجورة.

قال: وهو متهم بالإلحاد، غال في التشيع.

وقال ابن أرسلان في «تاريخ خوارزم»: عالم كيس مُتَفَنِّنٌ، ولولا مَيْلُه إلى أهل الإلحاد، وتخبطه في الاعتقاد؛ لكان هو الإمام، وكثيرا ما كنا نتعجب من وفور فضله؛ كيف مال إلى شيء لا أصل له؟! نعوذ بالله من الخذلان، وليس ذلك إلا لإعراضه عن علم الشرع، واشتغاله بظلمات الفلسفة، وقد كانت بيننا محاورات، فكيف يبالِغُ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم، حَضَرْتُ وَعْظَهُ مرات، فلم يكن في ذلك «قال الله» ولا «قال رسوله»، سأله يوما سائل، فقال: سائر العلماء يَذْكُرون في مجالسهم المسائل الشرعية، ويجيبون عنها بقول أبي حنيفة والشافعي، وأنت لا تفعل ذلك؟!

فقال: مَثَلِي ومَثَلُكُم كمثل بني إسرائيل: يأتيهم المنُّ والسَّلْوى، فسألوا الثوم والبصل». اهـ

وفي ترجمة ابن الراوندي من «سير أعلام النبلاء»([126]): «قال البلخي: لم يكن في نظراء ابن الراوندي مثله في المعقول، وكان أول أمره حسن السيرة، كثير الحياء، ثم انسلخ من ذلك لأسباب، وكان عِلْمُهُ فوق عَقْلِهِ…

قال الذهبي : «لعن الله الذكاء بلا إيمان، ورضي الله عن البلادة مع التقوى». اهـ

11 – ذِكْرُ بعض محاسنهم؛ لبيان خطورتهم على الدين وأهله.

ومن هذا القبيل أيضًا: مَدْحُ شيخ الإسلام ابن تيمية لأبي عامر الفاسق المنافق؛ لبيان أن أعداء الإسلام فيهم الذكي الدارس، الذي يكيد بالدين وأهله، فقال في «درء تعارض العقل والنقل»([127]): «وأما المسلمون المظهرون للإسلام فقد كان فيهم منافقون، وفي المؤمنين سماعون لهم، يتعلقون بأدنى شبهة، يُوقِعُون بها الشكَّ والريْبَ في قلوب المؤمنين، وكان فيهم من له معرفة، وذكاء، وفضيلة، وقراءة للكتب، ومُدَارَسَة لأهل الكتاب، مثل أبي عامر الفاسق الذي كان يقال له: «أبو عامر الراهب»، الذي اتخذ له المنافقون مسجد الضرار». اهـ

12- وزاد سماحة الشيخ ابن باز ذِكْر حسنات المتكلَّم فيه؛ لتذكيره بما عنده من خير، حتى يبادر إلى التوبة من البدعة.

والفتيا بالرأي منبوذة عند العلماء، فللإمام أحمد وغيره أقوالٌ شديدة في أهل الرأي، بل منهم من يُبَدِّعُهم، ويرى أنّ الرجل إذا اجتنب الرأي وأهله يُرجَى منه خير.

ومع ذلك فانظر ماذا قال الليث في ربيعة، فقد قال : «ومع ذلك
-بحمد الله- عند ربيعه خيرٌ كثير، وعَقلٌ أصيل، ولسانٌ بليغ، وفَضْلٌ مستبين، وطريقةٌ حسنة في الإسلام، ومودةٌ لإخوانه عامة، ولنا خاصّة ، وغفر له، وجزاه بأحسن من عمله-»([128])!!

وأخيرا: أقوال بعض العلماء المعاصرين في هذا الباب:

نَصَّ كبار علماء الدعوة السلفية المعاصرة على مشروعية ذِكْر حسنات المُتَكَلَّم فيه إذا استدْعَتْ الحاجةُ والمصلحةُ ذلك، ومن هؤلاء:

سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز :

حيث قال: «المعروف في كلام أهل العلم نَقْدُ المساوئ للتحذير، وبيانُ الأخطاء التي أخطأوا فيها للتحذير منها، أما الطيب معروف، مقبول الطيب، لكن المقصود التحذير من أخطائهم، الجهمية… المعتزلة… الرافضة… وما أشبه ذلك؛ فإذا دَعَتْ الحاجة إلى بيان ما عندهم من حق؛ يُبَيَّنُ». اهـ([129])

وقال : «الواجب على أهل العلم: إنكار البدع والمعاصي الظاهرة بالأدلة الشرعية، وبالترغيب والترهيب، والأسلوب الحسن، ولا يلزم عند ذلك ذِكْر حسنات المبتدع، ولكن متى ذكرها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لمن وقعت البدعة أو المنكر منه تذكيرا له بأعماله الطيبة، وترغيبا له في التوبة؛ فذلك حسن، ومن أسباب قبول الدعوة والرجوع إلى التوبة». اهـ([130])

الشيخ محمد ناصر الدين الألباني :

فقد قال جوابًا عن السؤال التالي: «السؤال: هل من منهج السلف في الرد على المخالف اعتماد أسلوب الموازنة، أي: ذِكْر حسنات المخالف وذِكْر سيئاته، أم أنه تمحيص موضع المخالفة والرد عليها دون الالتفات إلى ما له من حسنات أخرى؟.

الجواب: ذِكْر السيئات لا أظن أنه أمر وارد في الموضوع، ولعلك تريد أن تقول: الأخطاء والمخالفات، وليتك قلت «المخالفات» بدل «السيئات»، فتذكر: الأخطاء التي تخالف الكتاب والسنة، أما القول بأنه أساء بقوله: كذا وكذا..؛ فهذا ليس من أسلوب الدعوة، وهذا يختلف باختلاف المجالس، فإن وُجِدَ مجالٌ بأنْ يَذْكُر الحسنات؛ حَسَنًا يَفْعَلُ، ومن الممكن أن يَذْكُر الحسناتِ؛ فتضيعَ الفائدة بذِكْرِ الحسنات عن الحسنة الكبرى». اهـ([131])

قلت: لعل مراد شيخنا أن ذكر الحسنات إذا لم تَدْعُ له الحاجة؛ فقد يُضيع الحسنة الكبرى المستفادة من تحذير الناس من البدعة وأهلها، وهو كذلك، والموفَّق من استعمل كل شيء في زمانه ومكانه، والله أعلم.

الشيخ محمد بن صالح العثيمين :

حيث قال: «قلنا: إن الإنسان إذا كان يريد أن يقوِّم الشخص من حيث هو؛ فالواجب أن يذكر المحاسن والمساوئ؛ لقول الله تبارك وتعالى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8} ولهذا كان العلماء عندما يتكلمون عن حياة الرجل، يذكرون محاسنه، ومثالبه.

أما إذا كنتَ في معرِض الرد عليه؛ فلا تَذْكُر مَحاسنه؛ لِمَا ذكرنا -فيما سَمعتم في السؤال- أنك إذا ذَكَرْتَ المَحاسن؛ ضَعُفَ جانبُ الرد عليه، وربما يُعْجَبُ الإنسانُ بما عنده من المحاسن، ويَتْرُكُ الأخطاء جانبًا، هذا هو الطريق في ذكر محاسن الناس ومساوئهم.

ولكن إذا تحدثتَ عنه في أي مجلس من المجالس، فإن رأيتَ في ذِكْر محاسنه فائدة؛ فلا بأس أن تذكرها، وإن خفتَ من مضرة؛ فلا تذكرها». اهـ

هذا كلامٌ لبعض علمائنا المعاصرين، وهذا إن دَلَّ على شيء؛ فإنما يَدُلّ على عَدْلِهم وإنْصَافِهِم، وعِلْمِهِم بالحق، ورَحْمَتِهِم بالخلْق، وفقههم لمقاصد الشريعة وكلياتها، ونظرتهم إلى الحال والمآل، ودقة إعمالهم لقاعدة تزاحم المصالح والمفاسد، والله تعالى أعلم.

(والخلاصة): أن إطلاق القول بوجوب ذكر حسنات المبتدع عند التحذير منه، أو بالمنع من ذِكْر أي حسنة له؛ فهذان الإطلاقان عن الحق بعيدان، ولطريق علماء السنة من السلف والخلف مجانبان، والله تعالى أعلم وأحكم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

11/ شعبان ١٤٣٩ هجرية.

A

A

[3]

ليس كل خلاف بين أهل السنة يوجب الإنكار والافتراق