(وتقرير ميزان القبول والرَّد للأقوال)
- السؤال الثامن عشر: أحيانًا نسمع من البعض القول بمنع بعض الأشياء؛ لكون بعض أهل البدع يقول به، فهل هذا المسلك صحيح؟ وما هو الميزان الصحيح لقبول الأقوال وردِّهَا؟
الجواب:
الحمد لله الذي أَبْقَى في كل زمانٍ من يدعو إلى الحق وينْشُره، ويذُبُّ عنه ويَنْصُره، ويكشْف الباطل ويُظْهِر زَيْفَه ويدْحَرُه، أما بعد؛ فالجواب عن هذا السؤال في النقاط الآتية:
أولًا:
معلومٌ أن الحق ما شَهِدَتْ له الأدلة النقلية والعقلية على كونه حقًّا، وأن الباطل كذلك، ولا يُنْظَر -عند المنصفين- إلى القائل أو الفاعل، أو إلى الطائفة التي ينتمي إليها من تكلم بالحق أو غيره، لمعرفة ما في كلامه مِنْ حَقٍّ وباطل، أو كونِهِ مَقْبولًا أو مردودًا، فالحقُّ يُعْرَفُ بدليله الدال عليه، لا بقائله ومن ينتمي إليه.
والناس في هذا بين إفراط وتفريط ووسط:
فهناك مَنْ يَقْبَلُ قول من ينتمي إلى حِزْبه أو جماعته وطائفته ومذهبه، دون النظر إلى حُجَّة هذا القائل، وحُجَّة من يعارضُه، بل يَتَعَدَّى به الولاءُ الْمُطْلَقُ، فيتجاوزُ الحدَّ، فيتعصَّبُ لقولِ مَنْ هم في جماعته أو حِزْبِهِ أو مَذْهبه، وإن كانت الأدلة على بطلان قوله ظاهرةً مُتضافرةً، ويَتَمَحَّل في التماسِ نُصْرَةِ هذا القولِ بما يخرجه عن حَيِّز الإنصافِ والاعتدالِ!!
ويقابل هذا الفريقَ مَنْ إذا سمع قولًا يأتي عن رجل يختلف معه في بعض المسائل؛ فيبادر بردّ هذا القول، دون التأنِّي والنظر الخالِيَيْنِ من الهوى في دلائل صِحَّةِ هذا القولِ أو فسادِهِ، وكلْتا الطائفتين قد خرجتا عن جادّة الاعتدالِ، والإنصافِ، والتجرّدِ، والإخلاصِ فيما يأتي المرء ويذَر لله رب العالمين.
وأما من وفّقه الله وسدَّده، وهداه إلى الحق وأرشده؛ فهو الذي يُفرِّق بين القول والقائل، فقد يكون القول في ذاته حقًّا محْضًا، أما قائلُهُ فشيطانٌ رَجيمٌ، وقد يكون القولُ باطلا في نفسه قطْعًا، أما قائله فَوَليٌّ حَمِيمٌ، فيَقْبَلُ الحقَّ، ويَردُّ الباطلَ، وأما حُكْمُ التعاملِ مع القائل أو الفاعل؛ فهذا له تفصيل آخر.
فالحقُّ أَوْلَى بالقبول والتعظيم دون النظر إلى قائله، طالما أنه حَقٌّ في الحال والمآل.
ومما يدل على ذلك:
1 – أن الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لما قدم المدينة؛ وَجَدَ اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فأمر بصيامه، ولم يمنعه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – من أن يصوم يوما كان اليهود يصومونه؛ لأن هذا الصيام حق في نفسه؛ فلا يَضُرُّه أن صامه اليهود.
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- المَدِينَةَ؛ وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هَذَا اليَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ».([843])
2 – قول الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لأبي هريرة لما أخبره أن شيطانا عَلَّمَهُ آيةَ الكرسي؛ ليقرأها إذا أَوَى إلى فراشه، فقال له الرسول – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: «أما إنه قد صَدَقَكَ، وهو كَذُوبٌ: ذاك شيطان».([844])
فالحقُّ يُقْبَلُ ويؤخذ من صاحبه مهما كان قائله، ولا يَضُرُّه أن يَصْدُر من غير مُحِقٍّ، كما صَوَّبَ الرسولُ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – ما قاله الشيطان؛ لأنه حَقٌّ وافق الحَقَّ.
وليس هناك أفْسَدُ وأَشَرُّ من الشيطان، أعاذنا الله وذرِّيَّاتنا والجميع من شياطين الإنس والجن، ومع ذلك فلم يَرُدَّ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كلمةَ الحقِّ منه؛ لكونها صَدَرَتْ من شيطان عَدُوٍّ لله وأوليائه، أو صَدَرَتْ من أحد أتباعه من الشياطين.
3 – وكذلك لما أَتَى يهوديٌّ إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: إنكم تُنَدِّدُون، إنكم تُشْرِكُون، تقولون: ما شاء الله وشِئْتُ، وتقولون: والكعبة؛ فأمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا أرادوا أن يَحْلِفوا أن يقولوا: وربِّ الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئتُ»([845]).
ولم يَقُلْ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: اليهود أعداء لنا، ما يريدون لنا الخير، فلا نبالي بكلامهم؛ لأنهم -فقط- يَبْحَثُون عن الزلاتِ، ويَكْتُمُون الحسناتِ!! بل أمر أصحابَهُ-رضي الله عنهم- بإصلاح كلماتهم، وأما نيّة اليهودي السيئة فَعَلَى نَفْسِه، وأما الحقُّ مِنْ كلامه فيُقْبَل لكونه حقًّا.
ولو أن الخوف من التشبُّه بالضالين يُوجِبُ مخالفتهم -حتى فيما جاء الشرع به-؛ لَتَرَتَّبَ على هذا مفسدةٌ عظيمةٌ، حيث إن البعضَ من الناس قد يجعل هذا مُطَّرِدًا، يَتَذَرَّعُ به لترك بعض المشروعات، فمثلا:
لو أن غير أهل السنة قاموا بإعفاء لُحاهم، أو حافظوا على دِقَّة المواعيد، أو لازموا النظافة في المأكل والملبس، أو تميزوا بالصناعة وإتقانها؛ فإن هذه الأمور ونحوها قد طلبها منا الشارع -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأن فيها عِزَّنا وخَيْرَنا في الدنيا والآخرة؛ فلا يجوز لِمُدَّعي الاحترازِ من المسلمين أن يقول: هذه أمورٌ تَمَيَّزَ بها غيرُ أهلِ السنة، فلا يجوز أن نَحْرِصَ عليها خوفًا من مشابهة هؤلاء، وهذا زَعْمٌ واضحُ البطلان، والله أعلم.
ثانيًا: وعلى هذا جَرَى العمل عند أئمة الإسلام، ويدلُّ على ذلك:
ما جاء عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه قال: «يا حارِثُ؛ إنك ملبوسٌ عليك؛ إنَّ الحقَّ والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال؛ اعْرِفْ الحقَّ؛ تَعْرِفْ أهله، واعْرِفِ الباطِلَ؛ تَعْرِف مَنْ أتاه».([846])
وقال ابن الجوزي : «اعلم أن المقلِّد عَلَى غير ثقة فيما قلَّد فيه، وفي التقليد إبطالُ منفعة العقل؛ لأنه إنما خُلِقَ للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أُعْطِي شمعةً يستضيء بها أن يُطفئها ويَمْشِيَ في الظلمة.
واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يَعْظُمُ في قلوبهم الشخصُ، فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال، وهذا عين الضلال؛ لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل، كما قال علي -رضي الله عنه- للحارث بن حوط، وقد قال له: أتظن -أي: يا علي- أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له: يا حارث، إنه مَلْبُوس عليك؛ إن الحق لا يُعْرَف بالرجال، اعْرِفِ الحَقَّ؛ تَعْرِفْ أهلَه». اهـ([847])
– وقال : «واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص، ولم ينظر بالدليل إلى ما صدر عنه؛ كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح
-صلوات الله عليه- من الأمور الخارقة، ولم ينظر إليه، فادعى فيه الإلهية، ولو نظر إليه وأنه لا يقوم إلا بالطعام؛ لم يُعْطِهِ إلا ما يستحقه». اهـ([848])
وقال : «ولقد كان جماعة من المحققين لا يبالون بمعظَّم في النفوس إذا حاد عن الشريعة، بل يُوسِعُونَه لَوْمًا.
فنُقل عن أحمد أنه قال له المروزي: ما تقول في النكاح؟ فقال: سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -. فقال: فقد قال إبراهيم. قال: فصاح بي، وقال: جِئْتَنَا ببُنيّات الطريق؟!
وقيل له: إن سَرِيًّا السقطيّ قال: لما خَلَقَ الله تعالى الحروفَ؛ وَقَفَ الأَلِفُ وسَجَدَتْ الباءُ!! فقال: نفّروا الناس عنه.
واعلم أن المُحَقِّقَ لا يَهُوله اسْمُ مُعَظَّم؛ كما قال رجل لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أَتَظُنُّ أن طلحةَ والزبير كانا على الباطل؟ فقال له: إن الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق؛ تعرفْ أهله.
ولَعَمْرِي، إنه قد وَقَرَ في النفوس تعظيمُ أقوام، فإذا نُقِلَ عنهم شيء، فسمعه جاهل بالشرع؛ قَبِلَهُ؛ لتعظيمهم في نفسه، كما يُنْقَل عن أبي يزيد -رضي الله عنه- أنه قال: تراعَنَتْ عليَّ نفسي، فَحَلَفْتُ لا أشربُ الماءَ سَنَةً، وهذا إذا صحّ عنه؛ كان خطأً قبيحًا، وزلَّةً فاحشةً؛ لأن الماء ينفذ الأغذية إلى البدن، ولا يقوم مقامه شيء؛ فإذا لم يَشْرَبْ؛ فقد سعى في أَذَى بَدَنِهِ، وقد كان يُسْتَعْذَبُ الماءُ لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
أفترى هذا فِعْلَ من يعلم أن نَفْسَه ليستْ له، وأنه لا يجوز التصرف فيها إلا عن إذن مالكها؟!
وكذلك ينقلون عن بعض الصوفية أنه قال: سرتُ إلى مكة على طريق التوكل حافيًا، فكانت الشوكة تدخل في رجلي، فأحكُّها بالأرض ولا أرفعها، وكان عليَّ مِسْحٌ([849])، فكانت عيني إذا آلمتني؛ أَدْلكها بالمِسْح، فذهبتْ إحدى عينيّ.
وأمثال هذا كثير، وربما حَمَلها القُصَّاص على الكرامات، وعظَّموها عند العوامّ، فيخايل لهم أن فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي وأحمد!!
ولَعَمْرِي، إن هذا من أعظم الذنوب، وأقبح العيوب؛ لأن الله تعالى قال: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ] {النساء:29}.
* وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن لنفسك عليك حقًّا»…
واسمع مني بلا محاباة: لا تحتجنّ عليّ بأسماء الرجال، فتقول: قال بشر، وقال إبراهيم بن أدهم؛ فإن من احتجّ بالرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه -رضوان الله عليهم- أَقْوَى حُجَّةً، على أنَّ لأفعال أولئك وجوهًا نَحْمِلُها عليها بحسن الظّنّ… وهل الناس إلا صاحبُ أَثَرٍ يتّبعُهُ، أو فقيهٌ يَفْهَم مراد الشرع ويُفْتي به؟! نعوذ بالله من الجهل وتعظيم الأسلاف تقليدًا لهم بغير دليل! فإن من ورد المَشْرَبَ الأول؛ رأى سائر المشارب كَدِرَةً.
والمحنةُ العظمى: مدائحُ العوامّ، فكم غرّت! كما قال علي -رضي الله عنه-: ما أَبْقَى خَفْقُ النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئًا». اهـ([850])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «كل قائل إنما يُحْتَجُّ لقوله لا به، إلا الله ورسوله».([851])
وقال : «وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحَدٍ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ، وَدَلِيلٌ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ ذَلِكَ، تُقَرَّرُ مُقَدِّمَاتُهُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا بِأَقْوَالِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ يُحْتَجُّ لَهَا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَنْ تَرَبَّى عَلَى مَذْهَبٍ قَدْ تَعَوَّدَهُ وَاعْتَقَدَ مَا فِيهِ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ، وَتَنَازُعَ الْعُلَمَاءِ؛ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا جَاءَ عَنْ الرَّسُولِ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، بِحَيْثُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَبَيْنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَيَتَعَسَّرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؛ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُقَلِّدَةِ النَّاقِلِينَ لِأَقْوَالِ غَيْرِهِمْ، مِثْلُ الْمُحَدِّثِ عَنْ غَيْرِهِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ حَاكِمًا، وَالنَّاقِلُ الْمُجَرَّدُ يَكُونُ حَاكِيًا لَا مُفْتِيًا.». اهـ([852])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية»([853]): «أما الطريق الثاني في الجواب، فنقول: الذي عليه أئمة الإسلام: أن ما كان مشروعًا؛ لم يُتْرَكْ لِمُجَرَّد فِعْلِ أَهْلِ البدع، لا الرافضةِ ولا غيرِهم، وأصولُ الأئمةِ توافقُ هذا…» وذَكَر عدة مسائل، كما ذَكَر أن المستحب قد يُترك إذا أصبح شعارًا لأهل البدع، وأن من فَعَلَ هذا الشعار، فَحَصَل بذلك مفسدةٌ أعظمُ من فِعْلِ المستحبِّ؛ فَيُتْرَك كذلك»([854]).
فتأمل قوله : «الذي عليه أئمة الإسلام… الخ»، وقوله: «وأصولُ الأئمة توافق هذا»؛ فها هو ينسب هذا القول المنصف المعتدل إلى أئمة الإسلام وأصولهم، لكن هذا عكس ما عليه الغلاة في هذا العصر، الذين يُحَذِّرون جلساءهم مِنْ فِعْلِ الشيء -وهو حَقٌّ محْضٌ- لمجرد فِعْل من يخالفهم له، ويقولون: تريدوننا أن نكون مثل الحزبيين، أو المبتدعة، فنقول كذا، ونعمل كذا؟!!
ومعلوم أن أي طائفة مهما كانت منحرفة فعندها حَقٌّ وباطلٌ، وصوابٌ وخطأٌ، فلا يجوز تَرْكُ الحقِّ الذي عندها لوجود الباطل بين أفرادها، وكذا لا يجوز قبول الباطل من الموافقين والموالين؛ لمجرد ما عندهم من الحق والنفْع في بعض الجوانب، ولو أطلقنا العملَ بهذا الأسلوب، وطرَدْنا إعمالَ هذه الإفرازات المنحرفة؛ لَقُلْنَا: اتركوا النُّطْقَ بالشهادتين؛ لأن أهل النفاق والبدع ينطقون بهما، واتركوا إقامة الصلاة؛ لأن أهل الأهواء والشبهات يُصَلُّون، وهكذا…!!! وتطبيق هذه القاعدة بهذه الطريقة يُفْضي إلى الانسلاخ من الإسلام بالكلية!!!
نعم، هناك حالة يكون الأمر المستحب أصبح شعارًا لأهل البدع -أي اشتهروا به- وأصبح مَنْ رَأَى من يفعله يظنه من أهل هذه البدع؛ فعند ذاك ينبغي عدم إظهاره، حتى لا يُساء الظن بفاعله، ومع ذلك يستمر في تعليم الناس أن هذا الأمر من السنن المهجورة، وليس من فِعْل أهل البدع.
ولأن الأصل الذي عليه علماء الملة: أن القواعد التي ثَبَتَتْ صحتها يُطْرَد العملُ بها، إلا إذا ورد دليل يدلُّ على عدم اطرادها في موضع أو مواضع، وهنا نقول: معلوم أن كل طائفة فيها حَقٌّ وباطلٌ، فمتى نَقْبَلُ بعضَ أقوالها، ومتى نَرُدُّ البعضَ الآخر؟ أو ما هو المعيار الذي نستطيع أن نفرِّق به بين المقبول أو المردود من كلامها؟
ولاشك أن هناك معيارًا واحدًا، وهو: إذا قامت الأدلة على صحة جزء من كلام هذه الطائفة أو تلك؛ قَبِلْنَاه، ودعَوْنا الناسَ إلى قبوله -وإن كانتْ هذه الطائفة طائفةً مذمومةً في الجملة- وإذا قامتْ الأدلة على فساد قول من أقوالها؛ رددناه، وحذّرْنا منه -وإن كانت هذه الطائفة طائفةً محمودةً في الجملة، ولها مساعٍ مَشْكُورةٌ- هذا فقط هو مناط القبول والرد، وبهذا تظهر صحة طريقة أئمة الإسلام، ويظهر فساد قول الغلاة أو الجفاة حيثما كانوا، والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام في «الحموية»([855]): «…وليس كل مَنْ ذَكَرْنا شيئًا من قوله من المتكلمين وغيرهم نقول بجميع ما يقول في هذا وغيره، ولكنَّ الحقَّ يُقْبَلُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ به، وكان معاذ يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في «سننه»: «اقْبَلُوا الحقَّ مِنْ كل مَنْ جاء به-وإن كان كافرًا- أو قال: فاجرًا، واحْذَرُوا زَيْغَةَ الحكيم، قالوا: كيف نعرف أن الكافر يقول الحق؟ قال: إن على الحق نورًا»، أو كلامًا هذا معناه»([856]). اهـ.
وقال شيخ الإسلام أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([857]): «وقد تكلَّمْتُ في دُنُوِّ الرب وقُرْبِهِ، وما فيه من النـزاع بين أهل السنة، ثم بعضُ المُتَسَنِّنةِ والجُهَّالِ، إذا رأَوْا ما يُثْبِتُه أولئك من الحق؛ قد يَفِرُّون مِنْ التصديق به، وإن كان لا منافاة بينه وبين ما ينازعون أهل السنة في ثبوته، بل الجميع صحيح…».
ثم ذكر حال بعض الجهلة من المتسنِّنة الذين يردون بعض الحق الذي مع المبتدعة، بغضًا لهم، وتنفيرًا عنهم، فقال : «وسبب ذلك: أن قلوب الـمُثْبِتَةِ تَبْقَى مُتَعَلِّقَةً بإثباتِ ما نَفَتْهُ المبتدعةُ، وفيهم نُفْرة عن قول المبتدعة، بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له؛ فَيُعْرِضُون عن ما يثبتونه من الحق، أو يَنْفُرون منه، أو يُكَذِّبون به، كما قد يصير بعضُ جُهَّال المتَسَنِّنَةِ في إعراضِهِ عن بعض فضائل علي وأهل البيت؛ إذا رأى أهلَ البدعة يَغْلُون فيها، بل بعضُ المسلمين يصير في الإعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب اليهود والنصارى بعض ذلك(كذا في المطبوع) حتى يُحْكَى عن قوم من الجهال أنهم ربما شَتَمُوا المسيحَ إذا سمعوا النصارى يَشْتُمُون نَبِيَّنا في الحرب، وعن بعض الجهال أنه قال: سُبُّوا عَلِيًّا كما سَبُّوا عَتِيقَكُمُ…كُفْرٌ بِكُفْر؛ وإيمانٌ بإيمانِ». اهـ
فتأمل وَصْفَهُ بالجهل لمن سَلَكَ سبيلَ النُّفْرة من كل ما عليه المخالفون -وإن كان حقًّا- وأنه لا ينفعه في هذا المقام مجردُ انتسابه إلى السنة وأهلها، والله المستعان!!!
وقد جاء في «جامع المسائل» لشيخ الإسلام ابن تيمية : «فالإسلام أصلان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله، وإذا أقرَّ بذلك؛ فَلْيَعْلَمْ أن القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي الحق، وما خالفها باطل؛ فإنَّ هذا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ عن قائل مَعْصُوم، وما يخالف هذا من أقوال أو أفعال تُحْكَى عن بعض المشايخ أو العلماء وغيرهم، فقد يكون الناقل غير مُصَدَّقٍ، وإن كان الناقلُ صادقًا؛ فالقائلُ غير معصوم في مخالفة الناقل المُصَدَّق عن القائل المعصوم.
فهذا القول يجب على المؤمن أن يعتصم به، ويَزِن جميع ما يَرِد عليه على هذا الأصل، فما يجده من التنازع في بعض المشايخ والعلماء والملوك أو غيرهم في حَمْدِهِ وذمّه؛ فلا يخلو إما أن يكون المراد به معرفة حقيقة ذلك الرجل عند الله، فهذا لا حاجة بنا إلى معرفته، وقد لا يمكن معرفته، وإما أن يكون المراد حُكْم ما يُذْكَر عنه من أقوال وفعال؛ فهذا كله معروض على الكتاب والسنة، فما وافقه؛ فهو الحق، وإن كان ذلك القائل فاسقًا أو زنديقًا، وما خالفه؛ فهو الباطل، وإن كان ذلك القائل صالحًا بل صدِّيقًا، كما كان معاذ بن جبل -رضي الله عنه- يقول في وصيته: «اقبلوا الحقَّ مِنْ كلِّ مَن جاء به -وإن كان كافرًا- واحذروا زَيْغَة الحكيم» فقالوا: كيف نعرف أن الكافر يقول الحق؟ وأن الحكيم يزيغ؟ فقال: «إن على الحقّ نورًا». يريد: أن الحق معه مِنَ البرهان ما يتبين أنه حق، فهذا مقبول من كل قائل.
وكثير من الناس يزن الأقوال بالرجال، فإذا اعتقد في الرجل أنه معَظَّم؛ قَبِل أقوالَه وإن كانت باطلةً مخالفةً للكتاب والسنة، بل لا يُصْغِي حينئذ إلى مَنْ يردّ ذلك القول بالكتاب والسنة، بل يجعل صاحبَهُ كأنه معصوم، وإذا ما اعتقد في الرجل أنه غير مُعَظَّم؛ ردَّ أقوالَه وإن كانت حقًّا، فيجعل قائل القول سببًا للقبول والرد من غير وَزْنٍ بالكتاب والسنة.
وقد قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للحارث بن حوط لما قال له: يا عليّ، أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل، وأنت على حق؟ فقال: لا يا حارِ، إنه مَلْبٌوسٌ عليك، اعرف الحق؛ تعرف أهله، إن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يُعرفون بالحق.
وكلّ من اتخذ شيخًا أو عالمًا متبوعًا في كلّ ما يقوله ويفعله، يوالي على موافقته ويعادي على مخالفته غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو مبتدع ضالّ خارج عن الكتاب والسنة، سواء كان من أهل العلم والدين، كالمشايخ والعلماء، أو كان من أهل الحرب والديوان؛ كالملوك والوزراء.
بل الواجب على جميع الأمة طاعة الله ورسوله، وموالاة المؤمنين على قدر إيمانهم، ومعاداة الكافرين على قدر كفرهم،… إلخ كلامه .
ثم قال : وهذا هو الأصل الفارق بين أهل السنة والجماعة، وبين أهل البدعة والفُرْقَةُ؛ فإنّ أهل السنة والجماعة يجعلون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الإمام المُطْلَقُ، الذي يتبعونه في كلِّ شيء، ويوالون من والاه، ويعادون من عاداه، ويجعلون كتاب الله هو الكلام الذي يتبعونه كلَّه، ويصدِّقون خبره كلَّه، ويطيعون أَمْرَه كلّه، ويجعلون خير الهَدْي والطريق والسنن والمناهج هي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وأما أهل البدعة فَيَنْصِبُون لهم إمامًا يَتَّبِعُونه، أو طريقًا يسلكونه، يوالون عليه ويعادون عليه، وإن كان فيه ما يخالف السنة، حتى يوالوا مَن وافقهم مع بُعْدِه عن السنة، ويعادُوا من خالفهم مع قُرْبه من السنة. اهـ([858])
وقال في «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق»: «الاعتبارُ في الأقوال بأدلتها لا بقائليها، فلا يُنظر إلى من قال، كما قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – للحارث بن حِلِّزَة – لَمَّا قال له الحارث: (يا علي؛ أَتظنُّ أَنَّا نَظُنُّ أَنَّ طلحة والزبير كانا على باطلٍ وأنت على حقٍّ؟) – فقال: (يا حارثة، إنه ملبوسٌ عليك! اعرف الحقَّ؛ تعرف أهله، إِنَّ الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يُعْرَفُون بالحق).
والأقوال التي رُدَّتْ على مَنْ رُدَّتْ عليه من أهل البدع، وانخفضت بها أقدارهم؛ رُدَّتْ لمخالفتها الكتاب والسنة، لا لمجرد خلاف غيرهم لهم فيها.
أترانا نحتج على المعتزلة والرافضة بإجماع مَنْ سواهم من أهل السنة على خلافهم؟ وهل يحتج بهذا عاقل؟! أم يَحتج بالكتاب والسنة وبإجماع السلف الذين اتفقنا نحن وهم على أَنَّ إجماعهم حجة، كما يَحتج بإجماع الصحابة – رضي الله عنهم – على المعتزلة، وبأقوال أهل البيت على الإمامية». اهـ([859])
وقال علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ) : «وَنقل الْأَثْرَم عَنهُ: «قومٌ يُفْتُون هَكَذَا، يتقلدون قَولَ الرجل، وَلَا يبالون بِالْحَدِيثِ».
وَنقل أَبُو طَالب: عجبا لقوم عرفُوا الْإِسْنَاد وَصِحَّته، يَدَعُونَهُ ويذهبون إِلَى رَأْي سُفْيَان وَغَيره، قَالَ الله تَعَالَى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ] {النور:63} الْفِتْنَة: الْكفْر.
وَقَالَ أَحْمد بن الْحسن: أَلا يعجب يُقَال للرجل: قَالَ رَسُول الله؛ فَلَا يقنع، وَقَالَ عَن فلَان؛ فيقنع؟!
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ عَن أصُول ظَاهِرَة الْبُرْهَان: لَا يهولنك مخالفتها لقَوْل مُعَظَّم فِي النَّفس والطغام. قَالَ رجل لعَلي: أتظن أَنا نظن أَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر على الْخَطَأ، وَأَنت على الصَّوَاب؟ فَقَالَ: إِنَّه ملبوس عَلَيْك، اعرف الْحق؛ تعرف أَهله.
وَقَالَ رجل لِأَحْمَد: إِن ابْن الْمُبَارك قَالَ كَذَا، قَالَ: «ابْن الْمُبَارك لم ينزل من السَّمَاء».
وَقَالَ أَحْمد: مِنْ ضِيقِ عِلْمِ الرجل أَن يُقَلّد.
وَذُكِر لِأَحْمَد كَلِمَات عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم، فَقَالَ: وَقَعْنا فِي بُنَيَّاتِ الطَّرِيق، عَلَيْك بِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ – وَأَصْحَابه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: التَّقْلِيد للأكابر أفسد العقائد، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُنَاظَرَ بأسماء الرِّجَال، إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُتَّبَعَ الدَّلِيل؛ فَإِن أَحْمد أَخذ فِي الْجَدِّ بقول زيد وَخَالف الصّدِّيق.
وَفِي «وَاضح ابْن عقيل»: من أكبر الْآفَات: الإِلْفُ لمقالة مَنْ سَلَفَ، أَو السّكُون إِلَى قَول مُعَظَّمٍ فِي النَّفس لَا بِدَلِيل، فَهُوَ أعظم حَائِل عَن الْحق، وبَلْوى يجب معالجتها». اهـ([860])
وقال الشوكاني : «وليس المجتهدُ مَنْ وَسَّعَ دائرةَ الآراء العاطلة عن الدليل، وقَبِلَ كُلَّ ما يقف عليه مِنْ قَالٍ وقِيلٍ؛ فإن ذلك هو دَأَبُ أُسَراء التقليد، بل المجتهد من قَرَّرَ الصواب، وأَبْطَلَ الباطل، وفَحَصَ في كل مسألة عن وجوه الدلائل، ولم يَحُلْ بينه وبين الصدع بالحق مخالفةُ من يخالفه ممن يُعَظَّم في صدور المقصِّرين؛ فالحق لا يُعْرَفُ بالرجال، ولهذا المقصَد سَلَكْنَا في هذه الأبحاث مسالك لا يَعْرِف قَدْرَها إلا مَنْ صَفَى فَهْمُهُ عن التعصبات، وأخلص ذِهْنَه عن الاعتقادات المألوفات، والله المستعان». اهـ([861])
وقال في «نيل الأوطار»: «وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْمُدَّعُونَ لِلْحِلِّ بِشَيْءٍ تَرْكَنُ النَّفْسُ إلَيْهِ، وَغَايَةُ مَا جَادَلُوا بِهِ: أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا أَمْرٌ هَيِّنٌ، وَالْحَقُّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ». اهـ([862])
وقال أيضًا: «وإذا وقع الرَّدُّ لِما اخْتَلَفَ فيه أهلُ العلم إلى الكتاب والسنة؛ كان من معه دليلُ الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدًا، والذي لم يكن معه دليلُ الكتاب والسنة؛ هو الذي لم يُصِبْ الحقَّ، بل أخطأه، وإن كان عددًا كثيرًا، فليس لعالِم ولا لمتعلِّم ولا لمن يفهم ـ وإن كان مقصِّرًا ـ أن يقول: إنَّ الحقَّ بيد مَن يَقْتَدِى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره؛ فإنَّ ذلك جَهْلٌ عظيمٌ، وتعصُّب ذميم، وخروجٌ من دائرة الإنصاف بالمرة؛ لأنَّ الحقَّ لا يُعْرَفُ بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق، وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومَن لَم يكن معصومًا؛ فإنَّه يجوز عليه الخطأ، كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة، ويخطئ أخرى، ولا يتبيَّن صوابُه من خطئه إلَّا بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما؛ فهو مصيب، وإن خالفهما؛ فهو مخطئ، ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين: أَوَّلِهِم وآخِرِهِم، سابِقِهِم ولاحِقِهِم، كبيرِهِم وصغيرِهِم، وهذا يعرفه كلُّ مَن له أدنى حظِّ من العلم، وأَحْقَرَ نصيبٍ من العرفان، ومَن لَم يفهم هذا، ويعترف به؛ فليتَّهم نفسه، ويَعْلَمْ أنه قد جَنى على نفسه بالخوضِ فيما ليس من شأنه، والدخولِ فيما لا تَبْلُغُ إليه قدرتُه، ولا يَنْفُذُ فيه فهمُه، وعليه أن يُمسك قلمَه ولسانه، ويشتغل بطلب العلم، ويُفَرِّغَ نفسه لطلب علوم الاجتهاد التي يُتَوَصَّل بها إلى معرفة الكتاب والسنة، وفهم معانيهما، والتمييز بين دلائلهما، ويجتهد في البحث في السنة وعلومها، حتى يتميز عنده صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها، وينظر في كلام الأئمة الكبار من سلف هذه الأمة وخلفها حتى يهتدي بكلامهم إلى الوصول إلى مطلوبه، فإنَّه إن لَم يفعل هذا، وقدَّم الاشتغال بما قدَّمنا؛ ندم على ما فرط فيه قبل أن يتعلَّم هذه العلوم غاية الندم، وتَمَنَّى أنَّه أمسك عن التكلُّم بما لا يعنيه، وسكت عن الخوض فيما لا يَدْرِيه، وما أحسن ما أدَّبنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه من قول «رحم الله امرءًا قال خيرًا أو صمت»، وهذا في الذي تكلَّم في العلم قبل أن يفتح الله عليه بما لا بدَّ منه، وشغل نفسه بالتعصب للعلماء، وتصدَّر للتصويب والتخطئة في شيء لَم يعلمه ولا فهمه حقَّ فهمه، ولم يقل خيرًا ولا صمت؛ فلم يتأدَّب بالأدب الذي أرشد إليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.
وإذا تقرَّر لك من مجموع ما ذكرناه وجوبُ الرد إلى كتاب الله وسنِّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بنصِّ الكتاب العزيز، وإجماع المسلمين أجمعين، عرفت أنَّ مَن زعم من الناس أنَّه يُمكن معرفة المخطئ من العلماء من غير هذه الطريق عند اختلافهم في مسألة من المسائل؛ فهو مخالفٌ لِما في كتاب الله، ومخالفٌ لإجماع المسلمين أجمعين، فانظر -أرشدَك الله- إلى أيِّ جناية جنى على نفسه بهذا الزعم الباطل، وأيِّ مصيبة وقع فيها بهذا الخطأ الفاحش، وأيِّ بَلِيَّةٍ جَلَبَها عليه القصورُ والتقصيرُ، وأيِّ محنة شديدة ساقها إليه التكلُّم فيما ليس من شأنه؟». اهـ([863])
وقال المناوي : «قال الذهبي: وبَيْنَ الأئمة اختلافٌ كثيرٌ في الفروع وبعضِ الأصول، وللقليل منهم غَلَطَاتٌ، وزَلَقَاتٌ، ومُفْرَدَاتٌ مُنْكَرَةٌ، وإنما أُمِرْنا باتباع أكثرهم صوابًا، ونَجْزِم بأن غَرَضَهُم ليس إلا اتِّبَاعُ الكتاب والسنة، وكل ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل، فإذا رأيتَ فقيهًا خالف هذين، أَوْ رَدَّ حديثًا، أو حَرَّفَ معناه؛ فلا تبادر لتغليطه، وقد قال عليٌّ لمن قال له: أَتَظُنُّ أن طلحة والزبير كانا على باطل: يا هذا إنه مَلْبُوسٌ عليك، إن الحقَّ لا يُعْرَفُ بالرجال، اعْرِفِ الحَقَّ؛ تَعْرِفْ أَهْلَهُ، وما زال الاختلاف بين الأئمة في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكل على تعظيم البارئ، وأنه ليس كمثله شيء، وأن ما شَرَعَهُ رسوله حَقٌّ، وأن كتابهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، وإنما وُضِعَتْ المناظرةُ لِكَشْف الحق، وإفادةِ العالم الأَذكَى العِلْمَ لمن دونه، وتنبيهِ الأَغْفَلِ الأَضْعَفِ، فإن دَاخَلَهَا هَوًى من الأكمل، وانكسارٌ من الأصغر؛ فذاك دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان غفلة عن الله، فما الظن بالنفوس الشريرة، انتهى». اهـ([864])
فتأمل قوله : «وما زال الاختلاف بين الأئمة في الفروع وبعض الأصول…»، وقوله -قبل ذلك: «وبَيْنَ الأئمة اختلافٌ كثيرٌ في الفروع وبعضِ الأصول…» والغلاة في التبديع يرون أن أي اختلاف في أي أصل من الأصول؛ فهو مروق من السنة، وارتماء في أحضان البدعة والمبتدعين، ويعدُّونه مبتدعًا دون تفصيل، بل ويُبَدِّعُون كثيرًا من مخالفيهم من دون وقوعه في بدعة أو مخالفة في فهم أصلٍ أصلًا؛ إنما ذلك لكونه يخالف جهالاتهم، فنعوذ بالله من حال الغلاة، ونسأل الله لنا ولهم التوبة النصوح.
وقال الشيخ «أبا بطين» : «يتعين على من نَصَحَ نفسه، وعلم أنه مسئولٌ عما قال وفَعَلَ، ومحاسَبٌ على اعتقاده وقوله وفعله: أن يُعِدَّ لذلك جوابا، ويَخْلَعَ ثَوْبَي الجهلِ والتعصبِ، ويُخْلِصَ القصد في طلب الحق، قال الله تعالى: [ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ] {سبأ:46}.
ولْيَعْلَمْ: أنه لا يُخَلِّصه إلا اتباعُ كتاب الله وسنة نبيه، قال الله تعالى: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ] {الأعراف:3}، وقال تعالى: [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ] {ص:29}.
ولما كان قد سبق في علم الله وقضائه: أنه سيقع الاختلافُ بين الأمة؛ أَمَرَهُم وأَوْجَبَ عليهم عند التنازع الرَّدَّ إلى كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال تعالى: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ] {النساء:59}.
قال العلماء: الردُّ إلى الله : الردُّ إلى كتابه، والردُّ إلى رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: الردُّ إليه في حياته، والردُّ إلى سنته بعد وفاته، ودلت الآية: أن من لم يَرُدَّ عند التنازع إلى كتاب الله وسنة نبيه؛ فليس بمؤمن؛ لقوله تعالى: [ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ] {النساء:59} فهذا شَرْطٌ ينتفي المشروطُ بانتفائه.
ومُحَالٌ أن يأمر الله الناسَ بالرد إلى ما لا يَفْصِلُ النزاع بينهم، لاسيما في أصول الدين، فأما من علقتْ عنده شبهة، فشوَّشتْ عليه الفهم؛ ففيه تفصيل آخر.
وقال الله تعالى: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ] {النساء:65}.
ولم يَأْمُرْنا الله -جلَّ ثناؤه- ولا رسولُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: بالرد- عند التنازع والاختلاف- إلى ما عليه أكثر الناس، ولم يَقُلْ الله -سبحانه وتعالى- ولا رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لِيَنْظُرْ أهلُ كل زمان إلى ما عليه أكثر أهل زمانهم؛ فيتبعوهم، ولا إلى أهل مَصْرٍ معين، أو إقليم.
وإنما الواجب على الناس: الرَّدُّ إلى كتاب الله -تبارك وتعالى- وسنة نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسنة الخلفاء الراشدين المهديين -رضي الله عنهم- وما مضى عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ولا يعبأ بكثرة المخالفين بعدهم، فإذا علم الله من العبد الصِّدْقَ في طلب الحق، وتَرْكِ التعصب، ورغب على الله في سؤاله هداية الصراط المستقيم؛ فهو جدير بالتوفيق.
ولا يَسْتَوْحِشُ الإنسانُ لقلة الموافقين، وكثرة المخالفين؛ فإن أهل الحق أَقَلُّ الناس فيما مضى، وهم أَقَلُّ الناس فيما بقي، لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة، التي قد صار الإسلام فيها غريبا.
وقد قال بعض السلف : ما ترك أحد حَقًّا إلا لِكِبْرٍ في نفسه؛ ومصداقُ ذلك: قولُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر»، ثم فسَّر الكبر بأنه: بَطَرُ الحق، أي: رَدُّه، وغَمْطُ الناس: وهو احتقارهم وازدراؤهم.
ولقد أحسن القائل([865]):
| وتَعَرَّ مِنْ ثَوْبَيْنِ مَنْ يَلْبَسْهُما | يَلْقَى الرَّدَى بمذمَّةٍ وهوانِ | |
| ثوبٌ من الجهلِ المُرَكَّب فوقه | ثوبُ التعصب بِئْسَتِ الثوبانِ | |
| وتحلَّ بالإنصاف أَفْخَرَ حِلْيَةٍ | زِينَتْ بها الأعطافُ والكَتِفانِ | |
| واجعل شِعَارَكَ خَشْيَةَ الرحمن مَعْ | نُصْحِ الرسولِ فَحَبَّذا الأَمْرَانِ([866]) |
وقال أيضًا :
| والجهلُ داءٌ قاتِلٌ وشفاؤه | أمرانِ في التركيب مُتَّفِقَانِ | |
| نَصٌّ من القرآنِ أو مِنْ سُنَّةٍ | وطبيبُ ذاك العالمُ الرباني([867]) |
وقد قال الإمام ابن القيم : وما أحسن ما قال الحافظ أبو محمد، عبد الرحمن المعروف بأبي شامة- في كتاب «الحوادث والبدع»-: «حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة؛ فالمراد به: لرزمُ الحق واتِّبَاعُهُ، وإن كان المتمسِّكُ به قليلا، والمخالِفُ له كثيرا»؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى، من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.
وقال شيخنا ابن عثيمين : «الحق لا يُوزَنُ بالرجال، وإنما يُوزَنُ الرجالُ بالحق، هذا هو الميزان الصحيح، وإن كان لمقام الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم، كما نقبل خبر العدل، ونتوقف في خبر الفاسق، لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال؛ فإن الإنسان بَشَرٌ، يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته، فقد يكون الرجل دَيِّنًا وذا خُلُقٍ، ولكن يكون ناقصَ العلم، أو ضعيفَ الفهم، فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف، أو يكون قد نشأ على طريق معين، أو مذهب معين، لا يكاد يعرف غيره، فيظن أن الصواب مُنْحَصِرٌ فيه، ونحو ذلك». اهـ([868])
وفي مجلة البحوث الإسلامية([869]) – من مقال: (نصيحة هامة إلى جميع الأمة)، لسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز -:
«فيجب عليك أن تخضع للحق ممن جاء به من جن أو أنس، فمتى عرفت الحق؛ فاقْبَلْهُ بالدليل، ولا تقل جاء به فلان، بل عليك أن تقبل الحق؛ لأن الحقَّ فوقَ الجميع، الحقُّ ضالةُ المؤمن، وحاسِبْ نَفْسَك أنت يا عبدَ الله، حاسِبْ نَفْسَك وجماعَتَكَ التي أَنْتَ تَنْتَسِبَ إليهم، حاسِبْهُم، وانْظُرْ فيما دَعَوْك إليه، فإن كان موافقا لشرع الله؛ فاقْبَلْ وإلا فَدَعْهُ، وإذا كان بقاؤك مع هذه الجماعة أَنْفَعَ لك في الدين؛ فابْقَ معهم، وإن كان بقاؤك معهم يَضُرُّك؛ فاهْرَبْ منهم، اهْرَبْ وانْصَحْهُم، لا تَبْقَ مع الباطل، ولا مع أهل الباطل إلا ناصِحًا لهم، ومُوَجِّهًا لهم إلى الخير، هكذا تجب النصيحةُ، يقول النبي
-صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة» قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». أخرجه مسلم في صحيحه». اهـ
ثالثًا:
واعلم: أنه يُوجَد في هذا الزمان ظاهرةٌ عجيبةٌ: وهي أن الكثير من الغلاة يُحَرِّمون أمورًا كثيرة، وليس معهم دليل على تحريمها، إلا قولهم: إن هذا مِنْ فِعْل «الإخوان المسلمين» -مثلا- أو هذه طريقة الحزبيين، أو هذا كلام الصوفية، أو أسلوب المبتدعة عندنا….الخ!!! مع أن كثيرًا من كبار علماء السنة يمارسون هذه الأمورَ أيضًا، ويُفْتُون بجوازها، وهؤلاء الشباب يَعْلَمون ذلك، لكنهم يأخذون من كلام العلماء ما يَظُنُّون أنه مُوافِقٌ لأهوائهم فقط، وبعض هؤلاء المقلِّدة يقولون في كثير من الأعمال الشرعية التي قام الدليل على صحتها: «هذه حزبية»!! «هذا تكتُّل»!! «هذا منهج الطرُقيّة»!! «هذه دعوة غريبة»!! «أو نحن نشُمُّ من هذا الفعل رائحة الحزبية»، وكذا وكذا…إلى غير ذلك من التّرَّهات، فإذا سئلوا عن الدليل على قولهم؛ أحالوك إلى مثل هذا الكلام العاطل الباطل، فقالوا: هذا كلام الإخوان أو التبليغ!! هذه طريقة الحزبيين!! هذا الباب الذي دَخَلَ أو خَرَجَ منه فلان أو فلان!! مع أنهم لم يَعْلَمُوا -في كثير من الأحوال- حقيقة ما يفعلونه هم في الناس، وحقيقة ما يَرْمُون به غيرهم، وأنهم قد عَقَدوا الولاءَ والبراءَ على أُمورٍ ابْتَدَعُوها من عند أنفسهم، ما أنزل الله بها من سلطان، أو تلقّفوها عمن يقلدونه، الذي كان سببًا في انحرافهم عن مسار الاعتدال، فسقطوا في حزبية نَتِنَة، وجِيفَة قَذِرة، وكأنهم لا يَفْقَهُون أن الحقَّ مقبولٌ من كل أَحَدٍ، برًّا كان أو فاجرًا، مُسْلِمًا كان أو كافرا، وأن الباطلَ مردودٌ على كل من قَضَى به، كائنًا من كان، وإن كان ممن يُسْتسْقى الغمام به، أو يُسْتَشفى بدعائه، والله المستعان!!!
قال شارح الطحاوية ([870]): «المُعْتَبرُ: رُجْحَانُ الدليل، ولا يُهْجَر القول لأنَّ بعض أهل الأهواء وافَقَ عليه، بعد أن تكونَ المسألةُ مختلفًا فيها بين أهل السنة…». اهـ.
ومعناه: أنه إذا كان أحد أقوال أهل البدع -الذين وقعوا في البدع الكبرى من جهة أخرى- يوافق قولَ بعض أهل السنة في بعض المسائل، ويخالف البعضَ الآخر، أي لم يُجْمِعْ أهلُ السنة على خلاف قولهم؛ فلا يُرّدُّ مطلقًا؛ لأنه ليس من الأقوال التي تَفَرَّدَ بها أهلُ البدع، وصادموا فيها الأدلة، ومرقُوا فيها عن الإجماع، إنما يُنْظَر للدليل المرجِّح، فقد يكون مع الفريق الذي وافقهم من أهل السنة، ومن ثَمَّ يكون مع المبتدعة شيء من الحق في هذا الموضع بعينه، وهذا الذي قرره هؤلاء العلماء، هو الذي عليه علماء السلفية المعتدلون في هذا العصر، كما هو مقرَّر في موضعه، أما الغلاة، والمتهوِّرون، والغوَّاصون في النوايا وذوات الصدور؛ فلهم شَأْنٌ آخر، هدانا الله وإياهم إلى سواء الصراط، والله المستعان.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا مزيدًا إلى يوم الدين.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
18/ شوال/1439هـ.
A
A
[19]أهل السنة يعْقِدون الولاءَ والبراءَ على الحقِّ القطعيِّ المبينِ، لا على أقوالِ الرجالِ













