كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلدالأول

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الأول

(أهل السنة يعْقِدون الولاءَ والبراءَ على الحقِّ القطعيِّ المبينِ،
لا على أقوالِ الرجالِ، ومسائلِ الاجتهادِ)

  • السؤال التاسع عشر: معلوم أن البراءة من أهل البدع أَصْلٌ من أصول أهل السنة والجماعة، ونحن نرى أن البعض يستعمل هذا الأصل مع كل من خالفه، حتى وإن كانوا من أهل السنة، بل كان الحق في صفِّهم، وليس في صفِّ من يبدِّعهم، أو يهجرونهم؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمعلوم: أن الحق يُعْرَف بقوة دلائله، لا بمكانة قائله، وقد ضَمِن الله الحفظ والعصمة لكتابه الكريم، وما صحَّ قطْعًا أو ترجيحًا عن نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عند علماء الحديث النبوي، وكذا إجماع العلماء المتيقَّن، وأما اجتهادات آحاد العلماء: فمنها الصواب، ومنها الخطأ، وهذه طبيعة البشر غير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وإن كان الصواب في اجتهادات العلماء أكثر، واختلاف العلماء في هذا القدْر لا يخلو من فائدة، يَعْرِفُها المشتغلون بالعلوم الشرعية، والنظرِ في اجتهادات العلماء.

ومعلومٌ أيضًا: أن الولاء والبراء أَصْلٌ من أصولِ الدين، يجب أن يُسْتَعمل مع أهله، وفي وقته، وبضوابطه؛ صيانةً للأصول الدينية الأخرى، وحفاظًا عليها من الضَّياع والانْدِثَار، ولا يُسْتَعْمَلُ هذا الأصلُ الأصيلُ -الولاء والبراء- في مجال المسائل الفرعية الاجتهادية المخْتَلَفِ فيها بين علماء السنة، فإن بُغْضَ وكراهيةَ العالم المجتهدِ المخطئِ، والمأجورِ أجرًا واحدًا، والمعفوِّ عن خطئه بنصّ الحديث النبوي؛ يخالف أصلَ الولاء للمؤمنين، لاسيما العالمُ الصالحُ المجتهدُ منهم.

كما أنَّ عَقْد الولاء والبراء على السمع والطاعة لأقوال غير معصومة أو محبة شخص ما غير رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وإن بلغ من الفضْل مبْلَغه، وامتحانَ الناسِ به: فَمَنْ وافقه في كل شيء؛ صار وليًّا مُقَرَّبًا، ومن خالفه في أقلّ شيء؛ صار عدُوًّا مُبْعَدًا؛ هذا كله ليس من عمل أهل السنة والجماعة، إنما هو من عمل أهل البدع والفتنة والشناعة!!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وليس لأحدٍ أن يَنْصِبَ للأمة شَخْصًا: يَدْعُو إلى طريقته، ويُوالي ويُعادي عليها، غيرِ كلام الله ورسوله، وما اجتمعتْ عليه الأمة، بل هذا من فِعْل أهل البدع، الذين يَنْصِبُون لهم شَخْصًا، أو كلامًا يُفَرِّقون به بين الأمة، يُوالُون به -على ذلك الكلام، أو تلك النسبة- ويُعادون»([871]).

وقال أيضًا في «التسعينية»([872]): «أئمة السنة والجماعة لا يُلْزِمون الناس بما يقولون من موارد الاجتهاد، ولا يُكْرِهون أحدا عليه».

قلت: وكثير ممن ينتسب إلى السنة اليوم يُسَلِّم بصحة هذا الكلام نظريًّا، أما حاله فعلى خلاف ذلك: ولاءً وبراءً، هَجْرًا ووصْلًا، جرْحًا وتعديلًا، ذمًّا ومدْحًا، مع الظلم وتجاوز الحد في هذا كلّه، فالكلام كلامُ أهل السنة، والحالُ حالُ أهل البدعة والفتنة، كما قال القائل:

أمّا الخيامُ فإنها كخِيامِهِمْوأرى نساءَ الحيّ غيرَ نسائِهَا!

والموَفَّق من وفّقه الله، والبصير من عَرَض قالَه على حاله وفعاله، وخلا بنفسه، وحاسبها، وأنّبها، وضَنَّ بحسناته؛ لا يوزّعها على الخلق يوم القيامة، وهو أحوج ما يكون إلى حسنة يَثْقُلُ بها ميزانه، فما أقبح الكرم بالحسنات على العدو والصديق، وما أحْلَى البُخْل بالحسنات، وما أعظم الزهد في جلب سيئات أقوام آخرين على سيئات المرء، ظلماتٌ بعضُها فوق بعض، والله أعلم.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

22/ شعبان/1439هـ

A

A

[20]

ليس كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ أَسْقَطْنَاه وأهدرناه بالكُلِّية