كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلدالأول

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الأول

(المقصود بأهل السنة والجماعة، وضابط الانتساب إليهم)

  • السؤال الرابع: وقد يتساءل البعض: مَنْ تَقْصد بأهل السنة الذين ذَكَرْتَهم في كثير من أجْوبتك؟

والجواب:

أولًا: الأصل: أن أهل السنة والجماعة هم الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون لهم بإحسان، وتابِعُو التابعين لهم بإحسان، كما أقصد بأهل السنة: كُلَّ من انتمى أو انتسب إلى طريقة أصول أهل السنة والجماعة، والتزم مرجعيتهم: الكتاب الْمُحْكَم، والسنة الثابتة، وفهم السلف، وأعلن الانتماء إلى فرقتهم وعلمائهم المشاهير، وأعلن البراءة من أصول أهل البدع التي كانت سببا في انحرافهم عن أصول أهل السنة، ومن الانتماء إلى الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنة، والمتناثرة على جَنَبَتَيْ الطريق إفراطًا وتفريطا، وقد يكون هذا الانتماء والاعتقاد منه مجملًا، كإيمان العوام، وقد يكون مُفصَّلًا كإيمان علماء السنة وبعض طلاب العلم.

فالإيمان الْمُجْمَلُ بأصول أهل السنة، والانتساب إليهم، والبراءةُ المجملةُ من أصول أهل البدع ومن الانتساب إليهم، كلُّ ذلك كافٍ في جعل الرجل من جهة الإجمال من جملة أهل السنة والجماعة، ويُحْكم له في الأصل بذلك؛ فإن صدر منه شيء يخالف أحد هذه الأصول قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا؛ حُكم عليه من أهل العلم والاعتدال والإنصاف بما يستحق دون إفراط أو تفريط، لكن ذلك لا يكون منهم إلا بعد استيفائهم شروط ذلك الحكم منه، وانتفاء موانعه عنه، وليس الأمر مباحًا لكل من دبَّ ودَرَجَ!!!

وقد بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موطن من كتبه، فقال : «فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع؛ كان من أهل السنة والإجماع». اهـ([155])

فلفظ السنة كما قال الشاطبي : «يُطْلَقُ في مقابل البدعة، فيقال: فلان على سنة؛ إذا عمل على وفق ما عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويقال: فلان على بدعة؛ إذا عَمِلَ على خلاف ذلك». اهـ([156])

وهذا اللقب -أعني أهل السنة والجماعة- يُطْلَقُ على إطلاقين:

(أ) وهو الإطلاق العام، كما إذا كان الكلام في مسائل الإمامة -مثلا-، فيقال: أهل السنة في مقابل الشيعة، وبهذا تدخل جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام عدا الشيعة ممن يُثْبِتُ الإمامة -أعني إمامة الخلفاء الثلاثة-: أعني أبا بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- فإن الخلاف فيهم، أما عليّ -رضي الله عنه- فموضع اتفاق بين أهل السنة والشيعة أو الرافضة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فلفظ السنة يُراد به من أَثْبَتَ خلافة الخلفاء الثلاثة؛ فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة».([157])

(ب) وهم أهل السنة المحضة، وهو الإطلاق الخاص، والمراد به ما يكون في مقابل أهل البدع والمقالات المحدثة، والمراد بهم كما قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية : «أنهم أهل الحديث والأثر، أهل السنة المحضة؛ فلا يدخل فيهم إلا من أثبت الصفات لله -تعالى، وقال: إن القرآن غير مخلوق، وأن الله يُرَى في الآخرة، وأَثْبَتَ القَدَرَ، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة». اهـ([158])

فأهل السنة المحضة كما يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي : «هم السالمون من البدع، الذين تَمَسَّكُوا بما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُهُ في الأصول كلها: أصول التوحيد، والرسالة، والقَدَر، ومسائل الإيمان، وغيرهم من الخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والقدرية، والرافضة، والمرجئة، ومَنْ تَفَرَّعَ عنهم، كُلُّهُم من أهل البدع الاعتقادية». اهـ([159])

ثانيًا: كما أقصد بهذا المصطلح أن أهل السنة والجماعة هم أهل الحق، وهم السائرون حقا على منهج الطائفة الناجية المنصورة.

فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ».([160])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: هِيَ الْفِرْقَةُ الَّتِي وَصَفَهَا النَّبِيُّ بِالنَّجَاةِ حَيْثُ قَالَ: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ: مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي». فَهَذَا الِاعْتِقَادُ: هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَهُمْ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ». اهـ([161])

وقال : «لَا عَيْبَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَذْهَبَ السَّلَفِ، وَانْتَسَبَ إلَيْهِ، وَاعْتَزَى إلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ لَا يَكُونُ إلَّا حَقًّا؛ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي هُوَ عَلَى الْحَقِّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ دُونَ الْبَاطِنِ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِ؛ فَتُقْبَلُ مِنْهُ عَلَانِيَتُهُ، وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا نَشُقَّ بُطُونَهُمْ». اهـ([162])

قلت: ولا يكون الرجل من أهل السنة والجماعة إلا إذا كان مُعَظِّمًا للسلف الصالح، مُقَدِّمًا فَهْمَهُم على فَهْمِهِ وفهم غيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وكل أحد يَعْلَمُ أن عقول الصحابة والتابعين وتابعيهم أَكْمَلُ عقول الناس.

واعْتَبِرْ ذلك بأَتْبَاعِهِم؛ فإن كُنْتَ تَشُكُّ في ذكاء مثل: مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزُفَر بن الهذيل، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد، وإبراهيم الحربي، وعبد الملك بن حبيب الأندلسي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وعثمان بن سعد الدارمي، بل ومثل: أبي العباس بن سريج، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي القاسم الخرقي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وغيرهم من أمثالهم، فإن شَكَكْتَ في ذلك؛ فأنت مُفْرِطٌ في الجَهْل أو مُكَابِرٌ، فانْظُرْ خُضُوعَ هؤلاء للصحابة وتَعْظِيمَهُم لِعَقْلِهِم وعَمَلِهِم، حتى إنه لا يجترئ الواحد منهم أن يخالف الواحد من الصحابة، إلا أن يكون قد خالفه صاحِبٌ آخر.

وقد قال الشافعي -رحمة الله عليه- في «الرسالة»: أنهم فوقنا في كل عَقْلٍ وعِلْمٍ وفَضْلٍ وسَبَبٍ يُنَالُ به عِلْمٌ، أو يُدْرَكُ به صوابٌ، ورأْيُهُم لنا خير مِنْ رَأْينا لأنفسنا، أو كما قال -رحمة الله عليه-». اهـ([163])

ثالثًا: أهل السنة والجماعة: «يزِنون بهذه الأصول الثلاثة -أي: الكتاب والسنة وإجماع السلف- جميعَ ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة، مما له تَعَلُّقٌ بالدين». اهـ([164])

قال البربهاري : «واعْلَمْ – رحمك الله – أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حُجَّة من السنة والجماعة؛ فقد قال على الله ما لا يَعْلَمُ، ومن قال على الله ما لا يَعْلَمُ؛ فهو من المتكَلِّفين، والحق ما جاء من عند الله، والسنةُ: سنةُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والجماعةُ: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ومن اقتصر على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما كان عليه أصحابه والجماعة؛ فَلَجَ على أهل البدع كُلِّهَا، واستراح بَدَنُهُ، وسَلِمَ له دينُهُ -إن شاء الله-؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ستفترق أمتي» وبَيَّن لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناجي منها، فقال: «ما كنتُ أنا عليه اليوم وأصحابي».

فهذا هو الشفاء، والبيان، والأمر الواضح، والمنار المستنير». اهـ([165])

وقال أبو المظفر السمعاني : «وَأما أهل الْحق: فَجعلُوا الْكتاب وَالسّنة إمَامَهُمْ، وطلبوا الدّين مِنْ قِبَلِهِمَا، وَمَا وَقع لَهُم من معقولهم وخواطرهم عَرَضُوه على الْكتاب وَالسّنة، فَإِن وجدوه مُوَافقا لَهما؛ قَبِلُوه، وشَكَرُوا الله حَيْثُ أَرَاهُم ذَلِك، ووقَّفهم عَلَيْهِ، وَإِن وجدوه مُخَالفا لَهما؛ تركُوا مَا وَقع لَهُم، وَأَقْبلُوا على الْكتاب وَالسّنة، وَرَجَعُوا بالتهمة على أنفسهم؛ فَإِن الْكتاب وَالسّنة لَا يهديان إِلَّا إِلَى الْحق، ورأْيُ الْإِنْسَان قد يرى الْحق وَقد يري الْبَاطِل.

وَهَذَا معنى قَول أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي -وَهُوَ وَاحِد زَمَانه فِي الْمعرفَة-: مَا حَدَّثَتْنِي نَفسِي بِشَيْء، إِلَّا طَلَبْتُ مِنْهَا شَاهِدين من الْكتاب وَالسّنة، فَإِن أَتَى بهما؛ وَإِلَّا رَددته فِي نَحره، أَو كَلَام هَذَا مَعْنَاهُ». اهـ([166])

رابعًا: ليس معنى ما سبق، أن كل من كان من أهل السنة والجماعة فهو معصوم من الخطأ في العلميات والعمليات، بل كلٌّ واحد منهم يُؤخذ منه ويُرَدُّ، إلا رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإنما المراد أن إجماعهم حجة في المسائل والدلائل، وأن الواجب علينا الانتساب إليهم وإلى عقيدتهم ومنهجهم في الدعوة وجميع فنون العلم الشرعي، ولا إنكار على من فعل ذلك، وتبرأ مما خالفهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَنَحْنُ لَا نَقْصِدُ تَصْوِيبَ قَوْلِ كُلِّ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى السُّنَّةِ، بَلْ نُبَيِّنُ الْحَقَّ، والحقُّ: أن أهل السنة لم يتفقوا قطُّ على خطأ». اهـ.

وقال شيخنا العلامة الألباني : «وأما الذي ينتسب إلى السلف الصالح، فإنه يَنْتَسِبُ إلى العصمة على وَجْهِ العموم، وقد ذَكَرَ النبي من علامات الفرقة الناجية: أنها تتمسك بما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما كان عليه أصحابه، فمن تَمَسَّكَ بهم؛ كان يقينا على هُدًى من ربه.

وهي نسبة تُشَرِّفُ المنتسبَ إليها، وتُيَسِّرُ له سبيل الفرقة الناجية، وليس ذلك لمن ينتسب أية نسبة أخرى؛ لأنها لا تَعْدُو واحدا من أمرين: إما انتسابا إلى شخص غير معصوم، أو إلى الذين يتبعون منهج هذا الشخص غير المعصوم؛ فلا عصمة كذلك، وعلى العكس منه عصمة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو الذي أُمِرْنا أن نتمسك بسنته وسنة أصحابه من بعده.

ونحن نُصِرُّ ونُلِحُّ أن يكون فَهْمُنا لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفق منهج صحبه، لكي نكون في عصمة من أن نميل يمينا أو يسارا، ومن أن ننحرف بفهم خاص لنا، ليس هناك ما يدل عليه من كتاب الله -سبحانه-، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-». اهـ([167])

هذا، وقد قلت في كتابي: «الدفاع عن أهل الاتباع»: «ومعلوم أن إجماع الصحابة، أو إجماع الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق؛ لا يكون إلا حقًّا معصومًا من الضلالة والتقصير، ومن كيد الشيطان، نعم آحاد الصحابة، وآحاد الطائفة المنصورة غير معصومين، وكلٌّ يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ، إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، لكن الإجماع -إن ثَبَتَ حقا- فمعصوم، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة»، ومن المعلوم: أن الطائفة المنصورة، هي التي تتبع الإسلام الصحيح، وكيف يكون منهج هؤلاء غير معصوم، والله يقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ] {المائدة:3}؟!!

وكيف يقال: إن هؤلاء وإن أجمعوا، فغير معصومين من التقصير، أو غير محفوظين بالكلية من كيد الشيطان؟!»… اهـ

خامسًا: فإن ارتكب المنتمي إلى منهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان بعد ذلك ما يخالف ذلك قَوْلا أو فِعْلًا أو اعتقادًا؛ نَظَرْنا في نوع مخالفته، وخِفَّتِها وغِلَظِها، ونصحناه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيَّنَّا له حقيقة مخالفته، فإن أَصَرَّ على قوله بعد زوال شبهته، وانقطاع عُذْرِه، وكانت مخالفته في أصل من الأصول التي فارقت بها المبتدعةُ جماعةَ أهل السنة؛ أُلْحِقَ بمن قال بمقالتهم من المبتدعة بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، أما إذا كانتْ مخالفته فيما دون الأصول التي تسببتْ في إخراج المبتدعة من دائرة أهل السنة، فيبقى -مع مخالفته- من أهل السنة في الجملة، ولكن عنده انحراف أو خطأ في كذا أو كذا، أو عنده ذنوب وفجور في كذا، أو عنده شبهات أثَّرَت عليه بكذا…وهكذا، ومع ذلك يُحَذَّرُ غيرُهُ من خطئه الذي أخطأ فيه، مع حفظ حُرْمَتِهِ وحِشْمَتِهِ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ؛ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَالِكًا؛ فَإِنَّ الْمُنَازِعَ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا يَغْفِرُ اللَّهُ خَطَأَهُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا كَانَتْ أَلْفَاظُ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاوِلَةُ لَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا الْمُتَأَوِّلُ، وَالْقَانِتُ، وَذُو الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَغْفُورُ لَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا أَوْلَى، بَلْ مُوجَبُ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ؛ نَجَا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ، وَمَنْ اعْتَقَدَ ضِدَّهُ؛ فَقَدْ يَكُونُ نَاجِيًا، وَقَدْ لَا يَكُونُ نَاجِيًا، كَمَا يُقَالُ: مَنْ صَمَتَ؛ نَجَا». اهـ([168])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَمِمَّا يَنْبَغِي أيضًا أَنْ يُعْرَفَ: أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ؛ عَلَى دَرَجَاتٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ، وَمَنْ يَكُونُ قَدْ رَدَّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ السُّنَّةِ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ مَحْمُودًا فِيمَا رَدَّهُ مِنْ الْبَاطِلِ وَقَالَهُ مِنْ الْحَقِّ؛ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ جَاوَزَ الْعَدْلَ فِي رَدِّهِ، بِحَيْثُ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ، وَقَالَ بَعْضَ الْبَاطِلِ، فَيَكُونُ قَدْ رَدَّ بِدْعَةً كَبِيرَةً بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا؛ وَرَدَّ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ أَخَفَّ مِنْهُ، وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَجْعَلُوا مَا ابْتَدَعُوهُ قَوْلًا يُفَارِقُونَ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ؛ يُوَالُونَ عَلَيْهِ وَيُعَادُونَ؛ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَطَأَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: لَهُمْ مَقَالَاتٌ قَالُوهَا بِاجْتِهَادِ، وَهِيَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ وَالَى مُوَافِقَهُ وَعَادَى مُخَالِفَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفَّرَ وَفَسَّقَ مُخَالِفَهُ دُونَ مُوَافِقِهِ فِي مَسَائِلِ الْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادَاتِ، وَاسْتَحَلَّ قِتَالَ مُخَالِفِهِ دُونَ مُوَافِقِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافَاتِ». اهـ([169])

وهذا التفاوت يقع في مسائل العقيدة والعبادة على حَدٍّ سواء.

فليس كل من أخطأ أُهْدِرَتْ حسناته؛ لأن ذلك راجعٌ إلى تفصيل طويل: في نوع الخطأ، وحال المخطئ، وصحة قيام الحجة عليه من عدمها، وإزالة الشبهة العالقة بذهنه… إلخ.

قال شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّةَ : «بل يَضِلُّ عن الحق مَنْ قَصَدَ الحقَّ، وقد اجتهد في طلبه، فعجز عنه؛ فلا يُعاقَبُ، بل يكون له أجر على اجتهاده، وخطؤه الذي ضَلَّ فيه عن حقيقة الأمر مغفور له، وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يَعْلَموا أنه بدعة؛ إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فَهِمُوا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرَأْيٍ رَأَوْهُ، وفي المسألة نصوصٌ لم تَبْلُغْهم، وإذا اتَّقَى الرجلُ رَبَّهُ ما استطاع؛ دَخَلَ في قوله: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ] {البقرة:286}، وفي الصحيح من حديث ابن عباس -رضي الله عنه- أن الله قال: قد فَعَلْتُ». اهـ([170])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «ومما يتعلق بهذا الباب: أن يُعْلَمَ أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة: أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونًا بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك مالا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تُعَظِّمُه، فتريد تصويبَ ذلك الفعلِ واتباعَهُ عليه، وطائفة تذمّه، فتجعل ذلك قادحًا في ولايته وتقواه، بل في برّه وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وَكِلَا هذين الطرفين فاسد، والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا.

ومن سلك طريق الاعتدال؛ عظَّم من يستحق التعظيم، وأَحَبَّهُ، ووالاه، وأَعْطَى الحَقَّ حَقَّه، فَيُعَظِّم الحقَّ، ويَرْحَمُ الخَلْقَ، ويَعْلَم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات: فيُحْمَدُ ويُذَمُّ، ويُثابُ ويُعاقَبُ، ويُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ، ويُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم». اهـ([171])

وقال الإمام ابن القيم وقد أشار لبعض شطحات المخالفين-: «فلو كان كل من أخطأ أو غَلِطَ، تُرِكَ جملةً، وأُهْدِرَتْ محاسنه؛ لفَسَدَتِ العلومُ والصناعاتُ والحِكَمُ، وتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُهَا…»اهـ.([172])

وقال أيضًا في «مدارج السالكين»([173]) – في سياق ذِكر ما أُخذ على أبي إسماعيل الهروي، فقال: «ومن له عِلْمٌ بالشرع والواقع؛ يَعْلَم قطعًا أن الرجل الجليل، الذي له في الإسلام قَدَمٌ صَالِحٌ، وآثارٌ حَسَنَةٌ، وهو من الإسلام وأهله بمكان؛ قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَّبَعَ فيها، ولا يجوز أن تُهْدَرَ مكانَتُهُ وإمامَتُهُ ومنـزلَتُهُ من قلوب المسلمين». اهـ.([174])

وقال الحافظ الذهبي في ترجمة ابن خزيمة: «ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده، مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتباع الحق، أَهْدَرْناه، وبَدَّعْنَاه؛ لَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه». اهـ([175])

وقال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين : «وأما موقفنا من العلماء المؤولين، فنقول: من عُرِفَ منهم بحُسْن النية، وكان لهم قَدَمُ صِدْقٍ في الدين، واتباعُ السنة؛ فهو معذور بتأويله السائغ، ولكن عُذْرُهُ في ذلك لا يمنع من تخطئة طريقته المخالفة لما كان عليه السلف الصالح، من إجراء النصوص على ظاهرها، واعتقاد ما دل عليه ذلك الظاهر، من غير تكييف ولا تمثيل، فإنه يجب التفريق بين حكم القول وقائله، والفعل وفاعله، فالقول الخطأ إذا كان صادرًا عن اجتهاد وحُسْن قَصْدٍ؛ فلا يُذَم عليه قائلُه، بل يكون له أجر على اجتهاده، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا حَكَمَ الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حَكَمَ، فاجتهد، ثم أخطأ؛ فله أجر» متفق عليه، وأما وَصْفُهُ بالضلال: فإن أُرِيدَ بالضلال الضلالُ المطلق، الذي يُذَمُّ به الموصوف، ويُمْقَتُ عليه؛ فهذا لا يتوجَّه في مثل هذا المجتهد، الذي عُلم منه حُسْنُ النية، وكان له قَدَمُ صِدْقٍ في الدين واتباعِ السنة، وإن أُرِيدَ بالضلال مخالفة قوله للصواب، من غير إشعار بذم القائل؛ فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالًا مطلقًا؛ لأنه من حيث الوسيلة صواب، حيث بَذَلَ جُهْدَهُ في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال، حيث كان خلاف الحق، وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان». اهـ([176])

وفي «مجلة البحوث الإسلامية»([177]) فتوى لسماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، فقد سُئل -حفظه الله تعالى-: ما هو الضابط في التعامل مع المبتدع؟ وهل يُهجر بمجرد فِعْلِهِ بِدعةً أو أكثر؟

قال: «فإنّ كثيرًا من الناس قد يقع في الخطأ من غير قَصْد، ولكن لأجل سوء فَهْمٍ، وقِلَّةِ إدراكٍ، وشبهةٍ عَرَضَتْ له، وتأويلٍ لبعض النصوص، ظنّ أنّ هذا التأويل تأويلٌ سائغ، فلا بُدَّ من النصيحة والإقناع، فعسى الله أنْ يفتحَ على قلبه، ويُخَلِّصَه من تلك الشبهات، ويصرفَ قلْبَه عن تلك التأويلات الباطلة».

ثم قال بعد ذلك: «وإذا أُقيم الحق عليه، وأَبَى واستكبر، ولم يَنْقَدْ إلى الحق؛ وجب أنْ نهجره على قَدْرِ بدعته، ونَكْرَهَه على قَدْر ما قام به من الشر». اهـ

وقال معالي الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: «الطريقة الصحيحة للتعامل مع العلماء عند ظن خطئهم: نعم، أنا لا أقول عن العلماء: معصومون، وأنهم لا يخطئون، العصمة لكتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والعلماء يُخْطِئُون، ولكن ليس العلاج أننا نُشَهِّر بهم، وأننا نتخذهم أغراضًا في المجالس، أو ربما على بعض المنابر، أو بعض الدروس، لا يجوز هذا أبدًا، حتى لو حَصَلَتْ من عالم زَلَّةٌ أو خطأ؛ فإنَّ العلاج يكون بغير هذه الطريقة، قال تعالى: [ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ] {النور:19}، نسأل الله العافية والسلامة، فالواجب أن نتنبه لهذا الأمر، وأن يحترم بعضنا بعضًا، ولا سيما العلماء؛ فإن العلماء ورثة الأنبياء، ولو كان فيهم ما فيهم». اهـ.([178])

سادسًا: يجب أيضًا أثناء رد الخطأ الذي وقع فيه المنتسب إلى السنة مراعاة المصالح والمفاسد التي تترتب على إنكار مُنْكَره.

فالأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر مُقَيَّدٌ بقاعدة تزاحم المصالح والمفاسد واعتبار المآلات، والله أعلم.

قال شيخ الإسلام : «فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْفَسَادِ الْقَلِيلِ بِالْفَسَادِ الْكَثِيرِ، وَلَا دَفْعُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ بِتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَمَطْلُوبُهَا تَرْجِيحُ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَجْتَمِعَا جَمِيعًا، وَدَفْعُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعَا جَمِيعًا». اهـ([179])

A

A

[5]

متى تُنسَبُ الطائفةُ أو الرجلُ إلى أهل السنة أو إلى أهل البدع