متى تُنسَبُ الطائفةُ أو الرجلُ إلى أهل السنة أو إلى أهل البدع
- السؤال الخامس: (متى تُنسَبُ الطائفةُ أو الرجلُ إلى أهل السنة أو إلى أهل البدع).
هذه المسألة يجب فيها مراعاة عدة أمور:
الأول: أن الطائفة تُنْسَبُ إلى السنة أو البدعة بقول أئمتها، وأهل الطاعة فيها، أو بقول المؤسسين أو المنظِّرين لها لا بقول أو سلوكيات المغمورين من أبنائها وعامَّتها، أو غير المؤثِّرين في مسيرتها وأصولها.
قال الشاطبي : «إن لفظ: «أهل الأهواء»، وعبارة: «أهل البدع»؛ إنما تُطْلَقُ حقيقةً على الذين ابتدعوها، وقَدَّمُوا فيها شريعة الهوى بالاستنباط، والنصر لها، والاستدلال على صحتها في زعمهم، حتى عُدَّ خلافُهم خلافا، وشُبَهُهُم منظورا فيها، ومحتاجا إلى رَدِّها والجواب عنها; كما نقول في ألقاب الفِرَقِ من المعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج والباطنية ومن أشبههم، بأنها ألقاب لمن قام بتلك النِّحَلِ ما بين مُسْتَنْبِطٍ لها، ونَاصِرٍ لها، وذابٍّ عنها; كلفظ: «أهل السنة»؛ إنما يُطْلَق على ناصريها، وعلى من اسْتَنْبَطَ على وَفْقِها، والحامين لذمارها.
ويُرَشِّح ذلك: أن قول الله تعالى: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ] {الأنعام:159}؛ يُشْعِرُ بإطلاق اللفظ على من جَعَلَ ذلك الفعل، الذي هو التفريق: وليس إلا المخْتَرِع أو من قام مقامه، وكذلك قوله تعالى: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ] {آل عمران:105}، وقوله: [ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ] {آل عمران:7}، فإن اتباع المتشابه مختص بمن انتصب مَنْصِبَ المجتهد لا بغيرهم.
وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «حتى إذا لم يَبْقَ عالم؛ اتخذ الناس رؤساء جُهالا، فسئلوا؛ فأفتوا بغير عِلْم»، لأنهم أقاموا أنفسهم مقام المستنبط للأحكام الشرعية المقْتَدَى به فيها، بخلاف العوام، فإنهم مُتَّبِعُون لما تقرر عند علمائهم؛ لأنه فَرْضُهُم، فليسوا بمُتَّبِعين للمتشابه حقيقةً، ولا هم متبعون للهوى، وإنما يتبعون ما يقال لهم كائنا ما كان، فلا يُطْلَقُ على العوام لفظ «أهل الأهواء» حتى يخوضوا بأنظارهم فيها، ويُحَسِّنُوا بنظرهم ويُقَبِّحُوا.
وعند ذلك يتعين للفظ «أهل الأهواء» و«أهل البدع» مدلول واحد، وهو: أنه من انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره، وأما أهل الغفلة عن ذلك، والسالكون سُبُلَ رؤسائهم بمجرد التقليد من غير نظر; فلا.
فحقيقة المسألة أنها تحتوي على قسمين: مُبْتَدِعٍ ومُقْتَدٍ به.
فالمقتدِي به؛ كأنه لم يدخل في العبارة بمجرد الاقتداء؛ لأنه في حُكْم المُتَّبِع.
والمبتدع هو المُخْتَرِعُ، أو المُسْتَدِلُّ على صحة ذلك الاختراع، وسواء علينا أكان ذلك الاستدلال من قبيل الخاص بالنظر في العلم، أو كان من قبيل الاستدلال العامي؛ فإن الله -سبحانه- ذم أقواما قالوا: [ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ] {الزخرف:23}، فكأنهم استدلوا إلى دليل جُملي، وهو الآباء، إذ كانوا عندهم من أهل العقل، وقد كانوا على هذا الدين، وليس إلا لأنه صواب، فنحن عليه; لأنه لو كان خطأ؛ لما ذهبوا إليه.
وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ، ومن يُشَار إليه بالصلاح، ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة، أو من أهل التقليد، ولا كونه يَعْمَلُ بِعِلْمٍ أو بجهل.
ولكن مثل هذا يُعَدُّ استدلالا في الجملة، من حيث جُعِلَ عُمْدَةً في اتِّباع الهوى، واطِّراح ما سواه، فمن أَخَذَ به؛ فهو آخِذٌ بالبدعة بدليلِ مِثْلِهِ، ودَخَلَ في مُسَمَّى أهل (الابتداع)، إذ كان من حق من كان هذا سبيله أن ينظر في الحق إن جاءه، ويبحث، ويتأنى، ويسأل، حتى يتبين الحق له فيتبعه، أو الباطل فيجتنبه.
ولذلك قال تعالى ردًّا على المحتجين بما تقدم: [ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ] {الزخرف:24}، وفي الآية الأخرى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ]، فقال تعالى: [ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ] {البقرة:170}، وفي الآية الأخرى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ] {لقمان:21}، وأمثال ذلك كثيرة.
وعلامة من هذا شأنه: أن يَرُدَّ خلاف مذْهَبِه بما عليه من شُبْهَة دليلٍ تفصيليٍّ أو إجماليٍّ، ويتعصب لما هو عليه; غير مُلْتَفِتٍ إلى غيره، وهو عين اتباع الهوى؛ فهو المذموم حقا، وعليه يحصل الإثم؛ فإن من كان مُسْتَرْشِدًا; مال إلى الحق حيث وَجَدَه، ولم يَرُدَّه، وهو المعتاد في طالب الحق، ولذلك بادر المحققون إلى اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين تَبَيَّن لهم الحق». اهـ([180])
الثاني: أن العبرة في اعتبار الطائفة أو الرجل من أهل السنة والجماعة، أو من أهل البدعة والضلالة: إنما هو بالبراءة من كل دين غير دين الإسلام، وبقبول الطائفة أو الرجل مُجْمَلَ اعتقاد أهل السنة حتى يُصَنَّفَ من جملة أهل السنة، أو قبول غيره أصلًا من أصول اعتقاد أهل البدع الكبرى، حتى يُصَنَّف في أهل البدع المارقة عن منهج أهل السنة، ولا يُشترط عند تصنيف الطائفة أو الفرد من جملة أهل السنة الموافقةُ لهم على التفاصيل والجزئيات التي قد تكون موضعَ خفاءٍ على بعض أهل السنة، أو نزاعٍ بينهم، أو الموافقة على جميع أصولهم، بل تجزئ في إلحاقه بالخوارج مثلا أن يعتقد جواز الخروج على ولاة الأمور من أهل الإسلام، وشقّ عصا الجماعة، وإثارة الفُرْقة، ونَزْع الأمن والاستقرار لوجود ظلم أو فجور في الولاة، وإن لم يُكَفِّر هذا الشخصُ من كفَّر بالمعصية، أما إذا أعلن موافقته لأصول الخوارج جملة ولم يُفَصِّل؛ فهو منهم أيضًا.
قال ابن بطة : «ونحن الآن ذاكرون شرح السنة ووصفها، وما هي في نفسها، وما الذي إذا تمسك به العبد ودان الله به سُمِّىَ بها، واسْتَحَقَّ الدخول في جملة أهلها، وما إن خالفه أو شيئًا منه دخل في جملة مَنْ عِبْنَاه وذَكَرْناه وحَذَّرْنا منه من أهل البدع والزيغ، مما أَجْمَعَ على شرحنا له أهلُ الإسلام وسائرُ الأمة، منذ بُعِثَ نبيه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – إلى وقتنا هذا… ثم ذكر أمور الاعتقاد،…». اهـ([181])
الثالث: لا يَخْرُجُ الرجل من دائرة السنة والجماعة إلا إذا ارتكب أصلًا عظيما ظاهرا من أصول أهل البدع الكبار، وهو أصل مخالف مخالفة صريحة وحقيقية لأصول أهل السنة والجماعة الكبار المجمع عليها عندهم، وقد حَكَم علماءُ السنة بمروقهم من دائرة أهل السنة والجماعة بسبب ارتكابهم هذا الأصلَ المخالفَ للأصولِ الكبرى المجمعِ عليها عند أهل السنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «و «الْبِدْعَةُ» الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ». اهـ([182])
وقال شيخ الإسلام أيضًا: «و فِي الْجُمْلَةِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَفْسِيرِهِمْ إلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ، بَلْ مُبْتَدِعًا، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُهُ». اهـ([183])
قلت: ويشترط في الحكم على المجتهد بأنه مبتدع استيفاء شروط التبديع فيه وانتفاء موانعه عنه، وكونه مغفورًا له خطؤه: أي مغفورًا له في الآخرة عند الله؛ لأن البدعة من جملة المعاصي، والفاسق إن كان مجتهدًا معذورًا فيما أوقعه في البدعة أو الفسق؛ كان مأجورًا أجرًا واحدًا، مغفورًا له خطؤه، وإن كان في الدنيا مذمومًا مهجورًا إن أصَرَّ على مخالفته الكبرى، ودعا إليها!!.
وبَيَّنَ شيخ الإسلام أن المبتدع هو من خالف أصلًا من أصول أهل السنة فقال: «وَأَمَّا «الْمُرْجِئَةُ»: فَلَا تَخْتَلِفُ نُصُوصُهُ – أي الإمام أحمد أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهُمْ؛ فَإِنَّ بِدْعَتَهُمْ مِنْ جِنْسِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي الْفُرُوعِ، وَكَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ يَعُودُ النِّزَاعُ فِيهِ إلَى نِزَاعٍ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَسْمَاءِ: وَلِهَذَا يُسَمَّى الْكَلَامُ فِي مَسَائِلِهِمْ «بَابُ الْأَسْمَاءِ» وَهَذَا مِنْ نِزَاعِ الْفُقَهَاءِ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الدِّينِ؛ فَكَانَ الْمُنَازِعُ فِيهِ مُبْتَدِعًا». اهـ([184])
وقال أيضًا: «وَالْبِدْعَةُ: مَا خَالَفَتْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْ إجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ: كَأَقْوَالِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّة، وَكَاَلَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ بِالرَّقْصِ وَالْغِنَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاَلَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ بِحَلْقِ اللُّحَى، وَأَكْلِ الْحَشِيشَةِ، وَأَنْوَاعِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي يَتَعَبَّدُ بِهَا طَوَائِفُ مِنْ الْمُخَالِفِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ([185])
ويقول شيخ الإسلام أيضًا: «وَهَذَا كَسَائِرِ الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ بِالِاضْطِرَارِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ يَشُكُّ فِيهَا، أَوْ يَنْفِيهَا: كَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَهُمْ فِي شَفَاعَتِهِ، وَحَوْضِهِ، وَخُرُوجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ النَّارِ، وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَهُمْ: فِي الصِّفَاتِ، وَالْقَدَرِ، وَالْعُلُوِّ، وَالرُّؤْيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِسُنَّتِهِ، كَمَا تَوَاتَرَتْ عِنْدَهُمْ عَنْهُ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، كَمَا تَوَاتَرَ عِنْدَ الْخَاصَّةِ – مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْهُ – الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ، وَتَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَرَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَاعْتِبَارُ النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُنَازِعُهُمْ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ.
وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقِينَ عَلَى تَبْدِيعِ مَنْ خَالَفَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ؛ بِخِلَافِ مَنْ نَازَعَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ فِي تَوَاتُرِ السُّنَنِ عَنْهُ: كَالتَّنَازُعِ بَيْنَهُمْ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ، وَفِي الْقُسَامَةِ، وَالْقُرْعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ». اهـ([186])
وقال شيخ الإسلام : «وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفَعَلُوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديثَ ضعيفةٍ ظَنُّوها صحيحةً، وإما لآياتٍ فَهِمُوا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لِرَأْيٍ رَأَوْهُ، وفي المسألة نصوصٌ لم تَبْلُغُهُم».([187])
وقال أيضًا : «ومما ينبغي أيضًا أن يُعْرَف: أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة.. إلى أن قال: ومِثْلُ هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعةَ المسلمين، يُوَالُون عليه ويُعَادُون؛ كان مِنْ نوعِ الخطأ، والله يغفر للمؤمنين خطأهم في مِثْلِ ذلك.. إلى أن قال: بخلاف مَنْ والى موافِقَهُ، وعَاَدى مُخَالِفَهُ وفَرَّقَ بين جماعة المسلمين، وكَفَّرَ وفَسَّقَ مخالِفَهُ دون موافِقِهِ في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحلَّ قَتْلَ مخالِفِهِ دون موافِقِهِ؛ فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات..». اهـ([188])
وقال شيخ الإسلام أيضًا: «نعم من خالف الكتابَ المستبين، والسنةَ المستفيضة، أو ما أَجْمَعَ عليه سلف الأمة خلافا لا يُعْذَرُ فيه؛ فهذا يُعَامَلُ بما يُعَامَلُ به أهل البدع». اهـ([189])
وقال الشاطبي : «ذلك أن هذه الفِرَقَ إنما تصير فِرَقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كُلِّيٍّ في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جُزِئِيٍّ من الجزئيات؛ إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شِيَعًا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية؛ لأن الكليات تَضُمُّ من الجزئيات غَيْرَ قليلٍ، وشأنُها في الغالب أن لا تَخْتَصَّ بمحل دون محل، ولا بباب دون باب، واعْتَبِرْ ذلك بمسألة التحسين العقلي؛ فإن المخالفة فيها أنشأتْ بين المخالفين خلافات في الفروع لا تَنْحَصِر: ما بين فروعِ عقائدَ وفروعِ أعمالٍ.
ويَجْرِى مَجْرَى القاعدة الكلية كثرةُ الجزئيات؛ فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة؛ عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدةُ الكلية معارِضةً أيضًا([190])، وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يُعَدُّ وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة، وإن كانت زَلَّةُ العالم مما يَهْدِمُ الدين، حيث قال عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-: ثلاثٌ يَهْدِمْنَ الدين: زَلَّةُ العالم، وجدالُ المنافق بالقرآن، وأئمةٌ مُضِلُّون، ولكن إذا قَرُبَ موقعُ الزلة؛ لم يَحْصُلْ بسببها تَفَرُّقٌ في الغالب، ولا هَدْمٌ للدين بخلاف الكليات ا.هـ([191])
وقال الشيخ ابن سعدي : «فمن جحد ما جاء به الرسول، أو جحد بعضه غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ من أهل البدع؛ فهو كافر؛ لأنه كَذَّبَ اللهَ ورسولَهُ، واستكبر على الحق وعانده، فكل مبتدع من جَهْمي وقَدَري وخارجي ورافضي ونحوهم عَرَفَ أن بدعته مناقضةٌ لما جاء به الكتاب والسنة، ثم أَصَرَّ عليها ونَصَرها؛ فهو كافر بالله العظيم، مُشَاقٌّ لله ورسوله مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ له الهدى.
ومن كان من أهل البدع مؤمنًا بالله ورسوله، ظاهرًا وباطنًا، مُعَظِّمًا لله ورسوله، ملتزمًا ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه خالف الحقَّ وأخطأ في بعض المقالات، وأخطأ في تأويله من غير كُفْرٍ وجَحْدٍ للهدى الذي تَبَيَّنَ له؛ لم يكن كافرًا، ولكنه يكون:
-فاسقًا مبتدعًا، أو مبتدعًا ضالًا.
-أو معفوًا عنه: لخفاء المقالة، وقوة اجتهاده في طلب الحق الذي لم يَظْفَرْ به.
ولهذا كان الخوارج والمعتزلة والقدرية ونحوهم من أهل البدع أقسامًا متنوعة:
منهم من هو كافر بلا ريب: كغلاة الجهمية، الذين نَفَوْا الأسماء والصفات، وقد عَرَفُوا أن بدعتهم مخالفة لما جاء به الرسول، فهؤلاء مُكَذِّبُون للرسول، عَالِمُون بذلك.
ومنهم من هو مبتدع ضال فاسق: كالخوارج المتأولين، والمعتزلة، الذين ليس عندهم تكذيب للرسول، ولكنهم ضَلُّوا ببدعتهم، وظنوا أن ما هم عليه هو الحق.
ولهذا اتفق الصحابة -رضي الله عنهم-، في الحكم على بدعة الخوارج ومروقهم، كما وردتْ بذلك الأحاديثُ الصحيحةُ فيهم، واتفقوا أيضًا على عدم خروجهم من الإسلام، مع أنهم اسْتَحَلُّوا دماء المسلمين، وأنكروا الشفاعة في أهل الكبائر، وكثيرًا من الأصول الدينية، ولكن تأويلهم منع من تكفيرهم.
ومن أهل البدع من هو دون هؤلاء: ككثير من القدرية، وكالكُلابية، والأشعرية، فهؤلاء مبتدعة ضالُّون في الأصول التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، وهي معروفة مشهورة، وهم في بدعهم مراتب بحسب بُعْدِهم عن الحق وقُرْبِهم، وبحسب بَغْيِهم على أهل الحق بالتكفير والتفسيق والتبديع، وبحسب قدرتهم على الوصول إلى الحق، واجتهادهم فيه، وضد ذلك، وتفصيل القول فيه يطول جدًا». اهـ([192])
وقال شيخنا الألباني : «.. المبتدع: هو الذي من عادته الابتداع في الدين، وليس الذي يَبتدع بدعة، ولو كان هو فِعْلًا ليس عن اجتهاد، وإنما عن هوى، مع هذا لا يُسَمَّى مبتدعًا… فَيُشْتَرَطُ إِذَنْ في المبتدع شرطان:
(1) أن لا يكون مجتهدًا، وإنما يكون متبعًا للهوى.
(2) يكون ذلك من عادته ومن دَيْدَنِهِ».([193])
وسئل شيخنا الألباني متى تكون الفرقة فرقة ضالة؟
فأجاب : «لا تكون بمجرد الانحراف في جزئية، كما سبق، وإنما عندما تتكتل جماعة على منهج تَضَعُهُ لها، وتَتَحَزَّبُ وتَتَعَصَّبُ له..». اهـ([194])
وبمجموع كلامه يتضح أنهم مبتدعون بإطلاق إذا خالفوا في أصلٍ مُجْمَعٍ عليه عند أهل السنة، وإلا فمبتدعة في الجزئية التي خالفوا فيها فقط، وليس بإطلاق، كما هو واضح من جوابه على أسئلتي الدعوية التي أَلْقَيْتُها عليه .
وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين في «اللقاء الشهري»: «إذا اختلف الفقهاء في سُنَّة، فقال بعضهم: هي سُنَّة، وقال آخرون: ليست بسُنَّة، فليس لازم قول الذين يقولون: إنها ليست بسنة أن يُبَدِّعُوا الآخرين، لا يُبَدِّعُونهم أبدًا؛ لأننا لو بَدَّعْنَا المخالف لنا في هذه الأمور؛ لزم أن يكون كل الفقهاء في مسائل الخلاف مبتدعة؛ لأن الذي يقول لي: أنت مبتدع، أقول له: وأنت مبتدع!!، فيبقى الفقهاء كلهم في مسائل الخلاف أهل بدعة، وهذا لا قائل به، فإذا اختلف العلماء في مسائل لا تتعلق بالعقيدة، وليست محدثةً حَدَثًا واضحًا، إنما اختلفوا في مفهوم النصوص؛ فهنا نقول: الأمر واسع، ولا يمكن أن يُبَدِّع بعضُنا بعضًا». اهـ([195])
وقال أيضًا وسياق كلامه عمن تأول الصفات بتأويل سائغ: «يجب التفريق بين حكم القول وقائله، والفعل وفاعله، فالقول الخطأ إذا كان صادرا عن اجتهاد وحُسْن قَصْد؛ لا يُذَمُّ عليه قائله، بل يكون له أجر على اجتهاده، لقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إذا حَكَم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حَكَم، فاجتهد، ثم أخطأ؛ فله أجر». متفق عليه، وأما وصفه بالضلال، فإن أُرِيدَ بالضلال الضلالُ المُطْلَقُ الذي يُذَمُّ به الموصوفُ، ويُمْقَتُ عليه؛ فهذا لا يتوجَّه في مثل هذا المجتهد، الذي عُلِمَ منه حُسْنُ النية، وكان له قَدَمُ صِدْقٍ في الدين واتباع السنة، وإن أُرِيدَ بالضلال مخالفةُ قوله للصواب، من غير إشعارٍ بذم القائل؛ فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالا مطلقا؛ لأنه من حيث الوسيلةُ صوابٌ، حيث بَذَلَ جُهْدَه في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال، حيث كان خلاف الحق.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان». اهـ([196])
وقال معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- في «شرحه على العقيدة الطحاوية»([197]):
«الشذوذ مرتبتان:
المرتبة الأولى: أن ينفرد ويَشِذَّ في أَصْلٍ من الأصول؛ يعني في الصفات، في الإيمان، في القدر، فهذا بانفراده في الأصل يَخْرُجُ من الاسم العام المطلق لأهل السنة والجماعة.
المرتبة الثانية: أن يوافق في الأصول؛ لكن يخالف في فرع لأصل، أو في فرد من أفراد ذلك الأصل.
مثلًا يؤمن بإثبات الصفات وإثبات استواء الرب – جل جلاله – على عرشه، وبعلو الرب – جل جلاله – وبصفات الرحمن -سبحانه وتعالى-؛ لكن يقول: بعض الصفات أنا لا أُثْبِتُهَا، لا أُثْبِتُ صفة الساق لله ، أو لا أثبت صفة الصورة لله ، أو أُثْبِتُ أن لله أَعْيُنًا، أو أُثْبِتُ لله كذا وكذا مما خالف به ما عليه الجماعة.
فهذا لا يكون تاركًا لأهل السنة والجماعة؛ بل يكون غَلِطَ في ذلك، وأخطأ، ولا يُتَّبَعُ على ما زَلَّ فيه، بل يُعَرَّف أنه أخطأ، والغالب أن هؤلاء متأولون في الاتباع.
وهذا كثير في المنتسبين للسنة والجماعة، كالحافظ ابن خزيمة فيما ذَكَر في حديث الصورة، وكبعض الحنابلة حينما ذكروا أن العرش يخلو من الرحمن – جل جلاله – حين النزول، وكمن أثبت صفة الأضراس لله، وأثبت صفة العَضُد، أو نحو ذلك مما لم يُقَرِّرْهُ أئمةُ الإسلام.
فإذًا مَنْ شَذَّ في ذلك في هذه المرتبة يقال: غَلِطَ وخالف الصواب؛ ولكن لم يخالف أهلَ السنة والجماعة في أصولهم؛ بل في بعض أفراد أَصْلٍ، وهو متأول فيه.
وهذا هو الذي عليه أئمة الإسلام فيما عاملوا به من خالف في أصل من الأصول في هذه المسائل، وكُتُبُ ابن تيمية بالذات طافحةٌ بتقرير هذا في من خالف في أصل، أو خالف في مسألة فرعية ليست بأصل». اهـ
قلتُ: وأُنَبِّهُ على أن مجرد الموافقة لأهل البدع على بعض كلامهم المخالف مخالفةً يسيرةً، أو أصولِهِم الخفيةِ، أو القول بلازم أقوالهم دون خبرة بأصولهم ولوازمها؛ فلا يَكْفي كُلُّ هذا أو بعضُه في إخراج السني من دائرة أهل السنة، وإلحاقه بأهل البدعة، وإلا لزم من ذلك إخراجُ كثير من أئمة السنة، الذين وافقوا أهلَ البدعة في بعض مسائلهم أو مقالاتهم، أو قالوا ببعض لوازم أصولهم مع تصريحهم ببراءتهم من هذه الأصول والقائلين بها، وإنما قالوا ما قالوه اجتهادًا وتأويلًا، ولذا قال علماء السنة: لازم القول ليس بقول.
وقد سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ – قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: هَلْ لَازِمُ الْمَذْهَبِ مَذْهَبٌ، أَمْ لَا؟.
فَأَجَابَ:
«وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ لَازِمُ الْمَذْهَبِ مَذْهَبٌ، أَمْ لَيْسَ بِمَذْهَبِ؟ فَالصَّوَابُ: أَنَّ لَازِمَ مَذْهَبِ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِمَذْهَبِ لَهُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ أَنْكَرَهُ وَنَفَاهُ؛ كَانَتْ إضَافَتُهُ إلَيْهِ كَذِبًا عَلَيْهِ، بَلْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ، وَتَنَاقُضُهُ فِي الْمَقَالِ، غَيْرُ الْتِزَامِهِ اللَّوَازِمَ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ قِبَلِ الْكُفْرِ وَالْمِحَالِ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ، فَاَلَّذِينَ قَالُوا بِأَقْوَالِ يَلْزَمُهَا أَقْوَالٌ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُهَا، لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ لَازِمُ الْمَذْهَبِ مَذْهَبًا؛ لَلَزِمَ تَكْفِيرُ كُلِّ مَنْ قَالَ عَنْ الِاسْتِوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ: أَنَّهُ مَجَازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ؛ فَإِنَّ لَازِمَ هَذَا الْقَوْلِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ صِفَاتِهِ حَقِيقَةً، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا؛ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ إيمَانًا؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ يُثْبِتُهُ الْقَلْبُ إلَّا وَيُقَالُ فِيهِ نَظِيرُ مَا يُقَالُ فِي الْآخَرِ، وَلَازِمُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَسْتَلْزِمُ قَوْلَ غُلَاةِ الْمَلَاحِدَةِ الْمُعَطِّلِينَ، الَّذِينَ هُمْ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
لَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْفِي ذَلِكَ لَا يَعْلَمُ لَوَازِمَ قَوْلِهِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ إلَّا مَحْضَ حَقَائِقِ الْمَخْلُوقِينَ، وَهَؤُلَاءِ جُهَّالٌ بِمُسَمَّى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَقَوْلُهُمْ افْتِرَاءٌ عَلَى اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ نَفْيَ مُمَاثَلَةِ صِفَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، قِيلَ لَهُ: أَحْسَنْت فِي نَفْيِ هَذَا الْمَعْنَى الْفَاسِدِ، وَلَكِنْ أَخْطَأْت فِي ظَنِّك أَنَّ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِسَمِيعِ حَقِيقَةً، وَلَا بَصِيرٍ حَقِيقَةً، وَلَا مُتَكَلِّمٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا يَعْهَدُهُ مِنْ سَمْعِ الْمَخْلُوقِينَ وَبَصَرِهِمْ وَكَلَامِهِمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
فَيُقَالُ لَهُ: أَصَبْت فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ خَلْقَهُ؛ لَكِنْ أَخْطَأْت فِي ظَنِّك أَنَّهُ إذَا كَانَ اللَّهُ سَمِيعًا حَقِيقَةً، بَصِيرًا حَقِيقَةً، مُتَكَلِّمًا حَقِيقَةً؛ كَانَ هَذَا مُتَضَمِّنًا لِمُمَاثَلَتِهِ خَلْقَهُ.
فَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً؛ لَزِمَ التَّجْسِيمُ، وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْته تَجْسِيمًا وَنَفَيْته هُوَ لَازِمٌ لَك إذَا قُلْت: إنَّ لَهُ عِلْمًا حَقِيقَةً، وَقُدْرَةً حَقِيقَةً، وَسَمْعًا حَقِيقَةً، وَبَصَرًا حَقِيقَةً، وَكَلَامًا حَقِيقَةً، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ هِيَ فِي حَقِّنَا أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِجِسْمِ، فَإِذَا كُنْت تُثْبِتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ تَنْزِيهِك لَهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّجْسِيمِ؛ فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الِاسْتِوَاءِ؛ وَلَا فَرْقَ.
فَإِنْ قُلْت: أَهْلُ اللُّغَةِ إنَّمَا وَضَعُوا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ، فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَلَكِنَّ هَذَا خَطَأٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَمِ: مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَاتِ، فَضْلًا عَنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ وَالدِّيَانَاتِ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ لَفْظَ الْوَجْهِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي وَجْهِ الْإِنْسَانِ دُونَ وَجْهِ الْحَيَوَانِ وَالْمَلَكِ وَالْجِنِّيِّ، أَوْ لَفْظُ الْعِلْمِ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ حَقِيقَةً فِي عِلْمِ الْإِنْسَانِ دُونَ عِلْمِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَسْمَاءَ الصِّفَاتِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ بِحَسَبِ مَا تُضَافُ إلَيْهِ؛ فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ أَنَّ نِسْبَةَ كُلِّ صِفَةٍ إلَى مَوْصُوفِهَا، كَنِسْبَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ النِّسْبَةُ، فَنِسْبَةُ عِلْمِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّيِّ وَوُجُوهِهِمَا إلَيْهِ كَنِسْبَةِ عِلْمِ الْإِنْسَانِ وَوَجْهِهِ إلَيْهِ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ([198])
وقال السخاوي : «قَالَ شَيْخُنَا – أي الحافظ ابن حجر -: وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَا يُرَدُّ كُلُّ مُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّ مُخَالِفِيهَا مُبْتَدِعَةٌ، وَقَدْ تُبَالِغُ فَتُكَفِّرُهَا، فَلَوْ أُخِذَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لَاسْتَلْزَمَ تَكْفِيرَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، فَالْمُعْتَمَدُ: أَنَّ الَّذِي تُرَدُّ رِوَايَتُهُ مَنْ أَنْكَرَ أَمْرًا مُتَوَاتِرًا مِنَ الشَّرْعِ، مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ؛ أَيْ: إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ ضَبْطُهُ لِمَا يَرْوِيهِ، مَعَ وَرَعِهِ وَتَقْوَاهُ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِهِ، وَقَالَ أيضًا: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ مَنْ كَانَ الْكُفْرُ صَرِيحَ قَوْلِهِ، وَكَذَا مَنْ كَانَ لَازِمَ قَوْلِهِ، وَعُرِضَ عَلَيْهِ فَالْتَزَمَهُ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَنَاضَلَ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا -وَلَوْ كَانَ اللَّازِمُ كُفْرًا- وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْقَطْعِيِّ؛ لِيُوَافِقَ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ». اهـ([199])
وسئل شيخنا الألباني : ما معنى العبارة التي تقول: لازِمُ المذهب ليس بمذهب، وهل هي صحيحة أم لا؟
فأجاب الشيخ : «هي في نفسها صحيحة، ومعناها: أن الإنسان قد يقول قولا، ويكون من لازم هذا القول معنى لا يَخْطُر في بال قائلِ ذلك القول، فلما يصير نقاشٌ بينه وبين بعض الناس، يَلْفِتُ هذا البعضُ نَظَرَ ذلك القائلِ أن هذا يَلْزَمُك أنت كذا وكذا، يقول: لا، أنا ما أقصد هذا، وإنما أقصد كذا، فلازم المذهب ليس بمذهب، وهذا فيه شيء من الدقة، ومعروف عند أهل العلم؛ أَضْرِبُ لكم مَثَلا مما ابتلي به المسلمون قديما وحديثا، لما يَتَّخِذُ نفاةُ الصفات موقفًا خاصًّا تُجاه السلفيين الذين يؤمنون بالصفات لرب العالمين، دون تشبيه ودون تأويل أو تعطيل، يأتي المخالف فَيُؤَوِّل بعضَ تلك الصفات بتآويل يَطْلَعُ منها محظور، ما هو هذا المحظور؟ مثلا يقولون في تأويل قوله تعالى: [ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ] {طه:5}، يعني استولى، فيأتي الاعتراض من المؤمنين بالصفات الإلهية على الطريقة السلفية: هذا أنت يلزمك أمر خطير جدًّا، وهو أن قولك: (استوى) معناه استولى؛ لازم هذا التأويل أن الله مضى عليه ولو برهة من الزمن كان غير مستولٍ على الكون؛ لأنك أنت بتقول [ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ] {الأعراف:54} أي: ثم استولى، فَقَبْلَ ذلك من كان مستوليا؟! فهذا لازم المذهب، فيرجع هو لأنه مخطئ بالتأويل، يقول لك: لا، أعوذ بالله، أنا ما أقصد هذا، بس أقصد معنى ليس فيه هذا المعنى الذي ألزمتني به، فهذا كثير في استعمالهم، ونبيّن له ذلك المحظور: فإن الْتَزَمَ القولَ السابقَ الذي لَزِمَ منه المحظور اللاحق؛ حينئذ أُدِينَ به، أما رأسًا؛ ما نتهمه بأنه يقول بذاك اللازم من مذهبه وقوله». غيره. اهـ
وحاصل الكلام في هذه القاعدة أن يقال:
أولًا: ينبغي أن يُعْلَمَ أن اللازم من قول الله تعالى, وقول رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا صح أن يكون لازمًا؛ فهو حق يَثْبُتُ ويُحْكَم به؛ لأن كلام الله ورسوله حق، ولازمُ الحقِّ حقٌّ؛ ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله، فيكون مرادًا.([200])
وكذلك قول الإنسان إما أن يكون موافقًا للكتاب والسنة، فيكون حقًّا، ولازِمُهُ حقًّا، وإما أن يكون مخالفًا للكتاب والسنة؛ فيكون باطلًا، ولازمُهُ باطلًا.([201])
ثانيًا: اللازم من قول العالم له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يُذْكَرَ له لازِمُ قوله فليتزمَهُ، مثل أن يقول لمن يُثْبِتُ وَزْنَ الأعمال في الآخرة: يلزمك القول بجواز وزن الأعراض. فيقول المُثْبِتُ: نعم، أَلْتَزِمُ به؛ لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا، والله تعالى على كل شيء قدير، ثم إنه قد وُجِدَ في زماننا هذا موازينُ للحرارة, والبرودة, والإضاءة, ونحو ذلك من الأعراض.
فهذا اللازم يجوز إضافته إليه إذا عُلِمَ منه أنه لا يمنعه.
الحالة الثانية: أن يُذْكَر له لازمُ قوله، فَيَمْنَعَ التلازُمَ بينه وبين قوله، مثل أن يقول نافي الصفات لمن يُثْبِتُها: يلزمك أن يكون الله تعالى مشابهًا للخلق في صفاته، فيقول المُثْبِتُ: لا يَلْزَمُ ذلك؛ لأننا عندما أضفنا الصفات إلى الخالق -سبحانه- قَطَعْنَا تَوَهَّم الاشتراك والمشابهة، كما أنك أيها النافي للصفات، تثبت ذاتًا لله تعالى وتمنع أن يكون الله مشابها للخلق في ذاته، فَقُلْ ذلك أيضًا في الصفات؛ إذْ لا فَرْقَ بينهما.
وهذا اللازم لا يجوز إضافته إليه، بعد أن بَيَّنَ هو وَجْهَ امتناع التلازم بين قوله وبين ما أُضيف إليه.
الحالة الثالثة: أن يكون اللازمُ مسكوتًا عنه، فلا يُذْكَر بالتزام ولا مَنْع، فهذا حُكْمُهُ: أن لا يُنْسَبَ إليه؛ لأنه إذا ذُكِرَ له اللازم: فقد يلتزمه، وقد يمنع التلازم، وقد يتبين له وجه الحق، فيرجع عن اللازم والملزوم جميعًا، ولأجل هذه الاحتمالات فلا ينبغي إضافة اللازم إليه، ولا سيما أن الإنسان بَشَرٌ، وتَعْتَرِيه حالاتٌ نفسيةٌ وخارجيةٌ توجِبُ له الذهولَ عن اللازم؛ فقد يَغْفُلُ، أو يَسْهُو، أو يَنْغَلِقُ فِكْرُهُ، أو يقول القولَ في مضايق المناظرات من غير تَدَبُّرٍ في لوازمه، ونحو ذلك.([202])
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «ولو كان لازمُ المذهب مذهبًا؛ لَلَزِم تَكفيرُ كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات: إنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة».([203])
لكن قد تُذْكَر اللوازمُ الباطلة – لاسيما عند المناظرة – لإظهار شناعة المذهب الباطل (الملزوم)، لأن العاقل إذا نُبِّهَ إلى ما يَلْزَمُ قولَهُ من اللوازم الفاسدة؛ فقد يَنْتَبِهُ ويَرْجِعُ عن قوله.
وأهلُ البدع – لاضطرابهم وتناقضهم – قد يَفِرُّ الواحد منهم من اللازم الحق؛ ليقع في اللازم الباطل، وهو يظن في ذلك السلامة: كالقدري يَفِرُّ من لازم كون الله يُضِلُّ من يشاء، فيقع في لازم كونه يقع في مُلْكِهِ ما لا يشاء، وكذلك منكر الصفات يَفِرُّ من التشبيه – بزعمه – فيقع في التعطيل، والذي قد يقوده إلى التعطيل الكامل؛ فلا يَعْرِفُ إلها موجودًا معبودًا!
الرابع: لابد من إقامة الحجة الشرعية على من خالف الإسلام أو السنة قبل إلحاقه بالمخالفين: كُفْرًا كان أو بدعةً كُبرى، والأصل أن من يقوم بإقامة الحجة وتصنيف الطوائف والأفراد أن يكون من أهل العلم والحلم، وحُسْنِ الظن بالمسلمين: جماعاتٍ وأفرادًا -مادام المقام يحتمل ذلك- وأن يعرف الشروطَ الشرعية لاستيفائها في الحكم بالسنة أو البدعة، والموانع لانتفائها قبل الحكم بالسنة أو البدعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «مَا ثَبَتَ قُبْحُهُ مِنْ الْبِدَعِ وَغَيْرِ الْبِدَعِ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ الْمُخَالِفِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذَا صَدَرَ عَنْ شَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ؛ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُعْذَرُ فِيهِ: إمَّا لِاجْتِهَادِ، أَوْ تَقْلِيدٍ يُعْذَرُ فِيهِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ، كَمَا قَدْ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَرَّرْته أيضًا فِي أَصْلِ «التَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ» الْمَبْنِيِّ عَلَى أَصْلِ الْوَعِيدِ.
فَإِنَّ نُصُوصَ الْوَعِيدِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنُصُوصَ الْأَئِمَّةِ بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَا يُسْتَلْزَمُ ثُبُوتُ مُوجَبِهَا فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ؛ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، هَذَا فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْوَعِيدِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلَعْنَتِهِ وَغَضَبِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خَالِدٌ فِي النَّارِ، أَوْ غَيْرُ خَالِدٍ، وَأَسْمَاءُ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ تَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبِ بِدْعَةٍ اعْتِقَادِيَّةٍ أَوْ عِبَادِيَّةٍ، أَوْ بِسَبَبِ فُجُورٍ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الْفِسْقُ بِالْأَعْمَالِ، فَأَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا فَكَذَلِكَ أيضًا؛ فَإِنَّ جِهَادَ الْكُفَّارِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِدَعْوَتِهِمْ؛ إذْ لَا عَذَابَ إلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ، وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ الْفُسَّاقِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ.
وَهُنَا قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهَا: وَهُوَ أَنَّ مَا عَادَ مِنْ الذُّنُوبِ بِإِضْرَارِ الْغَيْرِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ؛ فَعُقُوبَتُنَا لَهُ فِي الدُّنْيَا أَكْبَرُ، وَأَمَّا مَا عَادَ مِنْ الذُّنُوبِ بِمَضَرَّةِ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ؛ فَقَدْ تَكُونُ عُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ أَشَدَّ، وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ لَا نُعَاقِبُهُ فِي الدُّنْيَا.
وَإِضْرَارُ الْعَبْدِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ هُوَ ظُلْمُ النَّاسِ؛ فَالظُّلْمُ لِلْغَيْرِ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لَا مَحَالَةَ؛ لِكَفِّ ظُلْمِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، ثُمَّ هُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْعُ مَا يَجِبُ لَهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ، وَهُوَ التَّفْرِيطُ.
والثَّانِي: فِعْلُ مَا يَضُرُّ بِهِ، وَهُوَ الْعُدْوَانُ، فَالتَّفْرِيطُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ… وَلِهَذَا يُعَاقَبُ الدَّاعِيَةُ إلَى الْبِدَعِ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ السَّاكِتُ، وَيُعَاقَبُ مَنْ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ مَنْ اسْتَخْفَى بِهِ، وَنُمْسِكُ عَنْ عُقُوبَةِ الْمُنَافِقِ فِي الدِّينِ، وَإِنْ كَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ…
وَكَذَلِكَ يُعَاقَبُ مَنْ دَعَا إلَى بِدْعَةٍ تَضُرُّ النَّاسَ فِي دِينِهِمْ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِاجْتِهَادِ أَوْ تَقْلِيدٍ». اهـ([204])
أي أنه لا يلزم من كون المرء لا يُعَاقَبُ في الدنيا أنه عند الله أحسن حالًا ممن يُعَاقَبُ في الدنيا!!
ويقول -أيضًا -: في سياق كلامه على غلاة الروافض والخوارج المارقين.
«لَكِنَّ تَكْفِيرَ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُمْ، وَالْحُكْمَ بِتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ، مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ»، أي نُطْلِق القول بأن مَنْ فَعَلَ كذا؛ فهو في النار، ومَنْ فَعَلَ كذا؛ فهو كافر، أو فاسق، أو مبتدع.
قال : «فَإِنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِنُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ، وَلَا نَحْكُمُ لِلْمُعَيَّنِ بِدُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِّ حَتَّى يَقُومَ فِيهِ الْمُقْتَضِي الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ».
قال : «وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي قَاعِدَةِ التَّكْفِيرِ، ثم اسْتَدَلَّ على ذلك بقصة الرجل الذي أوصى بنيه أن يُحرِّقوه؛ لعله لا يُعَذَّب، وهذا شكٌّ في قدرة الله .([205])
وقال ([206]): «وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمَقَالَةَ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ قد يُقَالُ: هِيَ كُفْرٌ قَوْلًا يُطْلَقُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَإِنَّ «الْإِيمَانَ» مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ -عليه الصلاة والسلام-؛ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ النَّاسُ بِظُنُونِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ».
يعني الكلام في مسائل الإيمان والكفر، كلام لا يتكلم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، إنما هذا مما تُلِقِّيَ عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
قال: «وَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ شَخْصٍ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ؛ حَتَّى يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَتَنْتَفِي مَوَانِعُهُ».
وقال أيضًا : «وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ أيضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ تَنَازَعَتْ فِيهَا الْأُمَّةُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الْكِبَارِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْوَعِيدِ؛ فَإِنَّ نُصُوصَ الْقُرْآنِ فِي الْوَعِيدِ مُطْلَقَةٌ، كَقَوْلِهِ تعالى: [ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:10}، الْآيَةَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَرَدَ: مَنْ فَعَلَ كَذَا؛ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّ هَذِهِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: مَنْ قَالَ كَذَا؛ فَهُوَ كَذَا، ثُمَّ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ يَلْتَغِي حُكْمُ الْوَعِيدِ فِيهِ: بِتَوْبَةٍ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ.
وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنْ الْوَعِيدِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ -عليه الصلاة والسلام-، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَم يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ عَارَضَهَا عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ أَوْجَبَ تَأْوِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا».
وقال : «وَكُنْت دَائِمًا أَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي «الصَّحِيحَيْنِ» فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ:
«إذَا أَنَا مُتُّ؛ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّوني فِي الْيَمِّ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ؛ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُك؛ فَغَفَرَ لَهُ»».
وقال : «فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَفِي إعَادَتِهِ إذَا ذُرِّيَ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ، وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللَّهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ؛ فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ، وَالْمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، الْحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ -عليه الصلاة والسلام- أَوْلَى بِالْمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا». اهـ([207])
وقال : «وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا، كَمَقَالَاتِ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ كُفْرٌ، فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ الْقَائِلِ؛ كَمَا قَالَ السَّلَفُ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؛ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ».
قال : «وَلَا يُكَفَّرُ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، كَمَا تَقَدَّمَ، كَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَاسْتَحَلَّ الْخَمْرَ، وَالزِّنَا، وَتَأَوَّلَ».
وقال : «فَإِذَا كَانَ الْمُتَأَوِّلُ الْمُخْطِئُ فِي تِلْكَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ لَهُ وَاسْتِتَابَتِهِ -كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ فِي الطَّائِفَةِ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا الْخَمْرَ-؛ فَفِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ»، وذكر الحديث السابق في قصة الرجل الذي أوصى بنيه بأن يُحَرِّقُوه.([208])
وفي كتاب «تلخيص الاستغاثة» المعروف «بالرد على البكري»([209]) لشيخ الإسلام قال : «فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يُكَفِّرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يُكَفِّرُهم؛ لأنَّ الكفر حُكْمٌ شرعي؛ فليس للإنسان أن يُعاقِب بمثله، كمن كَذَبَ عليك، وزَنَى بأهلك؛ ليس لك أن تَكْذِب عليه، وتَزْني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حقٌ لله، فلا يُكَفَّر إلا من كفَّره الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام».
قال: «وأيضًا؛ فإنَّ تكفير الشخص المعين، وجوازَ قَتْلِهِ موقوفٌ على أن تَبْلُغَه الحجةُ النبويةُ التي يَكْفُر من خالفها، وإلا؛ فليس كُلُّ من جَهِل شيئًا من الدين يَكْفُر.
ولهذا لما استحل طائفةٌ من الصحابة والتابعين كقُدامة بن مظعون وأصحابه شُرْبَ الخمر، وظنوا أنها تُباح لمن عمل صالحًا على ما فهموه من آية المائدة؛ اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يُسْتتابون، فإن أَصَرُّوا على الاستحلال؛ كُفِّروا -أو كَفَروا-، وإن أقروا بها؛ جُلِدُوا، فلم يُكَفِّروهم بالاستحلال ابتداءً؛ لأجل الشبهة التي عَرَضَتْ لهم، حتى يتبين لهم الحق، فإذا أَصَرُّوا على الجحود؛ كُفِّرُوا -أو كَفَروا-». انتهى
وقال شيخ الإسلام : «ولا يلزم إذا كان القول كُفْرًا أن يُكَفَّر كُلُّ من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإنَّ ثُبوت الكُفْر في حق الشخص المعين، كثُبوت الوعيد في الآخرة في حقه». اهـ([210])
وقال : «وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ -وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ- حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ؛ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ». اهـ([211])
والحقيقة أنَّ الكلام في هذا الباب يطول جدا، وقد جاء بمعنى هذا في «الدرر السنية في الأجوبة النجدية».([212]) فالحذر من التسَّرع في الأحكام على الناس منهج أهل العلم.
وقد قال الإمام ابن القيم : «فَإِيَّاكَ أَنْ تُهْمِلَ قَصْدَ الْمُتَكَلِّمِ وَنِيَّتَهُ وَعُرْفَهُ؛ فَتَجْنِيَ عَلَيْهِ وَعَلَى الشَّرِيعَةِ، وَتَنْسُبَ إلَيْهَا مَا هِيَ بَرِيئَةٌ مِنْهُ، وَتُلْزِمَ الْحَالِفَ وَالْمُقِرَّ وَالنَّاذِرَ وَالْعَاقِدَ مَا لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ؛ فَفَقِيهُ النَّفْسِ يَقُولُ: مَا أَرَدْت، وَنِصْفُ الْفَقِيهِ يَقُولُ: مَا قُلْت؛ فَاللَّغْوُ فِي الْأَقْوَالِ نَظِيرُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْأَفْعَالِ، وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ بِهَذَا وَهَذَا، كَمَا قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ] {البقرة:286} فَقَالَ رَبُّهُمْ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: «قَدْ فَعَلْتُ». اهـ([213])
ولذا كان حُسنُ الظن بأهل الإسلام، وحَمْلُهُم على السلامة – ما دام المقام يحتمل ذلك – من سيما أهل العلم والفضل، وأهل القلوب السليمة من الضغائن، والعقول الصافية من المكايد بالمسلمين.
ويقول الإمام ابن القيم : «اللهم فعياذًا ممنْ قَصُرَ في العلم والدِّين باعُهُ، وطالَتْ في الجهل وأَذَى عبادِكَ ذراعُهُ؛ فهو لجهله يرى الإحسانَ إساءةً، والسُنَّةَ بدعةً، والعُرْفَ نُكْرًا، ولِظُلْمِهِ يَجْزِي بالحسنة سيئةً كاملة، وبالسيئة الواحدة عَشْرًا، قد اتخذ بَطَرَ الحقِّ وغَمْطَ النَّاسِ سُلَّمًا إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه، ولا يَعْرِف من المعروف ولا يُنْكِر من المنكر إلا ما وافق إرادَتَهُ أو حَالَفَ هَوَاه.
يَسْتَطِيلُ على أولياءِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- وحِزْبِهِ بَأَصْغَرَيْهِ، ويُجالِسُ أهلَ الغَيِّ والجهالةِ، ويزاحِمُهُم بِرُكْبَتَيْهِ، قد ارْتَوى من ماءٍ آجِنٍ، وتَضَلَّع، واسْتَشْرَفَ إلى مراتب ورثة الأنبياء، وتَطَلَّع يَرْكُضُ في مَيْدان جَهْلِهِ مع الجاهلين، ويُبَرِّزُ عليهم في الجهالة، فَيَظُنُّ أنه من السابقين، وهو عند الله وعند رسوله -عليه الصلاة والسلام- والمؤمنين عن تلك الوِراثَةِ النبوية بِمَعْزِلٍ، وإذا أُنْزِلَ الورثُة منازِلَهُمْ منها؛ فَمَنْزِلَتُه منها أَقْصَى وأَبْعَدُ مَنْزِل.
| نزلُوا بمكةَ في قبائلِ هاشمٍ | ونَزَلْتَ بالبيداء أَبْعَدَ مَنْزِلِ |
وعياذًا بك ممنْ جَعَل الملامَةَ بِضَاعَتَهُ، والعَذْلَ نَصِيحَتَهُ، فهو دائمًا يُبْدِي في الملامَةِ ويُعِيدُ، ويُكَرِّر على العَذْلِ فلا يُفِيد ولا يَسْتَفِيدُ، بل عياذًا بك من عَدُوٍّ في صُورة ناصِحٍ، وَوَليٍّ في مِسْلَاخِ بَعِيدٍ كَاشِحٍ، يَجْعَلُ عداوتَهُ وأذاه حَذَرًا وإِشْفَاقًا، وتَنْفِيرَهُ وتَخْذِيلَهُ إِسْعَافًا وإرْفَاقًا، وإذا كانت العينُ لا تَكادُ إلا على هؤلاء تُفْتَحُ، والميزانُ بهم يَخِفُّ ولا يَرْجَحُ؛ فما أَحْرَى اللبيبَ بألَّا يُعِيرَهُم مِنْ قَلْبِهِ جُزْءًا مِنْ الالْتِفَاتِ، ويُسافِرَ في طَريقِ مَقْصَدِهِ بينهم سَفَرَه إلى الأحياءِ بين الأموات، وما أَحْسَن ما قال القائل:
| وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ | وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ | |
| وَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهِمْ | وَلَيْسَ لِهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ |
اللهم فَلَكَ الحمدُ، وإليكُ المُشْتَكَى، وأنتَ المستعانُ، وبِكَ المُسْتَغَاثُ، وعليكَ التُّكْلانُ، ولا حول ولا قوة إلا بك، وأنت حسبنا ونعم الوكيل» اهـ كلامه .([214])
وقد قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين : «ويُسْتَحَبُّ ظَنُّ الخيرِ بالمسلم، وإذا وَرَدَتْ كلمةٌ من إنسانٍ، وهذا الإنسان معروف بالصلاح، تحتمل الخير والشر؛ فاحْمِلْها على الخير ما وَجَدْتَ لها مَحْمَلًا، وإذا حَصَل فِعْلٌ من إنسان، يحتمل الخير والشر؛ فاحْمِلْهُ على الخير ما وَجَدْتُ له مَحْمَلًا؛ لأنّ ذلك يزيل ما في قلبك من الحقد والعداوة والبغضاء ويريحك، فإذا كان الله لم يُكَلِّفْكَ أنْ تَبْحَثَ وتُنَقِّبَ؛ فاحْمَدِ الله على العافية، وأَحْسِن الظنَّ بإخوانك المسلمين، وتَعَوَّذْ من الشيطان الرجيم».
إلى أنْ قال : «وهذا هو اللائق بالمسلم، أما مَنْ فُتن -والعياذ بالله- وصار يَتَتَبَّعُ عوراتِ النَّاس، ويبحثُ عنها، وإذا رأى شيئًا يحتمل الشر، ولو من وجهٍ بعيد؛ طار به فرحًا ونَشَره؛ فَلْيُبْشِر بأنّ مَنْ تَتَبَّعَ عورة أخيه؛ تَتَبَّعَ اللهُ عورتَهُ، ومنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ؛ فَضَحَهُ ولو في جوف بيته». انتهى([215])
وربّ رجل ينتسب إلى السنة أو الإسلام بلسانه، ويوافق أهلَ البدعة أو الكفر بفعاله، وهو يظن أنه على منهج السنة، وينكر أشد الإنكار إخراجه منها، فمثل هذا يحتاج إلى صَبْرٍ وتبصير.
وقد كان من قضاة وعلماء الجهمية المعطلة من يناظر شيخ الإسلام ابن تيمية ويُصِرُّون على أقوالهم بعد المناظرة والبيان من شيخ الإسلام، ومع ذلك يقول لهم: «أنا لو قلتُ بقولكم؛ أكون كافرا؛ لأني أعلم ما أقول، وأما أنتم عندي فلا تكفرون؛ لأنكم جهّال»، وذلك لبقاء الشبهة عالقةً في أذهانهم، وعدم انقطاع أعذارهم في نظر شيخ الإسلام.
وقد صرح شيخ الإسلام بأنه لا يكفّر البكري؛ لأجل الشبهات التي عَرَضَتْ له، مع كونه فقيها منتسبا للعلم، ومع كونه قد كفّر شيخ الإسلام نَفْسَهُ.
قال : «فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفّرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يُكَفِّرهم؛ لأن الكُفْر حُكْمٌ شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كَذَبَ عليك، وزَنَى بأهلك؛ ليس لك أن تَكْذِبَ عليه، وتَزْنِي بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكَفَّر إلا من كفره الله ورسوله.
وأيضًا: فإن تكفير الشخص المعيّن، وجواز قَتْلِهِ: موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يَكْفُر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يُكَفَّر».
وساق أدلة على العذر، ثم قال:
«ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة، الذين نَفَوْا أن يكون الله -تعالى- فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كُفْر، وأنتم عندي لا تكْفرون؛ لأنكم جُهَّال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.
وأَصْلُ جَهْلِهِم شبهاتٌ عقليةٌ حَصَلَتْ لرؤوسهم، في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له؛ فكان هذا خطابنا.
فلهذا لم نقابل جَهْلَه -أي البكري- وافتراءه بالتكفير بمثله، كما لو شهد شخص بالزور على شخص، أو قذفه بالفاحشة كذبًا عليه، لم يكن له أن يَشْهَدْ عليه بالزور، ولا أن يَقْذِفَهُ بالفاحشة» انتهى([216])
وقال : «وقد قيل: إنما يفسد الناس نِصْفُ مُتَكَلِّمٍ، ونِصْفُ فَقِيهٍ، ونِصْفُ نَحْوِيٍّ، ونِصْفُ طَبِيبٍ؛ هذا يُفْسِدُ الأديانَ، وهذا يُفْسِدُ البلدانَ، وهذا يُفْسِدُ اللسانَ، وهذا يُفْسِدُ الأبدانَ، لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يَسْبِقْ إليها عالم، ولا معه فيها نَقْلٌ عن أحد، ولا هي من مسائل النزال بين العلماء، فيختار أحد القولين، بل هجم فيها على ما يخالف دين الإسلام المعلوم بالضرورة عن الرسول.
فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول، نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن يدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بعيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك؛ بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله.
لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة، في كثير من المتأخرين؛ لم يُمْكِنْ تكفيرهم بذلك، حتى يتبيّن لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه.
ولهذا ما بينّت هذه المسألة قط لمن يعرف أَصْلَ الدين؛ إلا تَفَطَّنَ وقال: هذا أَصْلُ دين الإسلام، وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أَعْظَمُ ما بيّنته لنا؛ لِعِلْمِهِ بأنّ هذا أصل الدين.
وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يَدْعُون الأموات، ويسألونهم، ويستجيرون بهم، ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم؛ لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نَزَلَتْ بهم، فيدْعُونه دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه، أو الدعاء به، أو الدعاء عند قبره؛ بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه، فإنهم يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق؛ خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كَشْفَ ضُرِّهِم، وقال بعض الشعراء:
| يا خائفين من التتر | لوذوا بقبر أبي عمر» انتهى.([217]) |
وقال في تقرير العذر بالتأويل، وأنه يكون في المسائل العلمية والعملية:
«وهكذا الأقوال التي يَكْفُر قائلها: قد يكون الرجل لم تَبْلُغْهُ النصوصُ الموجِبةُ لمعرفة الحق، وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عَرَضَتْ له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ؛ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية.
هذا الذي عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وجماهير أئمة الإسلام» انتهى([218])
وفَصْلُ الكلام في مسائل التكفير: أن مَنْ ثَبَتَ إسلامُهُ بيقين؛ لم يكْفُر حتى تُقام عليه الحجة، وتُزال عنه الشبهة.
قال شيخ الإسلام : «وليس لأحد أن يُكَفِّر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغَلِطَ؛ حتى تُقامَ عليه الحجةُ، وتُبَيَّنَ له المحجةُ.
ومن ثبت إسلامه بيقين؛ لم يَزُلْ ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة».([219])
وعلى الرغم من اتفاق بل إجماع أهل السنة على كفر القول بخلق القرآن – كما نقل ذلك غير واحد من أهل العلم.([220])
فإنهم لم يقولوا بكفر الشخص المعين الذي شارك في فتنة خلق القرآن، يقول شيخ الإسلام: «كان الإمام أحمد يكفِّر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – ظاهرة بينة… لكن ما كان يُكَفِّر أعيانهم… ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية، ويَدْعُون الناس إلى ذلك، ويعاقبونهم، ويُكَفِّرون من لم يُجِبْهُم، ومع هذا فالإمام أحمد تَرَحَّمَ عليهم، واسْتَغْفَرَ لهم، لعلمه بأنهم لمن يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تَأَوَّلُوا فأخطأوا، وقَلَّدُوا من قال لهم ذلك». اهـ([221])
ويقول : «التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وُجِدَتْ الشروط، وانْتَفَتْ الموانع، يُبَيِّن هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يُكَفِّرُوا أكثر من تَكَلَّم بهذا الكلام بعينه».([222])
ثم ذكر شيخ الإسلام مثالًا آخر، وهو صنيع الإمام الشافعي ، يقول: «وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد – حين قال: (القرآن مخلوق) -: كَفَرْتَ بالله العظيم، بيّن له أن هذا القول كُفْرٌ، ولم يَحْكُم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يَتَبَيَّنْ له الحجة التي يَكْفُر بها، ولو اعتقد أنه مُرْتَدٌّ؛ لسعى في قَتْلِهِ، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم».([223])
وطَبَّقَ شيخُ الإسلام ابن تيمية هذا المسلكَ الأصيل عند علمائنا، فكان في محنته يقول للجهمية الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش: «أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم».([224])
وليست إقامة الحجة يراد منها إماطةُ حَجَرٍ، أو تَنْحِيَتُهُ من طريق تكفير المخالف، أو تبديعِهِ، أو التذرع بأنني أقمتُ الحجة على فلان، فما بقي إلا أن يُقر بما أَقَمْتُهُ من حُجَّة عليه؛ فيكون مسلمًا، أو سنيًّا، أو يُنْكِر، أو يَبْقى على قوله الأول؛ فيكون كافرًا، أو مبتدعًا، فهذا شأن من لم يَنْعَمْ قَلْبُهُ بحلاوة حبِّ المسلمين، والحرص عليهم، والسعي في إعذارهم، ودفع الشُّبه المضلة عنهم، عياذًا بالله من هذا الحال، والمؤمن هو الذي يحب لغيره ما يحب لنفسه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آل محمد ملء السماء والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بَعْد.
كتبه أبو الحسن السليماني
15 رجب 1439 هجرية.
A
A
[6]متى يُلْحق السُّنِّي بأهل البدع؟













