كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(الكلامُ المُطْلَقُ لبعضِ العلماء في بعضِ الأشخاصِ قد يكونُ له احتمالاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فلا يَنْبَغِي حَمْلُهُ على ظاهرِهِ وعُمُومِهِ وإطلاقه في غير مَنْ قِيلَ فيه، إلا بعد معرفةِ وَجْهِهِ والمرادِ منه)

  • السؤال الثاني والثلاثون: انتشر في زماننا هذا أقوام ما أَنْ يَسْمَعُوا كلاما لبعض أهل العلم فيه شِدَّةٌ وقَسْوَةٌ على المخالف – وإن كان رجلًا صالحًا، وقد نفع الله به في جوانب أخرى- إلا طاروا به فَرَحًا، وحَمَلُوه على عمومه، وأَنْزَلُوه على غير وَجْهِهِ، بل حَمَلُوه على أَسْوأ محامله، وأنزلوه على غير من قيل فيه، وعقدوا على ذلك الولاء والبراء السنين الطويلة، مع ما يصحب ذلك من سبٍّ مُقْذِع، وعداوة وأحقا د، وغِيبة ونميمة ووشاية، بل معاملة من خالفهم من أصحابهم في هذه العداوة بذلك، وهَلُمَّ جَرًّا… ونسبوا هذه الأفهام المنحرفة إلى منهج السلف الصالح وأئمة السنة دون رويّة، أو مراعاة لضوابط كلام السلف وأسبابه، أو التريّث في فهم كلامهم، ومعرفة المراد منه عندهم، ودون الجَمْع بين أطراف كلامهم؛ لِيُنْزِلُوا كلَّ طائفة من كلامهم على من هو أهلٌ لها، فردًا كان أو طائفة، مراعين في هذا كلِّه القواعدَ العامة التي يسير عليها العلماء؛ فأدت هذه الحال إلى فُرْقة في صفوفِ العاملين لنصرة هذا الدين، في زمن الغُرْبة والوَحْشَة، والاستضعافِ والخِذلانِ للدِّين وأَهْلِهِ ممن هم على أديم الأرض، وبِصُوَرٍ شتى إلا من رحم الله!!!

فما قولُكم في هذا الحال؟

الجواب:

أولًا: الله –سبحانه وتعالى- يقول: [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ] {البقرة:269}، ويقول : [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ] {النور:12}، ويقول : [ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ] {النساء:83}.

* وفي الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ»([440])، والنصيحة في الدين للمخالف لها مواصفات، سيأتي ذِكْرها –إن شاء الله تعالى-.

والأصل أن الأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([441]): «فالرادُّ على أهل البدع مجاهِدٌ، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذَّبُّ عن السنة أفضلُ من الجهاد، والمجاهدُ قد يكون عَدْلا في سياسته، وقد لا يكون، وقد يكون فيه فُجُور» اهـ.

وكذلك الذَّابُّ عن السنة، والقامع للبدعة –في نظره وإن لم تكن بدعة- قد يكون على أحد هذه الوجوه، والموفَّق من وفقه الله، وسَدَّدَه في الغاية والوسيلة.

والنصح للأمة يقتضي إرشادهم بما فيه صالح أمرهم دِينًا ودُنْيا، ولا يتأتى ذلك إلا باستعمال الحكمة والموعظة الحسنة، والرفقِ واللينِ، كما في الحديث: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»([442]).

والقوة في الصَّدْع بالحق لا يَلْزَمُ منها دائما العَجْرَفةُ، أو الخشونةُ البالغةُ، أو القسوةُ في القول والتعامل، أو التشهيرُ بالشخص المخطئ، وفضيحتُهُ بين العامة والخاصة.

فليس هناك في هذه الأمة أَغْيرُ على الحق وعلى حرمات الله إذا انتُهِكَتْ من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومع ذلك فقد كان أحيانًا يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يقولون كَذَا وَكَذَا؟»([443])، أي يُنْكِر المنكَرَ على القوم الذين وقعوا فيه دون أن يُشَهِّر بذكْر أسمائهم، وإن كان يُصَرِّح بالأسماء أحيانًا للحاجة والمصلحة؛ بقصْد النصح والنفع، لا بقصْد التشفِّي والانتقام، والإسقاط للمخالف، وإهدار جميع محاسنه.

ثانيًا: ومع هذا التقرير؛ فلا يلزم من ذلك عدمُ التشهير ببعض المحادِّين لله ولرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الوالغين في الشهوات والشبهات، المعاندين للحق، والظالمين لأهله، المتربصين بهم الدوائر؛ انتصارا لأهوائهم وشهواتهم.

وقد فرّق الله في طريقة التعامل مع المخالفين حسب أحوالهم، حتى وإن كانوا كفارًا، كما هو معلوم من قوله تعالى: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ] {العنكبوت:46}، فأمر بالجدال بالتي هي أحسن مع الكافر غير الظالم المعاند، بخلاف الكافر الحاقد على الإسلام، الظالم لأهله، الذي يَبْذُلُ وُسْعَهُ وجُهْدهُ وبأْسَهُ وفِكْرهُ، في حرب الإسلام والصد عنه، وأَمَر الله -جل شأنه- بالإغلاظ على المنافقين، فقال: [ﭖ ﭗ ﭘ ] {التوبة:73}.

ثالثًا: والتصدي بالرد على الباطل وأهله له شروط وضوابط، لابد من مراعاتها، منها:

1- أن يَقْصِد الرادُّ على المخالف بردّه وَجْهَ الله -تبارك وتعالى- وانتفاعَ المخالف وغيره بهذا الرد، لا قَصْد الانتصار للنفس، والانتقام من الشخص، وإظهار عورته، وكَشْف سوأته… إلخ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وهكذا الردُّ على أهل البدع من الرافضة وغيرهم: إن لم يَقْصِد(أي من يقوم بالرد عليهم ودحض باطلهم) فيه بيانَ الحق، وهُدَى الخلق، ورحمتَهُم، والإحسانَ إليهم؛ لم يكن عمله صالحا، وإذا غلَّظ في ذم بدعة ومعصية، كان قَصْدُه بيان ما فيها من الفساد؛ لِيَحْذَرَها العبادُ، كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يُهْجَرُ الرجلُ عقوبةً وتعزيرا، والمقصودُ بذلك رَدْعُهُ ورَدْعُ أمثاله؛ للرحمة والإحسان، لا للتشفي والانتقام، كما هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابَهُ الثلاثةَ الذين خُلِّفُوا»… إلى أن قال: «وهذا مَبْنيٌّ على مسألتين،…. فذكر إحداهما، إلى أن قال: «الثاني: أن المتأول الذي قَصْدُه متابعةُ الرسول؛ لا يَكْفُر، بل ولا يَفْسُق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كَفَّرَ المخطئين فيها، وهذا القول(وهو التفرقة في ذلك بين المسائل العلمية والعملية) لا يُعْرَف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوالِ أهلِ البدعِ، الذين يَبْتَدِعُون بدعةً، ويُكَفِّرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة، والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة (أي: وإن كانوا ينتمون إلى السنة والأئمة بأقوالهم)…» الخ ما قال([444]) هذا مع مراعاة أن بعض أهل البدع قد تكون لهم أقوال صريحة في الكُفر، لا تحتمل التأويل بأي وجه من الوجوه، فلهؤلاء تفصيلٌ في مَحلِّه.

وقال أيضًا في «منهاج السنة النبوية»([445]): «فإن الإنسان عليه أولًا أن يكون أمره لله، وقَصْدُه طاعةَ الله فيما أَمَرَهُ به، وهو يُحِبُّ صلاحَ المأمور، أو إقامةَ الحجة عليه، فإن فَعَلَ ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته، وتنقيص غيره؛ كان ذلك حَمِيَّةً لا يَقْبَلُه الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء؛ كان عَمَلُهُ حابطًا، ثم إذا رُدَّ عليه ذلك، وأُوذِيَ، أو نُسِبَ إلى أنه مخطئ، وغَرَضُهُ فاسد؛ طَلَبَتْ نَفْسُه الانتصارَ لنفسِهِ، وأتاه الشيطانُ، فكان مَبْدَأُ عمله لله، ثم صار له هَوًى يَطْلُب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤْذِي.

وهكذا يصيب أصحابَ المقالات المختلفة (أي: يصيب الهوى أصحابَ المقالات المختلفة)، إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه، وأنه على السنة؛ فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هَوًى أن ينتصر جاهُهُم، أو رياستُهُم، وما نُسِبَ إليهم، لا يَقْصِدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم، وإن كان مجتهدا معذورا لا يَغْضَبُ الله عليه، ويَرْضَوْن عمن يوافقهم، وإن كان جاهلا سيئَ القصْد، ليس له عِلْمٌ ولا حُسْنُ قَصْد، فَيُفْضِي هذا إلى أن يَحْمَدُوا مَنْ لم يَحْمَدْه اللهُ ورسولُهُ، ويَذُمُّوا مَنْ لم يَذُمَّه اللهُ ورسولُهُ، وتصير موالاتُهم ومعاداتُهم على أهواء أنفسهم، لا على دين الله ورسوله.

وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم، ويقولون: هذا صديقنا، وهذا عدونا، لا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله.

ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس. قال الله تعالى: [ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ] {الأنفال:39} فإذا لم يكن الدين كله لله؛ كانت فتنة.

وصاحبُ الهوى يُعْمِيه الهوى ويُصِمُّه؛ فلا يَسْتَحْضِر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يَطْلُبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويَغْضَب إذا حَصَل ما يَغْضَبُ له بهواه، ويكون مع ذلك معه شُبْهَةُ دينٍ: أن الذي يَرْضَى له ويَغْضَب له أنه السنة، وهو الحق، وهو الدين، فإذا قُدِّرَ أن الذي معه هو الحقُّ المحضُ
-دينُ الإسلام- ولم يكن قَصْدُه أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قَصَدَ الحميةَ لنفسِهِ وطائفتِهِ، أو الرياء؛ لِيُعَظَّمَ هُوَ، ويُثْنَى عليه، أو فَعَلَ ذلك شجاعةً وطَبْعًا، أو لغرض من الدنيا؛ لم يَكُنْ لله، ولم يَكُنْ مجاهدا في سبيل الله؛ فكيف إذا كان الذي يَدَّعِي الحقَّ والسنةَ هو كنظيره: معه حَقٌّ وباطلٌ، وسُنَّةٌ وبِدْعة، ومع خَصْمه حقٌّ وباطلٌ، وسُنَّةٌ وبِدْعة؟ وهذا حال المختلِفِين الذين فَرَّقُوا دينهم وكانوا شِيعا، وكَفَّر بعضُهم بعضًا، وفَسَّق بعضُهم بعضًا…»
إلى آخر ما قال .

ويقولُ الحافظُ الذَّهبيُّ : «الصَّدعُ بِالْحَقِّ عَظِيْمٌ، يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ وَإِخْلاَصٍ، فَالمُخْلِصُ بِلاَ قُوَّةٍ؛ يَعجِزُ عَنِ القِيَامِ بِهِ، وَالقَوِيُّ بِلاَ إِخلاَصٍ؛ يُخْذَلُ، فَمَنْ قَامَ بِهِمَا كَامِلًا؛ فَهُوَ صِدِّيْقٌ»([446]). اهـ

2- أن يَسْبِقَ إنكارَه وتحذِيَرهُ –إن أمكن- نُصْحٌ وتوجيهٌ بالتي هي أحسن، عسى أن ينفع الله به المنصوحَ وأَتْبَاعَهُ، ومن تأثر بقوله، وذلك لأدلة وجوب أو استحباب النصيحة، لا التعيير والتأنيب والتشفِّي والانتقام، وعلى المرء أن يسلك في تحقيق مراد الله أيْسر السبُل، وما خُيِّر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بين أمريْن إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما([447]).

3- ومن ضوابط الإنكار على المخالف: أن تَثْبُتَ هذه المخالفة عمن يُرَدُّ عليه، أو تُنْسَبُ إليه، لا مجرد السماع عنه بأنه وقع فيها، دون التثبت من ذلك، أو التأكد من صحة ما بلغ المرءَ عنه، لاسيما في هذا الزمن، الذي كَثُر فيه نَقْلُ الكلامِ، ونِسْبَةُ الأقوالِ والعقائدِ إلى الآخرين بمجرد النقل عن كُسَيْر، وعُوَيْر، وثالثٍ ما فيه خَيْر، وعن كثير ممن لا يَفْهَمون ما يَسْمَعُون؛ وإذا فَهِمُوا فعند النقل لا يُحْسِنون، كما قال القائل فيمن هم كذلك:

أَقُولُ لَهُ زيدٌ فَيَسْمَعُ خَالِدًاوَيَكْتُبُهُ بَكْرًا وَيَقْرَؤُهُ عَمْرَا([448])

وكما كان الزهري يقول: «يا أهْلَ العراق، يخرج الحديث من عندنا شِبْرًا، ويصير عندكم ذراعا»([449]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فغير الرسول -صلى الله وعليه وسلم- إذا عَبَّرَ بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام؛ كان هذا سائغا باتفاق أهل الإسلام.

وأيضًا: فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلمين؛ لم يكن على المتكلم بذلك بأس، ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم مُتَوَهِّم من ألفاظهم خلافَ مرادهم؛ بل ما زال الناس يتوهمون من أقوال الناس خلاف مرادهم، ولا يَقْدَحُ ذلك في المتكلمين بالحق». اهـ([450])

4- أن تكون هذه المخالفة التي يُنكرها على المخالف مما ثبت في الشرع وفي منهج العلماء وقواعدهم إنكارُهَا على الواقع فيها، وهي المخالفة للمسائل القطعية أو المحْكمة، أو المسائل التي لا يوجد معارضٌ لدليلها الثابت سندًا ودلالةً، لا المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، وإعمال الفِكْر والنظر، ولا يتعين فيها النكير والهجْر، فالتفرقة بين المسألتين مشتهرة بين أهل العلم.

ومما يَدُلُّ على أن من اجتهد في الدين فأخطأ؛ أنه لا إثم عليه ولا إنكار عليه بشدَّة وعُنْف: ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يوم الأحزاب: «لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضَهُمُ العَصْرُ في الطريق؛ فقال بعضُهم: لا نُصَلِّي حتى نأتيهم، وقال بعضُهم: بل نُصَلِّي؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يُرِدْ منا ذلك، إنما أراد الحثََّ على السير فقط، فَذُكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فلم يعنِّف واحدًا منهم.([451])

وفي هذا الحديث يقول الحافظ ابن حجر : «وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يُعَنِّفْ أحدًا من الطائفتين، فلو كان هناك إثم؛ لَعَنَّفَ مَنْ أَثِمَ». اهـ([452])

قال يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من أَجِلَّة التابعين: «ما برح أولو الفتوى يختلفون، فيُحِلُّ هذا ويُحَرِّم هذا، فلا يرى المُحَرِّمُ أن المُحِلَّ هَلَكَ لتحليله، ولا يرى المُحِلُّ أن المُحَرِّمَ هَلَكَ لتحريمه». اهـ([453])

وقال سفيان الثوري أيضًا: «ما اختلف فيه الفقهاء؛ فلا أَنْهَى أحدًا من إخواني أن يأخذ به». اهـ([454])

وقال أحمد بن حنبل: «من أفتى الناس؛ ليس ينبغي أن يَحْمِلَ الناسَ على مذهبه، ويُشَدِّدَ عليهم». اهـ([455])

وقال ابن قدامة المقدسي : «لا ينبغي لأحد أن يُنْكِرَ على غيره العَمَلَ بمذهبه؛ فإنه لا إنكار على المُجْتَهَدَات». اهـ([456])

5- التفرقة بين أصناف الواقعين في هذه المخالفة بين طالبِ الحق والهُدَى منهم؛ فيُتَلَطّف معه، ويُنصَح سِرًّا، -مرة أو أكثر، حسب الحاجة والتأثير، ومن شخص واحد أو أكثر- فيُفَرَّق بين هذا وبين من هو مُتَّبِع لهواه، ومن يَلْهَثُ وراء الشهوات والأطماع، ويحرص على لفلفة الأصحاب والأتباع، وإن كانوا من الهمج الرعاع، ولا يرفع بالحق وأهله رأسًا؛ فهذا قد لا ينفع معه إلا الشدة والغلظة، أو التأليف لدفع شرِّه، لكن تقرير هذا أو ذاك راجع إلى أهل العلم والتجرد من الهوى والعجلة وحبّ الترؤس والتصدُّر، وبين المخالفين في مسائل جلية محكمة، والمخالفين في مسائل دقيقة خفية، وإلا فالشدة في المعاملة لها أسباب وضوابط:

فقد قال أبو داود‏ : ‏«‏قلت لأحمد: لنا أقارب بخراسان يَرَوْنَ الإرجاء، فنكتب إلى خراسان نُقْرِئُهم السلام‏؟‏ قال‏:‏ سبحان الله؛ لماذا لا تُقْرِئُهم‏؟‏‏»‏

أخبرنا أبو بكر قال حدثنا أبو داود قال‏:‏ قلت لأحمد‏:‏ نُكَلِّمُهم‏؟‏ قال‏:‏ نعم، إلا أن يكون داعيًا، ويُخاصِمَ فيه‏».([457])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَمِمَّا يَنْبَغِي أيضًا أَنْ يُعْرَفَ: أَنَّ الطَّوَائِفَ الْمُنْتَسِبَةَ إلَى مَتْبُوعِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْكَلَامِ؛ عَلَى دَرَجَاتٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُصُولٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إنَّمَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي أُمُورٍ دَقِيقَةٍ، وَمَنْ يَكُونُ قَدْ رَدَّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الطَّوَائِفِ الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ السُّنَّةِ مِنْهُ؛ فَيَكُونُ مَحْمُودًا فِيمَا رَدَّهُ مِنْ الْبَاطِلِ وَقَالَهُ مِنْ الْحَقِّ؛ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ جَاوَزَ الْعَدْلَ فِي رَدِّهِ بِحَيْثُ جَحَدَ بَعْضَ الْحَقِّ، وَقَالَ بَعْضَ الْبَاطِلِ، فَيَكُونُ قَدْ رَدَّ بِدْعَةً كَبِيرَةً بِبِدْعَةِ أَخَفَّ مِنْهَا؛ وَرَدَّ بِالْبَاطِلِ بَاطِلًا بِبَاطِلٍ أَخَفَّ مِنْهُ، وَهَذِهِ حَالُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ إذَا لَمْ يَجْعَلُوا مَا ابْتَدَعُوهُ قَوْلًا يُفَارِقُونَ بِهِ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، يُوَالُونَ عَلَيْهِ وَيُعَادُونَ؛ كَانَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ، وَاَللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَطَأَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: لَهُمْ مَقَالَاتٌ قَالُوهَا بِاجْتِهَادِ، وَهِيَ تُخَالِفُ مَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ وَالَى مُوَافِقَهُ، وَعَادَى مُخَالِفَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفَّرَ وَفَسَّقَ مُخَالِفَهُ دُونَ مُوَافِقِهِ فِي مَسَائِلِ الْآرَاءِ وَالِاجْتِهَادَاتِ، وَاسْتَحَلَّ قِتَالَ مُخَالِفِهِ دُونَ مُوَافِقِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافَاتِ». اهـ([458])

وهذا التفاوت يقع في مسائل العقيدة والعبادة على حَدٍّ سواء، فإن «الْجَلِيلَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مَسَائِلُ أُصُولٍ وَالدَّقِيقَ مَسَائِلُ فُرُوعٍ». ا.هـ([459])

وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا التفاوت من جهة قُرْبِ الفِرَق وبُعْدِها عن الحق، قائلًا: «والنجَّارية والضِّرارية وَغَيْرُهُمْ: يَقْرُبُونَ مِنْ جَهْمٍ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ، مَعَ مُقَارَبَتِهِمْ لَهُ أيضًا فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةُ: خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةَ، وَأَئِمَّتُهُمْ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، كَمَا فَصَّلْتُ أَقْوَالَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْقَدَرِ وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ فَأَقْوَالُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، والْكُلَّابِيَة هُمْ أَتْبَاعُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ الَّذِي سَلَكَ الْأَشْعَرِيُّ خُطَّتَهُ، وَأَصْحَابُ ابْنِ كُلَّابٍ: كَالْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ القلانسي، وَنَحْوِهِمَا خَيْرٌ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ فِي هَذَا وَهَذَا، فَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ إلَى السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَقْرَبَ؛ كَانَ قَوْلُهُ أَعْلَى وَأَفْضَلَ». اهـ.([460])

كما أنه لابد من التفرقة بين من يقع في الخطأ عن اجتهاد وتأويل، وهو من أهل العلم، المعروفين بتعظيم السنة، والانتصار لها في الجملة، وإن وافق في بعضِ قولِهِ كلامَ أهل البدع، وبين رؤوس البدع الكبار: كالرفض، والتجهم، والاعتزال، والقدَر، والإرجاء، والتكفير للمسلمين بالكبائر… الخ، فالفريق الأول: يُردُّ عليهم الخطأ، ونَعْذُرُهم، ويُقْبَل منهم الصواب، ونَشْكُرْهم، ونُفَنِّد شُبْهَتَهُم، مع الحفاظ على حُرْمتهم وحِشْمَتِهم دون السعي في إسقاطهم؛ وإلا أسقطْنا أكثر علماء الإسلام، ولو أسقطنا كلَّ مَنْ تلوّث بشيء من بدعة القَدَر أو النصْب من أهل البصرة، وكذا كلَّ مَنْ تلوّث بشيء من التشيع من أهل الكوفة، وكلَّ مَنْ تلوّث بشيء من التجهم والإرجاء والتمشعر من أهل خراسان، وكُلَّ أهلِ الرأي من الحنفية، وأهلِ الظاهر من الظاهرية، وكلَّ من تلوّث بعلم الكلام والنظر من أتباع المذاهب والأئمة…الخ؛ فهل بقي للمسلمين أحد يرجعون إليه في أمر دينهم؟ ما بقي إلا الدجاجلة تَخْطُب من فوق أعواد المنابر، أو قلة قليلة من أهل الصفاء، وعند ذلك فلْتَبْكِ البواكي على الإسلام وأهله!!!

روى الخطيب في «الكفاية»: عن ابن المسيّب قال: «ليس من عالم ولا شريفٍ ولا ذي فَضْلٍ إلّا وفيه عَيْبٌ، ولكن من كان فَضْلُه أكثرَ من نَقْصِهِ؛ ذَهَبَ نَقْصُهُ لفَضْلِهِ».([461])

وجاء في «السنة»([462]): أخبرني محمد بن موسى، قال: قال أبو جعفر حمدان بن علي أنه سمع أبا عبد الله – يعني أحمد بن حنبل -، قال: وكان يحيى بن سعيد يقول: عمر وقف، وأنا أقف، قال أبو عبد الله: وما سمعت أنا هذا من يحيى، حدثني به أبو عبيد عنه، وما سألت أنا عن هذا أحدًا، أو ما صنع بهذا؟ قال أبو جعفر، فقلت: يا أبا عبد الله، من قال: أبو بكر وعمر، هو عندك من أهل السنة؟ قال: لا توقِفْني هكذا؛ كيف نصنع بأهل الكوفة؟ قال أبو جعفر: وحدثني عنه أبو السري عبدوس بن عبد الواحد، قال: «إخراج الناس من السنة شديد».

فتأمل فهْم السلف لا رُعُونة الخلف، وتَشَبُّثِهم بالمطلقات في مقام التقييد!!!

وفي «السنة»([463]): كتب إليَّ أحمد بن الحسن الوراق من الموصل، قال: ثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله، وسأله عمن قال: أبو بكر وعمر وعلي وعثمان؟ -أي قدَّم عليًّا على عثمان- فقال: «ما يعجبني هذا القول، قلت: فيقال: إنه مبتدع؟ قال: أكره أن أُبَدِّعَهُ البدعةَ الشديدةَ، قلت: فمن قال: أبو بكر وعمر وعلي وسكت، فلم يُفَضِّلْ أحدا؟ قال: لا يعجبني أيضًا هذا القول، قلت: فيقال: مبتدع؟ قال: لا يعجبني هذا القول!!

وفي «السنة»([464]): وأخبرني علي بن عيسى، أن حنبلا حدثهم، قال: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن من يُقَدِّم عليا على عثمان هو عندك مبتدع؟ قال: «هذا أَهْلٌ أن يُبَدَّعْ، أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَدَّمُوا عثمان بالتفضيل»، وقال حنبل في موضع آخر: سألت أبا عبد الله: من قال: علي وعثمان، قال: هؤلاء أَحْسَنُ حالا من غيرهم، ثم ذكر عِدَّةً من شيوخ أهل الكوفة، وقال: هؤلاء أحسن حالا من الروافض، ثم قال أبو عبد الله: إن أولئك -يعني الذين قدموا عليا على عثمان- قد خالفوا من تقدمهم من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قال: علي ثم عثمان، وأنا أذهب إلى أن عثمان، ثم علي -رحمهما الله-».

وقال سلمة بن شبيب : قلت لأحمد بن حنبل: طلبتُ عفّان في منزله، قالوا: خرج، فخرجتُ أسأل عنه، فقيل: توجّه هكذا، فجعلت أَمْضِي أسألُ عنه، حتّى انتهيتُ إلى مقبرة، وإذا هو جالس يقرأ على قبر بنت أخي ذي الرّياستين؛ فَبَزَقْتُ عليه، وقلت سَوْءَةٌ لك! قال: «يا هذا، الخُبْزَ الخُبْزَ»، قلت: لا أَشْبَعَ الله بَطْنَكَ، قال: فقال لي أحمد: لا تَذْكُرَنّ هذا؛ فإنّه قد قام في المحنة مقاما محمودا عليه، ونحو هذا من الكلام».([465])

وأما الفريقُ الثاني ممن لا يرفعون بالسنة رأسًا، ويزدادُ شَرُّهُم يومًا بعد يوم؛ فالغلظة عليهم -إن كان فيها تخفيف الشر- قُرْبةٌ إلى الله .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([466]) في رسالته لبعض أصحابه: «ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن: فأنتم تَعْلَمُون أني من أكثر الناس استعمالا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حَسَنٌ، وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة؛ فنحن مأمورون بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن» اهـ.

وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([467]): «والله تعالى يقول: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ] {العنكبوت:46} فمتى ظَلَمَ المخاطَبُ؛ لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن، بل قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- لعروة بن مسعود بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال -أي عروة بن مسعود-: إني لأرى أوباشًا من الناس؛ خليقا أن يَفِرُّوا ويَدَعُوك -أي فقال له الصديق -رضي الله عنه- بعد هذه المقالة القبيحة-: امْصُصْ بَظْر اللات، أنحن نَفِرُّ عنه ونَدَعُه؟!».

وقال كما في «مجموع الفتاوى»([468]): «فالظالم ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن»

وأما غير الظالم؛ فقد قال الله تعالى: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النحل:125}.

فتأمل التفصيل والتفرقة في الإنكار على المخالف حسب نوعه ونوع مخالفته، واحمد الله على العافية من منهج الغلاة المتهورين، الذين لا يُبْقِي الواحد منهم ولا يذر إذا خولف، أما مع الموافق؛ فيبالغ في مدحه والتغافل عن أخطائه حتى يخرج عن حدِّ الإنصاف في الاعتذار له، فـ [ﯖ ﯗ ﯘ ] {المطففين:1}… الآيات.

لكن مع ذلك فلابد من التفرقة بين قَصْدِ النصيحة وقَصْدِ التعيير والتشهير، فقد ذكر الإمام ابن القيم الفرق بين النصيحة والتأنيب، فذكر أن النصيحة فيها الرحمة والشفقة والغيرة على المخالف، مع التلطف والتحمل لأذى المنصوح، كالطبيب مع المريض المـُشْبَعِ مَرَضًا، عندما يسوء خُلُقُه عليه (أي على الطبيب)، ثم قال: «وَأما المؤَنِّبُ: فَهُوَ رَجُلٌ قَصْدُه التَّعْييرُ والإهانةُ، وذَمُّ مَنْ أَنَّبَهُ، وَشَتْمُه فِي صُورَة النصح، فَهُوَ يَقُول لَهُ: يَا فَاعلَ كَذَا وَكَذَا، يَا مُسْتَحقًّا الذَّمَّ والإهانةَ، فِي صُورَة نَاصح مُشْفِقٍ، وعلامةُ هَذَا: أَنه لَو رأى من يُحِبهُ وَيُحْسِن إِلَيْهِ على مثل عَمَلِ هَذَا، أَو شَرٍّ مِنْهُ؛ لم يَعْرِضْ لَهُ، وَلم يَقُلْ لَهُ شَيْئا، وَيَطْلُبُ لَهُ وُجُوه المعاذير، فَإِن غُلِبَ؛ قَالَ: وَإِنِّي ضَمِنْتُ لَهُ الْعِصْمَة؟ وَالْإِنْسَانُ عُرْضَهٌ للخطأ، ومحاسِنُهُ أَكثرُ من مساويه، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَنَحْو ذَلِك!!! فيا عَجَبًا؛ كَيفَ كَانَ هَذَا لِمَنْ يُحِبهُ دون من يُبْغِضُه، وَكَيف كَانَ حَظُّ ذَلِك مِنْك التأنيبَ فِي صُورَة النصح، وحَظُّ هَذَا مِنْك رَجَاءَ الْعَفو وَالْمَغْفِرَة، وَطلبَ وُجُوهِ المعاذير؟!!

وَمن الفروق بَين الناصح والمؤنِّب: أَن الناصح لَا يُعاديك إِذا لم تَقْبَلْ نصيحته، وَقَالَ: قد وَقع أجْرى على الله؛ قَبِلْتَ أَو لم تَقْبَل، وَيَدْعُو لَك بِظهْر الْغَيْب، وَلَا يَذْكُر عيوبك، وَلَا يُبَيِّنُها فِي النَّاس، والمؤنِّب بضدّ ذَلِك» اهـ.([469])

6- ومن الشروط التي يجب أن يراعيها من يأمر وينهى: مراعاة هل هذا الإنكار سيؤثر تأثيرا نافعا على المخالف وغيره، مع مراعاة مآل التشهير بالشخص على سير الدعوة، وآثار ذلك على أَتْبَاعِها وأعدائها، فإذا كان الإنكار سيُفْضي إلى الوهن والشقاق، وغرس بعض الأخلاق السيئة في الأتباع، واهتبال الأعداءَ الفُرص للصَّدِّ عن سبيل الله…الخ؛ فيُتْرك ذلك؛ مراعاةً لكونه سببا في زيادة الشر لا تخفيفه، عملا بالأدلة الشرعية، والقواعد المرعيّة عند العلماء، وأخْذًا بروح الشريعة، ولُبِّها، ومقاصدها العامة؛ فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد وتعطيلها، ولا يكون ذلك أيضًا -في كل حادثة- إلا بدراسة العلماء الصادقين، والخبراء المختصين في كل جانب، كما سبق بيانه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([470]):

«وَهَذَا الْهَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْهَاجِرِينَ فِي قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ، وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ زَجْرُ الْمَهْجُورِ، وَتَأْدِيبُهُ، وَرُجُوعُ الْعَامَّةِ عَنْ مِثْلِ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِحَةً، بِحَيْثُ يُفْضِي هَجْرُهُ إلَى ضَعْفِ الشَّرِّ وَخِفْيَتِهِ؛ كَانَ مَشْرُوعًا، وَإِنْ كَانَ لَا الْمَهْجُورُ وَلَا غَيْرُهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ، بَلْ يَزِيدُ الشَّرُّ، وَالْهَاجِرُ ضَعِيفٌ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَفْسَدَةُ ذَلِكَ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَتِهِ؛ لَمْ يُشْرَعْ الْهَجْرُ، بَلْ يَكُونُ التَّأْلِيفُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنْ الْهَجْرِ، وَالْهَجْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنْ التَّأْلِيفِ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَأَلَّفُ قَوْمًا وَيَهْجُرُ آخَرِينَ، كَمَا أَنَّ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَكْثَرِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، لَمَّا كَانَ أُولَئِكَ سَادَةً مُطَاعِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ؛ فَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ فِي تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنُونَ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ؛ فَكَانَ فِي هَجْرِهِمْ عِزُّ الدِّينِ وَتَطْهِيرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْعَدُوِّ الْقِتَالُ تَارَةً، وَالْمُهَادَنَةُ تَارَةً، وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ تَارَةً، كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَالْمَصَالِحِ، وَجَوَابُ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَلِهَذَا كَانَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي كَثُرَتْ فِيهَا الْبِدَعُ، كَمَا كَثُرَ الْقَدَرُ فِي الْبَصْرَةِ، وَالتَّنْجِيمُ بِخُرَاسَانَ، وَالتَّشَيُّعُ بِالْكُوفَةِ، وَبَينَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْمُطَاعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِذَا عُرِفَ مَقْصُودُ الشَّرِيعَةِ؛ سُلِكَ فِي حُصُولِهِ أَوْصَلَ الطُّرُقِ إلَيْهِ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ فَالْهِجْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَرَسُولُهُ، فَالطَّاعَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِأَمْرِهِ، فَتَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ صَوَابًا، فَمَنْ هَجَرَ لِهَوَى نَفْسِهِ، أَوْ هَجَرَ هَجْرًا غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ؛ كَانَ خَارِجًا عَنْ هَذَا، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَفْعَلُ النُّفُوسُ مَا تَهْوَاهُ، ظَانَّةً أَنَّهَا تَفْعَلُهُ طَاعَةً لِلَّهِ» اهـ.

وقال الإمام الشاطبي في هذا السياق، كما في كتاب «الاعتصام»([471]):

«إِنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهِمْ: بِالتَّثْرِيبِ، أَوِ التَّنْكِيلِ، أَوِ الطَّرْدِ، أَوِ الْإِبْعَادِ، أَوِ الْإِنْكَارِ; هُوَ بِحَسَبِ حَالِ الْبِدْعَةِ فِي نَفْسِهَا; مِنْ كَوْنِهَا: عَظِيمَةَ الْمَفْسَدَةِ فِي الدِّينِ، أَوْ لَا، وَكَوْنِ صَاحِبِهَا مُشْتَهِرًا بِهَا أَوْ لَا، وَدَاعِيًا إِلَيْهَا أَوْ لَا، وَمُسْتَظْهِرًا بِالْأَتْبَاعِ أَوْ لَا، وَخَارِجًا عَنِ النَّاسِ أَوْ لَا، وَكَوْنِهِ عَامِلًا بِهَا عَلَى جِهَةِ الْجَهْلِ أَوْ لَا؟

وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَهُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ يَخُصُّهُ؛ إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ فِي الْبِدْعَةِ حَدٌّ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ» اهـ.

قلت: ما أجْمَعَ هذا الكلام وأَبْيَنَهُ لمن عافاه الله من الهوى وسوء القَصْد والفَهْم!!

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([472]):

«إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، أَوْ تَزَاحَمَتْ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إذَا ازْدَحَمَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَتَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ؛ فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنْ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ؛ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ؛ بَلْ يَكُونُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ» اهـ.

وقال الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين عن رب العالمين»([473]): عن شيخ الإسلام في شأن التتار الذين مَرَّ بهم، وكانوا يَشْرَبُون الخمر، فَنَهَى من أراد أن يُنْكِرَ عليهم من أصحابه ما هم فيه من الفسوق والعصيان، نهاه عن الإنكار عليهم؛ لما يترتب على تَرْكِهِم شُرْبَ الخمر من مفاسد، هي أعظم من شرب الخمر، فقال : «إنما حَرَّمَ اللَّهُ الخمرُ لأنها تَصُدُّ عن ذِكْرِ اللَّه وعن الصلاة، وهؤلاء يَصُدُّهم الخمرُ عن قَتْلِ النفوس، وسَبْي الذُّرِّية، وأَخْذِ الأموال؛ فَدَعْهم» اهـ.

رابعًا: فإن استدل المخالفون ببعض أقوال العلماء التي ظاهرها الإنكار والتبديع والهجر لبعض من وقع في بدعة -بعينه- بمجرد سماع العالم ببدعته، دون مراعاة هذه الضوابط؛ فالجواب: أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما هي حالات فردية، بخلاف الجادة الموطوءة عند أهل العلم من أهل السنة؛ لأن العلماء أحيانا يُطْلِقُون هذه المقالاتِ على سبيل العموم؛ لصيانة الشريعة من الإحداث فيها، ولردْع الناس عن الاغترار بتلك المقالة، لِعِظَمِ قَدْر من صَدَرَت عنه، ولكنهم لا يُنْزِلونها على الأعيان إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع في حقهم، فإذا أنزلوها -في موضع ما- على الأعيان؛ فإنما يكون ذلك في الذين عَرَفُوا من حالهم أنهم يَسْتَحِقُّون ذلك: إما لِعِلْمِهِم بقيام الحجة على هؤلاء المخالفين، وعنادِهِم، وانتشارِ ضررهم، أو لِعِلْمِهِم بحال المسؤول عنه منهم، أو لعلمهم بأن الأصلح في حق هذا المعيَّن أن يُعَامَل بهذا الأسلوب دون غيره، أو لِعِلْمِهِم بأن أهل الحق أقوى وأكثر وأقْدَر بهجرهم المخالفَ على ردْعِهِ وزَجْره، وبذلك يزول الشر أو يَخِفُّ، أو لغير ذلك من أحوال يراعيها الأئمة في وقتٍ ما، وفي حادثةٍ ما، ومع شخصٍ دون آخر، ولا يلزم بيانُ ذلك منهم وشَرْحُه وتفصيلُه في كل موضع، فمقصودُهم تحقيقُ ما أمكن من مقاصد الشريعة، فَيَسْلُكُون أقربَ الطرق الموصِلةِ إلى مرادهم، وبهذا لا يكون هذا التصرفُ الخاصُّ منهم قاعدةً عامةً، ويُنْسَب إليهم -جهلا- عدمُ مبالاتهم بالأدلة السابقة، والقواعد المستنبطة منها.

فقد قال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»([474]): «وكَثيرٌ مِنْ أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة، خَرَجَ على سؤالِ سائلٍ، قد عَلِمَ المسؤولُ حالَهُ، أو خَرَجَ خطابًا لمُعَيَّن؛ قد عُلِمَ حالُهُ؛ فيكون بمنـزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إنما يَثْبُتُ حُكْمُها في نظيرها…». اهـ.

أي ولا يكون هذا الجوابُ من هذا العالم في هذه الحالة قاعدةً عامةً، يُلْزَم كلُّ أحدٍ العمل بها مع كلِّ أحدٍ، وفي كلِّ حادثة، وفي كل حين، فلا بد من التفرقة بين حالة ما إذا خرج كلامُهُم مَخْرَج الحُكمِ على العموم أو الفعل، وما أنزلوه من كلامهم وأحكامهم على المعين أو الفاعل، وكون هذا المعين قد عُلِمَ في حَقِّه أنه ممن يُخَاطَبُ بالتي هي أحسن، أو بالتي هي أخْشن!!

فتأمل كلام شيخ الإسلام؛ الذي هو بوّابة علوم السلف، أو الجسر الذي يَعْبُر عليه المحبون للسنة لعلوم السلف، ف تعالى رحمةً واسعة.

وقد ذكر صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في شريط: «على طريق الدعوة» في الجواب على أسئلة العشماوي وجه (أ): «أن من لم يقرأْ في كُتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى- فإنه لم يَفْهَمْ كلامَ السلف فَهْمًا جيدًا»([475])، فارجع إليه؛ لتسمعه بنصه، ولتعْلم مكانة هذا الإمام شيخ الإسلام الذي يتناول قضايا عَصْرِنا كأنه يعيش بين أظهرنا، وكأنه يسمع كلام المخالفين لمنهج الأئمة -وإن صَرَّحُوا بانتسابهم إليهم تشَبُّعًا- ويَنْبَرِي للرد عليه!!

وقد ذكر شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»([476]) اتفاق علماء السنة على كُفْر من قال بخلق القرآن، وذلك على وجه الإطلاق والعموم، لا على وجه تكفير عَيْنِ كُلِّ من قال بهذه البدعة الكُفرية من الجهمية، إلا إذا وُجِدَتْ في حَقِّه شروطُ التكفير، وانتفتْ عنه موانِعُهُ، ثم قال: «يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ: الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ العمومات، لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد -مَثَلًا – قَدْ بَاشَرَ «الْجَهْمِيَّة» الَّذِينَ دَعَوْهُ إلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ، وَامْتَحَنُوهُ وَسَائِرَ عُلَمَاءِ وَقْتِهِ، وَفَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ عَلَى التَّجَهُّمِ: بِالضَّرْبِ، وَالْحَبْسِ، وَالْقَتْلِ، وَالْعَزْلِ عَنْ الْوِلَايَاتِ، وَقَطْعِ الْأَرْزَاقِ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَتَرْكِ تَخْلِيصِهِمْ مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ، بِحَيْثُ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ إذْ ذَاكَ مِنْ الْجَهْمِيَّة مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ: يُكَفِّرُونَ كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ جَهْمِيًّا مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ، مِثْلِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَيَحْكُمُونَ فِيهِ بِحُكْمِهِمْ فِي الْكَافِرِ، فَلَا يُوَلُّونَهُ وِلَايَةً، وَلَا يَفْتَكُّونَهُ مِنْ عَدُوٍّ، وَلَا يُعْطُونَهُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَقْبَلُونَ لَهُ شَهَادَةً، وَلَا فُتْيَا، وَلَا رِوَايَةً، وَيَمْتَحِنُونَ النَّاسَ عِنْدَ الْوِلَايَةِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالِافْتِكَاكِ مِنْ الْأَسْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ أَقَرَّ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ؛ حَكَمُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ؛ لَمْ يَحْكُمُوا لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمَنْ كَانَ دَاعِيًا إلَى غَيْرِ التَّجَهُّمِ؛ قَتَلُوهُ، أَوْ ضَرَبُوهُ، وَحَبَسُوهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَغْلَظِ التَّجَهُّمِ: فَإِنَّ الدُّعَاءَ إلَى الْمَقَالَةِ أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهَا، وَإِثَابَةَ قَائِلِهَا، وَعُقُوبَةَ تَارِكِهَا؛ أَعْظَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ إلَيْهَا، وَالْعُقُوبَةَ بِالْقَتْلِ لِقَائِلِهَا، أَعْظَمُ مِنْ الْعُقُوبَةِ بِالضَّرْبِ، ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وحَلَّلَهم مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنْ الظُّلْمِ، وَالدُّعَاءِ إلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْكُفَّارِ لَا يَجُوزُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّرُوا الْمُعَيَّنِينَ مِنْ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَفَّرَ بِهِ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، فَإمَّا أَنْ يُذْكَرَ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ؛ فَفِيهِ نَظَرٌ، أَوْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ عَلَى التَّفْصِيلِ؛ فَيُقَالُ: مَنْ كَفَّرَهُ بِعَيْنِهِ؛ فَلِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ، وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ بِعَيْنِهِ؛ فَلِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، هَذِا مَعَ إطْلَاقِ قَوْلِهِ بِالتَّكْفِيرِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالِاعْتِبَارُ…» اهـ. فأين البغاة الغلاة الجهلة من هذه التفاصيل؟!!

وعلى هذا؛ فلا بد أن يُفْهَم كلام العلماء بالفهم الصحيح؛ فلا يلزم من إطلاق العلماء التحذيرَ من الفعل التحذيرُ من الفاعل، فمن سَلَكَ هذا المسلك؛ أَراحَ واسْتراحَ، وَوُفِّق إلى السداد والفلاح، ومن أخذ الكلام على عواهنه -إما جَهْلا منه، أو لهوًى في نفسه مع معرفته بشروطه وضوابطه- ضلَّ وأضَلّ، والله المستعان.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([477]): «فَإِذَا رَأَيْت إمَامًا قَدْ غَلَّظَ عَلَى قَائِلٍ مَقَالَتَهُ، أَوْ كَفَّرَهُ فِيهَا؛ فَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا حُكْمًا عَامًّا فِي كُلِّ مَنْ قَالَهَا، إلَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ الشَّرْطُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ وَالتَّكْفِيرَ لَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنْ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ، وَكَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَاشِئًا بِبَلَدِ جَهْلٍ؛ لَا يَكْفُرُ حَتَّى تَبْلُغَهُ الْحُجَّةُ النَّبَوِيَّةُ، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ إذَا رَأَيْت الْمَقَالَةَ الْمُخْطِئَةَ قَدْ صَدَرَتْ مِنْ إمَامٍ قَدِيمٍ فَاغْتُفِرَتْ، لِعَدَمِ بُلُوغِ الْحُجَّةِ لَهُ؛ فَلَا يُغْتَفَرُ لِمَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ مَا اغْتُفِرَ لِلْأَوَّلِ، فَلِهَذَا يُبَدَّعُ مَنْ بَلَغَتْهُ أَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَحْوُهَا إذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلَا تُبَدَّعُ عَائِشَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْ بِأَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فَتَدَبَّرْهُ؛ فَإِنَّهُ نَافِعٌ، وَهُوَ: أَنْ يَنْظُرَ فِي شَيْئَيْنِ: فِي الْمَقَالَةِ: هَلْ هِيَ حَقٌّ، أَمْ بَاطِلٌ؟ أَمْ تَقْبَلُ التَّقْسِيمَ، فَتَكُونُ حَقًّا بِاعْتِبَارِ، بَاطِلًا بِاعْتِبَارِ؟ وَهُوَ كَثِيرٌ وَغَالِبٌ؟ ثُمَّ النَّظَرُ الثَّانِي فِي حُكْمِهِ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا أَوْ تَفْصِيلًا، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ، فَمَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ؛ أَصَابَ الْحَقَّ قَوْلًا وَعَمَلًا، وَعَرَفَ إبْطَالَ الْقَوْلِ وَإِحْقَاقَهُ، وَحَمْدَهُ وذَمَّهُ، فَهَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ يَهْدِينَا وَيُرْشِدُنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ» اهـ.

فقد تقرر بما سبق أن كلام العلماء قد يحتمل وجوهًا، فلابد من التأنيِّ في فَهْمِ أو تنزيل كلامِهم أو كلامِ أحدِهم إذا كان كذلك، وهذا بخلاف حال بعض الناس، الذي لا يُفَرِّقُ بين كلامِ العلماء الْمُطْلَقِ على العمومِ، وكلامِهِم الذي هو على الأعيانِ، ويستدلون على ذلك بأدلةٍ عامةٍ ليستْ ظاهرة في موضع النزاع، كإطلاق العلماء البدعة على المرجئة، والقدرية، والخوارج، والجهمية، ونحوهم، مع تفصيلهم في أحكام الأعيان المُتَلَبِّسين بهذه البدع، وفيما سبق الردُّ على من استدل بذلك على تفسيق كُلِّ فَرْدٍ أو تكفيره، مع عَدَمِ استيفاء شروطِ هذا الحُكْمِ أو ذاك، وانتفاءِ موانعِهِ في حَقِّ المعيَّن الذي يُصَرِّحُ بأنه من أهل السنة.

أما العامِّي الذي يصرحُ بأنه ليس من أهل السنة، ويتبرأُ منهم، وينتسبُ إلى أهل بدعة من البدع الكبار، كالجهمية، والرافضة، والخوارج، والقدرية،… وغيرهم، ويفاخِرُ بذلك؛ فإنه يُلْحَقُ بهم، فَيُقالُ: فلان جهمي، أو خارجي، أو قَدَري… ونحو ذلك، ولا يُقال له: أنت سُنِّي مهما تبرأْتَ من السنة وأهلها، وهذا حالُ السلفِ مع عوامِّ الرافضةِ والمعتزلةِ ونحوهم ممن نشأ على بدعتهم، وتبرأ من السنة وأهلها، بخلاف من دَخَلَتْ عليه شُبْهَتُهُم، وهو يَنْتَمِي إلى أهل السنة، ويصرحُ بذلك، ويتبرأُ-في الجملة- ممن يدعو إلى غير عقيدة أهل السنة، إلا أنه وقع فيما وقع فيه عن جهل، أو تأويل، أو تقليدٍ، ما لم يكن قولُهُ هذا لا يحتمل أي وجه من وجوه التأويل التي يقبلها علماءُ السنة، كقول من يقول: الرسالة في الأصل هي لعلي -رضي الله عنه- ولكن أخطأ جبريلُ فخاطب بها محمدًا –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو نحو ذلك من الكفريات الصريحة، فهذا لم يؤمن أصلا بأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكيف يكون مسلمًا؟!

خامسًا: ومما يَسْتَدِلُّ به المخالفون على إطلاقِ العقوبة دون مراعاة الشروط والموانع: موقِفُ أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من رجل، اسمه: صَبيغ بن عِسْل العراقي، الذي كان شَغُوفًا بالسؤال عن مُتَشَابِهِ القرآن، فأدّبَهُ عمرُ، فانتهى عما كان عليه([478])، فننظر القصة، ثم ننظر المطابقة بينها وبين وجه الشاهد -في نظر هؤلاء المخالفين ثم نذكر كلام بعض أهل العلم على ذلك- إن شاء الله تعالى:

قال الإمام ابن بطة في «الإبانة»([479])، بعد أن ذكر قصة إنكار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على صَبيغ بن عِسْل: «وعسى الضعيفُ القلبِ، القليلُ العلمِ من الناس، إذا سمع هذا الخبر، وما فيه من صنيع عمر -رضي الله عنه- أن يتداخَلَهُ من ذلك ما لا يَعْرِف وَجْهَ الـمَخْرَج عنه؛ فَيَسْتَكْثِرَ هذا مِنْ فِعْلِ الإمامِ الهادي العاقل -رحمة الله عليه- فيقول: كان جزاءُ مَنْ سألَ عن معاني آيات من كتاب الله أَحَبَّ أن يَعْلَمَ تأويلَها؛ أن يُوجَعَ ضَرْبًا، ويُنْفَى، ويُهْجَر، ويُشَهَّر به؟! وليس الأمرُ كما يَظُنُّ من لا عِلْم عنده، ولكنَّ الوجهَ فيه غيرُ ما ذَهَبَ إليه الذاهبُ؛ وذلك أن الناس كانوا يهاجرون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياتِهِ، ويَفِدُون إلى خُلَفَائِهِ مِنْ بعد وفاته -رحمة الله عليهم-؛ ليتفقهوا في دينهم، ويزدادوا بصيرة في إيمانهم، ويتعلموا علم الفرائض التي فرضها الله عليهم، فلما بلغ عمر قدوم هذا الرجل المدينة، وعرف أنه سأل عن متشابِهِ القرآن، وغَيْرِ ما يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ، مما لا يَضُرُّهُ جَهْلُهُ، ولا يَعُودُ عليه نَفْعُهُ، وإنما كان الواجبُ عليه حين وَفَدَ على إمامِهِ؛ أن يَشْتَغِلَ بعِلْم الفرائضِ والواجباتِ، والتفَقُّهِ في الدين من الحلال والحرام، فلما بَلَغَ عمرَ أن مسائلَهُ غيرُ هذا؛ عَلِمَ من قبلِ أن يَلْقَاه أنه رجُلٌ بَطَّالُ القلبِ، خالي الهِمَّةِ عما افترضه الله عليه، مَصْروفُ العنايةِ إلى ما لا يَنْفَعُه، فلم يَأْمَنْ عليه أن يَشْتَغِلَ بمتشابهِ القرآنِ، والتنقيرِ عما لا يَهْتَدِي عَقْلُهُ إلى فَهْمِهِ، فيزيغَ قَلْبُهُ، فَيَهْلِك، فأراد عمرُ أن يَكْسِرَه عن ذلك، ويُذِلَّه، ويَشْغَلَهُ عن الْمُعَاودة إلى مثلِ ذلك.

فإن قلت: فإنه قال: «لو وَجَدْتُك مَحْلُوقًا؛ لَضَرَبْتُ الذي فيه عيناك» فمَنْ حَلَق رأسَهُ؛ وَجَبَ عليه ضَرْبُ العُنُق؟! فإني أقول لك: مِنْ مِثْل هذا أُتِيَ الزائغون، وبمثل هذا بُلِيَ المنفِّرون، الذين قَصُرَتْ هِمَمُهُمْ، وضاقَتْ أعطانُهم عن فَهْم أفعالِ الأئمة المهتدين، والخلفاء الراشدين، فلم يُحِسّوا بمواضع العَجْزِ مِنْ أَنْفُسِهم؛ فَنَسَبُوا النقصَ والتقصيرَ إلى سَلَفِهِم؛ وذلك أن عمر -رضي الله عنه- قد كان سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يَخْرُجُ قوُمٌ أحْداثُ الأسنانِ، سفهاءُ الأحلام، يقولون مِنْ خَير قَوْلِ الناس، يقرؤون القرآنَ لا يُجَاوزُ حناجرَهُم، يَمْرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمِيَّة، مَنْ لَقِيَهُم؛ فَلْيَقْتُلْهم؛ فإنَّ في قَتْلِهم أجرًا عند الله».

قال: وفي حديث آخر: «طُوبى لمن قَتَلَهُم، وطُوبى لمن قَتَلُوه»، قيل: يا رسول الله، ما علامتهم؟ قال: «سِيمَاهُم التَّحْليقُ»، فلما سمع عمر -رضي الله- عنه مسائِلَهُ فيما لا يَعْنِيه؛ كَشَفَ رأسَهْ؛ لِيَنْظُر: هل يرى العلامةَ التي قالها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصفةَ التي وصَفَها، فلما لم يَجِدْها؛ أَحْسَن أَدَبَهُ، لئلا يُتَغالى به في المسائل، إلى ما يَضِيق صَدْرُه عن فَهْمِه، فيصيرُ من أهل العلامة الذين أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بِقَتْلِهِم؛ فَحَقَنَ دَمَهُ، وحَفِظَ دينَهُ بأدَبِهِ -رحمةُ الله عليه ورضوانهُ- ولقد نفع الله صَبِيغًا بما كَتَبَ له عمرُ في نَفْيِهِ، فلما خَرَجَتْ الحروريةُ؛ قالوا لصَبيغ: إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا (أي أن الذين يُكَلِّمونه بذلك يطلبون منه اللحاقَ بالحرورية، والاستنصارَ بقوتهم وشوكَتِهِم على قوله القديم؛ فإن الخوارج -في ذلك الوقت- كانوا أول مَنْ حَمَلَ رايةَ الشبهاتِ والغلوِّ في الدين، وظنّ المتكلمون مع صبيغ بهذا أنه سَيَطِير فَرَحًا بهم؛ لكونهم أحْيَوْا ما كان عليه، لكن خَيّب الله ظَنَّهُم!!)، فقال: هيهاتَ، نَفَعَني الله بموعِظَةِ الرجلِ الصالحِ، وكان عمر ضَرَبَهُ، حتى سالَتْ الدماءُ على وَجْهِهِ، أو رِجْلَيْه، أو على عَقِبَيْه، ولقد صار صَبِيغُ لمن بعده مثلًا، وتَرْدُعَةً لمن نقّر وأَلْحَفَ في السؤال» اهـ.([480])

وهذه القصةُ رُويتْ مرفوعةً في بعض ألفاظها، والروايةُ المرفوعةُ ضعيفةٌ جِدًّا بسبب ابن أبي سبرة ذاك المتروك، وقال الحافظ ابن كثير في أول تفسير سورة الذاريات([481]): «وأَقْرَبُ ما فيه أنه موقوفٌ على عمر؛ فإن قصة صَبيغ بن عِسْل مشهورة على عمر، وإنما ضَرَبَهُ لأنه ظَهَرَ له مِنْ أَمْرِهِ فيما يَسْأَل تَعَنُّتًا وعِنَادًا، والله أعلم».

فهذه القصة استدل بها المخالفون على إطلاق الجرح أو العقوبة -كالهجر والتفسيق والتبديع- فيمن بَلَغَهم عنه مخالفةُ الحق -الذي يزعمونه، وإن لم يكن في الواقع مخالفا- ولي معهم وقفات، منها:

(أ) أن أمير المؤمنين -رضي الله عنه- طَلَبَ الرجلَ، وسمع منه، ولم يكتف بمجرد ما سمع عنه، فلما رأى مَسْأَلَتَه وعنايَتَه بغير ما يجِبُ عليه؛ أدَّبه، ورَدَعَهُ، وهذا مِنْ حَقِّهِ وواجِبِهِ؛ فإنه راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته، والواجب عليه أن ينظر في الطريقة المناسبة لإصلاح كل أحد من رعيته، فقد تكون سِرِّيَّةً، وقد تكون عًلًنِيَّةً، وقد تكون بالقول، وقد تكون بالفعل والتأديب،…الخ، أما حالُكم فمخالف لهذا قَلْبًا وقالِبًا!!!

(ب) أن الله أَلْقَى الحقَّ على لسان عمر وقلبه؛ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ»([482])، فهل أنتم كذلك أيها المخالفون المتهورون المفسدون؟!

(ج) ثم هذا خليفةٌ راشدٌ من الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتباع سنتهم، «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي؛ عَضُّوا عليها بالنواجذ…» الحديث فهل أنتم كذلك أيضًا؟!

(د) أن عمر -رضي الله عنه- وغيره من السلف الصالح كانوا يَكْتَفُون في علاجِ بعضِ الناس بنصيحته، دون التشهير به ونفْيه أو تأديبه، وقد تفاوتَتْ معاملةُ السلفِ مع أهل البدع بحسب نوع البدعة، وحال أهلها قُرْبا وبُعْدًا عن السنة، وقبولا وإعراضا عن الحق، وعلمًا به أو جهلا، وتقليدا وعنادا، وغلبةَ الظنِّ بتحقيق المصلحة بهذه العقوبة من عدم ذلك، أما أنتم فلا تعرفون إلا الهجر والتبديع والغيبة والنميمة والوشية ونسْج الأكاذيب عند ولاة الأمور-وإن عافا الله بعضكم من ذلك-!!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «درء تعارض العقل والنقل»([483]): «إذا أراد بعضُ المبتدعة أن يدعو إلى بدعته؛ فإنه يجِبُ مَنْعُهُ من ذلك، فإذا هُجِرَ وعُزِّرَ كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بصَبيغِ بن عِسْل التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه؛ كان ذلك هو المصلحةُ بخلاف ما إذا تُرِكَ داعيًا، وهو لا يَقْبَل الحقَّ: إما لهواه، وإما لفسادِ إدراكِهِ؛ فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدةٌ وضَرَرٌ عليه وعلى المسلمين، والمسلمون أقاموا الحجةَ على غيلان ونحوه، وناظروه وبَيَّنُوا له الحقَّ، كما فعل عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- واستتابه، ثم نَكَثَ التوبةَ بعد ذلك؛ فَقَتَلُوه، وكذلك علي -رضي الله عنه- بَعَثَ ابن عباس إلى الخوارج، فناظَرَهُم، ثم رجع نِصْفُهُم، ثم قاتل الباقين، والمقصود أن الحق إذا ظَهَر وعُرِفَ، وكان مقصودُ الداعي إلى البدعة إضرارَ الناسِ؛ قُوبِلَ بالعُقوبة». اهـ

وهذا الإمام أحمد كان يتلطف ببعض الملوَّثين ببعض البدع؛ تأليفًا له، فقد قال يعقوب بن يوسف الـمُطَوَّعي: «كان عبد الرحمن بن صالح رافضيًّا، وكان يغْشَى أحمدَ بن حنبل، فيُقَرِّبُه، ويُدْنِيهِ، فقيل له فيه، فقال: سبحان الله، رجلٌ أحَبَّ قومًا من أهل بيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو ثقة» اهـ.([484])

هذا، مع أن الكُتُبَ طافحةٌ بنصوص السلف في هَجْرِ أهل البدع -لاسيما الرافضة- والتشنيعِ عليهم، لكن بمجموع كلام السلف يتضح أن كُلَّ مبتدع يُعَامَل بما يكون أنفعَ له: إما لهدايتِهِ، أو لِكَفِّ المزيدِ من شَرِّهِ عن الناس.

ومثال ذلك موسى بن حزام الترمذي، أبو عمران الفقيه، نزيل بلخ، قال ابن حبان في «الثقات»: كان في أول أمره يَنْتَحِلُ الإرجاءَ، ثم أعانه الله تعالى بأحمد بن حنبل، فانتحَلَ السنةَ، وذبَّ عنها، وقَمَعَ من خالفها، مع لزوم الدين حتى مات» اهـ.([485]) فهذه بركة الرفق، والقصد الحسن في هداية المخالف.

(هـ) أن عمر -رضي الله عنه- لم يَسْتَمِرَّ في الكلام والطعنِ في صَبيغ
-وبعد أن نفاه- كما هو حال المخالفين، الذين يَلُوكُون أعراضَ الناس بألسنتهم الحِدَاد صباح مساء، ويُكَرِّرون كلامَهُم في كل مجلس، ولا تزيدهم الأيام إلا بُغْضًا ونفورًا، وتزويرًا، ووشايةً، وظلمًا، وغوايةً، بل يفرحون بما وقع فيمن خالفهم من ابتلاءات في جسده، أو في أهله وولده، حتى أظهروا الشماتة بموت بعض مخالفيهم، والسجود لله بموت بعض علماء السنة، الذي زكاه عدد من كبار العلماء -في الجملة- لكونه خالفهم وخالف شيوخهم الغلاة في بعض المسائل، وقد يكون هذا الشيخ مخطئا حقًّا فيما ذهب إليه في بعض الجوانب، لكن لا يستحق هذا الغلو والبغي في التحذير من خطئه، وطيلة هذه السنين حيًّا ومَيِّتًا!!!

فقد قال ابن عبد البر : «وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بن عبد الله بن عبد الحكم قَالَ سَمِعْتُ أَشْهَبَ يَدْعُو عَلَى الشَّافِعِيِّ بِالْمَوْتِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ؛ فَقَالَ مُتَمَثِّلا:

تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْفَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بأَوْحَدِ
فَقل للذي يَبْقَى خِلافَ الَّذِي مَضَىتَهَيَّأْ لأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدِ

قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ الشافعي؛ اشْترى أَشهب من تَرِكَتِهِ غُلامًا كَانَ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ أَشْهَبُ بَعْدَهُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاشْتَرَيْتُ أَنَا ذَلِكَ الْمَمْلُوك من تَرِكَةِ أَشْهَبَ». اهـ([486])

فتبًّا لهذه النفوس الغالية في زماننا، التي لم تَعْرِفْ من المكارم والشِّيم والمروءات ما يَعْرِفُه العوامُّ، وبؤسًا وقُبْحًا لحامليها، ولينتظروا عاقبتها السيئة في أنفسهم وأهليهم، عافانا الله وإياهم وذرياتنا وذرياتهم من هذه المآلات الوخيمة، وأسبابها الجالبة لها!!!

(و) أن غَضَبَ عمرَ-رضي الله عنه- على صَبيغ بن عِسْل خالص لوجه الله ولذلك انتفع صَبيغٌ بما جرى من عمر معه، ولَمَّا خلا له الجَوُّ؛ وسَنَحَتْ له الفُرْصَة للمعاودة، وظهرتْ الحرورية، وضَعُفتْ قبضةُ الخلافة الراشدة، وظَهَرَتْ الفتنُ والحروبُ الداخليةُ؛ لم يَلْحَقْ صَبيغ بدعاة الفتنةِ المفتونين، أما افتراءات القوم، والتي يُلْبِسُونها ثوب الغَيْرة على الدين وحرماته -أمام أتباعهم والمغَرَّر بهم- فلم تَنْفَعْ مخالِفًا ولا موافِقًا، فهؤلاء الدعاةُ والأتباعُ المخالفون لدعاة الوسطية والاعتدال ازدادوا تفرقًا وطَعْنًا في بعضهم، وبَعْضُهُم وَلَغَ في فتنة الدماء، والأموال، والوشايات، والتقارير، والأكاذيب؛ تَزَلُّفًا للولاة بالكذب والافتراء، وطمعًا في المال والمناصب [ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ] {المطففين:4، 5} فنعوذ بالله من الخِذْلان.

(ز) أن تأديب عمر -رضي الله عنه- لمن يَنْفَعُه التأديبُ هو منهج أهل الحقِّ والعَدْلِ، فقد قال ابن بطة بعد ذِكْر ما سبق: «وهكذا كان العلماء والعقلاء إذا سئلوا عما لا يَنْفَعُ السائلَ عِلْمُهُ، ولا يَضُرُّه جَهْلُهُ، وربما كان الجواب أيضًا مما لا يَضْبِطُهُ السائلُ، ولا يَبْلُغُهُ فَهْمُهُ؛ مَنَعُوه الجوابَ، وربما زجروه وعَنَّفُوه» اهـ([487])

فأين الثرى وأين الثريا؟!! والشبهة في وادٍ، وواقع القوم الغُلاة المتهورين المسرفين الممزِّقين لأوصال الدعوة في وادٍ آخر، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد النبي الأُمِّيِّ الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

2/ ربيع الآخرة/1440هـ

A

A

[33]

تعقيبٌ على مقال الدكتور صادق بن محمد البيضاني -حفظه الله- حول فَهْمِهِ كلامي