كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(حثُّ السلف على أَخْذِ العلم عن الثقات،
ولو كانوا مخالفين لهم في بعض المسائل)

  • السؤال الحادي والثلاثون: ظهر في زماننا طائفة تُحَذِّر من كل من خالفهم أو خالف شيوخهم، دون النظر إلى دليله ودليلهم، ويقيمون على ذلك الولاء والبراء، والتبديع والهَجْر، ونحو ذلك، ويرون ذلك منهج السلف، فهل هذا صحيح؟

الجواب:

هذا ليس منهج السلف الصالح، بل هو منهج سلفهم من أهل البغي والبدع والأهواء، وقد فَصَّلْت هذا الأمر في مواضع كثيرة في هذا الكتاب، وحَسْبي هنا أن أُضيف بعض المواضع التي تدل على أن منهج السلف فيما بينهم: أنهم قد يختلفون ولا يَفْتَرقون، بخلاف حال هذه الطائفة المُحْدَثة في هذه الأيام؛ فإنهم ما اختلفوا مع أحد من أهل السنة إلا بَخَسوه حقَّه، وافتروا عليه، وأسقطوه من كل جانب، وإن كان الحق معه، وليس معهم في هذا الاختلاف، لكنهم إما أنهم لا يفقهون، أو يعاندون عن هوى وعصبية، ومن هذه الإضافات:

أولًا: قيل للإمام أحمد : هَلْ نَأْخُذُ العلمَ عن أبي كُرِيب (محمد بن العلاء بن كُريب الهمْداني([426]))؟

قال: خُذُوا عنه؛ فإنه ثقة.

قالوا له: إنّـه يقع فيك (أي: يتكلّم ويطعن فيك)؟!!

فقال : ماذا أَفْعَلُ، رجلٌ صالحٌ بُـلِيَ بي؟([427]) (أي: ابتُـلِيَ بكراهيّـتي، والطعن فيّ، والتحذير مني).

فهذا الإمام أحمد إمام أهل السنة؛ الذي قالوا فيه:

أَضْحَى ابْنُ حنبلْ مِحنةً مأمونةًوبحبّ أحمدَ يُعرَفُ المتنسِّـكُ
فإذا رأيتَ لأحمدٍ مُتَنَـِّقّـصًافاعْلَمْ بأن سُتُورَهُ ستُهَـتَّكُ

وهذا الإمام أحمد الذي وقف في فتنة القول بخلق القرآن (وهي مقالة كفرية بإجماع العلماء) كما وقف أبوبكر الصِّدِّيق -رضي الله عنه- في زمن الردّة([428])، وعصم الله بهما نظْمَ الإسلام من الانفراط، ومع ذلك يتكلّم فيه رجل دونه بكثير، وأين أبو كريب الذي لا يكاد يعرفه إلا خواص طلبة العلم، المشتغلين بالحديث وعلومه من الإمام أحمد؛ الذي طَبَّق ذِكْرُه الخافِقَين؟ والذي كان كلامه في الحديث والفقه كالمسمار في الساج؟

ومع هذا؛ فلم يَعُدَّ أحمد الطعنَ فيه طعْنًا في السنة، كما هو حال كثير من الأقزام -إذا ما قُورنُوا بأحمد- في هذا العصر؛ الذين لم يَفْصِلُوا بين ذواتهم وبين السنّة، فـيرون أنّ من خالفهم في كثير أو قليل -وإن كان أسعد بالحق منهم- فقد خالف السنة، ومن اعترض عليهم؛ فقد اعترض على السنة، ولَم يُؤْمِن بها إيمانًا صادقًا، ويرون أنّ من عاب عليهم شطَحَاتهم، وأنكر عليهم بلايَـاهم؛ فقد عاب السنّة، وربما قالوا: ماذا ترجون من رجلٍ يعترض على السنة نفاقًا وانحرافًا، فهل بقى فيه خير؟!!

وهذا داءٌ عضال، لا يتخلّص منه إلا الأفذاذ من أهل الدين الثخين والورع المتين، فـيرون بلسان الحال والمقال أنهم بَشَرٌ يُخطِؤون ويُصِيبون، ويَعْلَمُون ويَجْهَلون، وأنهم لم يُحِيطُوا بالعلم من جميع جوانبه، وأنهم مهما سطَعَ نجمُهم، وذاع صيتُـهم؛ فقد يكون عند غيرهم -وإن كان مفضولًا دونهم- ما ليس عندهم، فقد يعلمُ المفضول شيئًا يغيب عن الفاضل، ويعلمون أنّ قولهم في فروع الدين -وإن كان صوابًا عندهم- فهو يحتمل الخطأ، وليس كالقول المجمع عليه من أصول الدين، وأنّ قول غيرهم -وإن كان خطأ عندهم- فهو يحتمل الصواب، ولا يَرَوْن التشنيع والتجديع في مسائل العفو والاجتهاد، فما كان من باب الاجتهاد؛ فلا حرج فيه على العباد، ويفرّقون بين مسائل العقوبات، التي يتعيّن بسببها هَجْرُ الْمُخالف، وبين مسائل الفروع والاجتهادات؛ التي يُكتفى فيها بالتناصح والردود العلمية الهادئة والهادفة، دون اقتحام لمكنون النـيّات، أو افتراء على المُخالف في السرائر والغيبيات.

ثانيًا: أدب العلماء في هذا الباب:

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابِ بْنِ الْمُرَبَّعِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيَّ أَخْبَرَنِي، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَجَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، قَالَ: فَتَنَاظَرَا فِي الشَّهَادَةِ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا؛ حَتَّى خِفْتُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا جَفَاءٌ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَرَى الشَّهَادَةَ، وَعَلِيٌّ يَأْبَى وَيَدْفَعُ، فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ الِانْصِرَافَ؛ قَامَ أَحْمَدُ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ.

وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ يَقُولُ: «لَا تَنْظُرْ بَيْنَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَنَكِلُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ حَاطِبٍ».([429])

قَالَ أَبُو عُمَرَ ابن عبد البر : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَرَى الشِّهَادَةَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ بَدْرًا، أَوِ الْحُدَيْبِيَةَ، أَوْ لِمَنْ جَاءَ فِيهِ أَثَرٌ مَرْفُوعٌ -عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا- وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ يَأْبَى ذَلِكَ، وَلَا يُصَحِّحُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا.([430])

وعن أحمد بن حفص السعدي قال: سمعت الإمام أحمد يقول: لَمْ يَعْبُرِ الْجِسْرَ إِلَى خُرَاسَانَ مِثْلُ إِسْحَاقَ – أي ابن راهويه -، وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُنَا فِي أَشْيَاءَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَلْ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.([431])

وكان أبو حنيفة يكثر من قول: «اللهم من ضاق بنا صَدْرُهُ؛ فإن قلوبنا قد اتَّسَعَتْ له، ويقول: من جاء بأحسن من قولنا؛ فهو أَوْلَى بالصواب». اهـ ([432])

وقَالَ يُوْنُسُ الصَّدَفِيُّ : مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنَ الشَّافِعِيِّ: نَاظَرْتُهُ يَوْمًا فِي مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ افْتَرَقْنَا، وَلَقِيَنِي، فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُوْسَى، أَلاَ يَسْتَقيمُ أَنْ نَكُوْنَ إِخْوَانًا وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ؟!

قال الذهبي : قُلْتُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَقْلِ هَذَا الإِمَامِ، وَفقهِ نَفْسِهِ؛ فَمَا زَالَ النُّظَرَاءُ يَخْتَلِفُوْنَ. اهـ([433])

وقال ابن بسَّام : «بلغني عن الفقيه أبي محمد ابن حزم أنه كان يقول: لم يكن لأصحاب المذهب المالكيِّ بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي!

وقد ناظره بميورْقة([434])؛ فَفَلَّ من غَرْبه([435])، وسبَّبَ إحراقَ كتبه، ولكنَّ أبا محمدٍ -وإن كان اعتقد خلافَه-؛ فلم يطْرَحْ إنصافَهُ، أو حاول الردَّ عليه؛ فلم يَنْسِبْ التقصير إليه». اهـ([436])

هذا من أبي محمد ابن حزم الذي قام عليه أبو الوليد الباجي ـ المالكي الأشعري! ـ، فتسبَّب في إقصائه وعزله وإحراق كتبه، ورغم ذلك لم يخرجُ أبو محمد ـ غفر الله له، ورَحِمَهُ، وأَعْلَى درجته ـ عن حدِّ العدل والإنصاف.

وقال القرطبي : «وأما حكم مسائل الاجتهاد: فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زال الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون». اهـ([437])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «.. ولكن الاجتهاد السائغ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الفتنة والفُرْقة إلا مع البغي، لا لمجرد الاجتهاد، كما قال تعالى: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {آل عمران:19}، وقال: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الأنعام:159}، وقال: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {آل عمران:105}.

فلا تكون فتنة وفرقة مع وجود الاجتهاد السائغ، بل مع نوعِ بَغْيٍ». اهـ([438])

وقال أيضًا : «… وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر؛ اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ] {النساء:59}، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولُهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الأُلفة والعصمة وأُخُوَّةُ الدين، نعم؛ من خالف الكتابَ المستبينَ، والسنةَ المستفيضةَ، أو ما أَجْمَعَ عليه سلفُ الأمة خلافًا لا يُعْذَر فيه؛ فهذا يُعَامَلُ بما يَعَامَلُ به أهلُ البدع… وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء؛ تهاجرا؛ لم يَبْقَ بين المسلمين عِصْمَةٌ ولا أُخُوَّةٌ…». اهـ([439])

فرحم الله السلف الذين فقَـهُوا الدينَ حالًا وقولا، وازدَرَوْا أَنْفُسَهم، واهتمّوا بتحصيل العلم وبَثِّه في الناس -وإن كان من رجال ينالون منهم- فلمّـا عملوا لله؛ خلّد اللهُ ذِكْرَهُم، ونفع بكلامهم، فبعد مئات السنين، وهم تحت الثرى؛ نجدُ كلامهم لا زال غَضًّا طَرِيًّا، فما كان لله؛ دام واتصل، وما كان لغير الله؛ انقطع وانفصل، فهل نعتبر ونتعظ، ونَعُدّ كلامنا من أعمالنا، ومواقفنا من الزاد الذي نتزوّد به إلى النزول في القبور، حيث الوحشة، والظلمة، والنتن، والفزع -إلا من ؟!!

رحمنا الله وإياكم بلطفه وعفوه وكرمه وستره، وصلى الله وبارك على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

7/ ذي الْحِجَّة / 1439 هجرية

A

A

[32]

الكلامُ المُطْلَقُ لبعضِ العلماء في بعضِ الأشخاصِ قد يكونُ له احتمالاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ