كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(فضل أهل الحديث)

  • السؤال الثلاثون: ورد عن إبراهيم بن أدهم([409]) أنه قال: «إن الله يَرْحَمُ أَهْلَ الأرضِ برِحْلَةِ أهلِ الحديثِ»([410])، فما معنى هذه الكلمة؟

الجواب: هذه الكلمة من أحد العبّاد الزُهّاد تدلّ على مكانة الحديث النبوي في حياة المسلمين، فأهلُ الحديث في رَحلاتهم للشيوخ يبحثون عما عندهم من حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ويدوّنونه عن شيوخهم، ثم يحدِّثون به طلابَهم إذا جلسوا للتحديث، ولا شكّ أن العمل بالحديث النبوي عِصْمَةٌ ونجاةٌ من البدع والضلالات، وأَمَانٌ من الخوض في فتن الدماء والنزاعات، وقد كان الرجل من السلف يحمد الله على عدم مشاركته في بعض الفتن، ويُرجع السبب في ذلك إلى حديث سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما قال أبو بكرة -رضي الله عنه- عندما عافاه الله من المشاركة في فتنة الجمل: «لقد عَصَمني الله بكلمة سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لا يُفْلِحُ قومٌ وَلَّوْا أَمْرَهُم امرأة»([411]) مع أنّ هذا المقام فيه تفاصيل أخرى أيضًا، لكن ليس هذا موضعها.

والشاهد: أن أبا بكرة -رضي الله عنه- يرى أن العمل بالحديث النبوي عِصْمَةٌ وأمانٌ من الفتن.

هذا في صدر هذه الأمة، وكذلك الرجل الذي يأتيه الدجّال في آخر الأمة، ويزعم أنه يُحيي ويُميت، وينادي أَبَوَيْ الرجلِ من قبريهما، فَيَخْرُجَان ويقولان له: يا بُنيّ آمِنْ به؛ فإنه ربُّك([412]).

ويُسَلَّط الدجال -أيضًا- على شابّ، فيشقّه نِصْفَيْن ويَذْهَب ويأتي بينهما، ثم يناديه فيقوم، فيقول الشاب المؤمن للدجال: والله ما ازْدَدْتُ فيك إلا بصيرة، أنت الدجّال الذي حدّثنا عنك رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-([413]).

هكذا العِلْمُ بحديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمان من اتباع الدجاجلة في كلّ عصر، وسلامة من الاغترار بشُبهات المتربّصين بالإسلام، سواء أعلنوا الإيمان به أم لا، وهذا كلّه من بركة رحلة أهل الحديث.

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: «وَاللَّهِ، مَا أَظُنُّ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى الشَّيْطَانِ هَلَاكًا مِنِّي». فَقِيلَ: وَكَيْفَ؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَيُحْدِثُ الْبِدْعَةَ فِي مَشْرِقٍ أَوْ مَغْرِبٍ، فَيَحْمِلُهَا الرَّجُلُ إِلَيَّ فَإِذَا انْتَهَتْ إِلَيَّ؛ قَمَعْتُهَا بِالسُّنَّةِ، فَتُرَدُّ عَلَيْهِ كَمَا».([414])

وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الاِعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ, وَالْعِلْمُ يُقْبَضُ قَبْضًا سَرِيعًا, فَنَعْشُ الْعِلْمِ ثَبَاتُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَفِي ذَهَابِ الْعِلْمِ ذَهَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ.([415])

وأخرج ابن الجوزي من طريق سليمان بن نفيع القرشي عن خلف أبى الفضل القرشي عن كتاب عمر بن عبد العزيز إلى نفر كتبوا بالتكذيب بالقدر: «أما بعد، فقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة، وسَيَنْقُصُ العلم نَقْصًا سريعا».([416])

وعن أُبيّ بن كعب – رضي الله عنه -، قال: «عليكم بالسَّبيل والسُّنَّة»؛ فإنه ما على الأرض من عَبْدٍ على السَّبِيل والسُّنَّةِ، ذَكَرَ اللهَ، ففاضَتْ عَيْنَاهُ من خَشْيَةِ رَبِّهِ؛ فيعذّبه اللهُ أبدًا، وما على الأرضِ من عَبْدٍ على السَّبِيلِ والسُّنَّةِ، ذَكَرَ اللهَ في نفسِهِ، فاقشعَرَّ جِلْدُه من خشيةِ اللهِ؛ إلا كانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرةٍ قد يبسَ ورقُها، فهي كذلكَ، إذْ أصابتها ريحٌ شديدة، فتحاتّ عنها ورقُها؛ إلا حَطَّ اللهُ عنه خطاياهُ، كما تحاتّ عن ذلكِ الشجرة ورقُها.

وإن اقتصادًا في سبيل وسُنَّةٍ؛ خيرٌ من اجتهادٍ في خلافِ سبيل وسُنَّةٍ -، فانظروا أن يكون عملكم -إن كان اجتهادًا أو اقتصادًا- أن يكونَ على منهاج الأنبياء وسُنَّتِهِمْ».([417])

وعن عبد الله بن الدَّيلمي قال: «بلغني أن أول ذهاب الدين تَرْكُ السُّنة، يذهب الدين سُنَّةً سُنَّةً، كما يذهب الحَبْلُ قوةً قوةً».([418])

وساق الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري سنده إلى: يزيد الفقير، قال: قَالَ: «كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ، نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا ‌جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسًا إِلَى سَارِيَةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ] {آل عمران:192} وَ: [ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ] {السجدة:20} فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ، يَعْنِي: الَّذِي يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ، قَالَ: ثُمَّ ‌نَعَتَ ‌وَضْعَ ‌الصِّرَاطِ، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ، قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، قَالَ: يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، قَالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ، فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ! أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-؟ فَرَجَعْنَا، فَلَا وَاللهِ، مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ».([419])

قلت: وهذه الهداية إلى السنة، والسلامة من دماء المسلمين، من بركة بثِّ حديث رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الناس.

وقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : كَنا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَذُكِرَتِ السّنة، فَقَالَ مَالك: «السُّنَّةُ سَفِينَةُ، نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا؛ نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا؛ غَرِقَ».([420])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([421]): «وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، قَالَ مَالِكٌ : «السُّنَّةُ مِثْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا؛ نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا؛ هَلَكَ» وَهَذَا حَقٌّ؛ فَإِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ إنَّمَا رَكِبَهَا مَنْ صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ، وَاتَّبَعَهُمْ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْكَبْهَا؛ فَقَدْ كَذَّبَ الْمُرْسَلِينَ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ: هُوَ اتِّبَاعُ الرِّسَالَةِ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَتَابِعُهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَكِبَ مَعَ نُوحٍ السَّفِينَةَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَالْمُتَخَلِّفُ عَنْ اتِّبَاعِ الرِّسَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَخَلِّفِ عَنْ اتِّبَاعِ نُوحٍ وَرُكُوبِ السَّفِينَةِ مَعَهُ، وَهَكَذَا إذَا تَدَبَّرَ الْمُؤْمِنُ الْعَلِيمُ سَائِرَ مَقَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْ الْأُمَمِ الَّتِي فِيهَا ضَلَالٌ وَكُفْرٌ؛ وَجَدَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ كَاشِفَيْنِ لِأَحْوَالِهِمْ، مُبَيِّنَيْنِ لِحَقِّهِمْ، مُمَيِّزَيْنِ بَيْنَ حَقِّ ذَلِكَ وَبَاطِلِهِ.

وَالصَّحَابَةُ كَانُوا أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِذَلِكَ، كَمَا كَانُوا أَقْوَمَ الْخَلْقِ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، كَمَا قَالَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ-رضى الله عنه-: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا؛ فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ؛ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ؛ فَاعْرِفُوا لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِهَدْيِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ». فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بِكَمَالِ بِرِّ الْقُلُوبِ، مَعَ كَمَالِ عُمْقِ الْعِلْمِ». اهـ

وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([422]): «وَشَوَاهِدُ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ الْجَامِعِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْكُتُبِ: «كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» كَمَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ والبغوي وَغَيْرُهُمَا، فَمَنْ اعْتَصَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ، وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ، وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ، وَكَانَ السَّلَفُ – كَمَالِكِ وَغَيْرِهِ -: يَقُولُونَ: السُّنَّةُ كَسَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا؛ نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا؛ غَرِقَ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ.

إذَا عُرِفَ هَذَا؛ فَمَعْلُومٌ أَنَّمَا يَهْدِي اللَّهُ بِهِ الضَّالِّينَ، وَيُرْشِدُ بِهِ الْغَاوِينَ، وَيَتُوبُ بِهِ عَلَى الْعَاصِينَ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرَّسُولَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ؛ لَكَانَ دِينُ الرَّسُولِ نَاقِصًا مُحْتَاجًا تَتِمَّةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا أَمْرَ إيجَابٍ، أَوْ اسْتِحْبَابٍ، وَالْأَعْمَالَ الْفَاسِدَةَ نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، وَالْعَمَلُ إذا اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ: فَإِنْ غَلَبَتْ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَفْسَدَتِهِ؛ شَرَعَهُ، وَإِنْ غَلَبَتْ مَفْسَدَتُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ؛ لَمْ يُشَرِّعْهُ؛ بَلْ نَهَى عَنْهُ». اهـ

وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([423]): «وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ السُّنَّةِ، وَفِعْلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ؛ فَقَدْ يُعَاقَبُ بِسَلْبِ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ؛ حَتَّى قَدْ يَصِيرُ فَاسِقًا أَوْ دَاعِيًا إلَى بِدْعَةٍ، وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْكَبَائِرِ؛ فَقَدْ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ؛ فَإِنَّ الْبِدَعَ لَا تَزَالُ تُخْرِجُ الْإِنْسَانَ مِنْ صَغِيرٍ إلَى كَبِيرٍ؛ حَتَّى تُخْرِجَهُ إلَى الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ، كَمَا وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ كَانَ لَهُمْ أَحْوَالٌ مِنْ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْثِيرَاتِ، وَقَدْ عَرَفْنَا مِنْ هَذَا مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ، فَالسُّنَّةُ مِثَالُ سَفِينَةِ نُوحٍ: مَنْ رَكِبَهَا؛ نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا؛ غَرِقَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، وَعَامَّةُ مَنْ تَجِدُ لَهُ حَالًا مِنْ مُكَاشَفَةٍ أَوْ تَأْثِيرٍ، أَعَانَ بِهِ الْكُفَّارَ أَوْ الْفُجَّارَ، أَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعْصِيَةٍ؛ فَإِنَّمَا ذَاكَ نَتِيجَةُ عِبَادَاتٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ، كَمَنْ اكْتَسَبَ أَمْوَالًا مُحَرَّمَةً، فَلَا يَكَادُ يُنْفِقُهَا إلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ». اهـ

ولذلك فقد قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عبادةٌ في الهَرْجِ كَهِجْرةٍ إليّ»([424]) أي: أن العمل بالحديث النبوي في زمن الفتن والاضطرابات؛ من أفضل القُرَب إلى الله -جلَّ شأنه-، بل عدّها النبي
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كهجرةٍ إليه في حياته، وَإِنَّ شأن الهجرة لشديدٌ([425]) كما لا يخفى.

وفي هذا فَضْلٌ عظيمٌ لمن تمسّك بما يَعْرِفُ من الحق في زمن يترأَّسُ فيه الصغارُ والأحْدَاثُ، وينعقُ فيه دعاةُ الفتن والانحرافات عن جادة الطريق، ولا يكاد يُسْمَع للكبار والعقلاء صوتٌ مع ضجيج السفهاء ونعيقهم!! وهذا كله من بركة العمل بالحديث النبوي، وحسنة من حسنات أهله، الذين جمعوه من صدور الرجال وبطون الكتب، فالأمر كما قال إبراهيم بن أدهم سابقًا.

وكيف لا تكون رحلةُ أهل الحديث رحمةً لأهل الأرض أعظم من أن تُمطَر الأرض سبعين صباحًا؛ وفِي الأحاديث الحثّ على التمسّك بالحق، ولزوم الاعتصام بمُحكَم الكتاب وصحيح السنة، والتحذير من رؤوس البدع، والحثّ على الأخذ عن العلماء الأكابر، وتمييز الحق من الباطل: اعتقادًا وقولًا وعملًا؟!

وفِي هذا كلّه؛ حِفْظُ الدماء والأموال والأعراض، وتَثْبِيتُ الأمنِ والاستقرار في السُّبل والأسواق، والحواضر والبوادي، وفِي هذا رحمةٌ سابغة للبلاد والعباد أفضل من الأمطار والسيول وجريان الأنهار، فـرحم الله إبراهيم بن أدهم والسلف الصالح على كلماتهم التي ترجمت الإسلام، ولخّصَتْهُ في كلمات يسيرات، والْمُعافَى مَنْ عافاه الله، والمعصُومُ مَنْ عَصمه الله، فنسأل الله أن يجنّبَـنا وإياكم فتن المحيا والممات، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

5/ ذي الحَجة / 1439 هجرية.

A

A

[31]

حثُّ السلف على أَخْذِ العلم عن الثقات، ولو كانوا مخالفين لهم في بعض المسائل