كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(التحذير من الرسائل والمنشورات الحماسية
غير المنضبطة بضوابط الشرع)

  • السؤال التاسع والعشرون: كثيرًا ما تأتينا رسائل خاصة، أو نقرأ منشورات ومقالات على شبكة «الإنترنت»، تحمل عبارات حماسية، وتصف المسؤولين الكبار بالعمالة والعداوة للدين، وغير ذلك، فبم تنصحون؟

الجواب:

أولًا: ﻻ أَنْصَحُ بِمِثل هذه الرسائل، بل أحذِّر من يكتبها من هذا الطريق، ففي هذا الإطلاق ظُلم وإجحاف، وإن كان بعضهم قد يكون كذلك، أو فيه شيء من ذلك؛ فلا يلزم من ذلك نَقْض ولايته علينا؛ فإن هذا الحكم له شروط وضوابط، ولا يقوم به إلا كبار علماء السنة الراسخين في العِلْم الشرعيّ، والحكمة، ومعرفة مآلات فتواهم، وليس المجال كلَأً مُباحًا لكل زاعق وناعق، والله المستعان.

ولأنها تُفْهَمُ بِفَهْمٍ سَيِّئٍ عند البعض، وربما أَجَّجَتْ فتنةً ﻻ تُحْمَدُ عاقبتها، والتهييجُ يبدأ بالكلام السري، وشَحْن القلوب، والتركيز على السيئات، وربما تضخيمها، كل ذلك يكون في المجالس الخاصة، وهَمْسًا في الآذان، ومِنْ خَلْفِ الأبوابِ المؤصَدَة، وبعد إبْعَاد الهواتفِ الذكية من المجلس!! ثم يُنشر في وسائل التواصل، ووسائل الإعلام، ثم في الكتب والمقالات، ثم بالتجمهر والهتافات، مع ارتفاع الأصوات بأنها سِلْمِيَّةٌ سِلْمِيَّةٌ!!! ثم ارْحَلْ ارْحَلْ، ثم يَسْقُطُ النظام، يَسْقُطُ النظام، ثم اقتحام الهيئات والمؤسسات والوزارات… إلخ، ثم المواجهة الدموية، والهرج والفوضى، ثم يتحكم الشرق والغرب في زمام الأمور، وتُنْزَعَ السيادة والأمن والطمأنينة من بلادنا، وتُنزع الكرامة من رجالنا، ويتحكمون فينا، وفي مستقبل وعقيدة شعوبنا وأجيالنا، وذلك في جميع الجوانب السياسية والعسكرية والأمنية والدينية والاجتماعية والتربوية والثقافية، ويسيطرون على ثرواتنا، ويَظْهَرُ فينا تُجَّارُ الحروب، الذين يمدُّون أيديهم الرخيصة لكل جهة؛ للحصول على دنيا دنيئة، فيبيعوا بها كرامتهم، وكرامة شعوبهم وبلادهم، وتَنْتَشِرُ الأسواقُ السوداء، والاغتياﻻت للرموز الدينية والاجتماعية والوطنية والوُجَهاء، وتصفية الحسابات، وتسجل القضايا ضد مجهول، وتقف وراء كل طائفة دولة معادية للإسلام والمسلمين والعروبة والشيم والمروءة والفضيلة.

وتأمل أخي؛ ماذا جرى في البلاد التي يَزْعُمُون أن «الربيع العربي» دَخَلَها، ومنها بلادنا اليمن الميمون، فإذا كنا ﻻ نعتبر بما حَلَّ بنا أنفسِنا وأهلينا وآباءِنا وأمهاتِنا ونسائِنا وأطفالِنا وجيرانِنا ومدارسِنا وجامعاتِنا، ومساجدنا؛ فَحُقَّ لغيرنا أن يَعْتَبِرَ بما حَلَّ بنا مِنْ عِبْرَةٍ وعِظَةٍ، وتجاربَ فاشلةٍ أَوْدَتْ بنا إلى الهاوية، فمتى سنعتبر بالتاريخ، وبمن قَصَّ الله قَصَصَهم لنا لِنَعْتَبِر بهم، مع تباعد القرون والأزمان بيننا وبينهم، فمتى نكون من أهل الاعتبار والاتعاظ ومن أُولي النُّهَى والألباب، ونحن لم نتعظ بما حل بنا وبمن حولنا؟؟!!

إن هذا ليؤكد لنا صحة منهج السلف الذين قالوا: «إن الخروج على الوﻻة يبدأ بالكلمة، ثم ينتهي بالسيف».

والذين قالوا: «ستون سنة مع إمام جائر؛ أهون من ليلة واحدة بلا سلطان»([386]).

والذين قالوا: «سُلْطَانٌ غَشُومٌ خيرٌ مِنْ فِتْنَةٍ تدومُ»([387]).

والذين حَثُّوا الناسَ على العمل بالأحاديث النبوية التي تأمر بالصبر على الولاة وإن جاروا، مع السعي في العلاج بالنصح الحكيم، والنظر الدقيق السالم من الهوى في النهايات والمآﻻت، وارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعظمهما، وأن تقديرَ ذلك ليس لكلِّ أحدٍ مِنْ أهْلِ الإفراط أو التفريط، أو أَهْلِ التكَلُّف أو التزلف، بل هذا باب ﻻ يَلِجُهُ إلا العلماء الراسخين الأتقياء، الذين عافاهم الله من الميل والأهواء.

وما كنتُ أَظُنُّ ولا يَخْطُر لي ببالٍ أن الناس سَيَنْسَوْن آثارَ ما يُسَمُّونه
-زعموا-: «بالربيع العربي» في البلاد التي دخلها، وهذا دَمُ القَتْلَى لم يَجِفَّ بَعْدُ، وهؤلاء عوائلهم في كثير من البلدان مشردة من الأهوال في الشعاب والجبال، والصحاري والرمال، ورجالهم في السجون والاعتقالات، أو في الخارج هاربون، وبيوتهم منهوبة، وأموالهم مسلوبة، وحرماتهم منتهكة، وأعراضهم مهددة، وفي بعض البلدان يَطْلُب بعض نسائهم الفتوى من العلماء بجواز قَتْلِ أنفسهن؛ لما يَجِدْنَ من اضطراب الأجنة في بطونهن من الحرام والفاحشة غَصْبًا وإكراها لهن….!!

فهذه آثارُ الغيرةِ المزعومةِ على حدود الله عند أصحاب هذه المسالكِ المظلمةِ والفتنِ الْمُدْلَهِمَّةِ، وهذه ثمرةُ الحماسِ الْمُنْفَلِتِ، لا العَملِ الهادئِ الهادفِ الْمُنْضَبِطِ، وهذا جزاءُ من خالف منهجَ الكبار من العلماء، الذين يَرْحَمُ اللهُ بمنهجهم أَهْلَ الأرض، ويُغيثُهم بالخيرات والأمن والبركات، وهذه عاقبة اتِّباع الأصاغِرِ واتِّهامِ الأكابِرِ!!

وكل هذا في كل بَلَدٍ دَخَلَهَا ما يُسَمَّى بـ «الربيع العربي» وهو خريف ماحق وصيْف حارق، وأهل اليمن انفردوا ببلية لا يغطيها ذيل، ولا يسترها ليل، زيادة على مشاركتهم لغيرهم فيما سبق، فقد أفرزتْ ثورتهم المبيرة، وهي الانقلابُ الحوثي، وما أدراك ما الانقلاب الحوثي!!

فهل تريد أخي، أن تُلْحِقَ السعودية بلاد الحرمين -بمكانتها العظيمة في قلوب المسلمين في المشارق والمغارب- وبقيةَ بلادِ الخليج العربي الآمنة المستقرة، والأردن وبقية دول الإسلام في إفريقية: كالمغرب والجزائر وغيرها، وبلاد الإسلام في المشرق، بهذا الوبال العظيم، والحال الوخيم، الذي أُذِلَّ فيه الأعزاءُ، وأُهِينَ فيه الكرماء، وعَلَتْ الأصاغرُ فيه على الأكابر، وانْقَلَبَ المنكَرُ معروفا، وتَنَكَّرَتْ القلوبُ والوجوهُ، فأصبحَتْ تُنْكِر ما كانت تَعْرِف، وتَمْدَحُ ما كانت تَذُمُّ، وتَهْرِفُ بما لا تَعْرِفُ، وهل تَرْضَى أن يُطَارَدَ المسلمون في بقية أنحاء العالم، ويُهَانوا؛ إما لاتهامهم بالإرهاب، وإما لِضَعْفِ وهوانِ حكوماتهم ودُوَلهم في بلادهم؟! وصَدَقَ من قال: «شَعْبٌ بلا حُكُومةٍ؛ شَعْبٌ بلا كرامةٍ».

فالحكومات أخي الكريم، مَهْمَا كان فيها مِنْ ظُلْمٍ وجَوْر؛ فهي سِتْرٌ للشعوب، وضمانٌ لبعض حقوقهم وحرماتهم، والفوضى والمُشَاقَّةُ لها لا تُبْقِي ولا تَذَرُ، ومغبونٌ حقًّا من صَدَّق الحماس المنفلت، واغتر بصرخات المنابر، وبمن يجْهشون بالبكاء عند ذكر ظلم الحكام وبطشهم وقبيح فعالهم، مع أنهم لا يبكون عند سماع القرآن يُتْلى، أو سماع الأحاديث النبوية الصحيحة!! فهذا الحال هو الذي أفضى بالبلاد إلى ما آلتْ إليه، والعاقل من ينظر للشيء من جميع جوانبه، وينظر إلى الحال والمآل، وقد حذّر السلفُ من الخروج على الحكام لا حُبًّا في ظلمهم وبغيهم، ولا رضا بباطلهم، ولا إعانة لهم على منكراتهم، ولكن خشية التنازع الْمُفْضي إلى الفشل، وذهاب القوة والهيبة، وإبدال الشر بأشرَّ منه، والفساد بما هو أَفْسَدُ منه، وكان هذا التحذير منهم شعارا لهم، حتى عَدُّوه من قواعدهم المحكمة، وأصولهم ومعتقدهم، وكانوا يصرحون بذلك، وينهون عن مخالفته أشد النهي، كل هذا كان معلومًا عند سلف الأمة مع أن اليهود والنصارى والوثنيين وغيرهم من ملل الكفر، كان منهم من يدفع الجزية لأمير المؤمنين، ومنهم من يتزلّف له، ومنهم من تدور به الدوائر، ولا يدري هل يأتيه المسلمون مِنْ بَرٍّ أو مِنْ بَحْرٍ؟ فكيف لا يُنهى عن ذلك في عصرنا الذي تسلط فيه الكفار على المسلمين، وانقلب العزّ ذُلًّا، والقوة وهنًا وضعفا؟! [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ] {الحشر:2} وليس هذا من باب الدفاع عن الباطل وأهله، ولا من باب الرضى بالظلم والانحراف، ولكن من باب العمل بقواعد الشريعة المطهرة بارتكاب مفسدة صُغرى لدفع المفسدة الكبرى -بتقدير أهل العلم والحكمة-، والله أعلم.

ومَنْ أَصَرَّ على طَلَب الشيء كُلِّه، فقد يُضَيِّعُه أو يَفُوتُ عليه كُلُّه، وحَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْض.([388])

ثانيًا: بعض الأدلة الدالة على أن الخروج المُفسد المُبِير يبدأ بالكلام والتهييج:

* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا؛ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا؛ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».([389])

قوله (شِبْرًا) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ كِنَايَةً عَنْ مَعْصِيَةِ السُّلْطَانِ وَمُحَارِبَتِهِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : «الْمُرَادُ بِالْمُفَارَقَةِ: السَّعْيُ فِي حَلِّ عَقْدِ الْبَيْعَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِذَلِكَ الْأَمِيرِ، وَلَوْ بِأَدْنَى شَيْءٍ، فَكَنَّى عَنْهَا بِمِقْدَارِ الشِّبْرِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي ذَلِكَ يَؤُولُ إلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ. اهـ([390])

وقال البيضاوي : «و«قِيدَ الشبرِ»: قَدْرُهُ، يريد به أيَّ قَدْرٍ خالف وانحرف عن الجماعة، وخرج عن موافقتهم…

والمعنى: إن من فارق الجماعة بترك السنة وارتكاب البدعة، ولو بشيء يسير؛ نَقَضَ عَهْدَ الإسلام, ونَزَعَ يده عن الطاعة». اهـ([391])

وصرَّح بعض السلف أن مجرد ذكر مساوئ الحاكم تؤدي إلى الخروج عليه بالسلاح، فعن عبد الله بن عُكَيْم قال: لا أُعين على دَمِ خليفةٍ أبدًا بعد عثمان، فقيل له: يا أبا معبد، أوَ أعَنْتَ على دَمِهِ؟ فيقول: «إني أَعُدُّ ذِكْر مساويه عونًا على دَمِهِ» اهـ.([392])

وصرَّحَ شيخُ الإسلام ابن تيمية بأنّ للخروج عدة صور -ولم يشترط الخروجَ بالسيف-؛ فقال: «وَأَمَّا أَهْلُ العِلْمِ وَالدِّينِ وَالفَضْلِ فَلَا يُرَخِّصُونَ لِأَحَدِ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ: مَعْصِيَةِ وُلَاةِ الأُمُورِ، وَغِشِّهِمْ، وَالخُرُوجِ عَلَيْهِمْ: بِوَجْهِ مِنْ الوُجُوهِ، كَمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ عَادَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَمِنْ سِيرَةِ غَيْرِهِم». اهـ([393])

فلو كان الخروجُ محصورًا في السيف، لما كان لكلامه (وَالخُرُوجِ عَلَيْهِمْ: بِوَجْهِ مِنْ الوُجُوهِ) معنى، فتأمل.

وقال العلامة ابن عثيمين موضِّحًا هذا المعنى: «ونحن نعلم علم اليقين بمقتضى طبيعة الحال: أنه لا يُمْكِنُ خروجٌ بالسيف إلا وقد سبقه خروجٌ باللسان والقول، الناس لا يمكن أن يأخذوا سيوفهم يحاربون الإمام بدون شيء يثيرهم، لابد أن يكون هناك شيء يثيرهم، وهو الكلام؛ فيكون الخروج على الأئمة بالكلام خروجًا حقيقة، دلَّت عليه السنة، ودلّ عليه الواقع.

أما السنة فعرفتموها، وأما الواقع: فإنا نعلم علم اليقين: أن الخروج بالسيف فَرْعٌ عن الخروج باللسان والقول؛ لأن الناس لم يخرجوا على الإمام بمجرد أَخْذِ السيف؛ لابد أن يكون توطئةٌ وتمهيدٌ: قَدْحٌ في الأئمة، وسَتْرٌ لمحاسنهم، ثم تمتلئ القلوبُ غَيْظًا وحِقْدًا، وحينئِذٍ يحصل البلاء»…

وقال أيضًا: «وقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «إنه يَخْرُجُ من ضِئْضِئ هذا الرجل مَن يَحْقِرُ أحدُكم صلاتَه عند صلاتِه»، يعني: مثله، وهذا أكبر دليل على أن الخروج على الإمام يكون بالسيف، ويكون بالكلام، هذا -أي هذا الرجل- ما أَخَذَ السيفَ على الرسول -عليه الصلاة والسلام- لكنه أنكر عليه، وما يُوجد في بعض كتب أهل السنة، من أن الخروج على الإمام: هو الخروج بالسيف، فمرادهم بذلك: هو (الخروج النهائي الأكبر)، كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الزنا يكون بالعين، ويكون بالأُذُن، ويكون باليد، ويكون بالرِّجل، لكن الزنا الأعظم: هو زنا الحقيقة، هو زنا الفرج، ولهذا قال: «الفرج يُصدِّقه أو يُكذِّبه». فهذه العبارة من بعض العلماء: هذا مرادهم». اهـ([394])

وبذلك أفتى الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله -([395])، والشيخ العلامة عبدالعزيز الراجحي -حفظه الله-([396]).

ثالثًا: بعض الأحاديث في الأمر بالصبر على جور الولاة:

الرسول –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما ينطق عن الهوى، ويَعْلَمُ بإخبار الله له ماذا سيصير إليه حالُ الوﻻةِ في أواخر الزمان، ومع ذلك لم يَسْتَثْنِ أهلَ زمنٍ من الأزمنة من أَمْرِهِمْ بالصَّبْرِ، وأن يُؤَدُّوا الذي عليهم، ويَسْأَلُوا الله الذي لهم.

ومن هذه الأحاديث:

* حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: «دَعَانَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».([397])

قَوْلُهُ: (وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا) قال الحافظ ابن حجر : «وَالْمُرَادُ: أَنَّ طَاعَتَهُمْ لِمَنْ يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إيصَالِهِمْ حُقُوقَهُمْ، بَلْ عَلَيْهِمْ الطَّاعَةُ وَلَوْ مَنَعَهُمْ حَقَّهُمْ». اهـ([398])

فهذا صريح في أن فِسْقَهُم تَعَدَّى إلى منع حقوق الرعية، ومع ذلك أمر بالطاعة لهم في المعروف.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذِكْرِهِ لهذا الحديث: «فهذا أَمْرٌ بِالطَّاعَةِ مَعَ اسْتِئْثَارِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ ظُلْمٌ مِنْهُ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنَازَعَةِ الْأَمْرِ أَهْلَهُ، وَذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ هُمْ أُولُو الْأَمْرِ الَّذِينَ أُمِرَ بِطَاعَتِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ لَهُمْ سُلْطَانٌ يَأْمُرُونَ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوَلَّى وَلَا سُلْطَانَ لَهُ، وَلَا الْمُتَوَلِّيَ الْعَادِلَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يَسْتَأْثِرُونَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُنَازَعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْثِرًا، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ». اهـ([399])

* وفي حديث حذيفة -رضي الله عنه- أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قال: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».([400])

قال الشوكاني : «قَوْلُهُ: (وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُك وَأُخِذَ مَالُك؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَإِنْ بَلَغُوا فِي الْعَسْفِ وَالْجَوْرِ إلَى ضَرْبِ الرَّعِيَّةِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ؛ فَيَكُونُ هَذَا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ] {البقرة:194}، وَقَوْلِهِ: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {الشورى:40}». اهـ.([401])

قلت: وقد تكلمتُ في بعض المواضع عمن ذهب إلى تضعيف هذا الحديث، والراجح صحته، والله أعلم.

* وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ».([402])

قال النووي في «شرح مسلم»: «وفيه الحَثُّ على السمع والطاعة، وإن كان المتولِّي ظالما عسوفًا، فَيُعْطَى حقَّه من الطاعة، ولا يُخْرَجُ عليه ويُخْلَعُ، بل يُتَضَرَّعُ إلى الله في كشف أذاه ودفع شره وإصلاحه». اهـ.

وقال شيخ الإسلام : «فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الأمراء يَظْلِمُون ويَفْعَلُون أمورًا منكرة، ومع هذا فأمرنا أن نأتيهم الحق الذي لهم، ونسأل الله الحق الذي لنا، ولم يأذن في أخد الحق بالقتال، ولم يرخِّص في ترك الحق الذي لهم». اهـ.([403])

* وعن وائل بن حُجْر -رضي الله عنه- قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ؛ فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ».([404])

والولاة ظل الله في الأرض، كما جاءتْ الأحاديث بذلك:

* فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ أَكْرَمَهُ؛ أَكْرَمَه اللَّهَ، وَمَنْ أَهَانَهُ؛ أَهَانَهُ الله».([405])

والظِّلُّ منه ما هو سابغٌ غليظٌ مانِعٌ لكل صُوَرِ الحرارة؛ لأنه ظل كثيفٌ، ومنه ما هو ظِلٌّ قليلٌ ضعيفٌ متقطَّع، تتخَلَّلُه الشمسُ، كما نراه في مواسم الصيف والشتاء، لكن العاقل إذا كان يمشي في الصحراء، وقد أَجْهَدَه الحَرُّ والعَنَاءُ؛ فإنه يقيل تحت شجرة يابسة جرداء، إذا عُدمت الشجرة اليانعة الخضراء، ولا يَهْجُر الجرداءَ مَهْما تَقَلَّصَ ظلها، وينام في العراء على كثبان الرمال في الظهيرة، ولَمْسُ الرمال حارٌّ، وأجواؤها تَهُبُّ بالسموم، فتلفح الوجوه والجلود كالنيار المحرقة.

وهذه مسائل قد أَشْبَعْتُ وغيري -ممن هم أفضل وأعلم وأفصح مني- الكلام فيها في كتب منشورة، وحلقات إعلامية، وأشرطة منثورة في جهات شتى من المعمورة، نفع الله بها، وجعلها خالصة لوجهه الكريم.

هذه نصيحة أخ مشفق لمن سلك هذا المسلك، مع أنني أرجو أن كثيرًا منهم لم يقصد التخريب والخروج، ولكن عندهم غيرة عامة، ورغبة صادقة في التمكين للفضيلة، ودحر الرذيلة، لكن كما قال القائل([406]):

أَوْرَدَها سَعْدٌ وسَعْدٌ مُشْتَمِلْما هَكَذا يا سَعْدُ تُورَدُ الإِبِلْ

بل قد تُفْضِي هذه الغيرةُ إلى إزهاق ما تبقَّى من الخير والفضيلة، بدل نشرها وتمكينها، والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات([407]).

رابعًا: هذا ما أَمَرَتْنَا به الشريعةُ، ولَسْنا مسؤولين عن ضرورة تحقيق النصر والتمكين، وأهل السنة قديما سلكوا هذا المسلك، مع أنهم من أبعد الناس عن أبواب السلاطين، وقد هَجَرَ الإمامُ أحمدُ ابنَهُ صالحًا وغيره لما قبلوا هدية السلطان المتوكل في زمانه([408])، وقد أرسل عبدالله بن المبارك إلى إسماعيل بن علية العالم الثبت عندما تولى القضاء عند سلطان زمانه، فأرسل له أبياتًا، وإن كان في سندها إليه نظر -لكن المعنى جيد- قال فيها:

كُلْ مِنَ الجاروشِ والأَرُزِّ والخُبْزِ الشعيرِ
واجْعَلَنْ ذاكَ حلالًا تَنْجُ مِنْ حَرِّ السَّعِيرِ
وانْأَ ما اسْتطَعْتَ هداكَ اللهُ عَنْ دارِ الأميرِ
لا تَزُرْها واجْتَنِبْهَا إنَّها شرُّ مَزُورِ
تُوهِنُ الدينَ وتُدْنيكَ من الحُوبِ الكبيرِ
قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ يا مِسْكِينُ في حُفْرةِ بِيرِ

فهذا حال السلف الذين حذَّروا من الوقوف عند أبواب السلاطين، وهم الذين حذّرُوا من الخروج عليهم ومشاقَّتهم؛ وللأسف فكثير من المتهورين يظن أن من حذّر من الخروج على الحكام؛ فهو عميل لهم، راضٍ ببقائهم وبقاء منكراتهم، وهذا من الظلم والافتراء، بل الواقع أن المشتغلين بالكلام على الحكام، وإقحام أنفسهم في ما لا يحسنون من السياسة؛ هم الذين يتولَّوْن المناصب الرفيعة عند هؤلاء الحكام، وهم الذين يدخلون عليهم ليلا ونهارا، وأكثر الذين يُحَذِّرون من الخروج على الحكام لا يَعْرِفون لهم بابًا ولا مَدْخلا، ولا جلس معهم مجلسًا، ولا رآهم إلا مُصوَّرين في الشوارع والصحُف وعلى النقود ونحوها، ولا زال الوشاةُ يشوّهون صورتهم عند الحكام والأجهزة الأمنية، فإذا طُلبوا وبَيَّنُوا أن هذا ليس من منهجهم؛ قالوا: هؤلاء يتزلفون لهم، ويدخلون عليهم!! وهذا من الكيل بمكاييل مضطربة، وموازين متعددة، والله غالب على أمره.

والسلف من علماء الحديث -رحمة الله عليهم- قد اختلفوا في تجريح من اقترب من السلاطين من أهل العلم، أو دَخل عليهم، أو تولَّى ولايةً دينية، أو سياسية، أو عسكرية، أو إدارية عندهم: كالقضاء، وبيت المال، والخراج، والوزارة، والولاية، والكتابة، وغير ذلك، وهو مذهب جماعة من السلف: كابن المبارك، والثوري، والعجلي، وأحمد، وغيرهم، وإن كان في هذه المسألة تفصيل، ليس هذا موضعه.

وقد سار أتباعهم الصادقون على نهجهم في ذلك؛ للحفاظ على سلامة المنهج، الذي يجب أن تُرَبَّى عليه الأجيال، والحفاظ على مجتمعاتهم ودينهم وأموالهم وأعراضهم، ومُقَدَّرات بلادهم ومكتسبات دعوتهم، وإن وصفهم غلاة الافتئات والثورات بأنهم عملاء لا علماء، ومتعلقون بذيل بغلة السلطان، أو موظَّفون في المخابرات، أو فقهاء السلاطين والحكومات… ونحو ذلك من الافتراءات، وإن صَدَقَتْ هذه الكلمات في بعض من باعوا دينهم بِعَرَضٍ من الدنيا؛ فهذا أَمْرٌ موجودٌ في كل الدعوات؛ لكن [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ] {الأنعام:164}.

وفرق كبير بين هَجْر أبواب الحكام، وعدم طاعتهم في المعصية المُجْمَع عليها، وبين منابذتهم، وتحريض القاصي والداني ضدهم، وإسقاط هيبة الدول والمجتمعات، والله تعالى أعلم وأحكم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبارك.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

29/ شوال 1439هجرية

A

A

[30]

فضل أهل الحديث