كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(ليس كل انحراف يقتضي الهجر)

  • السؤال التاسع والعشرون: هل كل انحراف يقع من أيِّ مسلمٍ يقتضي هَجْرَهُ؟

الجواب: الكلام في هذه المسألة على عدة محاور:

أولًا: مشروعية هجر أهل البدع والضلال وإهانتهم.

يؤصل علماء الإسلام والسنة الصافية هَجْرَ المبتدع ديانةً تحت القاعدة العقدية الكبرى (قاعدة الولاء والبراء) أو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

وقد جعل أهل السنة والجماعة الولاء والبراء قاعدة عقدية كبرى، ومعنى هذه القاعدة الشريفة لديهم هو: الحب والبغض في الله، فهم يوالون أولياء الرحمن، ويعادون أولياء الشيطان، كلّ بحسب ما فيه من الخير والشر.

ومن أَوْلَى مقتضيات قاعدة الولاء والبراء التي يُثابُ فاعلُها ويُعَاقَبُ تاركُها: البراءة من أهل البدع والأهواء.([345])

وهذه القاعدة الجليلة الشريفة، مؤَصَّلَةٌ عند أهل العلم بما دلّ عليها من الكتاب والسنّة والأثر، بل بانعقاد الإجماع على تقريرها..

فمن الكتاب:

* قوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ] {المجادلة:22}.

والآية دالة على قطع حبال المودة بين من آمن بالله واليوم الآخر، وبين من حادّ الله ورسوله، ولو كان من أقرب المقرّبين، وهذه الآية الكريمة تُنَزَّل -أيضًا- على أهل البدع والأهواء، فيلزم منها بغضهم ومعاداتهم، وعدم التودد إليهم بقدر ما عندهم من المحادَّة لله ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لأن في الابتداع محادّةً لله ورسوله، فما من بدعة إلا وهي مصادمة للشريعة بقدرها، مخالفة لها، حتى قال السيوطي في تعريفها: «البدعة عبارة عن فِعْلَة تصادم الشريعة بالمخالفة، أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان».([346])

وهذا هو معنى المحادّة المذكورة في الآية الكريمة.

وقد فهم السلف الصالح منها ذلك؛ فقال الإمام القرطبي في «تفسيره»: «استدل مالك بهذه الآية على معاداة القدريّة، وترك مجالستهم: روى أشهب عن مالك: لا تجالس القدرية، وعادِهِمْ في الله؛ لقوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ] الآية». اهـ([347])

* ومن ذلك -أيضًا- قوله تعالى: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ] {الأنعام:68}.

وأما في السنة:

فقد ورد غير حديث دالٍّ على اقتضاء الشرع الحنيف الموالاةَ في الله، ومعاداةَ المبتدعةِ وأهلِ الأهواء، والبراءةَ منهم.

* فعن أَنَسٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا،‏ وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ،‏ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ»‏.([348])

* وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، وَأَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَنْكَحَ لِلَّهِ؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ»‏.([349])‏

وقد تحقق معنى البراءة من أهل الأهواء عند سلفنا الصالح: فأعرضوا عنهم، وأعلنوا البراءة منهم، وأذاعوا بين الناس كراهيتهم وبُغْضَهم.

فعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: «ما في الأرض قومٌ أبغضُ إليّ أن يجيئوني فيخاصموني من القدريّة في القدر، وما ذاك إلا أنّهم لا يَعْلَمون قَدَرَ الله، وأنّ الله لا يُسأل عمّا يفعل، وهم يُسألون».([350])

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قال في أهل القدر: «أخبرهم أني بريء منهم، وأنهم مني براء»([351]).

وقال الفضيل بن عياض : «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنّة يمالئ صاحبَ بدعة إلا من النفاق([352])».

وقال أيضًا: «من أحبّ صاحبَ بدعةٍ؛ أَحْبَطَ الله عمَله، وأخرج نور الإسلام من قلبه».([353])

وكان يقول: «أُحِبُّ أن يكون بيني وبين صاحب بدعةٍ حِصْنٌ من حديد، آكل عند اليهودي والنصراني أحب إليّ من صاحب بدعة».([354])

وعن أوس بن عبد الله الربعي أنّه كان يقول: «لأن يجاورني القردة والخنازير في دارٍ؛ أَحَبُّ إليّ من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء».([355])

وقال عبد الله بن عون : «لم يكن قومٌ أبغضُ إلى محمّدٍ من قومٍ أَحْدَثُوا في هذا القَدَر ما أَحْدَثُوا»، يريد محمد بن سيرين.([356])

ودُعي أيوب السختياني إلى غَسْل ميّت، فخرج مع القوم حتى إذا كشف عن وجهه؛ عرَفه، فقال: «أَقْبِلوا قِبَل صاحِبِكم؛ فَلَسْتُ أُغَسِّلُه، رأيته يماشي صاحب بدعة». ([357])

ومن هذا المنطلق قال طاووس لمّا رأى مَعبدًا الجهنيَّ يطوف بالبيت: «هذا معبد؛ فَأَهِينُوه»..([358])

وقال الإمام الطحاوي : «نسأل الله أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرديّة، من الذين خالفوا السنّة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضُلَّال وأَرْدِياء».([359])

وقال الإمام البغوي : «و قد مَضَتْ الصحابةُ والتابعون، وأتباعُهم، وعلماءُ السنن على هذا: مُجْمِعِين مُتَّفِقِين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم». اهـ([360])

وقال الشاطبي : «إن فرقة النجاة – وهم أهل السنة – مأمورون بعداوة أهل البدع، والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم، ونحن مأمورون بمعاداتهم، وهم مأمورون بموالاتنا، والرجوع إلى الجماعة». اهـ([361])

وكان أئمة السلف يحتقرون المبتدعة، ويهينونهم، وحكى الإمام الصابوني أنّ أهل السنة اتفقوا على القول بقهر أهل البدع، وإذلالهم، وإخزائهم، وإبعادهم، وإقصائهم، والتباعد منهم، وعن صحبتهم، وعن مجادلتهم، والتقرّب إلى الله ببغضهم، ومهاجرتهم. اهـ([362])

وأَعْظَمُ المخالفة للمبتدعة التمسكُ بالسنّة التي نبذوها، واتخذوها وراءهم ظِهريًّا.

قال العلامة البربهاري : «ومن عَرَفَ ما تَرَكَ أصحابُ البدع من السنّة، وما فارقوا فيه، فَتَمَسَّك به؛ فهو صاحبُ سنّة، وصاحبُ جماعة، وحقيقٌ أن يُتَّبَعَ، وأن يُعَانَ، وأن يُحْفَظَ، وهو ممّن أوصى به رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-».([363])

وقال الإمام الشاطبي في تعظيم صاحب البدعة والمشْي إليه: «إن المشْيَ إليه، والتوقير له؛ تعظيم له؛ لأجل بدعته، وقد عَلِمْنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله، بما هو أشد من هذا، كالضرب والقتل، فصار توقيره صدودًا عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالًا على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به، والإيمان بما ينافيه، وأيضًا فإن تَوَقِّير صاحبِ البدعة مظنّةٌ لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام:

إحداهما: التفات العامّة والجهّال إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنّه أفضل الناس، وأن ما هو عليه خيرٌ ممّا هو عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته، دون اتباع أهل السنّة على سنّتهم

والثانية: أنّه إذا وُقّر من أجل بدعته؛ صار ذلك كالحادي المُحَرِّضِ له على إنشاء الابتداع في كلّ شيء، وعلى كلٍّ حال، فتحيا البدع، وتموت السنن، وهو هَدْمُ الإسلام». اهـ([364])

وقال الإمام الشاطبي : «كل من ابتدع في دين الله؛ فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادئ الأمر في عزّه وجبروته، فهم في أنفسهم أذلاء، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟! حتى تَلَبَّسُوا بالسلاطين، ولاذوا بأهل الأرض، ومن لم يَقْدِرْ على ذلك؛ اسْتَخْفَى ببدعته، وهرب بها عن مخالطة الجمهور». اهـ([365])

ثانيًا: ليس كلُّ انحرافٍ يقتضي الهجر، ولا كلُّ منحرف يلزم تركه في كل شيء، ولا كل سني يستطيع هَجْر كل مبتدع:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «… فإذا تعذَّر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك، إلا بمن فيه بدعة، مَضَرَّتُها دون مَضَرَّة تَرْكِ ذلك الواجِب؛ كان تحصيلُ مصلحةِ الواجِبِ مع مَفْسَدَةٍ مرجوحةٍ معه خيرًا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل…»

وقال أيضًا:… «وكثير من أجوبة الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، خرج على سؤال سائل قد عَلِم المسؤول حاله، أو خرج خطابًا لمعين قد عُلِمَ حالُهُ، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلّم-، إنما يَثْبُتُ حُكْمها في نظيرها».

وقال أيضًا:… «فإن أقوامًا جعلوا ذلك عامًّا، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يُؤْمَرُوا به: فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات، وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية، فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية…». اهـ([366])

وقد قال قبلها: «… وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجْرُ المهجور وتأديبُهُ، ورجوعُ العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة، بحيث يُفْضِي هَجْرُهُ إلى ضَعْفِ الشر وخِفْيَتِه؛ كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته؛ لم يَشْرُعْ الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر…».

وقال :…«والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلّم- يتألف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفُوا، كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم؛ لَمَّا كان أولئك كانوا سادةً مطاعين في عشائرهم؛ فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير؛ فكان في هجرهم عِزُّ الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح…».

وقال : «…وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل؛ ولهذا كان يُفَرَّقُ بين الأماكن التي كثرت فيها البدع؛ كما كثر القَدَرُ في البصرة، والتجَهُّمُ بخراسان، والتشيعُ بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويُفَرَّقُ بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عُرِفَ مقصود الشريعة؛ سُلِكَ في حصوله أَوْصَلُ الطرق إليه..». اهـ([367])

بل قال : «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خَلْقٌ كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثمًا بذلك، ومع هذا فيحصل به نَفْعُ خَلْقٍ كثير كانوا كفارا فصاروا مسلمين، وذلك كان شرًّا بالنسبة للقائم بالواجب، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير.. ودخوله في حكم المسلمين خير من أن يبقى كافرا؛ فانتقل إلى خير مما كان عليه..» ا.هـ([368]).

وقال بعد أن ذكر مخالطة بعض الفِرَق الصوفية: «… قد يقترن بالحسنات سيئات: إما مغفورة، أو غير مغفورة، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المُحْدَث؛ لعدم القائم بالطريق المشروعة علما وعملا؛ فإذا لم يحصل النورُ الصافي، بأن لم يُوجَدْ إلا النور الذي ليس بصاف، وإلا بقي الإنسان في الظلمة؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجلَ، ويَنْهَي عن نورٍ فيه ظلمةٌ؛ إلا إذا حصل نورٌ لا ظُلمةَ فيه، وإلا فكم ممن عَدَلَ عن ذلك يخرج عن النور بالكلية؛ إذا خرج غيره عن ذلك؛ لما رآه في طرق الناس من الظلمة…».

وقال مبيِّنًا أن إطلاقات السلف بالذَّم والهجْر لأهل البدع لابد من ضبطها بهذه القواعد: «… وإنما قررتُ هذه القاعدة؛ ليُحْمَلَ ذَمُّ السلف والعلماء للشيء على موضعه، ويُعْرَف أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمور به شرعًا: تارة يكون لتقصير بترك الحسنات عِلْمًا وعملًا، وتارة بعدوان بفعل السيئات عِلْمًا وعملًا، وكل من الأمرين قد يكون عن غلبة، وقد يكون مع قدرة.

فالأول: قد يكون لعجز وقصور، وقد يكون مع قدرة وإمكان.

والثاني: قد يكون مع حاجة وضرورة، وقد يكون مع غنى وسعة، وكل واحد من العاجز عن كمال الحسنات، والمضطر إلى بعض السيئات معذور…».

إلى أن قال : «.. فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه؛ كان قائما بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان». اهـ([369])

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليهم جميعًا -: «وأما الرجل الذي يخالطُ أهلَ بلَدِهِ ومَحَلَّتِهِ، ويرجو بمخالطَتِهم أنْ يُجيبوه إلى الإسلام وإلى السُنَّة، ويتركوا ما هم عليه من شركٍ أو بدعة أو فواحش؛ فهذا يلزمه خِلْطَتُهم ودعوتُهم -إنْ أَمِنَ الفتنة- لما في ذلك من المصلحة الراجحة على مصلحة الهجر والاعتزال، ورؤيةُ المنكر إذا رجا بها إزالته وتغييره، وأَمِنَ الفتنةَ به، ولم يمكن تحصيلُ المصالح الدينية إلا بذلك؛ فلا حَرَج عليه، بل ربما تأكَّدَ واسْتُحِب».

وقال : «وبلغني أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- كان يخرج إلى عسكر التتار لما نزلوا الشام المرة الأولى حول دمشق، ويجتمع بأميرهم، ويأمره وينهاه، ويرى في خروجه عندهم أشياء من المنكرات».

وقال : «وقد أراد بعضُ الأفاضل ممنْ صَحِبَهُ في إحدى تلك المرات أنْ يُنْكِرَ على جماعةٍ منهم ما رَأَوْه يدور بينهم من كاسات الخمر؛ فقال له الشيخ: «لا تفعل»؛ إنهم لو تركوا هذا؛ لزاد شَرُّهُم على المسلمين وجُرْمُهم».. اهـ([370])

وفي «مجلة البحوث الإسلامية»([371]) فتوى لسماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، فقد سُئل -حفظه الله تعالى-: ما هو الضابط في التعامل مع المبتدع؟ وهل يُهجر بمجرد فعله بدعةً أو أكثر؟

فقال -حفظه الله-: «من أَعْلَن بدعةً؛ وَجَبَ أنْ ننصحَه ونُوَجِّهَه، ونناقشه؛ فلعلّ شُبْهَةً عَرَضَتْ له، وتأويلًا خَطَر بباله، وعليه: يجب أنْ نُزيلَ شبهته، ونُبينَ خطأ تأويله، ونوضحَ له الحق؛ فإنّ هذا هو الواجب علينا؛ لأنّ كُلًّا عُرضةٌ للخطأ، وربما هو أخطأ، ويظن أنه مصيب، وتُعْرَض عليه شبهةٌ أو تأويل، وظَنَّ أنّ ذلك خيرٌ، فيجب أنْ ننصحه أولًا، ونوجهه، ونقنعه، ونجادله بالتي هي أحسن؛ لِنُحِقَّ الحقَّ، ونُبْطِلَ الباطل.

فإنّ كثيرًا من الناس قد يقع في الخطأ من غير قَصْد، ولكن لأجل سوء فَهْمٍ وقِلَّةِ إدراكٍ، وشبهةٍ عَرَضَتْ له، وتأويلٍ لبعض النصوص، ظنّ أنّ هذا التأويل تأويلٌ سائغ؛ فلا بُدَّ من النصيحة والإقناع؛ فعسى الله أنْ يفتحَ على قلبه، ويُخَلِّصَه من تلك الشبهات، ويصرفَ قلْبَه عن تلك التأويلات الباطلة.»

ثم قال -حفظه الله- بعد ذلك: «وإذا أُقيم الحق عليه، وأَبَى واستكبر، ولم يَنْقَدْ إلى الحق؛ وجب أنْ نهجره على قدر بدعته، ونَكْرَهَه على قَدْر ما قام به من الشر». اهـ

وقد سُئل شيخنا الشيخ مقبل الوادعي -رحمة الله عليه([372]) في هجر المبتدعة، فقال السائل: «عَلِمْتُ أنّ هجر المبتدعة واجبٌ إذا أَصَرّ على بدعته، ولكن هل يَصِحُّ هَجْرُ من لم يَهْجُر المبتدع؟ وهو لا يعمل بعمله؟ ولكن يخالطهم ولم يهجره؟».

فأجاب الشيخ : «قَبْل هذا، هَجْر المبتدع كان ضَيِّقًا على عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- وتوسَّع فيه الناس، كيف ذلك؟

مثلًا مبتدع، وأنت ترى أنك تدعوه إلى الله، وربما يرجع، أو ترى أنك إنْ تركته وهجرته ربما يتمادى في ضلاله، أو ربما تَحْتَضِنُهُ الأحزابُ الأخرى، وأنت تنظر إلى مصلحة الإسلام والمسلمين، ولا تهجره من أجل مصلحة نفسك، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «حَقُ المُسْلِمُ عَلَى المُسْلِم خَمْس» ومنها: «إِذَا لَقِيتَه؛ فَسَلِّم عليه».

أما إذا كنت ترى أنك إذا هجرته سيرجع إلى الله -سبحانه وتعالى- ويتوب؛ فلك أنْ تهجره، والهجر كما سمعتَ كان مُضَيَّقًا على عهد النبي
-عليه الصلاة والسلام- فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هَجَر الثلاثةَ الذين خُلِّفوا، وهَجَر نساءه شهرًا، وهجر من تَضَمَّخَ بالخَلوق، والله المستعان، فما ينبغي أنْ نتوسع في الهجر؛ حتى ما نكون سببًا لنفور الناس عن السُنَّة وعن الخير». اهـ

ثالثًا: ضوابط وآداب في الهجر والتحذير من أهل البدع:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «أَلَّا يَعْتَدِيَ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي بِزِيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعِ فِي بُغْضِهِمْ، أَوْ ذَمِّهِمْ، أَوْ نَهْيِهِمْ، أَوْ هَجْرِهِمْ، أَوْ عُقُوبَتِهِمْ؛ بَلْ يُقَالُ لِمَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ: عَلَيْك نَفْسَك، لَا يَضُرُّك مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْت كَمَا قَالَ: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ] {المائدة:2} الْآيَةَ. وَقَالَ: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ] {البقرة:190}، وَقَالَ: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ] {البقرة:193} فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْآمِرِينَ النَّاهِينَ قَدْ يَتَعَدَى حُدُودَ اللَّهِ: إمَّا بِجَهْلِ، وَإِمَّا بِظُلْمِ، وَهَذَا بَابٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْعَاصِينَ».

وقال : «وَلَا سِيَّمَا كَثْرَةُ الْفُضُولِ فِيمَا لَيْسَ بِالْمَرْءِ إلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ أَمْرِ دِينِ غَيْرِهِ وَدُنْيَاهُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ التَّكَلُّمُ لِحَسَدِ أَوْ رِئَاسَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ: فَصَاحِبُهُ إمَّا مُعْتَدٍ ظَالِمٌ، وَإِمَّا سَفِيهٌ عَابِثٌ، وَمَا أَكْثَرُ مَا يُصَوِّرُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ بِصُورَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَتَأَمُّلُ الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاءِ لِلْمَرْءِ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت مَا يَقَعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ: عُلَمَائِهَا وَعُبَّادِهَا وَأُمَرَائِهَا وَرُؤَسَائِهَا؛ وَجَدْت أَكْثَرَهُ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، الَّذِي هُوَ الْبَغْيُ بِتَأْوِيلِ أَوْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَمَا بَغَتْ الْجَهْمِيَّة عَلَى الْمُسْتَنَّةِ فِي مِحْنَةِ الصِّفَاتِ وَالْقُرْآنِ؛ مِحْنَةِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَكَمَا بَغَتْ الرَّافِضَةُ عَلَى الْمُسْتَنَّةِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَكَمَا بَغَتْ النَّاصِبَةُ عَلَى عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَمَا قَدْ تَبْغِي الْمُشَبِّهَةُ عَلَى الْمُنَزِّهَةِ، وَكَمَا قَدْ يَبْغِي بَعْضُ الْمُسْتَنَّةِ إمَّا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِمَّا عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ بِزِيَادَةِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ الْإِسْرَافُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِمْ: [ﯫ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {آل عمران:147}.

وَبِإِزَاءِ هَذَا الْعُدْوَانِ: تَقْصِيرُ آخَرِينَ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ، أَوْ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا، فَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرِ؛ إلَّا اعْتَرَضَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِأَمْرَيْنِ، لَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظَفَرَ: غُلُوٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ، فَالْمُعِينُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَفَاعِلُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَزِيَادَةٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا بِإِزَائِهِ تَارِكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَبَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَاَللَّهُ يَهْدِينَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ». اهـ([373])

وها هو الحافظ الذهبي يبين أن بغض المبتدعة بلا ميزان شرعي أدى بالبعض إلى تجاوز طريقة السلف، والعدول عن النهج السَّوِيِّ، فقال في ترجمة يحيى بن عمار : «وكان مُتَحَرِّقًا على المبتدعة والجهمية، بحيث يؤول به ذلك إلى تجاوز طريقة السلف، وقد جعل الله لكل شيء قدرا». اهـ([374])

وقال الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي : «هيهاتَ هيهات! إن في مجال الكلام في الرجال عقباتٍ، مُرْتَقِيها على خَطَرٍ، ومُرْتَقِيها هَوًى لا مُنْجِىَ له من الإثم ولا وَزَرَ، فلو حاسب نَفْسَه الرامي أخاه: ما السبب الذي هاج ذلك؟ لَتَحَقَّق أنه الهوى، الذي صاحِبُهُ هالِكٌ». اهـ([375])

وقال القرافي في معرض ذلك: «متى كان لأجل عداوة، أو تَفَكُّهٍ بالأعراض، وجَرْيًا مع الهوى؛ فذلك حرام». اهـ([376])

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَهَذَا كُلُّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا لِهَوَى الشَّخْصِ مَعَ الْإِنْسَانِ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، أَوْ تَحَاسُدٌ، أَوْ تَبَاغُضٌ، أَوْ تَنَازُعٌ عَلَى الرِّئَاسَةِ، فَيَتَكَلَّمَ بِمَسَاوِئِهِ مُظْهِرًا لِلنُّصْحَ، وَقَصْدُهُ فِي الْبَاطِنِ الْغَضُّ مِنْ الشَّخْصِ، وَاسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ، فَهَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، و «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» بَلْ يَكُونُ النَّاصِحُ قَصْدُهُ أَنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ ذَلِكَ الشَّخْصَ، وَأَنْ يَكْفِيَ الْمُسْلِمِينَ ضَرَرَهُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَيَسْلُكَ فِي هَذَا الْمَقْصُودِ أَيْسَرَ الطُّرُقِ الَّتِي تُمَكِّنُهُ». اهـ([377])

وعند تقرير شيخ الإسلام للقول بهجر المبتدع الداعي لبدعته، والتغليظ في ذمه، يُبَيِّن أن «المقصود بذلك ردعه، وردع أمثاله، للرحمة والإحسان، لا للتشفي والانتقام».([378])

وهذا الخُلُقُ من دلائل سعة الصدور، وسلامة القلوب، قال سفيان بن دينار : قلت لأبي بشير -وكان من أصحاب علي رضي الله عنه-: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: «كانوا يَعْمَلُون يسيرا، ويُؤْجَرُون كثيرا» فقال سفيان: ولم ذلك؟ قال: «لسلامة صدورهم».([379])

وقال الإمام ابن القيم : «مَشْهَدُ السَّلَامَةِ وَبَرْدِ الْقَلْبِ: وَهَذَا مَشْهَدٌ شَرِيفٌ جِدًّا لِمَنْ عَرَفَهُ، وَذَاقَ حَلَاوَتَهُ، وَهُوَ: أَنْ لَا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ وَسِرُّهُ بِمَا نَالَهُ مِنَ الْأَذَى، وَطَلَبِ الْوُصُولِ إِلَى دَرْكِ ثَأْرِهِ، وَشِفَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ يُفَرِّغُ قَلْبَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّ سَلَامَتَهُ وَبَرْدَهُ وَخُلُوَّهُ مِنْهُ أَنْفَعُ لَهُ، وَأَلَذُّ وَأَطْيَبُ، وَأَعْوَنُ عَلَى مَصَالِحِهِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ؛ فَاتَهُ مَا هُوَ أَهَمُّ عِنْدَهُ، وَخَيْرٌ لَهُ مِنْهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَغْبُونًا، وَالرَّشِيدُ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ، فَأَيْنَ سَلَامَةُ الْقَلْبِ مِنِ امْتِلَائِهِ بِالْغِلِّ وَالْوَسَاوِسِ، وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي إِدْرَاكِ الِانْتِقَامِ؟». اهـ([380])

وقال السخاوي مُبَيِّنًا أن القصد من الجرح كفّ المجروح عن ضلاله، فإذا تم ذلك بخفيف الجرح أغنى عن غليظه، فقال: «إذا أمكنه الجرح بالإشارة المُفْهِمَة، أو بأدْنَى تصريح؛ لا تجوز له الزيادة على ذلك؛ فالأمور المرخَّصُ فيها للحاجة لا يُرْتَقَى فيها إلا إلى ما يُحَصِّلُ الغَرَضَ». اهـ([381])

وقال : «لا يجوز التجريح بسببين إذا حصل بواحد، فقال العز بن عبد السلام في (قواعده): إنه لا يجوز للشاهد أن يُجَرَّحَ بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما؛ فإن القدح إنما يجوز للضرورة، فَلْيُقَدَّرْ بِقَدْرِها، ووافقه عليه القرافي، وهو ظاهر».([382])

وقال اللكنوي : «لما كان الجرح أمرا صعبا؛ فإن فيه حق الله مع حق الآدمي، وإنما جُوِّزَ للضرورة الشرعية، حَكَمُوا بأنه لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة..». اهـ([383])

ومن ثَمَّ فما ينبغي لنا أن نطلق «الكلام على أحد بالجزاف، بل نعطي كل شيخ قِسْطَهُ، وكل راوٍ حَظَّه، والله الموفقُ لذلك، المانُّ بما يجب من القول والفعل معا». اهـ([384])

وقال ابن حبان : «لَسْنَا ممن يُوهِم الرعاعَ ما لا يَسْتَحِقُّه، ولا ممن يحيف بالقدح في إنسان، وإن كان لنا مخالفًا، بل نُعْطي كلَّ شيخٍ حظَّه مما كان فيه، ونقول في كل إنسانٍ ما كان يستحقه من العدالة والجرح». اهـ([385])

* (تنبيه): بعد الكلام على الموقف الشرعي من أهل البدع والأهواء، وذِكْر الأدلة وكلام بعض علماء السلف الصالح في ذلك؛ تعيَّن التنبيه على أنه قد ظهرتْ فرقة في زماننا، ابْتُلُوا بالغلوِّ في الجرح والطعن فيمن خالفهم -وإن كان أهدى منهم سبيلًا وأقوم قيلًا- فتراهم يبدِّعُونه، ويقولون فيه الأقوال المغلظة القبيحة، ويتظاهرون بالتورع عن تكفيره، وللأسف فقد شرع بعضهم في إصداره مقاطع صوتية وغيرها بتكفير فلان بن فلان، وأنه لا يُصَلِّي خلفه، ولا يُصَلِّي عليه إذا مات، ولا يُدْفَن في مقابر المسلمين، مع أن من يقولون فيه ذلك من أهل السنة، بل كان موافقًا لهم في كثير مما هم عليه من الغلوّ، لكنه يخالفهم في تجريح شخص أو تعديله، ونحو ذلك من المسائل الاجتهادية، التي وسع فيها الخلافُ كلَّ عاقل ممن ينتسب إلى العلم سلفًا وخلفًا، لكن هؤلاء لجهل وسوء فهم أكثرهم -ولسوءِ قَصْد عددٍ منهم ليس بالقليل-، لا يَرْعَوُون عن رميه بالبدعة، وأنه أضرّ من إبليس، وأخبث من اليهود والنصارى، ويُحَذِّرون منه، ويقولون: مَنْ لم يُبَدِّع المبتدع؛ فهو مبتدع، ومَنْ لم يَهْجُرْه؛ يُهْجَر، ويعمِّمُون ذلك على كل مخالفيهم، وهم من دعاة التوحيد والسنة، والذَّبِّين عن عقيدة أهل الحديث والسلف الصالح، والمحاربين للبدع والضلالات في الجملة، فكيف بمن يُخالف الفرقتَيْن، وله جهوده المباركة في نُصْرة التوحيد والسنة منذ عقود من الزمان، وقد كان كثير من هؤلاء الغُلاة لم يُخْلَق بعد، أو صبِيًّا تَعَلَّم عند من يبدِّعُهم اليوم، وإذا سألتهم: لماذا تبدِّعون فلانًا؟ قالوا: لأنه خالف الشيخ الفلاني، وهذا الشيخ لا يُخطئ في المنهج، وهو حامل لواء الجرح والتعديل، أو قالوا: لأنه زار فلانًا المبتدع -أي عندهم فقط- ومن زار فلانًا؛ فهو مبتدع، دون النظر إلى أسباب الزيارة وما دار فيها من حديث، أو قالوا: ذهب إلى المكان الفلاني، ولم يَزُر الشيخ الفلاني… وغير ذلك كثير من هذه الافتراءات على الدين وأهله، وأمثال هؤلاء لا يجوز أن يوثق بكلامهم، أو يُغْتَرَّ بشبهاتهم، وليس عليهم يتنزَّل كلام السلف الصالح في أهمية هَجْر أهل البدع والأهواء، ولابد من الرجوع إلى تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية الذي فهم كلام من سبقه من الأئمة من جميع جوانبه، ووضع له قيودًا وتفصيلات، من أخذ بها على مراده وفهمه؛ وضع كلام السلف مواضعه الصحيحة، وإلا:

فَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا بليلىوليلى لا تُقِرُّ لهم بذاك!!!

A

A

[29]

التحذير من الرسائل والمنشورات الحماسية غير المنضبطة بضوابط الشرع