(أسباب غُلُوِّ الغلاة في التبديع والتجريح هذه الأيام)
- السؤال السابع والعشرون: نجد كثيرًا من الشباب أكثروا من قولهم: فلانٌ مبتدعٌ، وفلانٌ ضالٌّ، وفلانٌ لا يُؤْخَذ عنه عِلْمٌ؛ لأنه من جماعة كذا، أو مُمَيِّع، أو يزور فلانًا المبتدع في نظرهم، أو لم يُبَدِّع فلانًا المبتدع في نظرهم، أو لم يَهْجُرْهُ، أو يَدْرُسُ عند فلان، وهو من جماعة كذا، أو لا يرضى عن شيخنا فلان بن فلان،… إلى غير ذلك من الطعونات، مع كونهم حُدَثاء عَهْد في طلب العلم، وبعضهم حديث عهدٍ بالدخول في الإسلام، كما يوجد هذا الحال في بعض من أسلم في الغرب، وشاع تحذير كل فئة من الأخرى، وحرَّمُوا الصلاة في مساجد بعضهم، بدعوى أنهم خصومهم، بل سَعَوْا في تطليق المرأة من زوجها ووالد أولادها المخالف لهم، وربما كتبوا في من خالفهم التقارير والوشايات للجهات الأمنية، ووصفوه بما هو بريء منه من العقائد والأقوال، كُلُّ ذلك ليُعْتَقَل، أو يُضَيَّق عليه من الحكومات، ويَخْلُوَ لهم الجَوُّ، ولا يَشْفَعُ له عندهم: جهودُهُ وخدمته للسنة، ودفاعه عنها قبل أن يُولد كثير منهم، ونظرًا لأن أئمتهم من الغلاة والمسرفين في ظلم من خالفهم حذَّروهم من ذلك الشخص؛ فلم يقرؤوا كتبه، ولم يعلموا عنه إلا ما سمعوه كذبًا وزورًا وافتراءً عليه ممن يقلدونهم،… إلخ، فما هي الأسباب التي حَمَلَتْهُم على سلوك هذا المسلك الشاذ عن منهج علماء الأمة سلفًا وخلفًا، بل مصادم للعقل الراجح عند عقلاء العوام -فضلًا عن غيرهم من العلماء- حتى شاع وذاع الخلاف في كل مكان بسبب هذا المنهج المُحْدَث؟
الجواب:
هذا الحال الذي ذُكِر في السؤال حالٌ مُزْرٍ وسيِّئٌ، وقد ابْتُلِيَتْ به الدعوة -دعوة أهل السنة والجماعة على وجْه الخُصُوص- منذ عدة سنوات، وتَفَرَّقَتْ بسببه دعوة أهل السنة في البلاد الإسلامية، وفي الشرق والغرب، وانشغل بسببه طلابُ العلم عن تحصيل العلم والآداب الإسلامية، والتخلُّق بخُلُق أهل العلم الراسخين؛ لانشغالهم بتَتَبُّع الزلات، وتجميعهم للأشرطة وقصاصات الأوراق، ولَفْلَفَتهم لمقاطع الفيديو التي يرون أنها توثِّق ادِّعاءاتهم -وهي في الغالب لا تدلُّ على زعمهم، بل ربما كانت ضدّهم- وشوَّهُوا بأفعالهم هذه صورة الدعوة السلفية عند خصومها من أهل البدع والأحزاب والأفكار المعادية للإسلام؛ انتقامًا من مشايخ الدعوة الكبار، الذين حَذَّرُوا من باطلهم، وبيَّنُوا للناس عاقبة فساد مناهجهم، ففرحوا بهذه الفئة التي شَرْذَمَت الدعوةَ وفَرَّقَتْها من الداخل، بل هذه الفئة الغالية الباغية الغاوية تفرَّقَتْ في كثير من البلدان إلى فِرَق وأحزاب، يطعن كل منهم في الآخر ومن سَلَكَ مَسْلكه، ولا تزيدهم الأيام -ما داموا على قواعدهم الفاسدة- إلا تَشَرْذُمًا، كالنار يأكل بعضها بعضا -إلا من رحم الله- بل كانت أعمالهم هذه سببًا في رِدَّةِ بعض المسلمين الجُدُد في بلاد الغرب؛ فرجعوا إلى دينهم السابق وغيره لمَّا رَأَوْا فساد طريقتهم، وتحذير كل منهم الرجلَ الذي دخل في الإسلام حديثًا ممن أسلم على يديه؛ لأنه مبتدع في نظرهم!!
والكلام في أحوالهم وأعمالهم، وأثرهم السيئ على الدعوة والقلوب طويل الذَّيْل، وقد تكلَّمْتُ بالتفصيل على كثير من شبهاتهم في عدة كتب ورسائل، فمن أراد التفصيل؛ فليرجع إلى ما كتبتُه، أو كتبه غيري من أهل العلم وطلابه، لكني أُلَخِّصُ الأسباب التي حملتهم على سلوك هذا المسلك القبيح ظاهرًا وباطنًا -ما أمكن- ومنها ما هو سبب، ومنها ما هو واقع لهم ثم صار سببًا أيضًا، فأقول -مُسْتعينًا بالله تعالى-:
الأسباب التي حَمَلَتْ الغُلاةَ في التبديع والتضليل والتجريح الفاحش على ذلك كثيرة، ومنها:
1- اعتقادهم أن من خالفهم -ولو في مسائل اجتهادية فقهية -لكنهم يسْتَنْكِرُونها بشدة- أنه مبتدع ضال، مع أنه عند التحقيق والتأمل تجده لم يرتكب بدعةً أصلًا، بل في الغالب أن قوله في تلك المسألة الفقهية هو الراجح، وما ذهبوا إليه خلاف الصواب، وهذا الأمر سبب من أسباب الغلو، وثمرة -أيضًا- من ثمرات الغلو، والقوم يغالون في استعمال نتائج الغلو؛ حتى تصير أسبابًا لصورة أخرى من صُوَر الغلو!!
2- اعتقادهم أن إطلاقهم التبديع لمخالفيهم عَمَلٌ منهم بما كان عليه السلف والأئمة من الجرح والتعديل للرواة، كما تشهد بذلك كتبُ تراجم الرجال وعلل الروايات!!
متغافلين عن الشروط والضوابط التي حرَّرها أئمة المحدِّثين فيمن يتصَدَّى للجرح والتعديل، من ضرورة أن يكون أهلًا لذلك، وهذا الشرط وحده يتضمن عدة شروط: مثل الأهليَّة العلمية لما يتكلم به، والأهلية وحدها تتضمن شروطا كثيرة، ومن ذلك: معرفة ما كان عليه السلف ومخالفوهم من الفِرَق الضالة، ومن العدالة في الدين، والعفة والدقة في العبارة التي يُطْلِقُها المتكلم في غيره، وإلا لم يكُنْ أهلًا لعَدِّهِ نَفْسِهِ من العُدول؛ فضلًا عن أن يتصدَّى للكلام في غيره جرحًا أو تعديلًا!!
كما اشترطوا أن يكون عنده وَرَعٌ وتقوى، وخوفٌ من الله -جلَّ ثناؤُهُ- أن يقع في عِرْضِ مسلمٍ بغير حق، أو بدون حاجة شرعية؛ فإن الأمر كما قال ابن دقيق العيد : «أعراض المسلمين حُفْرَة من حُفَر النار، وَقَفَ عليها طائفتان: القُضاة والمُحَدِّثُونَ». اهـ([337])
فترى الواحد منهم يُطْلِق تبديع جماعة فيها عشراتُ أو مئاتُ الألوف أو الملايين من الناس رجالا ونساءً دون خوْفٍ أو خشية أن يتعلَّق هؤلاء جميعًا برقبته في يومٍ يطُول فيه المقام في كُرُبَاتٍ لا يَعْلَمُها إلا مَلِكُ يوم الدين!! فالحكم على الجماعة -جرحًا أو تعديلا- لا يلزم منه صحة الحكم على جميع أفرادها بذلك؛ فالكلام في الأفراد والأعيان فيه تفاصيل كثيرة عند أهل العلم.
والأصل أن الجرح والتعديل من المتأهِّل المُراعِي لشروط العلماء في ذلك مقبولٌ ومعمولٌ به، لكنَّ مَنْ تَشَبَّعَ بما لم يُعْطَ؛ كلابسِ ثَوْبَيْ زور، ويُقال له ما تمثَّل به الحافظ الذهبي([338]) بقول القائل:
| فَدَعْ عنْكَ الكِتَابةَ لَسْتَ مِنْها | ولو سَوَّدتَّ وَجْهَك بالمِدَادِ([339]) |
3- الحسدُ الدفينُ لمن فتح الله عليه ممن خالفه في طلب العلم، أو التصنيف، أو كان له قبولٌ بين الناس، أو وَثِقَ فيه الناس بعلمه وعمله، وأخَذُوا بمشورته، فيتمنَّون زوال هذه النعمة عنه؛ فيكيدون له كيدا، ويتمنوْن زَلَّته؛ ليطيروا بها فرحًا وتشنِيعًا عليه، كل هذا لإسقاطه في نظر الناس؛ حتى يلتفتوا إليهم، ونَسِيَ هؤلاء القوم أن القبول بين الناس إنما هو رِزْقٌ من الله
-جلَّ شأنه- الذي لا مُعْطِي لما مَنَع، ولا مانع لما أَعْطَى، والذي بيده خزائن كل شيء، وهو الرزَّاق ذو القوة المتين!!
4- الهوى، والانتصار للنفس وحظِّها، وحُبُّ التشفِّي والانتقام من المخالف وإسقاطِهِ، لا حُبًّا في نُصْحِه وتصفيته من الخطأ، يدل على ذلك: أن مخالفهم الذي يكرهونه -بدون سبب شرعي- لو ظهر له أنه أخطأ، فتراجع، وأعلن توبته إلى الله تعالى؛ قالوا: كذَّاب؛ لا تُصدِّقُوه، فهذه التوبة مراوغة منه، وتلبيس وتدليس، وربما قالوا: هذه زندقة منه، بل قد يقولون: زنديق زنديق؛ لا تَغْتَرُّوا به، وشَكَّكُوا في صِدْق توبته -كأنهم يعلمون ما في سرائر القلوب، أو شقُّوا عما في قلبه- ورَمَوْه بالتلاعب، والكيد للدعوة، والتلبيس على الناس بالتوبة، بل قال بعضهم بعد أن أقسم بالله مرارًا: أنه لا يقبل توبة فلان!! والله هو الذي يقبل التوبة من عباده، وهو الذي يتولَّى حسابهم [ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ] {الأنبياء:47} والحمد لله الذي لم يجعل حساب الخلق لأحدٍ من خلقه، وإلا لانتقم بعضهم من بعض، وجامل بعضهم بعضا، وكل ذلك منهم للاستمرار في تدميرهم للشخص المخالف لهم وإن كان أهدى منهم سبيلا!!
فهل هؤلاء الناس يُحِبُّون ما يُحِبُّه الله؟ [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ] {البقرة:222}، ويا سبحان الله، فالجزاء من جنس العمل: فهاهُم لمَّا تَشَظَّتْ دعوتُهم، واختلفتْ قلوبُهم وكلمتهم فيما بينهم بعد اجتماعهم على هذا الظلم والظلمات؛ أصبح كل منهم يتهم الآخر بما كانوا يتهمون به خصومهم الأوائل، بل بما هو أشد، وما خَفِيَ أعظم؛ لأن هذه سنة الله في الغلو وأهله، وهذه فِتَنٌ يرقِّق بعضها بعضا!!
5- سوء فهمهم لكلام السلف فالسلف قد يُطْلِقُ الواحد منهم الحُكْم على القول أو الفعل أو الاعتقاد، فيقول: من قال كذا؛ فهو كافر، أو مبتدع، أو فاسق؛ ولا يعني بذلك أن القائل بعينه كافر، أو مبتدع، أو فاسق، ذلك لأنهم يُفَرِّقُون بين الأحكام المطلقة على الأقوال والأفعال والاعتقادات، وبين تنزيل هذه الأحكام على الشخص المعيَّن؛ فعند هذا التنزيل على المعيَّن فلابد -عندهم- من استيفاء الشروط فيه، وانتفاء الموانع عنه، وقد بيَّنْتُ هذا كلَّه في كتابي: «ضوابط وأصول أهل السنة والجماعة في التكفير والتفسيق» ونقلتُ فيه وفي غيره تنصيص شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره على وقوع كثير من الناس في هذا الخطأ، وعدم فهمهم طريقةَ العلماء في إطلاق الأحكام العامة دون إرادة تنزيلها على المعيَّن إلا بعد استيفاء شروط هذا الحُكْم وتواجدها في المعيَّن، وانتفاء موانع هذا الحكم عنه.
وهذا السبب له أثر كبير في وقوع هذه الطائفة في الضلال والظلم للأبرياء بأعيانهم، مع ادعاء بعضهم أنه يَعْذُر بالجهل والتأويل،… وغير ذلك من الأعذار، وهذا كلام نظري ليس له وجود في حياتهم العملية إلا مع أصحابهم، ما داموا معهم على وفاق في الظلم والظلمات، فإذا اختلفوا لأدنى سبب؛ جرَّحوا من كانوا يعدُّونه إماما مهديًا، وأسدًا من أسود السنة بأقذع عبارات الجرح، دون خجل من هذا التناقض!!
فيالله، كم أطلق الواحد من هؤلاء قوله في أحد دعاة السنة المشاهير اليوم، الذي يزكيه كبار العلماء، وكُتبه وآثاره تدل على أن الله أجرى به خيرًا كثيرًا: فلان مبتدع ضال، وكذَّاب مارق، وليس من أهل السنة، واحذروا هذا الزنديق، أو المبتدع، أو المُمَيِّع، أو المُلَبِّس،… إلخ ما في قاموسهم الفاحش، فإذا سُئِلَ عن دليله على هذا القول في هذا الشخص؟ قال: الإمام أحمد قال في عَمْرو بن عُبَيْد: مبتدع، أو زنديق زنديق، وفلان قال في الجهم بن صفوان: مبتدع، أو كافر، وفلان قال في واصل بن عطاء -رأس المعتزلة-: مبتدع، وقتلوا الجهم، والجَعْد بن درهم، والحلاج… وفلانًا وفلانًا في الزنادقة!!!
دون مراعاة منه -للأسف- للفارق الجليّ بين الشخص الذي يبدِّعه هو هذه الأيام وبين هؤلاء الأفَّاكين، الذين أجمع العلماء على ضلالهم ومروقهم، لكن من هذا الذي سبق هذا الجاهلَ في قوله القبيح المقْذع من علماء زماننا أو كبار طلاب العلم المشاهير غير مشايخه الذين علَّمُوه هذا الانحراف والزيغ؟!
كل هذه الرعونة والطيْش دون مراعاة هذا الجاهل أن هؤلاء وأمثالهم من كبار الدعاة إلى البدع الكبرى قد أقام علماء السنة عليهم الحجة، وأزالوا شبهاتهم، وظهر للعلماء عنادُهم، وكيدُ بعضهم للإسلام ومنهج السلف الصالح، أو كاد بعضهم أن يكون كذلك، فهل يصحُّ هذا القياس من رجل يعرف ما يَخْرُجُ من رَأْسه؟ أم أن الأمر كما قال من حَكَى الله -جل شأنه- عنه قوله لقومه: [ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ] {غافر:29}.
6- جَهْلُهم، وقِلَّةُ بضاعتهم، وضِيقُ حصيلتهم بتتبُّع وسَبْر وجَمْع أطراف كلام العالم من علماء السلف -فضلًا عن جميعهم أو جمهورهم- لمعرفة اصطلاح العالم فيما يطلقه من كلمات، ووضْعِهِ في موضعه الصحيح، المناسب لمراده وقصده؛ حتى لا تُقَوِّلَهُ ما لم يَقُل، فربما أخذوا كلمةً للعالم، ولو وقفوا على بقية كلامه؛ لظهر أن مقصده على خلاف ما ادَّعَوْه، أو لو جمعوا بين قوله هذا وأقواله ومواقفه الأخرى؛ لظهر لهم حقيقة مراده، ومن الظلم للعالم أخذ بعض كلامه دون بقية كلامه، ونسبةُ القول الذي يوافقهم -حسب فهمهم لبعض كلامه دون بعض- إليه!!
7- تصريحُهم بأنه لا يُحمل مُجْمَلُ كلام العالم على مُفَصَّله، ويزعمون أن هذا خاصٌّ بكلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقط، بخلاف كلام العلماء، بل يَعُدُّون من خالفهم في ذلك مبتدعًا مارقًا من أهل السنة، مُخَالفًا لهم في أصلٍ أصيل من أصول أهل السنة، ويُلْحق بسبب هذه المخالفة إلى الفِرَق الضَّالَّة الكبرى المارقة عن السنة!!
وقد أبطلْتُ افتراءهم وزعمهم هذا في كتابي: «الجواب الأكمل على من أَنْكَر حَمْل المُجْمَل على المُفَصَّل»، فارجع إليه في كتابي: «الدفاع عن أهل الاتِّباع» ففيه -إن شاء الله- شفاء من هذا الداء، وقد لخَّصْتُه في هذا الكتاب، ولله الحمد والمنة.
8- عدم مراعاتهم الفروق الكثيرة بين من أطلق فيه السلفُ أو بعضُهم التبديع لشخص بعينه، وبين من ليس كذلك؛ إما لأنه قد أُقِيمَت عليه بعينه الحجة، وأُزِيلَتْ عنه الشبهة من قِبَل هؤلاء العلماء، وما بَقِيَ منه إلا العناد، وإما لأن المسؤول منهم يَعْلَم حال المسؤول عنه، وأنه مُتَلاعِب مُتَلَوِّن، فكان الكلام فيه بعينه بمثابة قضايا الأعيان، التي لا يتنزَّل حُكْمُها على كل أحد، كما صرَّح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وإما لأنه عاش في زمن اشتهرت فيه السنة، وكان أهل البدعة يَتَوَارَوْن عن الأنظار والمجالس بمذاهبهم الفاسدة، لأن السنة ظاهرة قاهرة، حتى كان بعضُ أهل البدع من الزنادقة يتظاهرون بمذهب أهل السنة، وقد يُطْلق العالم القولَ بهجر فلان وعدم الإذن له بدخوله عليه سدًّا للذريعة، لا إخراجًا منه له من أهل السنة،… إلخ، فلا يفرِّقون بين هذه الحالات -وبمجموع كلام السلف تظهر هذه الحالات- وبين زمننا الذي اندرس فيه كثير من أصول اعتقاد وطريقة أهل السنة، وأصبحت المذاهب المخالفة لها جامعات يتخرَّج منها الألوف المُؤَلَّفة سنويًّا، ويصل أهلها إلى مراكز القرار والتوجيه في البلاد، والإعلامُ يشَوِّه السُّنَّة واعتقادَها وأهلَهُ الداعين إليه، والكثير ممن أحبُّوا طريق الدعوة على خلاف مذهب السنة الصافي النقي، وإن كانوا ينتمون -في الجملة- إلى أهل السنة؛ فتراهم يرمون غيرهم من أهل السنة الصافية بالحشوية، والمجسِّمة، والوهابية، والتكفيريين، والدواعش،… إلخ، فهل من نشأ في مجتمعه في هذا الزمن، ونشأ على هذا الحال الذي وصفناه من حوله، وهو يظن أنه على السنة الصافية، هل تُنَزَّلُ عليه أحكام السلف على من عاش في زمانهم الذي وصفنا آنفا، دون مراعاة لهذه الفروق؟ وقد فَصَّلْتُ هذا في كتابي: «المسلك السهل في العُذْر بالجهل» أما المخالفون فيتَعَلَّقُون بالحُكْم الذي أطلقه العالم من السلف على مشاهير أهل البدع في زمانهم، وينزلونه على المخالف لهم كيفما كان: فإن كان عالمًا أو طالب علم -وهو أهْدَى منهم سبيلًا، وأقومُ قِيلًا- رَمَوْه بالبدعة: حسدًا، أو انتقامًا منه، أو جهلًا بطريقة السلف، وإن كان جاهِلًا أو مُقَلِّدًا، ويُثْنِي على من خالفهم من أهل العلم؛ أَلْحَقُوه بمن يُثْنِي عليه!!!
وقد وضَّح الفَرْق بين الزمانَيْن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كما وَضَّحْتُه في: «المسلك السهل في العُذْر بالجهل» وكان الإمام أحمد لا يشْتَدّ في النكير على قدرية البصرة؛ لاشتهار أهل البصرة بهذه البدعة، ورواجها بين علمائها وأعيانها، فأشار بالكتابة عنهم الحديثَ، مع أن أهل هذا المَصْر -أي البصرة- قدرية؛ لأنه لم يظهر لهم الحق جليًّا؛ لتلوُّث مجتمعهم بهذه البدعة، ويُقَاس على ذلك غيرهم من الأمصار، فها هو كلام الأئمة في التحذير من بدعة الرجل الكبرى، مع الحثِّ على الكتابة عنه لثقته في الرواية، فهل حال الغلاة يوافق هذا مع أقوام من أهل السنة الصافية، وإنما خالفوهم في جَوْرهم وظلمهم للعلماء والدعاة، فسَعَوْا في إسقاط من خالفوهم!!
9- عدم تفرقة الغلاة بين الأحكام في زمن القوة والاستخلاف، وزمن الوهن والاستضعاف، فيأخذون أحكامًا أطلقها العلماء وهم أقوياء، وأمراء المسلمين ينصرون السنة -في الجملة- وينزلونها على أُناس مستضعفين في بلادهم، والشبهات المُضِلَّة تُدَرَّس في المدارس والجامعات عندهم، وتُنْشر في وسائل الإعلام، وكل ذلك يصرفهم عن المنهج الصحيح للحق، والفَرْق بين الحالتين واضح لا يَخْفَى، والقوم لا يُبَالون بالفرق بين من أُطْلِقَت فيه أحكام التبديع والهَجْر، وبين من هذا حالهم، وربما لو هجرهم أهل السنة؛ لذهبوا إلى من هو أشد منهم بدعة: كالرفض، والاعتزال، والتجهم،… إلخ، فهل يُغَيَّر المنكر بما هو أنكر منه؟!
10- عدم فهم الغلاة لطريقة كثير من العلماء، الذين يكون قَصْدُهم من إطلاق التحذير ممن وقع في بدعة: سَدّ الذريعة؛ حتى لا يَقْتدي به غيره، وإن كانوا لا يَرَوْن الواقع فيها مبتدعًا، فأحمد ضرب على حديث علي بن المديني ومنع من الأخذ عنه بعدما أجاب في الفتنة، ولم يَقُلْ عنه: علي بن المديني ليس من أهل السنة والجماعة، وهو مبتدع ضال خبيث مارق، أو أخبث أهل الأرض، أو أضر من اليهود والنصارى -كما يفعل الغلاة في مخالفيهم من أهل السنة الصافية- فقد يكون للعالم مقصد شرعي في التحذير من أحد علماء السنة لوقوعه في بدعة، أو للخشية عليه من الوقوع في بدعة، فأراد المبادرة بترهيبه من سلوك هذا المسلك المُفْضِي إلى ما لا تُحمد عقباه، فأطلق في حالةِ البدعة دون قَصْد تبديعه، أما الغلاة فلا يفقهون ولا يعلمون هذه المعاني!!!([340])
11- اختراعهم بدعةً خبيثة، فرَّقوا بها الصفوف، وامتحنوا بها الناس، وعقدوا عليها الولاء والبراء، وجعلوها أصلًا أصيلًا عندهم لا يَقْبَلُ التشكيك، وهي قولهم: «مَنْ لم يُبَدِّعْ المبتدع؛ فهو مبتدع، ومَنْ لم يَهْجُر المبتدع؛ فيُهْجَر» مع أن تبديع من يبدِّعوه من أهل السنة -في الغالب- ليس عليه دليل يوجب التبديع أصلًا.([341])
مع أن كتب التراجم مليئة بالخلاف بين العلماء في تبديع شخصٍ ارتكب بدعةً واضحةً جليَّةً -لا بدعة مُفْتراة مَكْذوبة من هؤلاء الغلاة على رجل سُنِّيٍّ جَلْد- ومع ذلك لم يرجع العلماء على بعضهم بالتبديع؛ لأن إنزال الحُكْم العام على المعيَّن في الأصل مسألة اجتهادية، فقد يظهر لك أن فلانًا وقع في بدعة، وأنا لم أَطَّلِع على ذلك أصلًا، أو اطَّلَعْتُ عليه لكن ظهر لي دليل على تبرئته من وَصْمِهِ بعينه بالبدعة، ولم يظهر لك أنت: كتوبته، أو تأويله -وهو من أهل العلم- أو تقليده لعالم مجتهد، وهو تقليد سائغ عند العلماء، وقد يظهر لي أن له كلامًا آخر يوضح مراده بما يجعله مقبولًا، ولم يظهر لك ذلك، فنختلف في الحُكْم عليه، بل قد يظهر لي أن قوله هذا قد سبقه إليه عالم من علماء السنة المشاهير بالقول به، وأنه اقتنع بقوله ورَجَّحَه على غيره، وإذا كان الأمر مُخْتَلَفًا فيه بين أئمة السلف، ولم يبدِّع بعضهم بعضًا؛ فما وَسَعَهُم يَسَعُنا إن كنا نسير على منهجهم، وإلا فيكفي التمسُّح بهم عن جهل وهوى، والتلبيس على الناس، وتزوير الحقائق، بأنكم تسيرون -فيما أنتم عليه من الباطل- على منهج السلف!!
12- دعواهم بأنهم بأعمالهم هذه إنما يحاربون بها الحزبية والجماعات الحزبية!! وليس الأمر كذلك؛ فقد حذَّر كبار علماء السنة ومشاهير طلابهم من الحزبية والتحزُّب المذمومَيْنِ عُقودًا من الزمان، لكن بغير طريقة هؤلاء الغلاة، ولم يُشَتِّتُوا أو يحَزِّبوا أو يمَزِّقوا دعوة أهل السنة بشكل آخر من صور الحزبية، كما هو حال هؤلاء الغلاة، وقد حَّذر مشايخنا الكبار وغيرهم من علماء السنة في جميع الأقطار في العالم من التحزُّب والتعصُّب عشرات السنين، ومع ذلك لم يتفرَّقُوا -وإن اختلفوا فيما بينهم في بعض التفاصيل في بعض الجماعات أو المواقف والأحداث- لكن الغُلاة هؤلاء لهم منهج آخر مُبْتَدَع، بل تفرَّقُوا فيما بينهم، وصاروا يمارسون الحزبية النتنة: من ولاء وبراء، وفُحش في القول، وجفاءٍ في الطبع والتعامل، وفي المقابل غلوٌّ في مَدْح الموافق بأنه: أسد السنة، وحامل لواء الجرح والتعديل، وقامع البدعة، وناصر السنة، وقاهر الحزبية،… إلخ هذه التهاويل الفارغة الخاوية!!
13- ظنُّهم أن غِلْظتهم وشدَّتهم على المخالف من جملة العمل بباب الولاء والبراء المأمور به شرعًا، ويستدلون بقوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ] {التوبة:73}، دون معرفة لسياق الآية، وفي حق من يكون هذا الحُكْم؟ وللأسف أنهم يُنْزِلُون ذلك على من خالفهم من علماء السنة!!!
14- تبديعهم المخالِفَ لهم -وإن كان ممن قَضَى نَحْبَه أو أكثر عُمُره في نُصْرَة السنة، ودَحْر المبتدعة بالردود العلمية: النقلية، والعقلية- وذلك لأمور لا يلزم منها البدعة أصلًا؛ فضلًا عن التبديع!!
كقولهم: فلا مبتدع؛ لأنه زار فلانًا -أي الذي يرَوْنه هم مبتدعًا: ظُلمًا وزورًا-.
وقولهم: فلان مبتدع؛ لأنه يَرُدُّ على فلان -أي من مشايخهم أو زملائهم الغُلاة-.
أو فلان ليس بسلفي، فإن قيل له: ما الدليل؟ قال: قد فَرَغْنا منه مُنْذُ دَهْر، أو هو محارب للسنة وأهلها، أو خارجي -دون إظهار دليل على خارجيته- أو إخواني، أو سروري؛ وما ذاك إلا لأن هذا الشخص ينصرهم ضد الرافضة -مثلًا- وإن اختلف معهم في مسائل أخرى، درءًا للمفسدة الكبرى بارتكاب المفسدة الصغرى.
أو فلان مبتدع؛ لأنه كتب رسالة إلى فلان الصوفي، فقال فيها: «إلى الشيخ الفاضل…» دون مراعاة لقَصْد الكاتب، والحامل له على ذلك، كمن يقصد من أهل السنة التأليف لهذا الضال؛ عسى أن يهديه الله تعالى، ويقبل لنصح من صاحب الرسالة… وغير ذلك، ويعدُّون هذا نقضًا لأصل الولاء والبراء!! فكيف لو اطَّلعوا على رسائل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز إلى كثير من الدعاة ورؤساء الجماعات والجمعيات والملوك والوزراء لاسيما وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وأكثر من يتولاها في أكثر الأقطار لهم شأن آخر، وغير ذلك ممن راسلهم فماذا هم قائلون في سماحته؟؟!!
أو أنه نزل مكة أو المدينة، ولم يَزُر الشيخ الفلاني… من كبارهم الذين علَّموهم هذا الانحراف والزيغ!! -هذا مع وهاء وسقوط الحديث: «مَنْ حَجَّ ولم يَزُرْني؛ فقد جفاني»([342]) وهو في حق النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فكيف بمن دونه؟ ومتى كانت زيارة شيخهم لكل من نزل مكة أو المدينة -حرسهما الله وبلاد المسلمين من كيد الكائدين- ركنًا من أركان السلفية، فإن لم يأت به المكلَّف؛ كان من جملة أهل البدع الكبرى والأهواء؛ بل أخبث من اليهود والنصارى، كما أطلقوا هذا وأقذع منه في غير واحد من مشاهير دعاة السنة!!! بل قال كبيرهم في حق بعض من أشعل الدنيا سبًّا له وتحذير المخالفين إياه: والله لو جاءني وزارني في مكة؛ لما حَصَل من هذا كله شيء!!!
أو كقول أحدهم: فلان مبتدع؛ لأني رأيتُ في مكتبته كُتُبَ فلان وفلان يبيعها -ممن يبدعونهم بحق أو بباطل- وهذا لا يلزم منه اتباع صاحب المكتبة لكل المؤلفين للكتب التي عنده فيما خالفوا فيه الحق، ولا تخلو مكتبة من مكتبات طلاب العلم والمشايخ من كُتُب أهل السنة وأهل البدعة، طالما أن من يقرأ في المكتبة هو ممن يميز الحق من الباطل!!
وكقولهم: فلان أَشُمُّ منه رائحة الحزبية!! وسَتُثْبِتُ لكم الأيام أنه مبتدع، أو يأتيك بالأخبار من لم تُزَوِّدِ، أو فستعلمون ما أقول لكم، وأُفَوِّض أمري إلى الله، أو بَدَّعه فلان -أي من مشايخه الغلاة-… إلخ هذه الأكاذيب والتخاليط!!
بل قال بعضهم، وقد سُئل عن شخص، فقال: هذا الرجل لا أَعْرِفُه -ويا ليته سكت عند هذا، بل زاد فقال-: ولو كان سُنِّيًّا من أهل السنة؛ لعرفته!! وهذا لازمه أن كل من لم يعرفه هذا المغرور المفتون من طلاب العلم في العالم كله ليسوا من أهل السنة، ويا ليته قال: لا أعرفه، أو -على الأسوأ- قال: مجهول، لكن قال: لو كان سلفيًّا أو سُنِّيًّا؛ لعرفته؟!! فانظروا إلى أين يتجه القوم، وهل قال ذلك أحد من السلف فيمن لا يعرفون عينه ولا حاله؟!!
وكقولهم: فلان مبتدع؛ لأنه يُجيز التصوير، أو الدراسة في المدارس والجامعات المختلطة، دون مراعاة الضوابط التي ذكرها مخالفهم لذلك، ودون النظر في قاعدة تزاحم المصالح والمفاسد.
وكقولهم: فلان مبتدع؛ لأنه يقول بمنهج الموازنات، دون معرفةٍ منهم بضوابط ذلك عند العلماء سلفًا وخلفًا!!
أو فلان مبتدع؛ لأنه شاهد مباراة رياضية في التلفاز.
أو يمشي مع مبتدع؛ مع أنه قد يكون له عُذْر شرعي في السير مع المبتدع بدعة كبرى حقيقية واقعية -لا خرافة وهمية كافتراءات الغلاة-: كصلة رحم، أو تعامُلٍ معه بالبيع والشراء، ويجوز البيع والشراء مع اليهود والنصارى فضلا عن المبتدعة، أو لاستيفاء حقه الذي عنده، أو لعدم علمه ببدعته أصلًا… وغير ذلك.
أو كقولهم: فلان مبتدع؛ لأنه في بيته جهاز تلفزيون، مع أنه قد يستعمله في شيء نافع، ولو فرضنا أنه ارتكب معصية؛ هل يكون مبتدعًا؟ هل الزاني والسارق وشارب الخمر وغيرهم من المقِرِّين بالحُكْم الشرعي، لكن شهوتهم تغلبهم يكونون مبتدعة ليسوا من أهل السنة؟ فأين هم من حديث: «لا تلعَنْه؛ فما علمتُ إلا أنه يُحِبُّ الله ورسوله»([343]) قاله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيمن شرب الخمر كثيرًا، وأقيم عليه الحد مرارًا، ومع ذلك يعود لشربها، كما في قول الصحابي: «ما أَكْثَرَ ما يُؤْتَى به»!!
وكقولهم: فلان مبتدع؛ لأنه متزوج بنت فلان، أو زَوَّج ابنته فلانًا، وهما مبتدعان -أي في نظرهم الخاسئ- وإن كانا أهدى منهم سبيلا، وأعلم وأحلم وأحكم!!… وغير ذلك مما لا يُحْصَى، مع أن العبرة بحال البنت لا بحال أبيها، وقد تزوَّج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان -وقد كان مشركًا- وتزوج صفية بنت حُيَيّ بنت بن أخطب سيد يهود بني النضير؛ فظهر أن القوم يجرِّحون مخالفهم بما ليس بجرحٍ أصلًا!!
15- سلوكُهم مَسْلكَ البُعْد عن الإنصاف في سؤالهم العلماء، وبذْل المال والوقت من أجل السفر في ذلك؛ لاستخراج فتاوى منهم ضد من يخالفهم، فيأتي أحدهم إلى العالم، فيقول: شيخنا، هناك من يقول كذا وكذا -ويعرض الكلام بصورة قبيحة، مجتزأة مبتورة عن سياقها وسباقها ولحاقها- فما حُكْمه؟ فبعض العلماء يقول: من قال كذا؛ فهو مبتدع، وهذا حُكْمٌ عامٌّ منه أو مُطْلَقٌ، فيقوم الغُلاة بتنزيله على من يخالفهم، ويكتبون بالخط الأحمر العريض: عاجل، وبُشرى سارة -هكذا كأحوال السَّوَقَة-: الشيخ الفلاني يحذِّر من فلان بن فلان، أو يُبَدِّعه!! مع أن اسمه لم يَرِدْ في السؤال، ولو وَرَدَ في السؤال؛ فالعالم لم يَطَّلع على كلامه بتمامه، وبسياقه وسباقه ولِحَاقه، أو لم يُعْرَض عليه كلامه تامًّا، إنما لم يقف إلا على ما فهمه مُقَدِّم السؤال من الغلاة من كلام مخالفهم، وهذا كله لا يلزم منه صحة ما قالوه عنه أو نَسَبُوه إليه، مع أن هذا العالم أو ذاك كان الأَوْلَى به في زمن كَثُرَ فيه القيل والقال، واتِّباع الأهواء، والغِيبة والنميمة، وتَتَبُّع الزلات -لو سلَّمنا بأنها زلات- وكثر فيه الاختلاف والتهاوش: كان الأَوْلَى به أن يقول: أُريد نصَّ كلام من تسألُ عنه، ولا آخذ بمجرد ما فَهِمْتَ أنت من كلامه، أو يُفتيه على سؤاله، ثم يصرِّح بأن كلامي هذا لا أُبيح لأحد أن يُنَزِّله باسمي على فلان أو فلان إلا بعد اطلاعي على كلام الشخص كاملا، أو بعد إذْني الخاص بنشره في حق فلان الذي لم يُسَمَّ في السؤال أصلا، أو سُمِّي، لكن لم يقف على نصّ كلامه؛ كان الأَوْلَى به هذا، أو يقول في فتواه: هذا حكم عام لا يُنَزَّل على شخص مُعَيَّن إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ثم لو فرضنا أنه أفتى بذلك؛ فهل قول هذا العالم المجرد عن الدليل حجة؟ وكيف لو خالفه غيره: مثله أو أعلى منه من العلماء؟ ومع ذلك فإذا أفتى هذا العالم نفسُه بخلاف قولهم في موضع آخر؛ قالوا: لَبَّس عليه فلان -يعنون مخالفهم- مع أن هذا القول فيه -في الجملة- اتهام للعالم؛ لكن القوم لا يعقلون!!
16- يزعمون أنهم يمنعون من تقليد الأئمة المجتهدين في الأمة، كالأئمة الأربعة وأمثالهم من علماء السنة الأوائل إلا بعد ظهور الدليل الذي اعتمدوا عليه، ومع ذلك يُلْزِمون الناس بتقليد شيوخهم وأنفسهم، مع الفَرْق الواضح جدًّا جدًّا جدًّا بينهم وبين الأئمة الأوائل!!
وربما قالوا: نحن نلزم الناس بقول شيخنا فلان في الجرح والتعديل فقط وليس مُطْلَقًا!!
والجواب: هل أُلْزِم الناسُ بالأَخْذِ بقول أحمد دون غيره في الجرح والتعديل، أو يحيى بن سعيد القطان كذلك دون غيره، أو…. أو…. إلخ؟! والواقع أن الأئمة المتأخرين يَجْمَعُون بين أقوال المجرِّحين والمعدِّلين الأولين للرجل الواحد، ويَخْرجون بقول نهائي فيه.
ويقال لهم: فكيف لو خالف شيخُكم من هم أعلم منه وأشهر في الأمة في الثناء على من خالفكم؟! أليس في حال هؤلاء الغلاة دعوة صريحة إلى تقليد الأدنى، مع التحذير من تقليد الأعلى؟!
17- أخْذُهم من كلام العلماء ما وافق أهواءهم، مع رَدِّهم أو كتمانهم ما خالفها، بل أَخْذُهم من كلام العالم الواحد ما كان من قوله موافقًا لهواهم، ورَدُّهم أو كتمانهم ما خالفه، ويُصْحِبُون ذلك بدعوى تراجع العالم عن القول الذي يخالفهم، أو نَسْخِهِ دون بيِّنَة على ذلك، أو لُبِّس عليه فيه، أو عارضه كلام من هو أعلم بالجرح والتعديل منه، أو كلامه هذا خالف كلام فلان، ولا يُعْرف لفلان -أي شيخهم فقط- هذا خطأ في أحكامه في المنهج، أو نحو هذا الهراء!!
18- استدلالهم بالعمومات على من يخالفهم وينازعهم في أمرٍ خاصٍّ، كرَدِّهم على من يقول بجواز التعاون من أهل السنة مع غير أهل السنة ضد عدوٍّ أكبر، أو في جزئية موافقة للحق، ولا تتحقق هذه المصلحة إلا بالتعاون مع الغير سواء كان سُّنِّيًّا أو غيره، وهذا كلام العلماء سلفا وخلفا؛ فيستدلون على المنع من ذلك بقوله تعالى: [ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ] {الأنعام:68}، مُدَّعين أن الله يأمر بالإعراض عنهم، لا بالتعاون معهم، وكذلك يستدلون بقول عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الذين يتَّبعون ما تشابه من القرآن: «أولئك الذين سَمَّى الله؛ فاحذروهم» قالوا: فالرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقول: «فاحذروهم» ولم يَقُل: تعاونوا معهم!!
وهكذا يأتون بأدلة عامة والنزاع في جزئية خاصَّة، والمخالف لهم يقول: نعم الأصل الإعراض عن أهل البدع -الذين هم حقًّا دعاة إلى البدعة الكبرى- والحذر والتحذير منهم، لكن إذا حدث حادث لا يستطيع أهل السنة على دَفْع مفسدته وحدهم، واتفق معهم المخالفون لهم على التعاون معهم على دَفْعه، وإلا اجتاحت البلاد طامَّةٌ لا تُبْقِي ولا تَذَر؛ فهذا موضع خاصّ يُتعاون فيه مع أهل البدع، بل ومع الكفار بضوابطه، إذا أُمِنت المفسدة التي هي أكبر أو مثل المصلحة المَرْجُوَّة، فأين موضع النزاع من أدلة القوم؟! ولما كان القوم قد اعتقدوا عدم جواز التعاون مع المبتدع أصلا، وأن من قال بذلك؛ فهو مبتدع -وإن حافظ على ضوابط هذا التعاون-؛ فإنهم يذهبون يَمْنَة ويَسْرة للبحث عن أي دليل -يقنعون أنفسهم وأتباعهم- لردّ كلام المخالف، وإن كان خارج موضع النزاع، وهذا من شؤم الاعتقاد ثم الاستدلال!!!
19- هؤلاء القوم طباعُهم تميل إلى الغلو والظلم للمخالف، فلو وقفوا على كلمة لمخالفهم -وإن كان من كبار الدعاة إلى السنة رغم أنوفهم- تحتمل معنى حسنًا وآخر سيئًا؛ حملوها على الأسوأ، وإن كانت تحتمل بدعة كُبرى وبدعة صُغرى؛ حملوها على الكبرى، وهذا كله بخلاف منهج العلماء فيمن وقع في المخالفة من أهل السنة، بل لا يجوز اتِّهام كافر بما لا يُعْرف به من الفواحش، أو السعي في المكيدة للإسلام والمسلمين… إلخ!!
20- اغترارهم بأنفسهم، وظنهم أنهم أهل الحق وغيرهم -وإن زَكَّاه علماء السنة الآخرون- ليس سلفيًّا!!
21- اعتقادهم أن أي خلاف في مسائل العقيدة؛ فالمخالف فيه مبتدع؛ لأن السلف لم يختلفوا في العقيدة، إنما اختلفوا فقط في المسائل الفقهية، أو العملية لا العلمية، وقد أبطل هذا الادِّعاء السَّطْحيَّ شيخُ الإسلام ابن تيمية فَرَدَدْتُ به وبغيره على هذه الشبهة في عدة مواضع.
22- وقد سبق بعضه: أنهم قد أنزلوا أنفسهم – بلسان الحال- منـزلة ليست لهم، فمن وقع في خطأ، وشنَّعوا عليه، فعرَفَ خطأه، وتراجع عن قوله بلسان عربي مبين، وأعلن ذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ اتهموه بأنه كذاب مراوغ في توبته، ولا تصح توبته إلا بين أيديهم، وبالألفاظ التي يُملونها هم عليه، والله يقول: [ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ] {النور:31}، ولم يجعل التوبة إلى فلان أو فلان!! وبذلك
-وغيره- أنزلوا أنفسهم منـزلةَ الوصيِّ على الدعوة، وأن طلاب العلم والدعاة إلى الله في جميع الأقطار بمنـزلة القاصر، الذي يتصرف فيه وصيُّه، فمن حكموا له بالسلفية؛ فقد فاز ورشد!! ومن تحفَّظوا في حقه بهذا الحكم؛ فهو على شفا جُرُفٍ هار، ويشار إليه بأصابع الاتهام، والخوف عليه من السقوط!! ومن صرَّحوا في حقه بأنه ليس سلفيًّا؛ فتهوي به الريح في مكان سحيق، وهذا كله موجود عند هؤلاء المقلدة الذين ضلوا الطريق!!
23 – وَضْع قواعد مخترعة، ما أنزل الله بها من سلطان، وإخراج السلفيين بسببها من دائرة السلفية، وإلحاقهم بركب أهل البدع بسببها، فمن ذلك:
قولهم: «من نَزَلَ ضيفًا في بيت رجل حزبي -أي عندهم-؛ فيُلحق به»، و«من التمس عذرًا لحزبي فهو مميع» بالرغم أن المقام فيه تفصيل، و«من لم يهجر فلانًا؛ فيُلْحَقُ به، وكذا من لم يهجره؛ فهو كذلك،… وهكذا)»، وقولهم: «مَنْ ذَكَرَ حَسَنَة مُبتدعٍ -ولو كان ذلك أحيانًا لحاجة شرعية- فهو مُمَيِّع، وقائل بالموازنات»، و«من لم يَزُرْ الشيخ فلانًا ومن كان على شاكلته ممن هم على طريقتهم الفاسدة، أو يتصل بهم هاتفيًّا؛ فهو حزبي بغيض»، و«من تحفّظ في كلام فلان في مخالفه؛ فهو حزبي»، و«من لم يبدِّع فلانًا، ويقول فيه ما يقولون في مخالفهم، مثل: هو أكذب أو أخبث أو أضر من اليهود والنصارى والروافض؛ فهو مميع، أو حزبي مُتَسَتِّر»، و«من خالف الشيخ فلانًا؛ فهو حزبي، والأيام ستبيِّن ذلك، فاصبروا حتى تروا حقيقة ذلك!!»، و«الشيخ فلان معصوم في مسائل المنهج والجرح والتعديل»، و«الشيخ فلان أعلم بمسائل المنهج من الشيخ ابن باز وبقية علماء العصر»، و«من خالفه منهم في ذلك؛ فالقول قوله، ومن رفض من طلاب العلم أو الدعاة ذلك؛ فهو جاهل وجُوَيْهِل، ومائع مميع… وهَلُمَّ جَرّا».
ومن قواعدهم: «أن من اشتغل بتحصيل العلوم الشرعية، دون رَدٍّ على الجماعات؛ فليس بسلفي، أو مائع، أو في سلفيته نظر»، لا سيما إذا عارض شيئًا من أحكام هذه الطائفة الجائرة في شخص أو جماعة!! هذا، مع أن بعض الطلاب قد لا يخوض في ذلك؛ لقيام غيره بهذا الواجب، دون إفراط أو تفريط، بطريقة العلماء، لا بطيش الحدثاء، أو قد لا يقوم بهذا لاشتغاله بما هو أنفع: كتحصيل العلوم، وحفظ المتون، أو تحقيق الكتب، أو تدريسها…إلخ!!
ومن قواعدهم الفاسدة: «أن من استشهد بكلام -وهو حَقٌّ- من كلام أحد المخالفين؛ فهو مميع، وملمِّع لأهل الباطل، ومدافع عن أهل البدع»، ومن قال: «المسلم يُحَبُّ ويُبْغَض، ويُوصَل ويُهْجَر على حسب ما فيه من خير وشر، وسنة وبدعة؛ فهو مميع، ومن أهل الموازنات، أو من القائلين بمنهج الموازنات، وإخواني، أو قطبي، أو سروري»، و«من رَدَّ الجرح والتعديل – من هؤلاء السفهاء الصغار، الذين يلمعونهم، أو من الكبار أصحابهم إن تجاوزوا الحد- فهو كاره لطريقة السلف، وأَضَلُّ من حمار أهله»، و«من لم يأخذ بقول الشيخ فلان؛ فهو ممن يريد إسقاط مرجعية العلماء»، و«مَنْ رَدَّ على الشيخ فلان -حتى وإن كان يرد على تجاوزاته-؛ فهذا يدل على أنه ليس بمؤدَّب، وأنه يَسُبُّ العلماء، أو يَرُدُّ على أهل السنة، أو أنه حرب على السنة وأهلها، الكبار منهم والصغار، أو عدو للسنة، أو في قلبه مرض،… أو نحو ذلك، مما يدل على أي أن نَقْدٍ لهم؛ فهو اعتراض على سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومروق من منهج الحق وأهله، فالحق هُم، وهُم الحق!!».
ومن قواعدهم: «أن من خالفهم -ولو في شيء يسير مما يُسَمُّونَهُ هم بـ«مسائل المنهج»- فزكى رجالًا جَرَّحوهم، أو رأى المصلحة في غير ما يَرَوْن، أو نحو ذلك؛ قالو: هذا أضر على الدعوة من الحزبي الظاهر، لأن الحزبي الظاهر؛ يَحْذَره الناس، أما هذا فموضع ثقة عند الناس، فيكون ضرره أكبر، وهكذا كلما كان المخالف لهم – مع بقائه على السنة وإن أُرْغِمَت أنوفهم – أكثر منهم صلاحًا وعلمًا وفضلًا وجاهًا ونفعًا في الواقع؛ كان أَضَرَّ على الإسلام وأهله من اليهود والنصارى، وكان التحذير منه آكد من التحذير من الروافض الحاقدين والصوفية الخرافية… إلخ، وكلما كان المخالف متهتكًا مشهورًا بالضلالة؛ كان ضرره أهون وأخف عندهم من ذاك الصالح التقي الذي لم يبدِّع من بدَّعوه ظلما وجورًا؛ فبين هذا الفكر وفكر الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام، ويدَعون أهل الأوثان شَبَهٌ، وقلْب لقواعد الدين رأسًا على عقب، فالمعلوم: أن المرء كلما كان أكثر صلاحًا ونفعًا للإسلام وأهله، كان أقرب إلى الله وإلى قلوب المؤمنين، وإن أخطأ؛ فحسناته الغالبة تشفع له، أما هؤلاء الغلاة فعلى العكس من ذلك، فكلما كان صلاحه أشهر وإن أخطأ في مسألة، أو وإن سلمنا أنه خالفهم في مسألة والحق معهم فيها- كان أضر على الإسلام وأهله؛ لأن الاغترار به لشهرة صلاحه أكثر، بخلاف ذلك الكافر المعروف، أو المبتدع المشهور بالبدعة؛ فإن الناس يحذرونه أصلًا!!!
فهل سمعتم بقلبٍ لحقائق الدين مثلِ هذا، مع نسبته لمنهج السلف؟! والله المستعان!!.
هذه من جملة قواعدهم التي استحضرتها الآن، وكثير منها بلسان المقال، والبعض بلسان الحال، ومن علم حجة على من لم يعلم [ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] {يوسف:76}.
24- وهذه القواعد أثمرت أحكامًا عجيبة، فقد قال بعض المغرورين منهم: «لا يوجد في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية -حرسها الله وبلاد المسلمين- رجل سلفي؛ إلا فلان»!!، وهذا كلام لا يرضاه الشيخ المذكور نفسه؛ فإنه صاحب عقل وأدب، ولما بلغه ذلك؛ بادر برده مسترجعًا!! ولذا فكثير منهم لا يرضاه سلفيًّا – هذه الأيام – بعد ما أظهر مخالفتهم، وعلى هذا فقد خَلَت الرياض -معقل السلفية في هذا العصر- من السلفيين!! فإنا لله وإنا إليه راجعون، فأين كبار العلماء؟! وأين لجنة الإفتاء؟! وأين وزارة الشؤون الإسلامية ووزيرها الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-؟! الذي يذكِّرنا في شروحه العلمية بقواعد وأصول وتقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية وأين المئات بل الألوف من الدعاة وطلاب العلم، الذين هم على عقيدة السلف، وإن خالف بعضهم في بعض اجتهاداته؛ فلا يلزم من ذلك أنه خارج عن دائرة أهل السنة والجماعة، كيف لا، وهم وعلماؤهم بقايا أهل العلم القائمين -اليوم-بحجة الله على عباده، فلله دَرُّهُم، وعلى الله أَجْرُهم، فلا نامَتْ أعين الغلاة!!
وقال أيضًا أحدهم: (السلفيون في الحجاز قلة قليلة)!! كما هو مُسَجَّل بصوته.
وقال بعض الجهلة البريطانيين الدارسين عند أحد الغلاة في اليمن: «لا يوجد في اليمن رجل يَفْهَم السلفية إلا فلان».
وكذا قال كبيرهم لجماعة من الدعاة إلى الله: (ائتوني بثلاثة سلفيين في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض)!! وقد شهد على ذلك لي بعضُهم من الثقات والمشاهير، ولا حاجة لذكْر اسمه.
وعلى كل حال: فهذه الطائفة الغلاة البغاة، لا يكادون يَحْكُمون بالسلفية إلا لمن وافق مَشْرَبهم، ويبالغون في مدحه بالعلم والفضل والثبات والرسوخ… إلخ، فإذا خالفهم في حكمهم مخالفٌ لهم؛ رَمَوْه بالجهل والتَّذَبْذُب، وجميع القبائح، فلا أدري هل سَرت عليه ليلة واحدة فمَحَت عِلْمه وفضله، أم أن هؤلاء لا يخجلون من تناقضاتهم وساقط كلماتهم؟!
وأما العلماء الذين يخاف الغلاة أن يتكلموا في حقهم؛ فإنهم يكتفون بالكلام فيهم في المجالس الخاصة، ولو صرحوا بإنكار ذلك؛ لفضحوا!! وأحيانًا تسقط منهم كلمات في هذا الباب، وستراها ـ إن شاء الله تعالى ـ في موضعها!!
25- أنهم يكيلون بمكاييل متعددة، فمن كان على شاكلتهم؛ فإنهم لا يتكلمون في أخطائه، وإن كانت لا يغطيها ذَيْلٌ، ولا يسترها ليل، بحُجَّة أن بيان خطئه يُشْمت الحزبيين والمبتدعة به، ومع ما في هذا المقام من تفصيل؛ إلا أنهم لماذا لم يراعوا ذلك من البداية عندما تكلَّموا بالقبائح في أناس نرجوا أن يكون أحدهم أكثر منهم علمًا ونفعًا؟!
وكذلك؛ فهؤلاء المتظاهرون بالغيرة على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم يَنْطِقُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ عندما نَشَر بعضُ الناس كلماتٍ سيئةً لكبيرهم في الصحابة، بل في بعض الأنبياء -عليهم السلام- بل في حقِّ الله ، ولو كانوا من أهل الغيرة على عقيدة السلف حقًّا؛ لأنكروا ذلك عليه، ولكن الحزبية تعيد المعنى الجاهلي القديم لمقالة: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»!!! قبل أن يوضح رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- معناها الصحيح.
وتذكِّرنا أحوالُهم هذه بقول القائل:
| أنا إلا من غَزِيَّةَ إن غَوَتْ | غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُد |
هذا، مع أن إرضاء الخلق بالمعتقدات؛ وبال في الآخرة، كما قال أبو الوفاء ابن عقيل، نقلًا عن «الآداب الشرعية» لابن مفلح([344]).
26- لقد سَلَكَ هؤلاء مَسْلَكَ الحزبيين الذين اتهموا العلماء بالجهل بالواقع، فادعى هؤلاء جهل العلماء بواقع الجماعات والأحزاب، وعدم معرفتهم بمسائل المنهج، وعلى فُحْش غلط الطائفتين؛ إلا أن قول هؤلاء أفحش غلطًا من قول الحزبيين الأوائل؛ فإن الأوائل اتهموا العلماء بجهل الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري، وهذه أمور لم يَدَّعِ العلماء التخصص فيها – ولا عيب عليهم في ذلك -، وإن كانوا يعلمون منها ما يحتاجون إليه، أو يرجعون فيها -عند الحاجة- إلى الثقات من أهل الاختصاص، أما هؤلاء فقد اتهموا العلماء الكبار بالجهل بمنهج أهل السنة في الفِرَقِ والجماعات، وبعدم معرفة الحزبية وقواعدها وأساليبها، فاتهموا العلماء بالجهل بجزء عظيم من الإسلام، وفي تخصُّصهم الذي سَلَّمت لهم الأمة به، فأي الفِرْيتين أعظم: الجهل بالسياسة العصرية، أو بجزء منها، أم الجهل بالإسلام أو بجزء منه؟! على أن العالم قد يخفى عليه – من باب حُسْن الظن بالشخص – كون فلان حزبيًّا، أو مُتَلَوِّثًا بشيء من المخالفات، وهذا أمر قد كان موجودًا عند السلف، فكان منهم من يُزَكِّي مَنْ قد يَذُمُّه غيره، بل قد أحسن الظنّ جماعةٌ من الفضلاء بابن عربي الزائغ، وغيره، فَفَرْقٌ بين الجهل بمنهج أهل السنة، وبين عدم معرفة شخص معين معرفة كاملة، فتأمل.
فهؤلاء يرمون بعض كبار العلماء بأنهم سروريون أو إخوانيون – مثلًا – ويحكمون على الطوائف المخالفة بأحكام جائرة جدًّا، انظرها في كتابي «إعلان النكير على منهج الشيخ ربيع في التكفير» ثم يحكمون بأن الكبار جهلة بحالهم، فيكون هذا اتهامًا منهم لجماعة من كبار الأئمة.
وقد سلك هؤلاء الغلاة مسلكَ الحزبيين أيضًا في تقديم أسئلة للعلماء، لا تمت للواقع بصلة -في كثير من الأحيان- ليأخذوا فتوى من العالم توافق ما يريدون، ثم يحشرون اسم هذا العالم في قائمة من يُحذِّر من فلان!!! مع أنهم سألوا العالم عن كلام لم يَقُلْ به خَصمهم، أو سألوه عن كلام مبتور من السياق والسباق واللحاق، فهل يشك عاقل في أن هذا هَوًى وفجور في الخصومة؟!
27- وكذلك يحشرون اسم كل من انتقد مخالفهم -ولو في شيء يسير- ويعدونه في جملة من بدَّعوه، وأخرجوه من دائرة السنة، وحكموا عليه بمثل أحكامهم الفاجرة، وفي جملة من يتابعهم على أقوالهم الجائرة، أليس هذا من الهوى والفجور في الخصومة، ومن الضلالة بعد الهدى؟!
28- وقد سلَكَتْ هذه الطائفةُ -أو كثير منهم- مسلكًا مريبًا، فإذا كان المرء معهم؛ فإنهم يجمعون أخطاءه، ويَسْكُتون عنه، فإذا رَأَوْا منه شيئًا فيما بعد يدل على أنه سيترك طريقتهم، أو أنه تململ من أسلوبهم؛ هددوه بما عندهم من زلاته وهناته، وقالوا له: «إن لم تغيِّر ما أنت عليه؛ فسننشر أخطاءك، ونذهب بها للشيخ الفلاني؛ ليُبدِّعك ويُحذِّر منك»!!
فلو كان هؤلاء يغارون على محارم الله، ويريدون لمخالفهم الفيئة إلى الحق؛ فيُنظر: إن كان في إطلاعه على هذه الأخطاء مصلحة له وللإسلام؛ فلماذا لا يطلعونه عليها – بعد النصح له – حتى وإن كان الرجل معهم؟! وإذا كان في نَشْرها مفسدة للإسلام وأهله؛ فلا تُنْشَر ضد الصديق والمخالف، هذا حال من يغار لله، أما الحزبية وأهلها؛ فلهم حال آخر، ثم إن هذا الحال الذي سلكوه هو حال الأجهزة الاستخباراتية، التي تجمع لمن تولَّى ولاية الفسادَ الذي وقع منه؛ لتهدِّده، وتمنعه من عملٍ ما، وإن كان هذا العمل أنفع للبلاد والعباد، لكن بخلاف ما يهواه القائمون على الأجهزة الاستخباراتية!!
29- لقد وَصَل الحال ببعض هذه الطائفة أن صرحوا بقبول قول شيخهم في كل من خالفه، فقد صرح بعضهم عندنا بتقليده وتقليد العلماء الذين هم على شاكلته، ولما سمع بعضهم من يقول عن شيخه هذا: الشيخ فلان يصيب ويخطئ، قال: هذه شِنْشِنَةٌ عرفناها من الحزبيين!!ولما سمع آخر من يقول: الشيخ فلان رجل كبير، لكن الحق أكبر منه؛ قال: الله أكبر، والله ما كُنْتُ أظن أنك انْتَكَسْتَ إلى هذا الحد!! وصرح بعضهم بأن العالم هو الدليل، فكيف نقول للدليل: هات الدليل؟!وصرح بعضهم بأنَّ التقليد المذموم؛ هو تقليد اليهود والنصارى، أو الجاهل أو المجهول، أما تقليد الشيخ فلان -من مشايخ الغلاة-؛ فلا بأس به، وإلا لزمنا هدم مرجعية العلماء، وعدم إنزالهم منـزلتهم!!
وعلى كل حال: فتقليد العلماء عندي جائز للعامي وللمبتدئين من طلبة العلم، بل أحيانًا يجوز للعالم أن يقلِّد العالم؛ وذلك كله حسب الضوابط المعروفة عند أهل العلم، لكنهم أطلقوا ذلك في حق شيخهم، ومن كان على شاكلته فقط، ولم يروا ذلك مع من هو أفضل من شيخهم!!فظهر بذلك الهوى والحزبية، وأن المسألة ليست مسألة أدلة شرعية، إنما هي الحزبية والعصبية الجاهلية!!
بل قد صرح شيخ كبير فيهم بأن الذي يتحفظ في كلام الشيخ فلان في أبي الحسن؛ فهو حزبي، وصرح آخر بأنهم يقبلون كلام الشيخ فلان في الطوائف والجماعات والأفراد بدون تمحيص، وصرَّح بعضهم بأن الشيخ فلانًا معصوم في مسائل المنهج، فماذا أبقينا -بعد هذا كله وغيره- للمقلدة؟! وَزِدْ على ذلك: أنهم يصرحون بأن من خالف الشيخ فلانًا؛ يُهْجَرُ، ويُذَمُّ، ويُحَذَّر منه، فعقدوا الولاء والبراء على قوله، ووصفوا من رد عليه بأنه سيئ الأدب، وماكر، ومخادع، فماذا أَبْقَوْا للحزبية الذميمة؟! فهاتان دعوتان فاسدتان:
أ – التقليد لشخص معين، ولمن كان على شاكلته، مع الحط من قَدْرِ مخالفهم؛ وإن كان من الأفاضل الأماثل.
ب- عقْد الولاء والبراء على ذلك، وامتحان الناس بهذا الأمر، وتشتيت كلمتهم، وتصنيفهم بأوصاف قبيحة!!
وباجتماعهما ينتج مولود مشؤوم، هو الحزبية الجديدة التي تتظاهر بالسلفية والغيرة على منهج الأئمة!!
30- وقد سبق بعضه، وذلك أنهم تورَّطوا في الاعتقاد ثم الاستدلال، فيُصْدرون أحكامًا جزافية، فإذا حُوقِقُوا؛ فزعوا ليتعلَّقوا بِكُسَيْر، وعُوَيْر، وثالثٍ ما فيه خير، من أجل أن يُظهروا أنهم أصحاب أدلة، فإذا بُيِّن لهم حال ما استدلوا به؛ كَلَحُوا وبَلَحُوا!! فإذا رُدَّ على شيخهم دعواه العاطلة العارية عن الأدلة، وعَلِمَ هؤلاء أنه قد أُسْقِطَ في أيديهم؛ قالوا: هناك أمور في أنفسنا، ولا نحب أن نظهرها الآن!!
31- ومن ذلك: الخوض في النيات، وعدم التقيد بظاهر كلام المخالف لهم؛ فترى الرجل منهم يترك الأدلة الواضحة التي يستدل بها خصمه، ويفزع إلى قوله: هو يقصد كذا، هو يعني كذا، هو ما يريد إلا كذا، أنا أَعْرَفُ الناس به، وهو لا يريد بكلامه إلا كذا!! وتراهم يتنافسون في هذا الأمر، ويَعُدُّونه من الفراسة، ويفتخر بعضهم بأنه تكلم في فلان قبل سنتين أو ثلاث، وقبل أن يتكلم غيره من العلماء فيه، وأن الأمور جاءتْ بصِدْقِ ما قال!! وهذا كذب وافتراء، وإلا فأين صِدْق ما قالوه في الشيخ المغراوي: بأنه أخبث من هو على وجه الأرض، وأنه يكفِّر بمعصية، فقد أثبتت الأيام إفكهم وزورهم!!وأما كلامهم فيَّ؛ فبحر لا ساحل له، وقد أجرى الله لي بهذا الكلام خيرًا كثيرًا، وكم من محنة تكون منحة، وقد انْقلب السحر على الساحر، وأصبحوا فِرَقًا وأحزابًا، ووصل كثير منهم إلى حالة الفتنة في الدين -عافانا الله وإياهم من جميع فتن الدين والدنيا-!! فله الحمد وله الثناء الحسن، وصَدَقَ من قال:
| قَضَى اللهُ أنَّ البَّغْيَ يَصْرَعُ أهلَهُ | وأنَّ على الباغي تدورُ الدوائرُ |
* (تنبيه):
قد وَرَد عليَّ نحو هذا السؤال من عدد من الدعاة إلى الله -جلَّ ثناؤه- أثناء زيارتهم لي في منزلي، وتناول بعضهم الحديث عن هذا الفكر الدخيل على الدعوة السلفية، وأَجَبْتُهم ملخَّصًا بنحو هذا الجواب، فلما شرعْتُ في الكتابة للجواب -عسى أن ينفع الله به- يسَّر الله جل ثناؤه- بما سبق، فلله الحمد والمنة والفضل والثناء الحسن.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: مِلْء السموات والأرض، ومِلْءَ ما بينهما، ومِلْءَ ما شاء من شيء بعد: عددَ خلْقِه، ورضا نفْسِه، وزنةَ عرشهِ، ومدادَ كلماته.
A
A
[28]ليس كل انحراف يقتضي الهجر













