كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(الإنصاف مع الخَصْم مهما كان بَغْيُهُ وظُلْمُهُ؛
فلا تعامله بالباطل رَدًّا على باطله)

  • السؤال السادس والعشرون: كثيرًا ما نجد بعض المشتغلين بالعلم والدعوة، إذا رضي أحدُهم عن أحدٍ؛ رفَعَه وعَظَّمه، وبالغ في ذلك حتى يصِفَهُ بما هو ليس له بأهل، ولا بأقل من ذلك، وإذا سَخِط على أحد – حتى وإن كان محقًا في أصل سخطه أحيانًا – فإنه يجحد له كل فضلٍ وخيرٍ، ويرميه بالقبائح والرذائل، وافترى عليه ما هو برئ منه، فما حكم هذا الصنف؟

الجواب:

أولًا: تعريف الإنصاف:

الإنصاف لغة:

مصدر قولهم: أنصف يُنْصِف، وهو مأخوذ من مادّة «ن ص ف» الّتي تدلّ على معنيين: أحدهما: شطر الشّيء، والآخر: على جنس من الخدمة والاستعمال، فالأوّل: نِصْفُ الشّيء ونَصِيفُهُ: شَطْرُهُ، وفي الحديث: «ما بَلَغَ مُدّ أحدهم ولا نَصِيفَهُ».

ومن ذلك الإنصاف في المعاملة، وكأنّه الرّضا بالنّصف، والنّصف: الإنصاف أيضًا.([283])

والنّصف أحد شقّي الشّيء، والنّصف أيضًا: النَّصَفَة، وهي الاسم من الإنصاف، يقال: أنصف النّهار: أي انتصف، وأنصف (الشّخص) إذا عَدَلَ، ويقال: أَنْصَفَهُ من نفسه، وانتصَفْتُ أنا منه، وتناصف القوم: أي أنصف بعضهم بعضا من نفسه، وقيل: إذا تعاطوا الحقّ بينهم.

وأنصفت الرّجل إنصافا: عاملته بالعدل والقسط، وقيل: إذا أعطيته الحقّ.([284])

والإنصاف اصطلاحًا:

قال المناويّ : «الإنصاف: هو العدل في المعاملة، بأن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلّا ما يعطيه، ولا يُنيله من المضارّ إلّا كما ينيله». اهـ([285])

وأضاف الرّاغب إلى ذلك: «الإنصاف في الخدمة: وهو أن يُعْطِي صاحبه ما عليه بإزاء ما يأخذ من النّفع». اهـ([286])

ويؤخذ من كلام اللّغويّين والمفسّرين وشرّاح الحديث أنّه يمكن تعريف الإنصاف أيضًا بأنّه: أن تعطي غيرك من الحقّ مثل الّذي تحبّ أن تأخذه منه لو كنت مكانه، ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، في الرّضا والغضب، مع من نحبّ ومع من نكره.([287])

ثانيًا: ذِكْرُ بعض النصوص من الكتاب والسنة في العدل والإنصاف، مع أقوال بعض أهل العلم عنها:

* يقول الله : [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}.

* ويقول -تبارك وتعالى-: [ﭨ ﭩ ﭪ ] {الأنعام:152}.

* ويقول -جل شأنه-: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {النساء:135}.

* ويقول -سبحانه وتعالى-: [ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {الطلاق:1}.

* وقال -تعالى-: [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ] {الأنعام:141}.

* وقال -سبحانه-: [ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ] {الأنعام:152}.

* وقال -جل ثناؤه-: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ] {النساء:58}.

* وقال : [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ] {النحل:90}.

* ويقول -جلَّ وعزّ-: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}.

* وقال -تبارك وتقدس-: [ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ] {الشورى:15}.

قال الإمام ابن القيم في قوله تعالى: [ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ] {الشورى:15}: «أَمَرَهُ أَن يُخْبِرهُمْ بِأَنَّهُ أُمِرَ بِالْعَدْلِ بَينهم، وَهَذَا يَعُمُّ الْعدْل فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال والآراء والمحاكمات كلهَا، فَنَصَبَهُ رَبُّهُ ومُرْسِلُه للعدل بَين الْأُمَم، فَهَكَذَا وَارثه ينْتَصب للعدل بَين المقالات والآراء والمذاهب، ونسبته مِنْهَا إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا من الْحق، فَهُوَ أولى بِهِ وبتقريره وبالحكم لمن خَاصم بِهِ». اهـ([288])

وهذا المنهج قد قرره أيضًا العلامةُ السِّعْدي في تفسير سورة المائدة الآية (8) فقد قال في قوله تعالى: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8} «أي: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قومٍ على أن لا تَعْدِلُوا، كما يَفْعَلُه مَنْ لا عَدْلَ عنده ولا قِسْط، بل كما تَشْهَدون لِوَلِيِّكُم؛ فاشْهدوا عليه، وكما تَشْهدون على عَدُوِّكم؛ فاشْهَدوا له، ولو كان كافرًا أو مبتدعًا، فإنه يَجِبُ العدلُ فيه، وقبولُ ما يأتي به من الحق؛ لأنه حَقٌّ، لا لأنه قاله، ولا يُرَدُّ الحقُّ لأجلِ قولِهِ؛ فإن هذا ظُلْمٌ للحقِّ».اﻫ من «تيسير الكريم الرحمن».

وجاء في «تفسير الرازي» : «وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى وُجُوبِ الْعَدْلِ مَعَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ اللَّه تَعَالَى، فَمَا الظَّنُّ بِوُجُوبِهِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ». اهـ([289])

وقال الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ] {الحديد:25}: «[ﭘ] وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي، وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود، والمواريث، وغير ذلك، وذلك [ﭙ ﭚ ﭛ] قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حَصْرُها وعَدُّها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة والأحوال». اهـ([290])

* وعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- بِسَبْعٍ: «أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ».([291])

* وفي حديث عائشة -رضي الله عنها-: «… فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ، قَالَتْ: فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا، عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا وَهُوَ بِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ وَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ عَلَيَّ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأْذَنُ لِي فِيهَا، قَالَتْ: فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْنَبُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، قَالَتْ: فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا؛ لَمْ أَنْشَبْهَا حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: وَتَبَسَّمَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ».([292])

ووجه الانصاف هنا: أن الغيرة واستطالة زينب على عائشة لم يمنعا عائشة من إنصاف زينب ووصفها بالتقوى وصِدْقِ الحديث… الخ ما قالت -رضي الله عنهما-.

وفي «شرح النووي على مسلم»([293]): قَوْلُهَا (مَا عَدَا سَوْرَةٍ مِنْ حَدٍّ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ سَوْرَةً مِنْ حَدٍّ بِفَتْحِ الْحَاءِ بِلَا هَاءٍ، وَفِي بَعْضِهَا (مِنْ حِدَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَبِالْهَاءِ، وَقَوْلُهَا: سَوْرَةً هِيَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ وَاوٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ رَاءٍ، ثُمَّ تَاءٍ، وَالسَّوْرَةُ الثَّوَرَانُ، وَعَجَلَةُ الْغَضَبِ، وَأَمَّا الْحِدَّةُ فَهِيَ شِدَّةُ الْخُلُقِ وَثَوَرَانُهُ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهَا كَامِلَةُ الْأَوْصَافِ إِلَّا أَنَّ فِيهَا شِدَّةَ خُلُقٍ، وَسُرْعَةَ غَضَبٍ، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالْهَمْزِ، وَهِيَ الرُّجُوعُ، أَيْ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهَا رَجَعَتْ عَنْهُ سَرِيعًا، وَلَا تُصِرُّ عَلَيْهِ. اهـ

* وفي حديث الإفك قالت عائشة -رضي الله عنها-: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: «يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ، مَا رَأَيْتِ؟»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ».([294])

ووجه الإنصاف في هذا الحديث: أن الغيرة التي تقع بين نسائه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لم تمنع زينبَ من قول الحق في عائشة وتزكيتها في وقت تفور المدينة فيه بالقيل والقال، فرضوان الله على أمهات المؤمنين.

وقال عمّار بن ياسر- رضي الله عنهما-: «ثلاث من جَمَعَهنّ؛ فقد جَمَعَ الإيمان: الإنصافُ من نفسك، وبَذْلُ السّلام للعالمَ، والإنفاق من الإقتار».([295])

فالإنصاف عزيز، ومادته دين ثخين، وورع متين، وعلم واسع، وقلبٌ صافٍ؛ وإذا كان مالك بن أنس يقول – كما في «جامع بيان العلم وفضله»([296]) -: «ما في زماننا شيء أَقَلَّ من الإنصاف». اهـ.

فماذا نقول نحن في هذا الزمان، وإنَّا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!

وصدق ابن عبد البر حيث قال : «من بركة العلم: الإنصافُ فيه، ومن لم يُنْصِفْ، لم يَفْهَم، ولم يَتَفَهَّم». اهـ.([297])

وقال شيخ الإسلام ابن تيميــة كما في «مجموع الفتاوى([298])»: «فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع، ومن حَكَمَ بالعدل، فقد حكم بالشرع، ولكن كثيرًا من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع، وليس من الشرع، بل يقولون ذلك: إما جهلًا، وإما غلطًا، وإما عمدًا، أو افتراءً». اهـ

وقال أيضًا ([299]) عند قوله تعالى: [ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}، «وهذه الآية نزلتْ بسبب بُغْضِهم للكفار، وهو بُغضٌ مأمورٌ به، فإن كان البغض الذي أَمَرَ الله به، قد نُهِىَ صاحبُهُ أن يَظْلِمَ من أبغضه؛ فكيف في بُغْضِ مسلمٍ بتأويل، أو شبهة، أو بهوى نفس؟ فهو أحق أن لا يَظْلِمَ، بل يَعْدِلَ عليه».ا.هـ.

وقال الإمام ابن القيم -رحمة الله عليه-: «والله تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضل حِلْيَةٍ تَحَلَّى بها الرجل، خصوصًا من نصَّب نفسه حَكَمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال الله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: [ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ] {الشورى:15} فَوَرَثَةُ الرسول مَنْصِبُهم العَدْلُ بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه، وذوي مذهبه، وطائفته، ومتبوعه، بل يكون الحقُّ مطلوبَهُ، يسير بسَيْرِهِ، ويَنْـِزُل بنـزوله، ويدين بدين العدل والإنصاف…». اهـ.([300])

ثالثًا: الإنصاف وعدم الإجحاف والظلم حتى مع أهل البدع والكفار، فكيف بالمؤمنين وإن أخطأوا؟

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : «كلّ من كان مؤمنا بما جاء به محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- فهو خير من كلّ مَنْ كَفَرَ به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشّيعة والمرجئة والقدريّة أو غيرهم؛ فإنّ اليهود والنّصارى كفّار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يَحْسَبُ أنّه موافق لرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لا مخالفٌ له؛ لم يكن كافرا به، ولو قُدِّر أنّه يَكْفُر؛ فليس كُفْرُهُ مِثْلَ كُفْرِ من كذّب الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-». اهـ([301])

وقال أيضًا وهو يتحدّث عن الصّوفيّة، وما أحدثوه من السّماع والرّقص وتمزيق الثّياب: «والّذين شهدوا هذا اللّغو متأوّلين من أهل الصّدق والإخلاص، غَمَرَتْ حسناتُهم ما كان لهم من السّيّئات أو الخطأ في مواقع الاجتهاد، وهذا سبيل كلّ صالحي الأمّة في خطئهم وزلّاتهم».([302])اهـ

وقال أيضًا فيمن خالفوه وكفّروه من أهل البدع: «هذا، وأنا في سَعَة صَدْرٍ لمن يخالفني، فإنّه وإن تعدّى حدود الله فيّ بتكفير، أو تفسيق، أو افتراء، أو عصبيّة جاهليّة؛ فأنا لا أتعدّى حدود الله فيه، بل أَضْبط ما أقوله وأفعله وأَزِنُهُ بميزان العدل، وأجعله مؤتمّا بالكتاب الّذي أنزله الله، وجعله هدى للنّاس، حاكما فيما اختلفوا فيه». إلى أن قال: «وذلك أنّك ما جَزَيْتَ من عصى الله فيك؛ بمثل أن تُطِيع الله فيه». اهـ([303])

وأمّا الإمام ابن القيّم فحين تحدّث عن الصّوفيّة وشطحاتهم قال فيما قال: «… هذا ونحوه من الشّطحات الّتي تُرْجَى مغفرتُها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمالُ الصّدق، وصحّةُ المعاملة، وقوّةُ الإخلاص، وتجريدُ التّوحيد، ولم تُضْمَنْ العصمةُ لبَشَرٍ بعد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ولو كان كلّ من أخطأ أو غلط تُرِكَ جُمْلَةً، وأُهْدِرَتْ محاسِنُهُ؛ لفسدتْ العلوم والصّناعات، والحِكَمُ، وتعطّلت معالمها». اهـ([304])

وقال : «وإن كانت هذه الشّطحات قد أوجبتْ فتنة على طائفتين من النّاس: إحداهما حُجِبَتْ بها (أي بالشّطحات) عن محاسن هذه الطّائفة، والأخرى حُجِبَتْ بما رأوه من محاسن القوم عن رؤية عيوب شطحاتهم، وكلا هاتين الطّائفتين مُعْتَدٍ مُفَرِّطٌ.

أمّا أهل العدل والإنصاف: فهم هؤلاء الّذين أَعْطَوْا كلّ ذي حقّ حقّه، ولم يَحْكُموا للصّحيح بحكم السّقيم، ولا للسّقيم بحكم الصّحيح، ولكن قَبِلُوا ما يُقْبَلُ، وردّوا ما يُرَدّ». اهـ([305])

ومن صُور إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية : أنه لا يُبَرِّئ بعضَ أهل السنة من المحدثين وغيرهم من الوقوع في الغلط في باب الصفات
-وهذه مسائل عقدية- فيقول : «لكن يوجد في أهل الحديث مطلقا من الحنبلية وغيرهم من الغلط في الإثبات أكثر مما يوجد في أهل الكلام، ويوجد في أهل الكلام من الغلط في النفي أكثر مما يوجد في أهل الحديث….». اهـ([306])

وننتقل الآن إلى ذكر نماذج من إنصافه لخصومه، والفلاسفة هم أشد خصوم ابن تيمية ومع ذلك يقول فيهم:

– «نعم، لهم في «الطبيعيات» كلامٌ غالبه جيد، وهو كلام كثير واسع، ولهم عقولٌ عَرَفوا بها ذلك، وهم يقصُدون الحق، لا يظهر عليهم العناد، لكن جُهَّالٌ بالعلم الالهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ». اهـ([307])

«كما يذكر أنهم يتفاوتون في القرب والبعد عن الحق»([308]).

ويعترف بنحو ذلك للمعتزلة، ويميزهم عن غيرهم من أهل البدع، فيقول:

«ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة والخوارج؛ فإن المعتزلة تقر بخلافة الخلفاء الأربعة… ويعظِّمون الذنوب، فهم يَتَحَرَّوْنَ الصدق كالخوارج، لا يَخْتلقون الكذب كالرافضة، ولا يرون أيضًا اتخاذ دار الإسلام كالخوارج، ولهم كتب في تفسير القرآن ونصر الرسول، ولهم محاسن كثيرة يترجحون بها على الخوارج والروافض…».([309])

ويرى أنه لم يكن أصلُ دينهم تكذيبَ الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لكنهم احتجوا بحجج عقلية أَدَّتْ إلى هذا.([310])

وأما الشيعة: فيرى أنه «ليس كلُّ ما أنكره بعضُ الناس عليهم يكون باطلا، بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعض، والصواب مع من وافقهم، ولكن ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها».([311])

ولما ذَكَر تفضيل الخوارج والمعتزلة عليهم؛ ذَكَر «أن الزيدية من الشيعة خير منهم [أي من الرافضة]، وأَقْرَبُ إلى الصِّدْق والعَدْل والعلم».([312])

ثم قال : «ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم؛ فإن الظلم حرام مطلقا، بل وأهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به ويقولون: أنتم تُنصفوننا ما لا يُنْصِف بعضنا بعضًا». اهـ([313])

أما أهل الكلام فكثيرًا ما يُفَضِّلهم على الفلاسفة، ويرى أنهم أقل انحرافًا منهم.([314])

فإذا انتقلنا إلى إنصافه للأفراد، فابن سينا الذي رَدَّ عليه كثيرا، وذكر عبارات قاسية في الرد عليه يقول عنه: «إنه أفضل متأخري الفلاسفة».([315])

ولما نقل من كلامه في الإشارات والتنبيهات حول مقامات العارفين، ذكر أن فيه حقًّا وباطلًا، وأن ما فيه من حق يُقْبَلُ، ولما نقل كلامه قال: «إنه كلام صحيح».([316])

ولما خالف ابنُ سينا بقيةَ الفلاسفة في مسألة علم الله؛ مدحه شيخ الإسلام فقال:

«وكون ابن سينا خالفهم في هذا هو من محاسنه وفضائله، التي عَمِلَ فيها ببعض الحق، والحجة معه عليهم، كما أن أبا البركات كان أكثر إحسانا منه في هذا الباب، فكل من أَعْطَى الأدلة حقها، وعَرَفَ من الحق ما لم يعرفه غيره؛ كان ذلك مما يُفَضَّلُ ويُمْدَحُ».([317])

ويذكر أن «الصواب في هذا الباب أن يقرر ما ذكره ابن سينا من الطريق الدال على كونه عالما بالمخلوقات؛ فإنها طريق صحيحة…».([318])

ويمدح أبا البركات البغدادي صاحبَ «المعتبر» ونحوه، ويرى أنهم «كانوا بسبب عدم تقليدهم لأولئك -أي الفلاسفة-، وسلوكهم طريقةَ النظر العقلي بلا تقليد، واستنارتِهِم بأنوار النبوات أَصْلَحَ قولا في هذا الباب من هؤلاء وهؤلاء، فأثبت عِلْمَ الرب بالجزئيات، ورد على سَلَفِهِ رَدًّا جيدا، وكذلك أثبت صفاتِ الرب وأفعالَهُ، وبَيَّنَ ما بَيَّنَهُ من خطأ سَلَفِهِ، ورأى فساد قولهم في أسباب الحوادث؛ فَعَدَلَ عن ذلك، إلى أن أثبت للرب تعالى ما يقوم به من الإرادات الموجبة للحوادث».([319])

وهذا ابن عربي- الصوفي الاتحادي المتهم عند كثير بالزندقة- يرى شيخُ الإسلام أنه أقرب الاتحادية إلى الاسلام «لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد كثيرا؛ ولأنه لا يَثْبُتُ على الاتحاد ثباتَ غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع، الذى يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى، والله أعلم بما مات عليه».([320])

ويرى أنه أقرب إلى الإسلام؛ لأنه «يُفَرِّقُ بين الظاهر والمظاهر، فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه».([321])

ومع ذلك فقد رد عليه وبَيَّن ما في كلامه وأقواله من الكفر.

والطوسي على ما كاد به للمسلمين والخلافة زمن التتار، لَمَّا بين مخازِيَهُ وتآمرَه مع هولاكو ضد أهل الإسلام؛ قال: «ومع هذا فقد قيل: إنه كان آخر عمره يحافظ على الصلوات، ويشتغل بتفسير البغوي والفقه، ونحو ذلك، فإن كان قد تاب من الإلحاد؛ فالله يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، والله تعالى يقول: [ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ] {الزمر:53}.([322])

فهذه نماذج لمواقفه من خصومه وإنصافه لهم.([323])

رابعًا: آداب وصفات أهل الإنصاف:

التّحلّي بصفة الإنصاف، وسلوك درب المنصفين لا يكون ذلك إلا بلزوم آداب يَلْزَم التأدُّب بها، وقد التزم بها أهلُ السّنّة والجماعة، وعلى من يسير على منهجهم أن يتأدّب بتلك الآداب، وأهمّها:

1- التّجرّد من الهوى، وتحرّي القَصْد الصحيح عند الكلام على المخالفين:

وذلك أنّه قد تلتبس المقاصد عند الكلام عن المخالفين، فهناك قَصْدُ حبّ الظّهور، وقَصْدُ التّشفّي والانتقام، وقَصْدُ الانتصار للنّفس أو للطّائفة الّتي ينتمي إليها النّاقد.. وقد حذّر شيخ الإسلام ابن تيمية مَنْ يردّ على أهل البدع من التباس المقاصد عليه، فقال في «منهاج السنة النبوية»([324]): «وَهَكَذَا الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ: إِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ بَيَانَ الْحَقِّ وَهُدَى الْخَلْقِ وَرَحْمَتَهُمْ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ؛ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ صَالِحًا، وَإِذَا غَلَّظَ فِي ذَمِّ بِدْعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ؛ كَانَ قَصْدُهُ بَيَانَ مَا فِيهَا مِنَ الْفَسَادِ لِيَحْذَرَهَا الْعِبَادُ، كَمَا فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُهْجَرُ الرَّجُلُ عُقُوبَةً وَتَعْزِيرًا، وَالْمَقْصُودُ بِذَلِكَ رَدَعُهُ وَرَدَعُ أَمْثَالِهِ، لِلرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، لَا لِلتَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ.». اهـ

وقد تَنَبَّه الإمام ابن القيّم إلى هذا الأمر، فوضع قاعدة لمن يريد أن يتجرّد من الهوى، فقال:

«وكلُّ أهل نِحْلَةٍ ومقالةِ يَكْسُونَ نِحْلَتهم ومقالتهم أحسنَ ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومقالةَ مخالفيهم أقبحَ ما يقدرون عليه من الألفاظ، ومن رزقه اللهُ بصيرةً؛ فهو يكشفُ بها حقيقةَ ما تحت تلك الألفاظ من الحقِّ والباطل، ولا يغترُّ باللفظ، كما قيل في هذا المعنى:

تقولُ هذا جَنى النَّحْلِ تمدحُه
وإن تَشَأْ قلتَ ذا قَيْءُ الزَّنابيرِ
مدحًا وذمًّا وما جَاوزتَ وَصْفَهما
والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبيرِ([325])». اهـ([326])

2- أهمية التَّبَيُّنِ والتَّثَبُّتِ قبل إصدار الأحكام:

وذلك امتثالًا لقول الله تعالى: [ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ] {الحجرات:6}، وقوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ] {النساء:94}.

والتّبيّن والتّثبّت من خصائص أهل الإيمان، قال الحسن البصريّ- : «المؤمن وقّاف حتّى يتبيّن».([327])

والصحيح: أن تسمع من الرجل أو تقرأ له -إن أمكنك- لا أن تسمع عنه؛ فإن من يخبرك عنه دون أن تقف على كلامه بنفسك؛ فإنه ينقل لك ما فهمه هو من كلام ذاك المنقول عنه، وقد يُخطئ في الفهم وإن حَسُن قصده، فكيف إذا جمع بين سوء الفهم وسوء القصد؟! لاسيما في زمن انتشار الخلاف والشقاق والمهاترات!! أما إذا نقل عالم بصير متجرد من الهوى عن شخص آخر؛ فالأصل قبول قوله والعمل به حتى يظهر خلافه.

3- حمل الكلام على أَحْسَن الوجوه -إن أمكن- وإحسان الظن بالمسلمين:

فالواجب على المسلم أن يحسن الظّنّ بكلام أخيه المسلم، وأن يحمل العبارة المحتملة منه محملًا حسنًا.

فالكلام مِلْكٌ لصاحبه المخالف له، وهو أَوْلَى الناس بتفسيره، وما دام أنه حمَّالُ أَوْجُهٍ؛ لم يَجُزْ أن يحمله على الوجه السيئ، ويرمي مخالفه بعقائد فاسدة، لم تَدُر بِخَلَدِهِ، لاسيما إذا كان حاله ومقاله بخلاف ما يدل عليه هذا الوجه السيئ.

وهذا من حق المسلم على المسلم: أن يُحْسن الظن به، ولا يتهمه بمجرد الإشاعات أو أقوال لا سند لها، بل الواجب أن نحسن الظن بكلامه، وأن نحمل عبارته محملًا حسنًا، وعلى المعنى الأقرب إلى المعنى الطيب، لاسيما إن كان حاله وواقعه يدل على الانتصار للسنة وأهلها وطريقتهم، أما أهل البدع الكبرى فيُحمل كلامهم المحتمل لبدعتهم وغيرها على بدعتهم وطريقتهم التي ينتصرون لها، كما وضَّحْتُ ذلك في موضعه.

* قال تعالى: [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ] {النور:12}.

* وعن كعب بن مالك- رضي الله عنه- قال: لم أتخلّف عن رسول الله
-صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم- في غزوة غزاها قطّ… الحديث وفيه: «ما فعل كعب بن مالك؟» قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ والنّظرُ في عِطْفَيْه، فقال له معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله، ما عَلِمْنا عليه إلّا خيرا».([328])

فدافع معاذ بن جبل عن كعب -رضي الله عنهما- مع أنه تخلَّف عن غزوة مع رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ودفع معاذٌ دعوى من غمز كعب بالنفاق أو التشبه بالمنافقين، واستدل بأنه لا يعلم عنه إلا خيرا، وأنه ليس من المنافقين، مع أن المنافقين هم أكثر من تخلف عن هذه الغزوة، التي دعا إليها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وحثَّ الناس على ذلك.

وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ «فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ العِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ»، قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ.([329]) فلم يلتفت عمر إلى طعن أهل الكوفة في سعد، وأحسن الظن به.

وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَبْدُوَ لَكَ مِنْهُ مَا يَغْلِبُ.([330])

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ بَعْضُ إِخْوَانِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «أَنْ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ مَا لَمْ يَأْتِكِ مَا يَغْلِبُكَ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهُ فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا، وَمَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمِ؛ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَمَنْ كَتَمَ سِرَّهُ؛ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يَدَيْهِ، وَمَا كَافَأْتَ مَنْ عَصَى اللهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللهَ فِيهِ، وَعَلَيْكَ بِإِخْوَانِ الصِّدْقِ، فَكَثِّرْ فِي اكْتِسَابِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ زِينَةٌ فِي الرَّخَاءِ، وَعُدَّةٌ عِنْدَ عَظِيمِ الْبَلَاءِ، وَلَا تَهَاوَنْ بِالْحَلِفِ؛ فَيُهِينَكَ اللهُ، وَلَا تَسْأَلَنَّ عَمَّا لَمْ يَكُنْ حَتَّى يَكُونَ، وَلَا تَضَعْ حَدِيثَكَ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَشْتَهِيهِ، وَعَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وَإِنْ قَتَلَكَ الصِّدْقُ، وَاعْتَزِلْ عَدُوَّكَ، وَاحْذَرْ صَدِيقَكَ إِلَّا الْأَمِينَ، وَلَا أَمِينَ إِلَّا مَنْ خَشِيَ اللهَ وَشَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ».

قال البيهقي : وَقَدْ رُوِّينَا بَعْضَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.([331])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : «ومن أعظم التقصير: نسبةُ الغلط إلى مُتَكَلِّم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس، ثم يُعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر…». اهـ([332])

وقد طَبَّقَ شيخُ الإسلام ابن تيمية هذا الضابطَ لما تناول قول الجُنَيْد : (التوحيد إفراد القدم من الحديث…) فقال: «.. هذا الكلام فيه إجمال، والمُحِقُّ يَحْمِلُه محملًا حسنًا، وغير المُحِقِّ يُدْخِل فيه أشياء.. وأما الجُنَيْد فمقصوده: التوحيد الذي يشير إليه المشايخ، وهو التوحيد في القصد والإرادة، وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة،.. وهذا حق صحيح، وهو داخل في التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه». اهـ([333])

ومنه أيضًا حَمْلُه قول بعض الصوفية: (ما عَبَدْتُك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، ولكن لأنظر إليك إجلالًا لك) فقال: «.. وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين، وأرباب الأحوال والمقامات، يكون لأحدهم وَجْدٌ صحيحٌ، وذَوْقٌ سليمٌ، لكن ليس له عبارةٌ تُبَيِّن مراده؛ فيقع في كلامه غَلَطٌ وسُوءُ أَدَبٍ، مع صحة مقصوده». اهـ([334])

فقد يخطئ الرجل ويستعمل كلمة محتملة، أو في غَيْر مَحَلِّها، ولكنه لا يقصد منها المعنى الخبيث، ولابد من النظر إلى مَقْصَد الرجل وأحواله، وإلى منهجه الذي عُرِف به، أو إلى بقية كلامه في مواضع أخرى، أو النظر إلى سياق الكلام وسِبَاقه ولِحَاقه دون بَتْرٍ أو إدخالٍ أو إقحام… إلخ، كما قاله غير واحدٍ من أهل العلم، لكن إذا نظرت -ويا أسفاه- إلى أحوال بعض الناس وجدتهم يقلبون هذا الأصل، ويجعلون إساءة الظن بالناس أو بمن خالفهم فيما هم عليه من الغلو والانحراف، وإن كان مخالفهم أهدى منهم سبيلا، فقد جعلوا أسوأ الظن به هو الأصل، وهذا مخالف للأدلة، فلا تراهم يسمعون كلمة تحتمل أكثر من احتمال من الصواب واحتمالًا واحدًا من الخطأ إلا ويحملونها على هذا الاحتمال الواحد السيء، وهذا فيه من سوء النية وفساد الطوية والانحراف عن السوية الشيءُ الكثير.

فالواجب هو إحسان الظن بالمسلم -لاسيما أهل العلم والصلاح والسنة- إلا إذا ظهر خلاف ذلك، فمن أظهر لنا سوء النية والطريقة؛ فمن السذاجة أن نحسن الظن به، بل يجب أن نأخذ حذرنا منه، لكن من لم يُعْرَفْ عنه إلا الخير والصلاحُ وخدمةُ العلم والدين؛ فالواجب في التعامل مع كلامه هو إحسان الظن به، والله أعلم.

4- ألّا يَنْشُر المتكلِّم سيّئات المخالف له، ويَدْفِنَ حسناته:

فقد ذَكَّر الرّسولُ -صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم- عُمَرَ بحسنات حاطب -رضي الله عنهما-، فقال: «وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غَفَرْتُ لكم».([335])

فكون حاطب من أهل بدر كان ذلك من حسناته التي غَمَرَتْ خطأه الفاحش، ولذا غُفِر له خطؤه.

أما من ينشر سيئات المخالف في نظره -وإن لم تكن في الحقيقة سيئات- ويكتم الحسنات، أو يشوِّهُها، ويهوِّن من شأنها وأثرها، وفي المقابل يبالغ في مدح موافقه بما لا يستحقه من عبارات المدح، ويبالغ في الدفاع عن باطله الصريح أو الظاهر، فإن عجز عن الدفاع عنه؛ قال: لكن حسناته كثيرة تزيد على هذه الزلات أو الهفوات -فيحقِّر من شأن بواطيل شيوخه وأصحابه وأتباعه ومن وافقه، ويعدُّها مجرد هفوات وزلات، مع أنه لم يعمل عُشْر مِعْشار ذلك مع مخالفه، فصاحب هذا الحال من أهل الأهواء والتعصُّب الجاهلي والمقاصد السيئة، وهو محروم من التوفيق والسداد، فاحذر منه؛ فإنه باب فتنة، وحسْبنا الله ونعم الوكيل.

5- حَمْلُ كلام المخالف على ظاهره، وعدم التعرض للنوايا والبواطن:

* وقد علّمنا ذلك رسولنا الكريم -صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم- فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؛ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» قال أسامة -رضي الله عنه-: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ.([336])

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه/

أبو الحسن السليماني

A

A

[27]

أسباب غُلُوِّ الغلاة في التبديع والتجريح هذه الأيام