كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(الدفاع عن الحق دون خشية أحد مهما علا قَدْرُهُ)

  • السؤال الخامس والعشرون: أحيانًا نجد بعض طلاب العلم لا يرتضون منهج الغلاة في التبديع والتكفير، أو لا يرتضون منهج المتحمسين الخارجين على الحكام المسلمين، لكنه لا يوضِّح ذلك ولا يُبَيِّنه، وإنما يكتمه في نفسه، أو لا يُخبر أحدا بِبُعده عن الغلو ومنهجه وأهله إلا لمن يثق به، وفي الظاهر يعلن أنه مع المشايخ الغلاة، كل ذلك مخافة التشنيع عليه، أو تبديعه وتضليله من الغلاة، فما حكم ذلك؟

الجواب:

أولًا: الأصل أن الله -جل جلاله- قد أخذ الميثاق على أهل العلم أن يقولوا كلمة الحق، ولا يَخْشَوْا في الله لومة لائم، وأن يَثْبُتوا على لزوم الحق، وإن خَذَلَهُم الناس، فالابتلاء مدته يسيرة [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ] {البقرة:214}، قال تعالى: [ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ] {الأحزاب:39}.

قال شيخ المفسِّرين أبو جعفر ابن جرير الطبري : «يقول -تعالى ذِكْرُهُ-: سُنَّةُ الله في الذين خَلَوْا من قبل محمد من الرسل، الذي يبلغون رسالات الله إلى من أُرْسِلُوا إليه، ويخافون الله في تركهم تبليغَ ذلك إياهم، ولا يخافون أحدا إلا الله؛ فإنهم إياه يرهبون إنْ هم قَصَّروا عن تبليغهم رسالةَ الله إلى من أُرْسِلُوا إليه، يقول لنبيه محمد: فمِنْ أولئك الرسل الذين هذه صفتهم فَكُنْ، ولا تَخْشَ أحدا إلا الله؛ فإن الله يمنعك من جميع خَلْقِهِ، ولا يمنعك أحد من خَلْقِهِ منه، إن أراد بك سوءا،… وقوله: [ﯣ ﯤ ﯥ] يقول تعالى ذكره: وكفاك يا محمد بالله حافظا لأعمال خلقه، ومحاسبا لهم عليها». اهـ([273])

وقال الحافظ ابن كثير : «[ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ] أَيْ: إِلَى خَلْقِهِ، وَيُؤَدُّونَهَا بِأَمَانَتِهَا [ﯜ ] أَيْ: يَخَافُونَهُ، وَلَا يَخَافُونَ أَحَدًا سِوَاهُ، فَلَا تَمْنَعُهُمْ سَطْوَةُ أَحَدٍ عَنْ إِبْلَاغِ رِسَالَاتِ اللَّهِ، [ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ] {الأحزاب:39} أَيْ: وَكَفَى بِاللَّهِ نَاصِرًا وَمُعِينًا.

وَسَيِّدُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَقَامِ -بَلْ وَفِي كُلِّ مَقَامٍ -مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ فَإِنَّهُ قَامَ بِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَإِبْلَاغِهَا إِلَى أَهْلِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، إِلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ بَنِي آدَمَ، وَأَظْهَرَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ وَدِينَهُ وَشَرْعَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَأَمَّا هُوَ
-صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- فَإِنَّهُ بُعث إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ: عَرَبِهم وَعَجَمِهِمْ، [ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ] {الأعراف:158}، ثُمَّ وَرِثَ مَقَامَ الْبَلَاغِ عَنْهُ أُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَكَانَ أَعْلَى مَنْ قَامَ بِهَا بَعْدَهُ أَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- بَلَّغُوا عَنْهُ كَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وحَضَره وَسَفَرِهِ، وَسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ -فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ- ثُمَّ وَرِثَهُ كُلُّ خَلَفٍ عَنْ سَلَفِهِمْ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، فَبِنُورِهِمْ يَقْتَدِي الْمُهْتَدُونَ، وَعَلَى مَنْهَجِهِمْ يَسْلُكُ الْمُوَفَّقُونَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الْمَنَّانَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ خَلَفِهِمْ.». اهـ([274])

* وفي حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «من رأى منكم منكرًا؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».([275])

قال النووي في «شرحه على مسلم»: «قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَلْيُغَيِّرْهُ) فَهُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَهُوَ أيضًا مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ الرَّافِضَةِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يُكْتَرَثُ بِخِلَافِهِمْ فِي هَذَا؛ فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْبُغَ هَؤُلَاءِ، وَوُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ؛ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ : [ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ] {المائدة:105} فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ؛ فَلَا يَضُرُّكُمْ تَقْصِيرُ غَيْرِكُمْ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: [ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ] {الأنعام:164} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَمِمَّا كُلِّفَ بِهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذَا فَعَلَهُ، وَلَمْ يَمْتَثِلِ الْمُخَاطَبُ؛ فَلَا عَتْبَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِكَوْنِهِ أَدَّى مَا عَلَيْهِ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا الْقَبُولُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ؛ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ؛ أَثِمَ كُلُّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ وَلَا خَوْفٍ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إلا هو، أولا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، وَكَمَنْ يَرَى زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ غُلَامَهُ عَلَى مُنْكَرٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي الْمَعْرُوفِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-: وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِكَوْنِهِ لَا يُفِيدُ فِي ظَنِّهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ؛ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا الْقَبُولُ، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ : [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ] {المائدة:99}، وَمَثَّلَ الْعُلَمَاءُ هَذَا بِمَنْ يَرَى إِنْسَانًا فِي الْحَمَّامِ أَوْ غَيْرِهِ مَكْشُوفَ بَعْضِ الْعَوْرَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ([276])

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه – عندما سمع رجلًا يقول: هلك من لم يَأْمُر بالمعروف، ولم يَنْهَ عن المنكر -، قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: «هلك من لم يَعْرِفْ بقلبه المعروفَ والمنكَرَ».([277])

قال العلامة ابن رجب شارحًا هذا الأثر: «يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فَرْضٌ لا يَسْقُطُ عن أحد؛ فمن لم يَعْرِفُهُ هَلَكَ». ا هـ([278])

وقال النووي في «شرحه على مسلم»: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ، أَعْنِي بَابَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ قَدْ ضُيِّعَ أَكْثَرُهُ مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ إِلَّا رُسُومٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ بِهِ قِوَامُ الأمر وملاكُهُ، واذا كَثُرَ الخَبَثُ؛ عَمَّ الْعِقَابُ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ، وَإِذَا لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِقَابِهِ [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ] {النور:63} فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْآخِرَةِ، وَالسَّاعِي فِي تَحْصِيلِ رِضَا اللَّهِ ؛ أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ نَفْعَهُ عَظِيمٌ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ مُعْظَمُهُ، ويُخْلِص نيته، ولا يَهَابَنَّ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ مَرْتَبَتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تعالى قال: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ] {الحج:40} وَقَالَ تَعَالَى: [ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ] {آل عمران:101}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ] {العنكبوت:69}، وَقَالَ تَعَالَى: [ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ] {العنكبوت:2، 3} وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ، وَلَا يُتَارِكُهُ أيضًا لِصَدَاقَتِهِ وَمَوَدَّتِهِ وَمُدَاهَنَتِهِ، وَطَلَبِ الْوَجَاهَةِ عِنْدَهُ، وَدَوَامِ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْهِ؛ فَإِنَّ صَدَاقَتَهُ وَمَوَدَّتَهُ تُوجِبُ لَهُ حُرْمَةً وَحَقًّا، وَمَنْ حَقِّهِ أَنْ يَنْصَحَهُ، وَيَهْدِيَهُ إِلَى مَصَالِحِ آخِرَتِهِ، وَيُنْقِذهُ مِنْ مَضَارِّهَا، وَصَدِيقُ الْإِنْسَانِ وَمُحِبُّهُ هُوَ مَنْ سَعَى فِي عِمَارَةِ آخِرَتِهِ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَقْصٍ فِي دُنْيَاهُ، وَعَدُوُّهُ مَنْ يَسْعَى فِي ذَهَابِ أَوْ نَقْصِ آخِرَتِهِ، وَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ صُورَةُ نَفْعٍ فِي دُنْيَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ إِبْلِيسُ عَدُوًّا لَنَا لِهَذَا، وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- أَوْلِيَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِسَعْيِهِمْ فِي مَصَالِحِ آخِرَتِهِمْ، وَهِدَايَتِهِمْ إِلَيْهَا، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ تَوْفِيقَنَا وَأَحْبَابَنَا وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ لِمَرْضَاتِهِ، وَأَنْ يَعُمَّنَا بِجُودِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ([279])

ثانيًا: أُحِبُّ أن أَنْقُلَ في هذا الموضع -وأنا بصدد الرد على الغلاة المسرفين في تجريح كثير من طلاب العلم، بل والعلماء العاملين – كلامَ ابنِ الوزير وقد عزم على الرد على بعض الرسائل من المخالفين؛ فإن فيه اعتذارًا لي في رَدِّي على هذه الفرقة الظالمة عما يقع في كلامي من الخطأ:

فقد قال : «وقد قَصَدْتُ وَجْهَ الله تعالى في الذب عن السنة النبوية، والقواعد الدينية، وليس يَضُرُّني وقوفُ أهل المعرفة على ما لي من التقصير، ومعرفَتُهُم أن باعي في هذا الميدان قصير؛ لاعترافي أني لَسْتُ من نقاد هذا الشأن، وإقراري أني لَسْتُ من فرسان هذا الميدان، لكني لم أجد من الأصحاب من يتصدى لجواب هذه الرسالة، لما يجرّ إليه ذلك من القالة، فتصديْتُ لذلك من غير إحسان ولا إعجاب، ومن عُدِم الماء تيمم التراب، عالمًا بأني لو كنتُ باريَ قوسِهَا ونبالِهَا، وعنترةَ فوارسِهَا ونِزَالِهَا؛ فلا يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد، ولا يَصْفُو جوابي من الغلط عند النقاد، والكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: هو كلام الله في كتابه العزيز الكريم، وكلام من شهد بعصمته الذِّكْرُ الحكيمُ، وكل كلام بعد ذلك فله خطأ وصوابٌ، وقِشْرٌ ولبابٌ، ولو أن العلماء -رضي الله عنهم- تركوا الذبَّ عن الحق، خوفًا من كلام الخلق؛ لكانوا قد أضاعوا كثيرًا، وخافوا حقيرًا، ومن قَصَدَ وجه الله تعالى في عمل من أعمال البر والتقى؛ لم يحْسُن منه أن يتركه لما يجوز عليه في ذلك من الْخَطَأ، وأقصى ما يُخاف أن يكِلَّ حُسَامُهُ في معترك المناظرة ويَنْبُو، ويَعْثُر جوادُهُ في مجال المجادلة ويَكْبُو؛ فالأمر في ذلك قريب: إنْ أَخْطَأَ؛ فمن ذا الذي عُصِم؟! وإن خُطِّئَ؛ فمن الذي ما وُصِم؟! والقاصد لوجه الله لا يخاف أن يُنتقد عليه خَلَلٌ في كلامه، ولا يهاب أن يُدَلَّ على بطلان قوله، بل يحب الحق من حيث أتاه، ويقبل الهدى ممن أهداه، بل المخاشنة بالحق والنصيحة، أحب إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة، وصديقُكَ من أصْدَقَكَ، لا من صَدّقَكَ، وفي نوابغ الكلم، وبدائع الحكم: عليك بمن يُنْذِرُ الإبْسَال والإبْلاس، وإياك بمن يقول: لا باس، ولا تاس، فإن وقف على كلامي ذَكِيٌّ لا يَسْتَقْوِيه، أو جافٍ يسخر منه ويَسْتَزْرِيه؛ فالأولى بالذكي أن يَخْفِضَ لي جناح الذُّلِّ من الرحمة، ويَشْكُرَ اللهَ على أن فَضَّلَه عليّ بالحكمة، وأما الآخر الزاري، وزَنْدُ الجهالة الواري؛ فإن العلاج لترقيق طبعه الجامد؛ هو الضرب في الحديد البارد، ولذلك أمر الله بالإعراض عن الجاهلين، ومَدَحَ به عباده الصالحين». اهـ([280])

فإذا كان هذا كلام ابن الوزير، وهو الفارس المغوار، وحامي الذِّمار؛ فما ظنك بمثلي، الذي بضاعته في العلوم مزجاة، وقد ضَعُفَتْ عن حَمْلِ الحق والاستئناس به قُواه؟!!

وإن من المناسب هنا أن أذكر ما ذكره الشيخ محمد المختار بن أحمد الجكني الشنقيطي ـ تعالى وأصلح ذريته ـ في مقدمة كتابه: «شرح سنن النسائي» -وهو ممن تجاوزت الحدَّ فيه ألسنة الغلاة وكبيرهم، بما فيه تجاوُزُ الحَدِّ-، فقد قال ـ تعالى ـ: «لكن الثقة بعون الله تعالى إذا حَسُنَتْ النية؛ حملتني على الاقتحام، وجَرَّأَتْني على رفض التواني والإحجام، فَشَمَّرْتُ عن ساق الجِدِّ، واسْتَعَنْتُ بالله، فإنه خيرُ مُعِينٍ ومُمِدٍّ.

وَقَلَّ مَنْ جَدَّ في أَمْرٍ يحاولُهُفاسْتَعْمَلَ الصبرَ إلا فاز بالظَّفَرِ

وإن لم أكن أرى نفسي أهلًا لما هنالك، ولا من فرسان ميادين تلك المسالك؛ فلا يمنعني ذلك من أن أجود بِقِلِّي وموجودي، وبعد ذلك لا أُلام؛ فإن خير الصدقة جَهْدُ المُقِلِّ، كما قال -عليه الصلاة والسلام- ورحم الله القائل:

أسير وراء الركب ذا عَـرَجٍمُؤمِّلًا جَبْـرَ ما لا قَيْتُ من عـَرَجِ
فإنْ لَحِقْتُ بهم من بعد ما سَبَقَوافكَمْ لِرَبِّ الوَرَى في الناس من فَرَجِ
وإن ضَلَلْتُ بقَفْرِ الأرضِ مُنْقَطِعًافما على أعرجٍ في ذاك مِنْ حَـرَجِ

وأعوذ بالله من طعن الحاسدين، وأهل الأهواء المغرضين، الذين استمرؤوا الوقيعةَ في أعراض المسلمين، وخاصة أهل العلم والدين، وكأنهم لمحاسن أهل الفضل أعداءُ، وعنها من المتصاممين، ولم يسمعوا ما قال بعض من عُني بنصيحتهم ونصيحة أمثالهم ممن هم للعورات مُتَتَبِّعُون:

فالناسُ لم يُصَنِّفوا في العلملِكَيْ يصيروا هَدَفًا للذَّمِّ
ما صَنَّفُوا إلا رجاء الأجروالدعواتِ وجميلِ الذِّكْرِ

فهذا زمانٌ غَلَبَ فيه الجهلُ وعَمَّ، وطغى على أهله بَحْرُ الفتن والفساد وطَمَّ، وكَثُر فيه النكير على أهل الخير ممن تورط في ظلمات الزيغ وارتطم، فالفضيلةُ بين أهله مغموطة مستورة، والعثرةُ ـ ولو بسوء الظن ـ علانيةٌ مشهورة، وقد سبق فيهم قولُ القائل:

إن يَعْلَمُوا الخير أَخْفَوْه وإن عَلِمُواشرًّا أذاعُوا وإن لم يَعْلَمُوا كَذَبُوا

وقولُ الآخر:

إن يسمعوا سُبَّةً طاروا بها فَرَحًاعَنِّي وما سمعوا من صالحٍ دَفَنُوا
صُمٌّ إذا سَمِعُوا خيرًا ذُكِرْتُ بـهوإن ذُكِرْتُ بسوء عندهم أَذِنُوا

ومع هذا؛ فالدعاوي الباطلة فيهم فاشية، وأقوال أهل الحق والمعرفة عندهم لاغية، فلذلك تقدمَتْ فيهم الأنذالُ، وتأخر أهلُ الفضل والكمال، فهم كما قال من يصف مثل ما نحن فيه في الحال:

أرى زمنًا نوكاه أَسْعَدُ أَهْلِـهِولكنما يَشْقَى به كُلُّ عاقـل
مَشَى فوقه رجلاه والرأسُ تحتهفكَبَّ الأعالي بارتفاع الأسافل

وقد اتضح فيه مصداق قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «شُحًّا مُطَاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودنيا مُؤْثَرَةٌ، وإعجابَ كُلِّ ذي رَأْيٍ برأيه».

ومع ذلك؛ فأهل الحق لا تؤثِّرُ عليهم عوارِضُ الأحوال، ولا يَصُدُّهم عن اتباعه كَثْرَةُ الزعازع والأهوال، وواجِبُ النصح عليهم فرضٌ باقٍ لا يَزَال، والنَّشْءُ يحتاجون إلى الخير على أيدي الكبار، وإلا فمن أين يَعْرِفُون السبيلَ المستقيمَ، والطريقَ القويمَ، ولقد أَحْسَن القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي إذ يقول:

متى تَصِلُ العِطَاشُ إلى ارْتواءٍإذا اسْتَقَتِ البحارُ من الرَّكَايا
ومن يُثْنِي الأصاغِرَ عن مُرَادٍإذا جَلَسَ الأكابرُ في الزوايـا
وإنَّ تَرَفُّعَ الوُضَــعَاءِ يومًاعلى الرفعاء مِنْ إِحْدى الرزايا
إذا اسْتَوَتِ الأسافلُ والأعاليفقد طابَتْ منادمـةُ المنــايا

والتوجع من هذه الأحوال في الناس قديم، والأمر فيه على مر الأيام مستديم…» ا. هـ كلامه ([281])

(تنبيه): بعض الناس يعجز عن إظهار الحق أمام هؤلاء الغلاة، بل يعجز عن إظهار أنه ليس معهم على باطلهم -وإن كان في البداية يدين بخلاف ما هم عليه- خشية حدوث مفسدة لا يحتملها؛ فهذا معذور إذا كان تقديره لذلك صحيحًا، إلا أنه يلزمه إن لم ينصر الحق؛ فلا ينصر الباطل، وإلا كان آثمًا بنصرته الباطل وهو يعلم؛ لأنه يريد أن يدرأ الشرَّ عن نفسه، ويدفع ظُلْم الغلاة له، وتبديعهم إياه، فلا يجوز له أن يدفع ذلك عن نفسه بظلمه من يظلمونه، وتبديعه من يبدِّعونه -وهو يعلم أنه ليس كذلك- كما يذكر العلماء أنه ليس لرجل هدَّدَه آخر أن يقتل فلانًا وإلا قتله، وذكروا أنه يكون ضامنًا إذا قتله؛ لأنه لا يجوز له أن يدفع الظلم عن نفسه بظلم غيره، ولكن يصبر على قضاء الله وقدره عليه، وإلا كان ضامنًا.([282])

لكن بعض الناس -وللأسف- يزيّن له الشيطان سوءَ عمله، فيرى نفسه في منطقة يكون أكثرُ من حوله من هؤلاء الغلاة، أو في مسجد يصلي فيه كثير من هؤلاء البغاة، فيلزمونه بتبديع من لا يراه مبتدعًا، وإلا هجروه وحذَّروا منه، واستبدلوا بغيره إمامًا في المسجد؛ فيزين له الشيطان في بداية الأمر: أن المصلحة في متابعتهم، ودرء شرِّهم عنه، وشيئًا فشيئًا تراه يُقْنِع نفسه أن فلانًا ذاك الأول حقًّا مبتدع، ويتمحَّل لنفسه في التماس أي كلمة أو موقف لفلان هذا؛ حتى يقول بتبديعه بنفس طيبة مطمئنة بينه وبين نفسه، ونَسِي المسكين أو تناسى أنه قد يكون لاتباعه هواه، وحرصه على التماس ما يُسَوِّغ له هذا الباطل، أنه بذلك يكون ممن اعتقد ثم استدل، وأنه وافقهم على ما كان باطلا عنده في وقت ليس له دليل على ذلك، ولكنه تمحّل والتمس بشغف دليلا ليهون على نفسه فقط، [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {البقرة:9}.

وفي النهاية يُخْشَى عليه أن يكون ممن طَبَعَ الله على قلبه!!

ثم إذا كان هذا المسكين عجز عن الثبات على الحق أمام هؤلاء الغلاة، وهم ليسوا قادرين على ضربه، أو قطع رزقه، أو قتله؛ فقط سيتكلمون فيه، ويحذِّرون من دروسه ومجالسته، فإذا كان يعجز أمام هذا التهديد؛ فماذا سيفعل أمام من هم أقوى منهم؟! وبهذا يموت الحق، ومع ذلك يزين الشيطان له أنه بما هو عليه مُتَّبع للأدلة والقواعد، فأَهْمِسُ في أُذن هذا الصنف، فأقول له: احذر -يا أخي- اليوم الذي قال الله تعالى فيه: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {الطارق:9، 10}، وقوله تعالى: [ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ] {البقرة:9}، وتذكَّر الحديث القدسي عند مسلم: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا».

A

A

[26]

الإنصاف مع الخَصْم مهما كان بَغْيُهُ وظُلْمُهُ؛ فلا تعامله بالباطل رَدًّا على باطله