(ذَمُّ تقديس الأشخاص، وتَرْكُ العمل والتعصُّب لهم،
إذا خالفوا الأدلة النقلية والعقلية)
- السؤال الرابع والعشرون: أحيانًا إذا طالَبْنَا بعضَ الناس على أدلتهم على تبديع شخص أو تضليله، يكون جوابُهم: أن هذا كلام العالم الفلاني، ونحن نقلده ونثق في علمه ودينه، وهو متخَصِّص في الجرح والتعديل، وحامل لواء الجرح والتعديل في هذا العصر، أو خبير بالمسائل المنهجية والخلافات بين الجماعات والأحزاب، وإن لم نقف على الدليل الذي استند عليه، فنحن واثقون من موقفه، فما جوابُكم على هذا؟
الجواب:
أولًا: اعلم أن تقليد الرجال والتعصب لهم – ولاسيما في المواضع التي كَثُرَ فيها الأخذ والردّ – من علامة الخذلان، ولا يُوفَّق صاحبه للبحث عن الحق بدليله، والاستئناس بالحجج والبراهين، بل من كان ابتداء علمه الولوجَ في الخلافات، ومدحَ فلان وذمَّ فلان، والاشتغالَ بجمع خطأ فلان ونشرَهُ، والمطالبةُ للناس بتحديد الموقف منه… إلخ ما هو معروف عن حال هذه الفرقة الغاوية الباغية؛ فمن كان كذلك؛ فإنه لا يفقه موارد الاتفاق والاختلاف، ولا يهتدي إلى سبيل الاجتماع، بخلاف من كان من أهل النفوس الزكية، والهمم العلية، والشمائل السويَّة، أما من قنع بالتعصب لفلان أو لفلان، والانتصار له كيفما كان؛ فهذا نقول فيه كما قال ابن الوزير : «فإن العلاج لترقيق طَبْعِهِ الجامد، هو الضَّرْبُ في الحديد البارد، ولذلك أمر الله بالإعراض عن الجاهلين، ومدح به عباده الصالحين». اهـ.([244])
ثانيًا:
يتعين على من نَصَحَ نفسه، وعَلِمَ أنه مسئول عما قال وفعل، ومحاسَبٌ على اعتقاده وقوله وفعله: أن يُعِدَّ لذلك جوابًا، ويَخْلَعَ ثَوْبي الجهل والتعصب، ويُخْلِصَ القَصْدَ في طلب الحق، قال الله تعالى: [ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ] {سبأ:46}.
ولِيَعْلَم: أنه لا يُخَلِّصُه إلا اتباع كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: قال الله تعالى: [ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ] {الأعراف:3}، وقال تعالى: [ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ] {ص:29}.
ولما كان قد سبق في علم الله وقضائه: أنه سيقع الاختلاف بين الأمة؛ أمرهم وأوجب عليهم عند التنازع, الردَّ إلى كتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -، قال تعالى: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ] {النساء:59}.
قال العلماء -رحمة الله عليهم-: الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله: الرد إليه في حياته، والرد إلى سُنَّتِه بعد وفاته، ودلت الآية: أن من لم يَرُدَّ عند التنازع إلى كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ فليس بمؤمن؛ لقوله تعالى: [ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ] {النساء:59} فهذا شَرْطٌ ينتفي المشروط بانتفائه.
ومحال أن يأمر الله الناس بالرد إلى ما لا يَفْصِلُ النزاع, لاسيما في أصول الدين: التي لا يجوز فيها التقليد على خلاف الدليل القطعي عند عامة العلماء.
وقال الله تعالى: [ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ] {النساء:65}.
ولما أخبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بوقوع الاختلاف الكثير بعده بَيْنَ أُمَّتِه: أمرهم عند وجود الاختلاف بالتمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنه من يَعِشْ منكم؛ سيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تَمَسَّكُوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة».([245])
ولم يأمرنا الله -جلَّ ثناؤه- ولا رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: بالرد عند التنازع والاختلاف إلى ما عليه أكثر الناس، أو عليه فلان أو فلان، ولم يَقُلْ الله -تبارك وتعالى- ولا رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لينظُرْ أهلُ كلِّ زمان إلى ما عليه أكثرُ أهلِ زمانهم؛ فيتبعوهم، ولا إلى أهل مَصْرٍ مُعَيَّنٍ، أو إقليمٍ، أو مذهب، أو حزب، أو… أو… إلخ.
وإنما الواجب على الناس: الرد إلى كتاب الله والثابت من سنة نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وما مضى عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فيجب على الإنسان الالتفاتُ -فقط- إلى كتاب الله وسنة نبيه، وطريقة أصحابه والتابعين وأئمة الإسلام ومنهجهم في التلقي والاستدلال، ومعرفة مواضع الإجماع من مواضع النزاع؛ فلا يخرج عما أجمعت عليه الأمة في عصر من الأعصار، ولا يُحدث قولا لم يُسبق إليه من جملة أقوال العلماء المختلفين في المسألة، ولا يرجِّح كلام أحد على أحد إلا بحجة شرعية من كلام الله وكلام رسوله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو قاعدة من قواعد وأصول الأئمة، إذا كان ممن يُحسن فهم ذلك ووضْعه في موضعه اللائق به، ولا يعبأ بكثرة المخالفين بعدهم، فإذا عَلِمَ الله من العبد الصِّدْقَ في طلب الحق، وتَرَكَ التعصبَ، وأتى البيت من بابه، وتعلم الكتاب والسنة من العلماء المشهورين بنصرة الحق، وأَلَحَّ على الله في سؤاله هدايةَ الصراط المستقيم؛ فهو جدير بالتوفيق، كما هو معلوم.
فإن على الحق نورًا، لا سيما التوحيد: الذي هو أصل الأصول، الذي دَعَتْ إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم -عليهم الصلاة والسلام- وهو توحيد الألوهية والأسماء والصفات؛ فإن أدلته وبراهينه في القرآن ظاهرة, وعامةُ القرآن إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم.
ولا يَسْتَوْحِشُ الإنسان لقلة الموافقين، وكثرة المخالفين؛ فإن أهل الحق أَقَلُّ الناس فيما مضى، وهم أَقَلُّ الناس فيما بَقِيَ، لاسيما في هذه الأزمنة المتأخرة، التي قد صار الإسلام فيها غريبا.
ولْيَحْذَرْ العاقل من مشابهة مقالة الذين قال الله عنهم: [ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ] {الأحقاف:11}، وقول من قال: [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ] {الأنعام:53}.
وليجتهد المسلم في تحقيق العلم والإيمان، وليتخذ الله هاديا ونصيرا، وحاكما ووليا؛ فإنه نعم المولى ونعم النصير: [ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ] {الفرقان:31}.([246])
ثالثًا: وهذه جملة من أقوال السلف والعلماء في بيان أن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعْرَف بالدليل والبرهان:
اعلم أن فرقة الغلاة الغواة البغاة يُسَلِّمون نظريًّا بأن الحق لا يُعْرَف إلا بالدليل، وأن التقليد للرجال في مقابل الأدلة باطل، بل لا يُجيز كثير منهم تقليد العامي للإمام المجتهد، كالأئمة الأربعة ونحوهم، إلا أنهم عمليًّا في أمر مشايخهم ومواقفهم وفتاواهم -وإن كانوا بمنزلة الحصاة بجوار أئمة المذاهب الأربعة- لا يَرَوْن رخصة لأحد أن يخالفهم، بل يرمونه بالبدعة والضلال، وربما عدُّوه منافقًا زنديقًا، ونسبوه إلى أنواع البدع الكبرى والأحزاب المفرِّقة لشمل الأمة!!
وهذا الإقرار النظري منهم لا نبالي به بسبب سوء حالهم وواقعهم، فالأفعال في التقييم أقوى من الأقوال، ولذلك فأنا أسرد أقوال العلماء في ذم ما وصل إليه حالُ الغلاة هؤلاء، فأقول بتأييد الله وعَوْنه:
لما قَامَ الْحَارِثُ بنُ حَوْط اللَّيْثِيّ إلى علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – فَقَالَ: أتظن أَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَانَا على ضلال؟ فَقَالَ: «يا حارِثُ، إنك ملبوسٌ عليك، إنَّ الحقَّ والباطل لا يُعرفان بأقدار الرجال؛ اعْرِفِ الحقَّ؛ تعرف أهله، واعرف الباطل؛ تعرف مَنْ أتاه».([247])
وعن أبي مَرْيَمَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الأَسَدِيِّ، قَالَ: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى البَصْرَةِ؛ بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَدِمَا عَلَيْنَا الكُوفَةَ، فَصَعِدَا المِنْبَرَ، فَكَانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوْقَ المِنْبَرِ فِي أَعْلاَهُ، وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُ عَمَّارًا، يَقُولُ: «إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى البَصْرَةِ، وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ابْتَلاَكُمْ؛ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ».([248])
قال الحافظ ابن حجر : «ومراد عمار بذلك: أن الصواب في تلك القصة كان مع علي، وأن عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الإسلام، ولا أن تكون زوجة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة، فكان ذلك يُعَدُّ من إنصاف عمار، وشدة وَرَعِهِ وتَحَرِّيه قولَ الحق، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن أبي يزيد المديني، قال: قال عمار بن ياسر لعائشة لما فرغوا من الجمل: ما أَبْعَدَ هذا المسير من العهد الذي عُهِدَ إليكم، يشير إلى قوله تعالى: [ﭶ ﭷ ﭸ ] {الأحزاب:33} فقالت: أبو اليقظان؟ قال: نعم، قالت: والله، إنك ما عَلِمْتُ لقوالٌ بالحق، قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك». اهـ([249])
وقال أيضًا: «قوله في الحديث: (لتتبعوه أو إياها) قيل: الضمير لعلي؛ لأنه الذي كان عمار يدعو إليه، والذي يظهر أنه الله، والمراد باتباع الله اتباع حُكْمِه الشرعي في طاعة الإمام، وعدم الخروج عليه، ولعله أشار إلى قوله تعالى: [ﭶ ﭷ ﭸ ] {الأحزاب:33} فإنه أمر حقيقي خُوطِبَ به أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا كانت أم سلمة تقول: لا يُحَرِّكُنِي ظَهْرُ بعير حتى أَلْقَى النبي -صلى الله عليه وسلم-، والعذر في ذلك عن عائشة: أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير، وكان مرادهم إيقاعَ الإصلاح بين الناس، وأَخْذَ القصاص من قتلة عثمان -رضي الله عنهم أجمعين-، وكان رَأْيُ علي الاجتماعَ على الطاعة، وطلبَ أولياء المقتول القصاصَ ممن يثبت عليه القتل بشروطه». اهـ([250])
وقال محمد بن يزيد المستملي : سأل رجلٌ أحمدَ بن حنبل فقال: أَكْتُبُ كُتُبَ الرأي؟
قال: لا تفعل، عليك بالآثار والحديث.
فقال له السائل: إن عبد اللَّه بن المبارك قد كتبها؟
فقال له أحمد: ابن المبارك لم يَنْزِلْ من السماء، إنما أُمِرْنا أن نأخُذ العلم من فَوْق.([251])
وقال أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفَّى: 502هـ): «فضيلة العلم تُعْرَفُ بشيئين:
أحدهما: بشرف ثمرته.
والآخر: بوثاقة دلالته، وذلك كشرف عِلْمِ الدين على عِلْمِ الطب، فإن ثمرة علم الدين الوصول إلى الحياة الأبدية، وثمرة علم الطب الوصول إلى الحياة الدنيوية المنقطعة، وعلم الدين أصوله مأخوذة عن الوحي، وأصول الطب أكثرها مأخوذ من التجارب، ورُبَّ عِلْمٍ يُوفِي على غيره بأحدِ الوجهين، وذلك الغير يُوفِي عليه بالوجه الآخر، كالطب مع الحساب، فللطب شرف الثمرة، إذ هو يفيد الصحة، وللحساب وثاقة الدلالة، إذ كان العلم به ضروريا غير مفتقر إلى التجربة، وليس يجب أن يُحْكَم بفساد عِلْمٍ لخطأ وقع من أربابه؛ كصنع العامة إذا وجدوا من أخطأ في مسألة ما؛ حَكَمُوا على صناعته بالفساد، وإذا رَأَوْا من أصاب في مسألة؛ حَكَمُوا على صناعته بالصحة، وذلك عادتهم في الطب والتنجيم، فيعتبرون الصناعة بالصانع، خلاف ما قال أمير المؤمنين علي -كرم الله وجهه-: «يا حارث، إنك ملبوس عليك الحق، إن الحق لا يُعْرَفُ بالرجال، اعرف الحق؛ تعرف أهله»،… إلخ. اهـ([252])
وقال ابن الجوزي : «اعلم أن المقلد عَلَى غير ثقة فيما قَلَّد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنه إنما خُلِقَ للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أُعْطِي شمعةً يستضيء بها أن يُطْفئها ويَمْشي في الظُّلْمة!!! واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يَعْظُم في قلوبهم الشخصُ، فيتبعون قوله من غير تدبر بما قال، وهذا عين الضلال؛ لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل، كما قال علي -رضي الله عنه- للحارث بن حوط وقد قال له: أَتَظُنُّ أنا نَظُنُّ أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له: يا حارث، إنه مَلْبُوسٌ عليك، إن الحق لا يُعْرَف بالرجال، اعرف الحق؛ تعرف أهله». اهـ([253])
وقال : «واعلم أن من نظر إلى تعظيم شخص، ولم ينظر بالدليل إلى ما صَدَرَ عنه؛ كان كمن ينظر إلى ما جرى على يد المسيح -صلوات الله عليه- من الأمور الخارقة، ولم ينظر إليه، فادَّعَى فيه الإلهية، ولو نظر إليه، وأنه لا يقوم إلا بالطعام؛ لم يُعْطِهِ إلا ما يستحقه». اهـ([254])
وقال : «ولقد كان جماعة من المحققين لا يبالون بمعظَّم في النفوس إذا حَادَ عن الشريعة، بل يُوسِعُونَهُ لَوْمًا:
فنُقل عن أحمد أنه قال له المروزي: ما تقول في النكاح؟ فقال: سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -. فقال: فقد قال إبراهيم. قال: فصاحَ بي، وقال: جِئْتَنَا بِبُنَيّات الطريق؟!!
وقيل له: إن سريًّا السقطيّ قال: لما خلق الله تعالى الحروف؛ وقف الألف، وسجدت الباء. فقال: نفّروا الناس عنه.
واعلم أن المُحَقِّقَ لا يَهُولُه اسمُ مُعَظَّمٍ؛ كما قال رجل لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أَتَظُنُّ أن طلحة والزبير كانا على الباطل؟ فقال له: إن الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق؛ تعرفْ أهله.
ولَعَمْرِي؛ إنه قد وَقَرَ في النفوس تعظيمُ أقوام؛ فإذا نُقل عنهم شيء، فَسَمِعَهُ جاهلٌ بالشرع؛ قَبِلَهُ لتعظيمهم في نفسه.
كما يُنْقَل عن أبي يزيد -رضي الله عنه- أنه قال: تراعَنَتْ علَيَّ نَفْسِي، فحَلَفْتُ: لا أشرب الماء سنة، وهذا إذا صحّ عنه؛ كان خطأ قبيحًا، وزلة فاحشة؛ لأن الماء ينفذ الأغذية إلى البدن، ولا يقوم مقامه شيء؛ فإذا لم يَشْرَبْ؛ فقد سعى في أذى بدنه، وقد كان يُستعذب الماء لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
أفترى هذا فِعْلَ من يَعْلَمُ أن نفسه ليست له، وأنه لا يجوز التصرف فيها إلا عن إذن مالكها؟!
وكذلك ينقلون عن بعض الصوفية أنه قال: سرتُ إلى مكة على طريق التوكل حافيًا، فكانت الشوكة تدخل في رجلي، فأحكها بالأرض ولا أرفعها، وكان عليَّ مِسْحٌ، فكانت عيني إذا آلمتني؛ أدلكها بالمسح، فذهبت إحدى عينيّ.
وأمثال هذا كثير، وربما حَمَلَهَا القُصَّاصُ على الكرامات، وعَظَّمُوها عند العوامّ؛ فَيُخَايَلُ لهم أن فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي وأحمد!!
ولَعَمْرِي؛ إن هذا من أعظم الذنوب، وأقبح العيوب؛ لأن الله تعالى قال: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ] {النساء:29}.
وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن لنفسك عليك حقًّا»…
واسمع مني بلا محاباة: لا تحتجنّ عليّ بأسماء الرجال، فتقول: قال بشر، وقال إبراهيم بن أدهم؛ فإن من احتجّ بالرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه -رضوان الله عليهم- أقوى حجّة، على أن لأفعال أولئك وجوهًا نَحْمِلُها عليهم بحسن الظّنّ… وهل الناس إلا صاحب أثر يتّبعُهُ، أو فَقِيهٌ يَفْهَم مرادَ الشرع ويُفتي به؟! نعوذ بالله من الجهل وتعظيم الأسلاف تقليدًا لهم بغير دليل! فإن مَنْ وَرَدَ المَشْرَبَ الأولَ؛ رأى سائر المشاربِ كَدِرَةً.
والمحنة العظمى: مدائحُ العوامّ؛ فكم غرّت! كما قال علي -رضي الله عنه-: ما أَبْقَى خَفْقُ النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئًا». اهـ([255])
وقال شيخ الإسلام : «وليس لأحد أن يَنْصِب للأمة شخصًا يَدْعُو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها، غير كلام الله ورسوله، وما اجتمعَتْ عليه الأمةُ، بل هذا مِنْ فِعْلِ أهل البدع، الذين يَنْصِبُون لهم شخصًا أو كلامًا يفرِّقون به بين الأمة، يُوالون به – على ذلك الكلام، أو تلك النسبة – ويعادون». اهـ.([256])
وقال أيضًا : «أئمة السنة والجماعة لا يُلْزِمون الناس بما يقولون من موارد الاجتهاد، ولا يُكْرِهون أحدا عليه». اهـ([257])
وقال أيضًا : «كل قائل إنما يُحْتَجُّ لقوله لا به، إلا الله ورسوله». اهـ([258])
وقال كما في «مجموع الفتاوى»([259]): «وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحَدٍ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ، وَدَلِيلٌ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ ذَلِكَ تُقَرَّرُ مُقَدِّمَاتُهُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا بِأَقْوَالِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ يُحْتَجُّ لَهَا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَنْ تَرَبَّى عَلَى مَذْهَبٍ قَدْ تَعَوَّدَهُ، وَاعْتَقَدَ مَا فِيهِ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ وَتَنَازُعَ الْعُلَمَاءِ؛ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا جَاءَ عَنْ الرَّسُولِ وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، بِحَيْثُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَبَيْنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَيَتَعَسَّرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؛ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُقَلِّدَةِ النَّاقِلِينَ لِأَقْوَالِ غَيْرِهِمْ، مِثْلِ الْمُحَدِّثِ عَنْ غَيْرِهِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ حَاكِمًا، وَالنَّاقِلُ الْمُجَرَّدُ يَكُونُ حَاكِيًا لَا مُفْتِيًا.». اهـ
وجاء أيضًا في «مجموع الفتاوى»([260]): «الْمَقْصُودُ هُنَا «أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَجْعَلَ مَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ هُوَ الْأَصْلَ، وَيَتَدَبَّرَ مَعْنَاهُ، وَيَعْقِلَ وَيَعْرِفَ بُرْهَانَهُ وَدَلِيلَهُ: إمَّا الْعَقْلِيَّ، وَإِمَّا الْخَبَرِيَّ السَّمْعِيَّ، وَيَعْرِفَ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا وَهَذَا، وَتُجْعَلَ أَقْوَالُ النَّاسِ الَّتِي قَدْ تُوَافِقُهُ وَتُخَالِفُهُ مُتَشَابِهَةً مُجْمَلَةً، فَيُقَالَ لِأَصْحَابِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ: يُحْتَمَلُ كَذَا وَكَذَا، وَيُحْتَمَلُ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ أَرَادُوا بِهَا مَا يُوَافِقُ خَبَرَ الرَّسُولِ؛ قُبِلَ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهَا مَا يُخَالِفُهُ؛ رُدَّ». اهـ([261])
وجاء في «جامع المسائل» لشيخ الإسلام ابن تيمية : «فالإسلام أصلان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله، وإذا أقرَّ بذلك؛ فَلْيُعْلَم أن القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي الحق، وما خالفها باطل، فإنَّ هذا نقلٌ مُصَدَّقٌ عن قائل معصوم، وما يخالف هذا من أقوال أو أفعال تُحكى عن بعض المشايخ أو العلماء وغيرهم؛ فقد يكون الناقل غَيْرَ مُصَدَّقٍ، وإن كان الناقل صادقًا؛ فالقائل غير معصوم في مخالفة الناقل المصدَّق عن القائل المعصوم.
فهذا القول يجب على المؤمن أن يعتصم به، ويَزِن جميع ما يَرِد عليه على هذا الأصل، فما يجده من التنازع في بعض المشايخ والعلماء والملوك أو غيرهم في حمده وذمّه؛ فلا يخلو: إما أن يكون المراد به معرفة حقيقة ذلك الرجل عند الله؛ فهذا لا حاجة بنا إلى معرفته، وقد لا يمكن معرفته، وإما أن يكون المراد حُكْم ما يُذْكَر عنه من أقوال وفعال؛ فهذا كله معروض على الكتاب والسنة، فما وافقه؛ فهو الحق -وإن كان ذلك القائل فاسقًا أو زنديقًا- وما خالفه؛ فهو الباطل -وإن كان ذلك القائل صالحًا، بل صدِّيقًا- كما كان معاذ بن جبل -رضي الله عنه- يقول في وصيته: «اقبلوا الحقَّ مِنْ كلِّ مَن جاء به، وإن كان كافرًا، واحذروا زيغة الحكيم» فقالوا: كيف نعرف أن الكافر يقول الحق؟ وأن الحكيم يزيغ؟ فقال: «إن على الحقّ نورًا». يريد: أن الحق معه مِنَ البرهان ما يتبين أنه حق، فهذا مقبول من كل قائل.
وكثير من الناس يزن الأقوال بالرجال، فإذا اعتقد في الرجل أنه معَظَّم؛ قَبِل أقوالَه وإن كانت باطلةً مخالفةً للكتاب والسنة، بل لا يُصْغِي حينئذ إلى مَنْ يردّ ذلك القول بالكتاب والسنة، بل يجعل صاحبه كأنه معصوم، وإذا ما اعتقد في الرجل أنه غير معَظَّم؛ ردَّ أقوالَه وإن كانت حقًّا، فيجعل قائلَ القول سببًا للقبول والرد من غير وزن بالكتاب والسنة…
وكلّ من اتخذ شيخًا أو عالمًا متبوعًا في كلّ ما يقوله ويفعله، يوالي على موافقته، ويعادي على مخالفته غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو مبتدع ضالّ، خارج عن الكتاب والسنة، سواء كان من أهل العلم والدين؛ كالمشايخ والعلماء، أو كان من أهل الحرب والديوان؛ كالملوك والوزراء.
بل الواجب على جميع الأمة طاعةُ الله ورسوله، وموالاةُ المؤمنين على قَدْرِ إيمانهم، ومعاداةُ الكافرين على قَدْر كُفرهم، كما قال تعالى: [ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ] { المائدة: 55 – 56}، وقال تعالى: [ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ] {التوبة:71}.
وهذا هو الأصل الفارق بين أهل السنة والجماعة، وبين أهل البدعة والفُرقة: فإنّ أهل السنة والجماعة يجعلون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الإمام المطلق، الذي يتبعونه في كلِّ شيء، ويوالون من والاه، ويعادون من عاداه، ويجعلون كتاب الله هو الكلام الذي يتبعونه كلَّه، ويصدِّقون خبره كلَّه، ويطيعون أمره كلّه، ويجعلون خير الهدي والطريق والسنن والمناهج هي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وأما أهل البدعة فينصبون لهم إمامًا يتبعونه، أو طريقًا يسلكونه، يوالون عليه ويعادون عليه، وإن كان فيه ما يخالف السنة، حتى يوالوا مَن وافقهم مع بُعْدِه عن السنة، ويعادون من خالفهم مع قُرْبه من السنة.
فإذا عُرِف الصراط المستقيم؛ لم يكن بنا حاجة إلى معرفة حقيقة هؤلاء الرجال الذين اشتهوا عنهم، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم». اهـ([262])
وفي «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق»([263]) قال : «الاعتبارُ في الأقوال بأدلتها لا بقائليها، فلا يُنظر إلى من قال،…
والأقوال التي رُدَّتْ على مَنْ رُدَّتْ عليه من أهل البدع، وانْخَفَضَتْ بها أقدارُهم؛ رُدَّتْ لمخالفتها الكتابَ والسنةَ، لا لمجرد خلاف غيرهم لهم فيها.
أترانا نحتج على المعتزلة والرافضة بإجماع مَنْ سواهم من أهل السنة على خلافهم؟ وهل يَحْتَجُّ بهذا عاقل؟! أم يُحْتَجُّ بالكتاب والسنة وبإجماع السلف الذين اتفقنا نحن وهم على أَنَّ إجماعهم حجة، كما يُحْتَجُّ بإجماع الصحابة – رضي الله عنهم – على المعتزلة، وبأقوال أهل البيت على الإمامية». اهـ
وقال علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفَّى: 885هـ): «وَنقل الْأَثْرَم عَنهُ – أي عن الإمام أحمد : «قوم يُفْتُون هَكَذَا، يتقلدون قَولَ الرجل، وَلَا يُبَالون بِالْحَدِيثِ».
وَنقل أَبُو طَالب: عَجَبًا لقوم عَرفُوا الْإِسْنَاد وَصِحَّته؛ يَدَعُونَهُ ويذهبون إِلَى رَأْي سُفْيَان وَغَيره، قَالَ الله تَعَالَى: [ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ] {النور:63} الْفِتْنَة: الْكفْر.
وَقَالَ أَحْمد بن الْحسن: أَلا يُعْجَبُ؛ يُقَال للرجل: قَالَ رَسُول الله؛ فَلَا يقنع، وَقَالَ عَن فلَان؛ فيقنع؟!!
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ عَن أصُول ظَاهِرَة الْبُرْهَان: لَا يَهُولَنَّكَ مخالفتُها لقَوْلِ مُعَظَّمٍ فِي النَّفس والطِّغام؛ قَالَ رجل لعَلي: أتظن أَنا نظن أَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر على الْخَطَأ، وَأَنت على الصَّوَاب؟ فَقَالَ: إِنَّه ملبوس عَلَيْك؛ اعرف الْحق؛ تعرف أَهله.
وَقَالَ رجل لِأَحْمَد: إِن ابْن الْمُبَارك قَالَ كَذَا، قَالَ: «ابْن الْمُبَارك لم يَنْزِلْ من السَّمَاء».
وَقَالَ أَحْمد: من ضِيقِ عِلْمِ الرجل أَن يُقَلّد.
وَذُكِر لِأَحْمَد كَلِمَاتٌ عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم، فَقَالَ: وَقَعْنا فِي بُنَيَّات الطَّرِيق، عَلَيْك بِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ – وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : التَّقْلِيد للأكابر أفسد العقائد، وَلَا يَنْبَغِي أَن يُنَاظَرَ بأسماء الرِّجَال، إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُتَّبَعَ الدَّلِيلُ؛ فَإِن أَحْمد أَخذ فِي الْجَدِّ بقول زيدٍ وَخَالف الصّديقَ، وَفِي «وَاضح ابْن عقيل»: من أكبر الْآفَات: الإِلْفُ لمقالة مَنْ سَلَفَ، أَو السُّكُونُ إِلَى قَول مُعظَّم فِي النَّفس لَا بِدَلِيل؛ فَهُوَ أَعْظَمُ حَائِل عَن الْحق، وبَلْوَى يجب معالجتها…([264])
وقال الشوكاني : «وليس المجتهدُ مَنْ وَسَّعَ دائرة الآراء العاطلة عن الدليل، وقَبِلَ كُلَّ ما يَقِفُ عليه من قالَ وقيلَ؛ فإن ذلك هو دَأْب([265]) أُسراء التقليد، بل المجتهد من قرر الصواب، وأَبْطَلَ الباطل، وفَحَصَ في كل مسألة عن وجوه الدلائل، ولم يَحُلْ بينه وبين الصَّدْع بالحق مخالفةُ من يخالفه ممن يُعَظَّم في صدور المقصِّرِين؛ فالحَقُّ لا يُعْرَفُ بالرجال، ولهذا المَقْصَد سَلَكْنا في هذه الأبحاث مسالك لا يَعْرِف قَدْرَها إلا من صَفَى فَهْمُهُ عن التعصبات، وأَخْلَصَ ذِهْنَهُ عن الاعتقادات المألوفات، والله المستعان». اهـ([266])
وقال في «نيل الأوطار»([267]): «وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْمُدَّعُونَ لِلْحِلِّ بِشَيْءٍ تَرْكَنُ النَّفْسُ إلَيْهِ، وَغَايَةُ مَا جَادَلُوا بِهِ: أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا أَمْرٌ هَيِّنٌ، وَالْحَقُّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ». اهـ
وقال أيضًا في «شرح الصدور بتحريم رفع القبور»([268]): «وإذا وقع الرَّدُّ لِما اخْتَلَفَ فيه أهلُ العلم إلى الكتاب والسنة؛ كان من معه دليل الكتاب والسنة، هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدًا، والذي لم يكن معه دليلُ الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عددًا كثيرًا، فليس لعالِم ولا لمتعلِّم ولا لمن يفهم ـ وإن كان مقصرًا ـ أن يقول: إنَّ الحقَّ بيد مَن يَقْتَدِى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره؛ فإنَّ ذلك جهل عظيم، وتعصُّب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة؛ لأنَّ الحقَّ لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق، وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومَن لَم يكن معصومًا؛ فإنَّه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى، ولا يتبيَّن صوابُه من خطئه إلَّا بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما؛ فهو مصيب، وإن خالفهما؛ فهو مخطئ، ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرفه كلُّ مَن له أدنى حظ من العلم([269])، وأحقر نصيب من العرفان، ومَن لَم يَفْهَم هذا ويعترف به؛ فليتَّهم نفسه، ويعلم أنه قد جَنى على نفسه بالخوض فيما ليس من شأنه، والدخول فيما لا تبلغ إليه قدرتُه، ولا يَنْفُذ فيه فَهْمُه، وعليه أن يُمسك قلمَه ولسانه، ويشتغل بطلب العلم، ويفرغ نفسه لطلب علوم الاجتهاد، التي يُتَوَصَّل بها إلى معرفة الكتاب والسنة، وفَهْمِ معانيهما، والتمييز بين دلائلهما، ويجتهد في البحث في السنة وعلومها، حتى يتميز عنده صحيحُها من سقيمها، ومقبولُها من مردودها، وينظر في كلام الأئمة الكبار من سلف هذه الأمة وخلفها؛ حتى يهتدي بكلامهم إلى الوصول إلى مطلوبه، فإنَّه إن لَم يفعل هذا، وقدَّم الاشتغال بما قدَّمنا؛ ندم على ما فرط فيه قبل أن يتعلَّم هذه العلوم غاية الندم، وتَمَنَّى أنَّه أَمْسَك عن التكلُّم بما لا يعنيه، وسَكَت عن الخوض فيما لا يَدْرِيه، وما أَحْسَنَ ما أدَّبنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه من قول «رحم الله امرءًا قال خيرًا أو صَمَتَ»، وهذا في الذي تكلَّم في العلم قبل أن يفتح الله عليه بما لا بدَّ منه، وشغل نفسه بالتعصب للعلماء، وتصدَّر للتصويب والتخطئة في شيء لَم يَعْلَمْه ولا فَهِمَه حقَّ فَهْمِهِ، ولم يَقُل خيرًا، ولا صَمَتَ، فلم يتأدَّب بالأدب الذي أرشد إليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-.
وإذا تقرَّر لك من مجموع ما ذكرناه وجوبُ الرد إلى كتاب الله وسنِّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بنصِّ الكتاب العزيز وإجماع المسلمين أجمعين؛ عَرَفْتَ أنَّ مَن زعم من الناس أنَّه يُمكن معرفة المخطئ من العلماء من غير هذه الطريق عند اختلافهم في مسألة من المسائل؛ فهو مخالفٌ لِما في كتاب الله، ومخالفٌ لإجماع المسلمين أجمعين، فانظر -أرشدَك الله- إلى أيِّ جناية جنى على نفسه بهذا الزعم الباطل، وأيِّ مصيبة وقع فيها بهذا الخطأ الفاحش، وأيِّ بلية جلبها عليه القصورُ والتقصيرُ، وأيِّ محنة شديدة ساقها إليه التكلُّم فيما ليس من شأنه؟». اهـ
وقال المقري في «قواعده»: «لا يجوز التعصب إلى المذاهب بالانتصاب للانتصار بوضع الحجاج، وتقريبها على الطرق الجدلية مع اعتقاد الخطأ، أو المرجوحية عند المجيب، كما يفعله أهل الخلاف، إلا على وجه التدريب على نصب الأدلة، والتعليم لسلوك الطريق بعد بيان ما هو الحق، فالحق أعلى من أن يُعْلَى، وأَغْلَب من أن يُغْلَب.
وقال أيضًا: ولا يجوز رَدُّ الأحاديث إلى المذاهب على وجه يَنْقُصُ من بهجتها، ويَذْهَبُ بالثقة بظاهرها؛ فإن ذلك إفساد لها، وغَضٌّ من منزلتها، لا أَصْلَحَ الله المذاهبَ بفسادها، ولا رَفَعَها بخَفْضِ درجاتها، فكل كلام يُؤْخَذُ منه ويُرَدُّ إلا ما صح لنا عن سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- بل لا يجوز الرد مطلقا؛ لأن الواجب أن تُرَدَّ المذاهبُ إليها، كما قال الإمام الشافعي، لا أن تُرَدَّ هي إلى المذاهب». اهـ([270])
رابعًا: قد يوقع الله – تعالى – بعضَ المخلِصين في شيء من الخطأ ابتلاءً لغيره: أيتبعون الحقَّ ويدَعون قوله، أم يغترُّون بفضله وجلالته؟
قال الشيخ المعلمي : «وليس مقصودي الطعنَ في أحدٍ من أولياء الله تعالى والعلماء به، أعوذ بالله من ذلك، وإنما المقصود بيان فضل السلف على الخلف، وإذا لم تَثْبُتْ العصمة للسلف كما مرَّ؛ فأَوْلَى من ذلك أن لا تَثْبُتَ للخلف، فإذا لم يَكْفِ في أصول العقائد تقليدُ أحدٍ من السلف؛ فتقليدُ الخلف أَوْلَى ألا يَكْفي.
واعلم أن الله تعالى قد يوقع بعضَ المخلِصين في شيء من الخطأ ابتلاء لغيره: أيتبعون الحقَّ ويدَعون قوله، أم يغترُّون بفضله وجلالته؟ وهو معذور بل مأجور؛ لاجتهاده، وقَصْدِهِ الخيرَ، وعدمِ تقصيرِهِ، ولكن من تَبِعَهُ مغترًّا بعظمته بدون التفات إلى الحجج الحقيقية، من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم-؛ فلا يكون معذورًا، بل هو على خَطَرٍ عظيم.
ولما ذَهَبَتْ أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- إلى البصرة؛ قبل وقعة الجمل، أَتْبَعَهَا أميرُ المؤمنين علي ابنَهُ الحسنَ وعمارَ بنَ ياسرٍ -رضي الله عنهما- لينصحا الناس، فكان من كلام عمَّار لأهل البصرة أن قال: والله إنها لزوجة نبيكم -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم- في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله -تبارك وتعالى- ابتلاكم بها؛ لِيَعْلَمَ إيَّاه تطيعون أم هي.
ومن أعظم الأمثلة في هذا المعنى مطالبةُ فاطمة -عليها السلام- بميراثها من أبيها -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم-، وهذا ابتلاء عظيم للصِّدِّيق -رضي الله عنه- ثبَّته الله فيه.
وأهلُ العلم إذا بلغَهُم خَطَأُ العالم أو الصالح، وخافوا أن يغترَّ الناس بجلالته؛ ربما وَضَعوا مِنْ فَضله، وغبَّروا في وَجْهِ شُهرته، مع محبتهم له، ومعرفتهم بمنزلته؛ ولكن يُظْهِرون تحقيره؛ لئلا يَفْتَتِنَ به الناس.
ومن ذلك ما ترى في مقدمة «صحيح مسلم» من الحطِّ الشديد على البخاري في صدد الردِّ عليه في اشتراط ثبوت لقاء الراوي لمن فوقه، حتى لقد يُخَيَّلُ إلى القارئ ما يُخَيَّلُ إليه، مع أن منزلة البخاري في صدر مسلم رفيعة، ومحبتَهُ له وإجلالَهُ أمر معلوم في التاريخ وأسماء الرجال.
وقد يكون من هذا كثيرٌ من طَعْن المحدثين في أبي حنيفة تعالى.
ولعلَّ مما حَمَلَهُم على هذا عِلْمَهُم بأن العامَّة وأشباه العامَّة يغترُّون بفضل القائل في نفسه، فإذا قال لهم العلماء: إنه أخطأ مع جلالته وفضله، قالوا: قد خالفتموه وشهدتم له بالجلالة والفضل، فقوله عندنا أرجح من قولكم بشهادتكم، وهكذا قال بعض الناس لعمَّار -رضي الله عنه- لما قال مقالته المتقدمة آنفًا: «فنحن مع الذي شهدتَ له بالجنة يا عمَّار»، يعنُون أمَّ المؤمنين([271]).
وبالجملة: فمن عَلِمَ القاعدة الشرعية في تعارض المفاسد؛ لم يَعْذِلْ العلماء في انتقاصهم مَنْ يخافون ضلالَ الناس بسببه، ولو علم محبُّو المطعون فيه هذا المعنى؛ لما وقعوا فيما وقعوا فيه من ثَلْبِ أولئك الأكابر حميَّة وعصبيَّة، والله المستعان». اهـ([272])
والخلاصة: أن مما تقدم يظهر لك بطلان المسلك الذي سلكه المخالفون في تعظيم أقوال مشايخهم، ووقوعهم بسبب ذلك في أناس الكثير منهم أكثر علمًا وأعظم نفعًا ممن يعظِّمونه، لكن اتباع الهوى والحسد بابان واسعان من أبواب ورود المهالك، والصد عن سبيل الله، والله المستعان.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: مِلْء السموات والأرض، ومِلْءَ ما بينهما، ومِلْءَ ما شاء من شيء بعد.
كتبه/
أبو الحسن السليماني
A
A
[25]الدفاع عن الحق دون خشية أحد مهما علا قَدْرُهُ













