كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(حَمْلُ المجمل على المفصَّل مِنْ كلامِ مَنْ بعد رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-)

  • السؤال الثالث والعشرون: إذا وُجد للعالم كلام مُجْمَلٌ في موضع ما، في قضية ما، وقد يكون هذا الكلام المجمل ظاهره يحتمل الدلالة على أمرٍ قبيح، ووُجِد له كلام آخر، في موضع آخر، مُفَصَّل في المسألة نفسِها، وهو موافق لمنهج السلف؛ فهل يُحمل الكلام المجمل الأول من كلام هذا العالم على الموضع المفصَّل من كلامه الآخر؟

الجواب:

من المسائل الهامة التي ينبغي على طالب العلم أن يفهمها: أن يَعْرِفَ كيف يتعامل مع كلام أهل العلم، الذين هم أهل للدين والعلم، خصوصًا في هذه الأيام، التي رأينا فيها من يتعامل مع كلام العلماء بعُجمة وانغلاق، أو سوء فهم، وظاهرية قبيحة، مما نتج عنه الكثير من المفاسد، وصارت المسائل التي كانت من الواضحات، تحتاج إلى تبيين وتدليل على صحتها.

وهنا عدة مسائل:

أولًا: في تحرير موضع النِّزاع:

وخلاصة ذلك: أن العلماء قد يطلقون عباراتٍ لهم في مواضع، وتكون هذه العبارات محتملة لمعنيين أو أكثر، ويكون أحد هذه المعاني ممدوحًا، والآخر مذمومًا، إلا أن لقائل هذه الكلمة كلامًا آخر، قد صرح فيه بأحد المعنيين السابقين، ورَدِّه للاحتمال الآخر؛ فعند ذاك يُحمل كلامه المجمل، أو المحتمل، أو المشتبه، على المعنى المُفَصَّل المبيَّن، أو الصريحِ المُحْكَمِ من كلامه، سواء في هذا السني أو المبتدع، فالسني يُحْمَلُ مُشْتَبَهُهُ على مُحْكَمِهِ الحَسَن، والمبتدع يُحْمَلُ مُشْتَبَهُهُ وغامضه على مُحْكَمِهِ ومُفَصَّلِهِ القبيح في هذه المسألة بعينها، لا أن يكون مبتدعًا بدعة الإرجاء ـ مثلًا ـ فَنحمِّله بكلامه المُشْتَبه بدعة أخرى، كالقول بالتجهم وتعطيل الصفات، أو الرفض، وذلك لكلمة مشتبهة، مع أن لهذا المرجئ مواضع أخرى فصَّل فيها القول في هذه المسألة بما يوافق قول أهل السنة!!! إلا إذا ظهر لنا أن إجماله في هذه الكلمة كان عن سوء نية وتدليس وزندقَة، وأنه يُخفي البدعة الأخرى؛ فعند ذاك: نحكم عليه بحقيقة حاله، لا بمجرد ما يتظاهر به، والله أعلم.

وقد يكون هذا المحكَمُ أو المفصَّل أو الصريح موجودًا مقترنًا في سياق كلام المتكلم بالمجمل أو المشتبه، وقد يكون موجودًا ـ إلا أنه منفصل ـ في موضع آخر، وقد يكون معلومًا من حاله ومنهجه الذي يسلكه في الجملة، وإن لم نقف له على كلام صريح في هذا الموضع -بعينه- الذي جاء عنه مجملًا، وقد يكون ذلك راجعًا إلى عُرْفه وعادته في كلامه، ونحو ذلك ـ مما سيأتي مفصلًا – إن شاء الله تعالى- فكل ذلك يجعلنا نفسِّر كلامه ذاك بأحد هذه الأمور.

هذا مع حث العالم على الاعتناء بالبيان المزيل لِلَّبْس، والتفصيل الدافع للشبهة، وذمِّ الإجمال الذي اتخذه أهل البدع سبيلًا للتلبيس على الناس؛ لينفِّقوا به بدعتهم ومقالاتهم المنحرفة.

وخالف بعض المعاصرين الغلاة في الأحكام على مخالفهم، فرأى أن حمل المجمل على المفصَّل، والعامِّ على الخاص، والمطلق على المقيد، وترك المنسوخ للناسخ، إنما يكون ذلك في كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقطْ، أما كلام الناس؛ فليس كذلك.

ويرى أن القرينة التي تزيل الإيهام عن اللفظ، لابد أن تكون مقرونة بالكلام غير منفصلة عنه، وسيظهر لك بطلان هذا المذهب في هذا الجواب -إن شاء الله تعالى-.

ثانيًا: في أقسام الكلام، ودلالات الألفــاظ:

قال الإمام ابن القيم – تعالى-: «فصل: أقسام الألفاظ الثلاثة…: الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونياتهم وإراداتهم لمعانيها؛ ثلاثة أقسام:

أحدها: أن تظهر مُطَابَقَةُ القَصْد للفظ، وللظهور مراتب، تنتهي إلى اليقين والقطع بمراد المتكلم، بحسب الكلام في نفسه، وما يقترن به من القرائن الحالية واللفظية، وحال المتكلم به، وغير ذلك، كما إذا سمع العاقل والعارف باللغة، قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إنكم سترون ربكم عيانًا، كما ترون القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب، وكما ترون الشمس في الظهيرة، صحوًا ليس دونها سحاب، لا تضارّون في رؤيته، إلا كما تضارّون في رؤيتها»؛ فإنه لا يستريب ولا يَشُكُّ في مراد المتكلم، وأنه رؤية البصر حقيقة، وليس في الممكن عبارةٌ أوضحُ ولا أنصُّ من هذه، ولو اقتُرِح على أبلغ الناس أن يعبّر عن هذا المعنى بعبارة لا تحتمل غيره؛ لم يقدر على عبارة أوضحَ ولا أنصَّ من هذه، وعامة كلام الله ورسوله من هذا القبيل؛ فإنه مستولٍ على الأمد الأقصى من البيان…

القسم الثاني: ما يظهر بأن المتكلِّم لم يُرِدْ معناه، وقد ينتهي هذا الظهور إلى حد اليقين، بحيث لا يشك السامع فيه، وهذا القسم نوعان:

– أحدهما: ألا يكون مريدًا لمقتضاه ولا لغيره.

والثاني: أن يكون مريدًا لمعنى يخالفه.

فالأول: كالمُكْرَه، والنائم، والمجنون، ومن اشتد به الغضب، والسكران.

والثاني: كالمعرِّض، والمورِّي، والمُلْغِز، والمتأوِّل.

القسم الثالث: ما هو ظاهر في معناه، ويحتمل إرادة المتكلم له، ويحتمل إرادته غيره، ولا دلالة على واحد من الأمرين، واللفظ دال على المعنى الموضوع له، وقد أتى به اختيارًا».

قال: «فهذه أقسام الألفاظ بالنسبة إلى إرادة معانيها، ومقاصد المتكلم بها، وعند هذا يُقال: إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام، أو لم يظهر قصد يخالف كلامه؛ وجب حمل كلامه على ظاهره، والأدلة التي ذكرها الشافعي -رضي الله عنه- وأضعافها: كلها إنما تدل على ذلك، وهذا حق لا ينازع فيه عالم، والنِّزاع إنما هو في غيره، إذا عُرِفَ هذا؛ فالواجب حَمْلُ كلام الله تعالى ورسوله، وحمل كلام المكلَّف على ظاهره، الذي هو ظاهره، وهو الذي يُقصد من اللفظ عند التخاطب، ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك، ومُدَّعي غير ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم؛ كاذب عليه…». اهـ.([155])

فتأمل قوله : «وعند هذا يُقال: إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام، أو لم يظهر قصد يخالف كلامه؛ وجب حمل كلامه على ظاهره…»، أي: إن ظهر قصد للمتكلم يخالف ما يُفهم من كلامه في هذا الموضع؛ فلا يُحمل كلامه هنا على ظاهره؛ لمخالفته قَصْدَهُ ونيته، وقد استفاض ابن القيم في تقرير هذا المعنى؛ فارجع إلى بقية كلامه -إن شئت.([156])

ثالثًا: في ذم الإجمال، والحث على تبيين المقال:

قال الإمام ابن القيم تعالى-: «… أنَّ هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم، التي هي في الحقيقة جهليات، إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة، محتملة، تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى، والإجمال في اللفظ؛ يوجب تناولها بحق وباطل، فلما فيها من الحق؛ يَقْبَلُ من لم يُحِطْ بها علمًا ما فيها من الباطل؛ لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء، وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع كلها؛ فإن البدعة لو كانت باطلًا مَحْضًا؛ لما قُبلت، ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها، ولو كانت حقًّا مَحْضًا؛ لم تكن بدعة، وكانت موافقة للسنة، ولكنها تشتمل على حق وباطل؛ ويلتبس فيها الحق بالباطــل، كمـا قـال تعالى: [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ] {البقرة:42}، فنهى عن لَبْسِ الحق بالباطل وكتمانه، ولَبْسُه به: خَلْطُه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر، ومنه التلبيس، وهو التدليس، والغش الذي يكون باطنه خلاف ظاهره، فكذلك الحق إذا لُبِّس بالباطل؛ يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق، وتكلم بلفظ له معنيان: معنى صحيح، ومعنى باطل، فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح، ومراده الباطل، فهذا من الإجمال في اللفظ.

وأما الاشتباه في المعنى: فيكون له وجهان، هو حق من أحدهما، وباطل من الآخر، فيوهم إرادةَ الوجه الصحيح، ويكون مراده الباطلَ؛ فأَصْلُ ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة، والمعاني المشتبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهانًا مُخَبَّطَة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هَوىً وتعصُّبٌ، فسَلْ مثِّبت القلوب أن يثبِّت قلبك على دينه، وألَّا يوقعك في هذه الظلمات…».

إلى أن قال : «فلا إله إلا الله، كم قد ضَلَّ بذلك طوائف من بني آدم، لا يحصيهم إلا الله، واعتَبِرْ ذلك بأظهر الألفاظ والمعاني في القرآن والسنة، وهو (التوحيد) الذي حقيقته إثبات صفات الكمال لله، وتنزيهه عن أضدادها، وعبادته وحده لا شريك له، فاصطلح أهل الباطل على وضعه للتعطيل المحض، ثم دَعَوْا الناس إلى التوحيد، فخدعوا به من لم يعرف معناه في اصطلاحهم، وظن أن ذلك التوحيد هو الذي دَعَتْ إليه الرسل، والتوحيد اسم لستة معان: توحيد الفلاسفة، وتوحيد الجهمية، وتوحيد القدرية الجبرية، وتوحيد الاتحادية، فهذه الأربعة أنواع من التوحيد جاءت الرسل بإبطالها، ودل على بطلانها العقل والنقل…»إلخ. اهـ.([157])

وقال : «قيل: أصل بلاء أكثر الناس، من جهة الألفاظ المجملة، التي تشتمل على حق وباطل، فيطلقها من يريد حقها، فينكرها من يريد باطلها، فَيَرُدُّ عليه من يريد حقها…». اهـ.([158])

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية اعتقاد بعض المشايخ، وَمَدَحَهُ في الجملة، ثم قال: «ومع ما في كتابه من الفوائد في المقولات والمنقولات؛ ففيه أحاديث ضعيفة، بل باطلة، وفيه كلمات مجملة، تحتمل الحق والباطل رواية ورأيًا، وفيه كلمات باطلة في الرأي والرواية، وقد جعل الله لكل شيء قدرا». اهـ([159]).

فذكر أن الإجمال من العيوب التي تؤخذ على كاتب تلك الرسالة في اعتقاد بعض الشيوخ.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رسالته إلى عبد العزيز الخطيب: «…فإن الإجمال والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله؛ يحصل به من اللبس والخطأ، وعدم الفقه عن الله ما يُفسِدُ الأديان، ويشتِّت الأذهان، ويَحُولُ بينها وبين فَهْم القرآن، قال ابن القيم في «كافيته» ـ تعالى ـ:

فعليكَ بالتفصيـلِ والتبيينِ فالْـإطلاقُ والإجمالُ دون بيانِ
قد أفسَدَا هذا الوجودَ وخَبَّطَا الْـذهانَ والآراءَ كلَّ زمان. اهـ.([160])

وقال سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز في رسالة له ينصح فيها أحد الدعاة: «…فنوصيكم بالعناية دائمًا في المحاضرات وغيرها بالبيان والإيضاح وعدم الإجمال». اهـ.([161])

* فهذا كله يدل على أهمية التفصيل والبيان، حتى لا يلتبس الأمر على المخاطَب، لا سيما في هذا الزمن الذي قَلَّ فيه من يفهم الكلام، وقد يُحْسِنُ فهمه؛ لكن قد يكون له قصد سيئ، فينقله على غير وَجْهِهِ، متسترًا بجدُر الألفاظ الموهِمَةِ المحتمِلَة.

* وليس معنى ذلك: أن المتكلم لا يقع في الإجمال أصلًا؛ فإن النبي
-صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم، وفواتحه، وخواتمه، واخْتُصِرَتْ له الحكمة اختصارًا، ومع ذلك يوجد في كلامه كلام مجمل في موضع، ويبينه في موضع آخر، وهكذا من تكلم باللسان العربي، فإن ذلك يجري في كلامه، لكن المقصود من ذلك: ألَّا يُجمل المتكلم في موضع البيان، ولا يطلق في موضع التقييد، ولا يُجمل مريدًا بذلك معنى فاسدًا؛ فإن ذلك يفسد أيما إفساد، والله المستعان.

* لكن إذا وقع الإجمال؛ تعين الاستفصال ـ عند الاشتباه ـ فقد قال شيخ الإسلام : «وأما الألفاظ المجملة فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال، والفتن والخبال، والقيل والقال، وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء». اهـ.([162])

* وإذا كان الأمر كذلك؛ فما المانع من أن يقع الإجمال من المتكلم في موضع، ويكون له ما يفصِّله في موضع آخر، فيحمل هذا على ذاك، كما هو الحال في الأحاديث النبوية؟!

وقد قال أبوبكر الصيرفي: «النبي عربيٌّ، يخاطِبُ كما يخاطِب العربُ، والعرب تُجْمِلُ كلامها، ثم تفسِّره، فيكون كالكلمة الواحدة، قال: ولا أعلم أحدًا أَبَى هذا غير داود الظاهري…»اهـ.([163])

فهذا الصيرفي يستدل على حمل المجمل على المفصّـل في كلام النبي
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بكون النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -عربيًّا، والعرب تُجْمِلُ وتُفَصِّل، فجعل حَمْل المجمل على المفصل من كلام العرب أصلًا، وألزم المخالف بأن يعمل كذلك في كلام رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بجامع العربية، فأين هذا من كلام مَن عكس القضية؟!

ودعوى التفرقة بين كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وبين كلام الناس ـ في هذا الباب- دعوى لا دليل عليها، بل قد دل الدليل على خلافها، بل هي مخالفة للعقل والنقل، كما سيأتي – إن شاء الله -.

رابعًا: في تطبيق الصحابة -رضي الله عنهم- والعلماء بعدهم لقاعدة حَمْل المجمل على المفصَّل:

أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ:

* أخرج البخاري في «صحيحه»([164]) من حديث عائشة، في قصة الإفك، وفيه: «قال عروة: كانت عائشة تكره أن يُسَبَّ عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:

فإنَّ أبي ووالدَهُ وعِرْضِيلِعِرْضِ محمدٍ منكم وِقَاءُ».

وأخرج البخاري أيضًا([165]) عن عروة، قال: «ذَهبْتُ أَسُبُّ حسان عند عائشة، فقالت: لا تَسُبَّه؛ فإنه كان ينافح عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-…».

* وأخرج البخاري ومسلم -رحمهما الله-([166]) عن مسروق، قال: «دخلنا على عائشة -رضي الله عنها- وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرًا، يُشبِّب بأبيات له، وقال:

حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَـةٍوتُصْبِحُ غَرْثَى من لحومِ الغوافلِ

فقالت عائشة -رضي الله عنها-: «لكنَّكَ لستَ كذلك»، قال مسروق: فقلت لها: لِمَ تأذنين له أن يَدْخُلَ عليك، وقد قال الله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ] {النور:11}، فقالت: وأي عذاب أَشَدُّ من العَمَى؟ قالت له: إنه كان ينافح -أو يهاجي- عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-».

وَجْهُ الشاهد:

أن مسروقًا أنكر على أم المؤمنين -رضي الله عنها- إذنَها لحسان -رضي الله عنه- بالدخول عليها، وتلا الآية الكريمة، هذا مع علم عائشة ومسروق وغيرهما أن حسان بن ثابت قد تاب إلى الله مما جرى منه في شأن حادثة الإفك، فالذي يظهر لي: أن مسروقًا كان يظن أن توبة حسان، كانت فيها شبهة من توبة الآخرين من المنافقين، الذين أظهروا التوبة، وفي قلوبهم الغيظ على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأهله، وإلا فلماذا يَتَكَلَّم فيه مسروق بعد اشتهار توبته؟! ثم لماذا لم تستدل عائشة عليه في دفع قوله بتوبة حسان؟! بل دفعت عائشة هذا الفهم الخاطئ الموجود عند مسروق بأمر آخر، فاستدلت -في جملة كلامها- بأنه كان ينافح عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أي: والمنافقون لا يدافعون عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بل هم العدو، فاعتراض مسروق، وجواب أم المؤمنين بما سبق، دون أن تشير لتوبة حسان من قريب أو بعيد؛ كل هذا يدل على أنها قد فهمت من مسروق أنه يرميه بالنفاق، أو بشيء من النفاق، ولعل في استدلاله بقوله تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ] {النور:11}، ما يشير إلى ذلك أيضًا.

وبمثل هذا قُلْ في سب عروة لحسان، وجواب أم المؤمنين عليه ببيت شعر من قصيدة حسان، التي يرد فيها على ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، أي: وكيف يكون حسان -رضي الله عنه- من المنافقين، وهو يجعل عِرْضَه ووالده وجَدَّه فداءً لعِرْضِ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟!

فاستدلال مسروق، وجواب عائشة -رضي الله عنها- عليه وعلى عروة؛ يدل ذلك كله على أن بعض من كان يقع في حسان -آنذاك- كان مكذّبًا له في توبته الصادقة، متهمًا له بأنه على طريقة المنافقين في أمر الإفك، ولكن ورع عائشة -رضي الله عنها- يمنعها من أن تقبل ذلك في رجل قد عُرف بمنافحته عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- منذ أسلم -وإن كان قد تكلم فيها- كيف وهو القائل([167]):

فكيف ووُدِّي ما حَيِيتُ ونُصْرَتيِلآلِ رســولِ اللهِ زَيْنِ المحافــلِ

واعلم -رحمك الله- أنه قد فهم البعض من إخواننا أن كلام حسان في عائشة -رضي الله عنها- ليس بمجمل، وعلى ذلك: فلا شاهد -عندهم- في هذه القصة على ما نحن فيه من الرد على الغلاة، وغاب عن ذهنهم أن الشاهد ليس من جهة كلام حسان؛ فإن كلام حسان -رضي الله عنه- في أم المؤمنين خطأ، لا يشك في ذلك أحد، إنما الإجمال في تحديد ما هو الدافع لحسان في هذا الكلام، هل هو النفاق كابن سلول؟ أم أنها زلة فقط، مع وجود الصدق والإيمان؟! فوقع في حسان من وقع فيه على الاحتمال الأول، ودافعت عنه عائشة، مثبتة له الاحتمال الثاني، واستدلَّتْ ببيت شعر له في ذلك؛ كما استدلَّتْ بحال حسان المعروف بالمنافحة دائمًا عن رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذا استدلال بقرينة منفصلة، غير متصلة بسياق حادثة الإفك، كما أنها غير متصلة بكلام حسان في أم المؤمنين -رضي الله عنهما- فكان هذا دفاعًا منها عن حسان، ودفعًا للنفاق عن شاعر رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- -مع الاعتراف بالخطأ الذي وقع فيه- ولسان حالها يقول: أي وإن كان قد تكلم فيَّ مع من تكلم؛ إلا أنه ليس من المنافقين، وحاله غير حالهم، فأين الثرى، وأين الثريا؟! والدليل على ذلك: حالُهُ المشهور بالدفاع عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعن أهل بيته، وشِعْرُهُ الصريحُ في الذب عن عرض رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأهلُ بيته من عرضه، فكان هذا من باب دفع أحد الاحتمالين في الأمر المجمل أو المحتمل أو المشتبه، وذلك بالنظر إلى المفصَّل المبين المفسَّر الجلي من واقع حسان وتاريخه، وليس لقرينة متصلة، كما يزعم الغلاة وكبيرهم، والله تعالى أعلم.

* (تنبيه): قال القرطبي ([168]): غير أنه قد حكى أبو عمر -وهو ابن عبد البر- أن عائشة قد برَّأت حسان من الفرية، وقالت: إنه لم يقل شيئًا، وقد أنكر حسان أن يكون قد قال من ذلك شيئًا، في البيت الثاني الذي ذكره متصلًا بالبيت المذكور آنفًا، فقال:

فإنْ كان ما قد قيل عَنِّيَ قلتُهفلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلىَّ أناملي

فيحتملُ أن يقال: إن حسان ينفي: أن يكون قال ذلك في عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- نصًا أو تصريحًا، ويكون قد عرّض بذلك، وأومأ إليه، فنُسب ذلك إليه، والله أعلم.

وقد اختلَفَ الناس فيه: هل خاض في الإفك، أم لا؟ وهل جُلِدَ الحد، أم لا؟ فالله أعلم أي ذلك كان.([169])اهـ.

قلت: الروايات الصحيحة تدفع هذه الاحتمالات- كما تقدم- على أنه لو صح ما قال ابن عبد البر؛ فإن هذا يدل على أن الرجل المعروف بالخير، إذا بلغنا عنه خلاف هذا الخير؛ فإننا لا نتعجل في اتهامه به، ونستدل على بطلانه بما هو معروف من حاله الصالح، وكل هذا خلاف ما عليه المخالفون في هذا الزمان، والله المستعان.

معاذ بن جبل -رضي الله عنه-:

في قصة غزوة تبوك، وتوبة كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ فقد أخرج البخاري ومسلم -رحمهما الله-([170]) وفيها: «…ولم يذكرني رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حتى بلغ تَبُوكًا، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟»، قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حَبَسَهُ بُرداه والنظرُ في عِطفَيْهِ، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قُلْتَ، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا، فَسَكَتَ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-…». اهـ.

وجه الشاهد: لقد تخلف كعب -وهو رجل صادق- كما تخلف كثير من المنافقين وبعضُ الصادقين، والتخلُّف قد يكون عن نفاق وبُغْضٍ للجهاد في سبيل الله، وقد يقع من الرجل الصادق الذي يَفْدِي رسولَ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بنفسه وماله، فلما سأل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن سبب تأخُّر كعب بن مالك؛ أجاب رجل من بني سلمة، فقال: حَبَسَهُ بُرداه، والنظرُ في عِطْفَيْه، أي: جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه([171]).

وقال القرطبي في «المفهم»([172]): «…فنسب كعبا إلى الزُّهُوِّ والكبر». اهـ.

وفي هذا اتهام لكعب من جهة صدقه وحُسْنِ بلائه لهذا الدين؛ فمِنْ ثَمَّ أنكر معاذ -رضي الله عنه- هذا المعنى الذي فُهِم من كلام الرجل السُّلَمِي، كما قال القرطبي : «…وكانت نِسْبَةً باطلة؛ بدليل شهادة العدل الفاضل معاذ بن جبل…»([173]وقال النووي : «هذا دليل لرد غِيبة المسلم الذي ليس بمتهتك – أو بمنهمك- في الباطل». اهـ([174]).

هذا مع علم معاذ بأن كعبًا -رضي الله عنهما- قد تخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهذا لا إشكال فيه، إنما الإشكال في حمل تخلف كعب على معنى غير مألوف من كعب؛ فكعب رجل صادق، ولا يتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لشيء من هذه المعاني المريبة؛ ولذلك فقد استدل معاذ – في حضرة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دون أن يُنْكِر عليه- بما هو معلوم من حال كعب، فقال: «بئس ما قُلْتَ، والله، يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا…» فسكت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولم يقل: لكن تخلَّف كما تخَلَّف غيره من المنافقين؛ فهو منهم!!!

فقد دفع معاذ هذا المعنى المريب -وهو أحد الاحتمالات التي حَمَلَتْ كعبًا على التخلف- بما هو معروف من صدقه وقوة إيمانه، وحضوره بيعة العقبة، التي لها شأنها في نفوس المسلمين -وهذه قرينة منفصلة- فكيف يتخلَّف من كان كذلك؛ رغبةً بنفسه عن نفس رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟!

الإمام الشافعي ـ تعالى ـ:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ([175]): «…. ومن الحكايات المعروفة عن الشافعي -رحمة الله تعالى عليه- أن الربيع قال له في مرضه: «يا أبا عبد الله، قَوَّى الله ضَعْفَكَ»، قال: يا أبا محمد، لو قوَّى ضعفي؛ لهلكت!! فقال له الربيع: لم أقصد إلا خيرًا، فقال: لو شتمتني صريحًا؛ لَعَلِمْتُ أنك لم تقصد إلا الخير، فقال الربيع: كيف أقول؟ قال: قُلْ: برّأ الله ضَعْفَكَ».([176])

قال شيخ الإسلام : فإنَّ الشافعي نظر إلى حقيقة اللفظ، وهو نفس الضعف، والربيع قصد أن يسمِّي الضعيفَ ضعفًا، كما يُسمِّي العادلَ عدلًا، ثم لما علم الشافعي بحُسْن قَصْده؛ أوجب أن يقول: لو سببتني صريحًا- أي: صريحًا من جهة اللغة- لَعَلِمْتُ أنك لم تقصد إلا خيرًا، فقدّم عليه عِلْمَهُ بحسن قصده، ولم يجعل سوء العبارة منتقصًا، وقد يسبق اللسان بغير ما يقصد القلب، كما يقول الداعي من الفرح: «اللهم أنت عبدي، وأنا ربك»، ولم يؤاخذه الله تعالى». اهـ.

ففي هذا بيان أن القصد الحسن يكون سببًا في تأويل الظاهر من اللفظ القبيح، فضلًا عن المجمل الذي يحتمل القبيح والحسن على وجه سواء، ومع ذلك فيُرشَدُ المتكلِّم إلى تصحيح لفظه؛ ليوافق لفظُه قصدَه الحسنَ، وهذا ما فعله الإمام الشافعي مع الربيع، والله تعالى أعلم.

* الإمام أحمد بن حنبل ـ تعالى ـ وأبو خليفة الفضلُ بنُ الحباب البصري المتوفَّى سنة (305هـ)، وترجمته في «النبلاء»([177]والخطيب، وهو أحمد بن علي بن ثابت المتوفَّى سنة 463هـ ـ جميعًا ـ:

فقد جاء في «مسائل ابن هانئ»([178]) قال: وسئل -أي أحمد- عن قول شعبة: «إن هذا الحديث يَصُدُّكُم عن ذِكْرِ الله، وعن الصلاة»؟ فقال: لعل شعبة كان يصوم، فإذا طلب الحديث، وسعى فيه؛ يَضْعُف؛ فلا يصوم، أو يريد شيئًا من الأعمال، أعمال البر؛ فلا يقدر أن يفعله للطلب؛ فهذا معناه». اهـ.

فعلى الرغم من كون ظاهر كلام شعبة يدل على التنفير عن الحديث – ولذا أوَّله العلماء – والتنفير عن طلب الحديث معروف عن أهل البدع، الذين يحذِّرون الناس من الحديث وأهله، إلا أن الإمام أحمد نظر إلى حال شعبة، وهو معروف بالرحلة في الطلب، بل هو أمير المؤمنين في هذا الشأن، فكيف يُحَذِّر مِنَ الحديث مَنْ قضى عمره في تحصيله ونشره، والذب عنه؟! فلما كان هذا الحال متيقنًا في شعبة؛ لَزِمَ تأويلُ كلام شعبة، وحَمْلُه على مَحْمَلٍ آخر يليق بمكانته، فأوّله أحمد بما رأيت.

وهذا الذي فهمه أحمد، قد فهمه غيره أيضًا: فقد أخرج الخطيب بسنده في «شرف أصحاب الحديث»([179]) إلى أبي خليفة، وهو الفضل بن الحباب البصري، قال: سمعت أبا الوليد -وهو الطيالسي- يقول: سمعت شعبة يقول: «إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة؛ فهل أنتم منتهون».

قال أبو خليفة : يريد شعبة أن أهله -أي أهل الحديث المُولَعِينَ بالرحلة- يضيِّعون العمل بما يسمعون منه، ويتشاغلون بالمكاثرة به، أو نحو ذلك، والحديث لا يَصُدُّ عن ذكر الله، بل يهدى إلى أمر الله، وذَكَر كلامًا». اهـ.

ثم ساق الخطيب بسنده إلى ابن هانئ فذكر كلام أحمد السابق، ثم قال الخطيب : «قلت: وليس يجوز لأحد أن يقول: كان شعبة يثبِّط عن طلب الحديث، وكيف يكون كذلك؛ وقد بلغ قَدْرُهُ أن سُمِّي أمير المؤمنين في الحديث؟! كل ذلك لأجل طلبه له، واشتغاله به، ولم يزل طول عمره يطلبه حتى مات على غاية الحرص في جمعه، لا يشتغل بشيء سواه، ويكتب عمَّن دونه في السنن والإسناد، وكان من أشد أصحاب الحديث عناية بما سمع، وأحسنهم إتقانًا لما حفظ». اهـ.

فهذا استدلال من هؤلاء العلماء بقرينة منفصلة غير متصلة، وهي الاستدلال بحال شعبة وتاريخه في جمع الحديث وبَثِّه، بل الكلام في رواته ونقلته، بما يميز صحيحه من سقيمه.

* أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفَّى (671هـ) فقـد قــال فــي «الجامع لأحكام القرآن»([180]) عند قوله تعالى: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ] {البقرة:124}، الآية، قال : «والمفسَّر يقضي على المجمل». اهـ.

* ابن بطال: علي بن خلف بن عبد الملك أبو الحسن، المتوفَّى سنة 449ﻫ، والحافظ ابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفَّى سنة 852ﻫ ـ رحمهما الله تعالى ـ:

جاء في شرح ابن بطال لـ«صحيح البخاري»([181]) في حديث قصة الحديبية، وفيه: «…حتى إذا كان بالثنيّة، التي يهبط عليهم منها؛ بَرَكَتْ به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلَأت القصواءُ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما خلأت القصواءُ، وما ذاك لها بخُلُق؛ ولكن حَبَسَها حابسُ الفيل…».

قال ابن بطال : «وقوله في الناقة: «ما خلأت، وما هو لها بخلُق» فالخَلأُ في النوق مثل الحِرَانِ في الخيل، وفيه دليل على أن الأخلاق المعروفة من الحيوان، كُلَّها يُحْكَم بها على الطارئ الشاذ منها؛ ولذلك إذا نُسب إنسان إلى غير خُلُقِهِ المعلوم في هفوة كانت منه؛ لم يُحْكَمْ بها». اهـ.

وجاء في «فتح الباري» للحافظ ([182]) وقد نقل عن ابن بطال وغيره بعض الفوائد، وفيه: «… جواز الحكم على الشيء بما عُرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يُعْهَد منه مثلُها؛ لا يُنسب إليها، ويُرَدُّ على من نسبه إليها، ومعذرةُ من نسبه إليها، ممن لا يعرف صورة حاله؛ لأن خلاء القصواء لولا خارق العادة؛ لكان ما ظنه الصحابة صحيحًا، ولم يعاتبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك؛ لعُذْرِهم في ظنهم…». اهـ.

فتأمل قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «…وما ذاك لها بخُلق»، فإذا كانت العادة في بعض الحيوانات معتبرة، وتُحْمَل عليها الحالاتُ الطارئةُ الشاذةُ من بعض الحيوانات؛ فما الظن بعادة أهل العلم والفضل وعرفهم المعروف عنهم، اجتماعًا أو آحادًا؟!!.

فهل يفيق هؤلاء الغلاة من غفلتهم، ويرتدعون عن فتنتهم، ويتَخَلَّوْن عن رعونتهم؟!!

* ابن الصلاح تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري، المتوفَّى سنة (643هـ) ـ تعالى ـ:

فقد جاء في «تاريخ الإسلام» وفيات سنة(641 ـ 660هـ)([183])، ترجمة علي بن محمد بن حبيب: «قال أبو عمرو بن الصلاح : هو متهم بالاعتزال، وكنت أتأول له، وأعتذر عنه، حتى وجدته يختار في بعض الأوقات أقوالهم». اهـ.

فالعلماء يتأولون للشخص، مادام له مخرج شرعي، دون تكلف أو تعسف، وما داموا يحسنون به الظن، فإذا ظهر لهم حقيقة أمره؛ صرَّحوا بضلالته، ولم يرمهم أحد بتمييع، أو انحراف عن السلفية، كما فعل الغلاة وكبيرهم، والله المستعان.

* شيخ الإسلام ابن تيمية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، المتوفَّى سنة (728ﻫ) ـ تعالى ـ:

والناظر في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية يجد طائفة عظيمة من التنصيص عن ذلك الإمام الهمام، يوضح فيها أن كلام الرجل يُضَمُّ بعضُه إلى بعض، ويُفَسِّر بعضُه بعضًا، وأن تَرْك ذلك السبيل؛ من الظلم والجهل على عباد الله، وها أنذا أسوق ما تيسر من كلامه – :

ففي «الصارم المسلول»([184]) قال : «…وأَخْذُ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات، من غير مراجعة لما فسّروا به كلامهم، وما تقتضيه أصولُهم؛ يَجُرُّ إلى مذاهب قبيحة…». اهـ.

فتأمل ضرورة الرجوع إلى كلام الفقهاء المفسَّر، والاعتبار بأصولهم، فيتضح بذلك المراد من مطلق أو مجمل كلامهم، وقد سبق عن شيخ الإسلام في فصل التعريفات، بأن المتقدمين كانوا يطلقون المجمل على المطلق والعام، فدل ذلك على أن المجمل والعام والمطلق كل ذلك عند الفقهاء يُعرف بمفسّرهم وأصولهم، والله أعلم.

وفي «الجواب الصحيح، لمن بدَّل دين المسيح»([185]) في سياق بيان السبب الذي ضل من ضل به في تأويل كلام الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، قال ـ: «فإنه يجب أن يُفسَّر كلامُ المتكلِّم بعضُهُ ببعض، ويُؤْخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتُعرف ما عادته يَعْنِيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلّم به، وتُعرف المعاني التي عُرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرفُه وعادتُه في معانيه وألفاظه؛ كان هذا مما يُسْتَعان به على معرفة مراده، وأما إذا استَعْمَلَ لفظَهُ في معنى لم تَجْرِ عادته باستعماله فيه، وتَرَكَ استعماله في المعنى الذي جَرَتْ عادته باستعماله فيه، وحُمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ، بِجَعْلِ كلامه متناقضًا، وتَرْكِ حَمْلِهِ على ما يناسب سَيْرَ كلامه؛ كان ذلك تحريفًا لكلامه عن موضعه، وتبديلًا لمقاصده، وكذبًا عليه؛ فهذا أَصْلُ مَنْ ضَلَّ في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم…». اهـ.

فهذا الكلام عبارة عن قاعدة عامة، كما هو واضح من قوله: «فإنه يجب أن يُفسَّر كلام المتكلِّم…إلخ»، وليس خاصًّا بكلام الأنبياء – عليهم السلام – فشيخ الإسلام أراد أن يقرِّر أصلًا متفقًا عليه بين العقلاء، فإذا كان هذا الأصل معمولًا به مع غير الأنبياء؛ فكيف يُترك مع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؟! أقول هذا، حتى لا يتشبث أحد بقوله: «فهذا أصل من ضل في تأويل كلام الأنبياء على غير مرادهم»، ولأن شيخ الإسلام له كلام كثير جدًّا في عدَّة مواضع في تقرير هذا الأصل في كلام غير الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-، ولم أقف على موضع واحد من كلامه يصرح فيه بالفرق بين كلام الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وغيرهم من هذه الناحية، بل جاء عنه التصريح بذم من لم يجمع كلام غير الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بعضَهُ مع بعض، والله أعلم.

وفي «مجموع الفتاوى»([186]) في سياق الكلام على بعض أهل الحلول، الذين يستدلون بكلمات مجملة عن بعض المشايخ، قال : «وهؤلاء قد يجدون من كلام بعض المشايخ، كلماتٍ مشتبهةً مجملة، فيحملونها على المعاني الفاسدة، كما فعلت النصارى فيما نُقل لهم عن الأنبياء، فيَدَعون المُحْكَم، ويتبعون المشابه». اهـ.

وفي «الرد على البكري»([187]) في سياق كلام شيخ الإسلام على تلبيس البكري؛ وذلك لأن شيخ الإسلام قد صرح بالاستغاثة بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مواضع تليق بمنصبه، ونَفَي الاستغاثة به في غيابه وبعد مماته، وذكر أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يشفع للمؤمنين بإذن من ربه يوم القيامة، فشنع عليه الخصم، وادعى أن شيخ الإسلام ينكر صلاحية النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للاستشفاع به، عندما منع الاستغاثة به بعد مماته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقال شيخ الإسلام مجيبًا عليه:

«واللفظ الذي يُوهِم فيه نفي الصلاحية؛ غايته أن يكون مُحْتَمِلًا لذلك، ومعلوم أن مُفَسَّر كلام المتكلِّم يقضي على مجمله، وصريحَهُ يُقَدَّمُ على كنايته، ومتى صدر لفظ صريح في معنى، ولفظ مجملٌ نقيضُ ذلك المعنى، أو غير نقيضه؛ لم يُحمل على نقيضه جزمًا، حتى يترتب عليه الكفر؛ إلا مِنْ فَرْطِ الجهل والظلم». اهـ.

فتأمل – أخي الكريم – هذا الكلام الصريح في موضع النزاع، ودَعْ عنك بُنَيَّاتِ الطريق!!

وقال أيضًا ([188]): «لكن اللفظ المجمل إذا صَدَر ممن عُلم إيمانه؛ لم يُحمل على الكفر بلا قرينة ولا دلالة؛ فكيف إذا كانت القرينة تصرفه إلى المعنى الصحيح؟!». اهـ.

وفي هذا رد على من يحمل اللفظ المجمل من الرجل الصالح على المعنى السيئ، بدون قرينة تدل على أنه أراد المعنى السيِّئ في هذا الموضع، والله أعلم.

وفي «الإخنائية»([189]) قال : «وأما التصريح باستحباب السفر لمجرد زيارة قبره دون مسجده؛ فهذا لم أره عن أحد من أئمة المسلمين، ولا رأيت أحدًا من علمائهم صرَّح به، وإنما غاية الذي يَدَّعي ذلك؛ أنه يأخذه من لفظ مجمل، قاله بعض المتأخرين، مع أن صاحب ذلك اللفظ، قد يكون صرح بأنه لا يُسافَرُ إلا إلى المساجد الثلاثة، أو أن السفر إلى غيرها مَنْهِيّ عنه، فإذا جُمِعَ كلامُهُ؛ عُلِمَ أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرَّد القبر، بل للمسجد». اهـ.

فتأمل حمل المجمل على المفصل المنفصل عنه، ولا تغتر بالحمية الجاهلية، وطيش الطائشين، والله المستعان.

وفي «منهاج السنة النبوية»([190]) ذكَرَ شيخ الإسلام قول الجهمية في الحلول، وأن لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي كلامًا يوهم ذلك، وإن كان لا يريده، فقال : «وأبو إسماعيل لم يُرِدْ هذا؛ فإنه قد صرح في غير موضع من كتبه بتكفير هؤلاء الجهمية الحلولية، الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، وإنما يشير إلى ما يختص به بعض الناس، ولهذا قال: ألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته…»اهـ.

فتأمل كيف دفع المعنى القبيح عن الهروي، بما عُرف به الهروي من نصرته للسنة، وشدته على أهل البدع، وكذلك بما ألَّفه من كُتُبٍ صرَّح فيها بالمعنى الصحيح، هذا مع إنكار شيخ الإسلام ابن تيمية عليه دخوله في هذه المضايق، ورَدِّهِ عليه بشدة في بعض المواضع، وهكذا فليكن العلم والعلماء.

وفي «الاستقامة»([191]) ذكر قول الجنيد: «التوحيد إفراد القِدَمِ من الحَدَثِ»، ثم قال: «قلت: هذا الكلام فيه إجمال، والمحقُّ يَحْمِله محملًا حسنًا، وغير المحق يُدخل فيه أشياء…». اهـ.

وهكذا أهل الأهواء يتبعون ما تشابه، وَيَدَعُون المحكم، من كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-وكلام أهل العلم سلفهم وخلفهم – تعالى-!!

وفي «الاستقامة» ـ أيضًا ـ([192]) قال :«قال ـ أي القشيري ـ: ورأيت بخط الأستاذ أبي عليٍّ: أن قيل لصوفي: أين الله؟ فقال: أَسْحَقَكَ الله، تَطْلُب مع العين أثرًا؟ فقال شيخ الإسلام: «قلت: هذا كلام مجمل، قد يَعْنِي به الصِّدِّيق معنى صحيحًا، ويَعْنِي به الزنديق معنى فاسدًا». اهـ.

فهذا يدل على أنه في مثل هذه المواضع؛ يُرجع لحال القائل، ويُفْهَم كلامه بذلك، أو بمجموع كلامه الآخر، والله أعلم.

ونقل كلامًا مجملًا لم يصح عن الجنيد([193])، ونقل عنه كلامًا مفسرًا، وقال: «قلت: فهاتان المقالتان أسندهما -يقصد القشيري في رسالته- عن الجنيد، وأما القول الأول فلم يُسْنِدْهُ، بل أرسله، وهذان القولان مفسَّران، والقول الأول مجمل، فإن كان الأول محفوظًا عن الجنيد؛ فهو يحتمل السماع المشروع؛ فإن الرحمة تنـزِل على أهله -أي على أهل السماع المشـروع- كمــا قــال تعالى: [ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ] {الأعراف:204}؛ فذكر أن استماع القرآن سبب الرحمة…». اهـ.

فهذه المواضع -وغيرها- تدل على حمل المجمل على المفصَّل، بل على تأويل الظاهر، وترك العمل به، والعمل بالاحتمال المرجوح، إذا توافر سبب ذلك، كما سيأتي مفصلًا ـ إن شاء الله تعالى ـ والله أعلم.

وفي «مجموع الفتاوى»([194]) قال : «ومن أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكِّلم، مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس، ثم يُعْتَبَرُ أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر…». اهـ.

فتأمل كيف عدّ ذلك من أعظم التقصير، مما يدل على أصالة هذه القاعدة وعراقتها عند أهل العلم، بل عند العقلاء، فكيف يسوغ لغلاة عصرنا -في هذا الجانب- أن يرفعوا عقيرتهم -جهلًا وتعالمًا- بإنكار هذه القاعدة العريقة العتيقة؟! كل ذلك من أجل أن يُسوِّغوا طعنَهم فيمن كان أوْلى بالحق منهم!!

وقال في «اقتضاء الصراط المستقيم»([195]) وقد نقل كلامًا للإمام أحمد في إحياء الذمي للأرض، ثم قال: «ولكن هذا كلام مجمل، وقد فَسَّرَه أبو عبد الله في موضع آخر، وبيَّن مأخذه، ونَقْلُ الفقه: إن لم يَعْرِف الناقلُ مأْخَذَ الفقيه؛ وإلا فقد يقع في الغلط كثيرًا». اهـ.

ولشيخ الإسلام كلام كثير في كون العبرة بقصد المتكلم، لا بمجرد لفظه، وأن ذلك يُعرف من عُرفه وعادته، وأن كلامه يُحمل على ذلك، لا على عُرف غيره من الناس، وحَمْل كلام المتكلِّم على أحسن وجه، إذا أمكن أن يكون له وجه صحيح، وكذلك كان – إذا وقف على كلام مجمل من كلام خصمه؛ استفصل، وقال: إن كنت تريد كذا؛ فكذا، وإن كنت تريد كذا؛ فكذا، ولم يَجْزِمْ بحَمْلِه على المعنى السيئ في مقام الرد على الخصم، ومناقشته في دعواه، وبيان ما عنده من حق، فيُقْبَل، أو باطل، فيُرَد، وهذا من تمام الإنصاف الذي حُرِمه غلاةُ عصرنا شيبا وشُبانا!!([196]).

* الإمام ابن القيم ـ تعالى ـ شمس الدين أبوعبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، المتوفَّى سنة 751ﻫ. وقد أردفته بشيخ الإسلام؛ لشدة صلته به -رحمهما الله- ولتشابه كلامهما:

فلابن القيم تعالى- كلام كثير في تقرير قاعدة حَمْلِ كلام المتكلِّم بعضِهِ على بعض، ليفسِّر بعضُه بعضًا، ومراعاة قَصْد المتكلم وعادته وعُرفه، وإليك بعضَ كلامه :

ففي «مدارج السالكين»([197]) ذكر كلامًا لأبي إسماعيل الهروي المُلَقَّبِ بـ(شيخ الإسلام)، ظاهره القول بالاتحاد، فَحَمَلَهُ على مَحْمَلٍ حسنٍ -مع تخطئته إياه في العبارة- ثم قال: «والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما أعظَمَ الباطل، ويريد بها الآخر مَحْضَ الحق، والاعتبارُ بطريقة القائل، وسيرته، ومذهبه، وما يدعو إليه، ويناظِرُ عليه، وقد كان شيخ الإسلام -قدّس الله روحه- راسخًا في إثبات الصفات، ونفي التعطيل، ومعاداة أهله، وله في ذلك كُتُبٌ، مثل كتاب «ذم الكلام» وغير ذلك مما يخالف طريقة المعطلة والحلولية والاتحادية…» إلخ. اهـ.

فتأمل كيف أوّل الإمام ابن القيم كلام شيخ الإسلام الهروي الظاهر في المعنى القبيح، متكئًا في ذلك على حياة الرجل، وجهاده ضد أهل البدع، وما أَلَّفه في ذلك من كُتُب، وهذا منه صَرْفٌ للظاهر القبيح لمعنى آخر مقبول بدليل منهج الرجل وحياته ـ وهذه قرينة منفصلة، غير متصلة ـ بل قد وَضَعَ الإمام ابن القيم لذلك قاعدة، وهي أن الكلمة الواحدة، قد يقولها محق ومبطل، ولكل منهما قَصْد يليق به، وقد سبق نحو ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيميَّة فلابد من الرجوع إلى منهج القائل، هذا مع استنكار العبارة الموهمة، ولكن إذْ قد وقع الأمر وهو الإيهام؛ فلابد من الرجوع لهذا التفصيل.

ومما يدل على أن كلام الهروي لم يكن مجملًا، بمعنى احتمال أمرين متغايرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، بل كان ظاهره قبيحًا: ما قاله الإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»:([198]) «وصاحب المنازل يعني أبا إسماعيل الهروي- كان شديد الإثبات للأسماء والصفات، مضادًّا للجهمية من كل وجه، وله كتاب «الفاروق»، استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها، ولم يُسْبَقْ إلى مثله، وكتاب «ذم الكلام وأهله» طريقته فيه أحسن طريقة، وكتاب لطيف في أصول الدين، يسلك فيه طريقة أهل الإثبات ويقررها، وله مع الجهمية المقامات المشهودة، وسَعَوْا بقتله إلى السلطان مرارًا عديدة، والله يعصمه منهم، ورموه بالتشبيه والتجسيم، على عادة بَهت الجهمية والمعتزلة لأهل السنة والحديث، الذين لم يتحيزوا إلى مقالة غير ما دل عليه الكتاب والسنة، ولكنه كانت طريقته في السلوك مضادة لطريقته في الأسماء والصفات؛ فإنه لا يقدِّم على الفناء شيئًا، ويراه الغاية التي يشمِّر إليها السالكون، والعَلَم الذي يَؤُمُّهُ السائرون، واستولى عليه ذوقُ الفناء، وشهودُ الجَمْع، وعَظُمَ مَوْقِعُهُ عنده، واتسعت إشاراته إليه، وتنوعت به الطرق الموصلة إليه، عِلمًا وحالًا وذوقًا؛ فتضمَّن ذلك تعطيلًا من العبودية، باديًا على صفحات كلامه، وِزَانَ تعطيل الجهمية، لما اقتضته أصولُهم من نَفْي الصفات، ولَمَّا اجتمع التعطيلان لمن اجتمعا له من السالكين؛ تَوَلَّد منهما القول بوحدة الوجود، المتضمن لإنكار الصانع وصفاته وعبوديته، وعَصَم الله أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السلف في إثبات الصفات، فأشرف مِنْ عَقَبَة الفناء، على وادي الاتحاد، بأرض الحلول، فلم يسلك فيها، ولوقوفه على عقبته، وإشرافه على تلك الربوع الخراب، ودعوة الخلق إلى الوقوف على تلك العقبة؛ أقسمتْ الاتحاديةُ بالله جَهْدَ أيمانهم، إنه لمعهم ومنهم؛ وحاشاه، وتولَّى شرحَ كتابه أشدُّهم في الاتحاد طريقةً، وأعظمُهُم فيه مبالغةً وعنادًا لأهل الفِرَق: العفيفُ التلمساني، ونزّل الجَمْعَ الذي يشير إليه صاحب «المنازل»: على جَمْعِ الوجود، وهو لم يُرِدْ به -حيث ذَكَره- إلا جَمْعَ الشهود، ولكن الألفاظ مجملة، وصادفت قلبًا مشحونًا بالاتحاد، ولسانًا فصيحًا متمكنًا من التعبير عن المراد، [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النور:40}. اهـ.

فتأمل هذا الموضع، فقد استعمل الإمام ابن القيم كلمة «المجمل» في موضع «الظاهر القبيح»، وذلك لأنه قد ذكر أن كلمات الهروي: «تتضمن تعطيلًا من العبودية، باديًا على صفحات كلامه، وِزَانَ تعطيل الجهمية».

فهذا يدل على أن احتمال المعنى القبيح بادٍ ظاهرٌ على صفحات كلام الهروي، وليس الكلام محتملًا لأمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، ومع ذلك فقد قال الإمام ابن القيم واصفًا كلام الهروي، وموقف التلمساني منه: «ولكن الألفاظ مجملة، وصادفت قلبًا مشحونًا بالاتحاد… إلخ»، فقد استعمل الإمام ابن القيم ـ في هذا الموضع الذي لا خفاء فيه ـ المجمل في غير المعنى الأصولي.

ومن جهة أخرى: فالإمام ابن القيم إنما دافع عن الهروي بسيرته المشهورة، ومؤلفاته المذكورة، فكان هذا صَرْفًا للظاهر القبيح بقرينة غير متصلة.

وقال الإمام ابن القيم أيضًا([199]): «فرحمة الله على أبي إسماعيل، فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد، فدخلوا منه، وأقسموا بالله جهد أيمانهم: إنه لمنهم، وما هو منهم، وغرّه سرابُ الفناء، فظن أنه لُجّة بحر المعرفة، وغاية العارفين، وبالغ في تحقيقه وإثباته، فقاده قسرًا إلى ما ترى…إلى أن قال: «وحاشا شيخَ الإسلام من إلحاد أهل الاتحاد، وإن كانت عبارته موهمةً، بل مُفْهِمَةً ذلك…». اهـ.

فتأمل كيف وصف عبارة الهروي بهذا الوصف، ومع ذلك فقد دافع عنه، مستدلا بسيرته وكُتبه في ذم التعطيل وما عليه أهل البدع، فماذا عسى أن يجيب على كل هذا الغلاة المسرفون المفلسون؟!

وقد ذكر الإمام ابن القيم في عدة مواضع: اعتبار المقاصد لا مجرد الألفاظ، وحمل الكلام الموهم على المحمل الحسن لمن عُرِفوا بالاستقامة، والله أعلم([200]).

* الحافظ الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي شمس الدين المتوفَّى سنة (748)هـ:

جاء في «النبلاء»([201]): «قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري – وهو الهروي- مؤلِّف كتاب «ذم الكلام»: سمعت عبدالصمد بن محمد بن محمد سمعت أبي يقول: أنكروا على أبي حاتم ابن حبان قوله: «النبوة العلم والعمل»، فحكموا عليه بالزندقة، (و) هُجر، وكُتِبَ فيه إلى الخليفة، فكَتَبَ بقتله».

قال الحافظ الذهبي – معلِّقًا على ذلك-: «قلت: هذه حكاية غريبة، وابن حبان فَمِنْ كبار الأئمة، ولَسْنا ندَّعي فيه العصمة من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها، قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق الفيلسوف، فإطلاق المسلم لها؛ لا ينبغي، لكن يُعتذر عنه، فنقول: لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، ونظير ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الحج عرفة»، ومعلوم أنَّ الحاجَّ لا يصير بمجرَّد الوقوف بعرفة حاجًّا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذَكَرَ مُهمَّ الحج، وكذا هذا ذَكَرَ مُهمَّ النبوة؛ إذْ من أكمل صفات النبي: كمالُ العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيًّا إلا بوجودهما، وليس كل من برّز فيهما نبيًّا؛ لأن النبوة موهبة من الحق تعالى، لا حيلة للعبد في اكتسابها، بل بها يتولَّد العلم اللدني والعمل الصالح، وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مكتسبة، يُنْتِجُهَا العِلْمُ والعَمَلُ، فهذا كُفْر، ولا يريده أبو حاتم أصلًا، وحاشاه، وإن كان في تقاسيمه من الأقوال، والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب، وقد اعترف بأن «صحيحه» لا يقدر على الكشف منه إلا من حفظه، كمن عنده مصحف، لا يقدر على موضع آية يريدها منه؛ إلا من يحفظه…». اهـ.

فتأمل كيف دَفَعَ الحافظ الذهبي المعنى الرديءَ من هذه الكلمةِ المحتملةِ عن ابن حبان-إن صَحَّتْ عنه- لكونه من كبار العلماء، ومعرفَتِهِ إياه بالتدين والصدق، وهذا هو المقصود مما نحن بصدده، فتأمل.

وفي «النبلاء»([202]) ترجمة الغزالي، قال الذهبي : «ومما نُقِم عليه: ما ذَكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية، في كتاب «كيمياء السعادة والعلوم»، وشَرْحِ بعض السور والمسائل، بحيث لا توافق مراسم الشرع، وظواهر ما عليه قواعد الملة، وكان الأَوْلَى به -والحقُّ أحقُّ أن يقال- تَرْكَ ذلك التصنيف، والإعراضَ عن الشرح له؛ فإن العوامَّ ربما لا يُحْكِمُون أصولَ القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئًا من ذلك؛ تخيلوا منه ما هو المُضِرُّ بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل، على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه؛ علم أن أكثر ما ذكره مما رمز إليه؛ إشاراتُ الشرع، وإن لم يَبُحْ به، ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطريقة، مرموزة ومصرَّحًا بها متفرقة، وليس لفظ منه إلا وكما تُشْعِرُ سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة؛ فلا يجب حَمْلُهُ إِذَنْ إلا على ما يوافِقُ، ولا ينبغي التعلق به في الرد عليه إذا أمكن، وكان الأَوْلَى به أن يترك الإفصاح بذلك». اهـ.([203])

فتأمل اعتذار الحافظ الذهبي للغزالي -على ما عنده- فما ظنك بكلمات أهل السنة الذابين عنها، والراسخين فيها؟ أليسوا بأولى من الغزالي وغيره في الاعتذار عنهم -ما أمكن- بوجه صحيح؟! ثم تأمل إنكار الحافظ الذهبي لهذه العبارات التي استعملها الغزالي، مع اعتذاره عنه، وتأمل قوله: «على أن المنصف اللبيب…إلخ»؛ مما يدلك على أنه لا يقوم بهذا إلا من عنده الإنصاف والورع، مع الفهم والذكاء، حتى لا تُغْلَق عليه المخارجُ الصحيحةُ، والوجوهُ الرجيحةُ الموافقةُ لقواعد الشريعة، فيبادر باتهام صاحب الكلام، ولكنْ ما أَقَلَّ هذا الصنف في غلاة هذا الزمان، والله أعلم.

وفي «النبلاء»([204]) ترجمة أبي إسماعيل الهروي -أيضًا-، قال الحافظ الذهبي : «قلت: قد انتفع به خَلْقٌ، وجَهِلَ آخرون؛ فإن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد، يخضعون لكلامه في «منازل السائرين» وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم، كلا، بل هو رجل أثري، لَهِجٌ بإثبات نصوص الصفات، منافِرٌ للكلام وأهله جدًّا، وفي «منازله» إشارات إلى المحو والفناء: وإنما مراده بذلك الفناء: هو الغَيْبة عن شهود السِّوَى، ولم يُرِدْ مَحْوَ السِّوَى في الخارج، ويا ليته لا صَنَّف ذلك، فما أَحْلَى تصوفَ الصحابة والتابعين، ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله، وذَلُّوا له، وتوكَّلوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». اهـ.

وفي «تاريخ الإسلام» وفيات سنة (251-260هـ)([205]) ترجمة محمد بن كرّام بن عراق بن خزابة، وصفه الذهبي بقوله: «الشيخ الضال»، ثم قال الحافظ الذهبي : «قال عبدالله بن محمد بن سلم المقدسي: سمعت محمد بن كرام يقول: قَدَرَ فرعونُ أن يؤمن، ولكن لم يؤمن»، قال الذهبي: «قلت: هذا كلام يقوله المعتزلي والسني، وكل واحد منهما يقصد به شيئًا». اهــ.

أي: والعبرة بالقائل، وما عُرف به من سنة أو بدعة؛ فيُحْمَلُ كلامُ السني على المحمل الحسن، ويُحْمَلُ كلامُ المعتزلي على المعني القبيح، والله أعلم.

وفي «تاريخ الإسلام» -أيضًا- وفيات سنة (611-620ﻫ)([206]) ترجمة أحمد بن عمر بن محمد نجم الدين الكُبَرَى، قال الذهبي : «قلت: وكان شيخنا عماد الدين الحزّامي يُعَظِّمه، ولكن في الآخر أراني له كلامًا، فيه شيء من لوازم الاتحاد، وهو -إن شاء الله- سالم من ذلك؛ فإنه محدِّث معروف بالسنة والتعبد، كبير الشأن، ومن مناقبه أنه اسْتُشْهِد في سبيل الله…». اهـ.

هذا، والحافظ الذهبي أحيانًا يستفصل في الكلام المشتبه، فيقول: إن قصد كذا؛ فكذا، وإلا فكذا، حتى مع بعض أهل البدع، إلا إذا ظهر أن هذا الإجمال مقصود للتلبيس على العامة؛ فذاك أمر آخر، انظر ترجمة الجعفري الإمامي: حمزة بن محمد الهاشمي في «النبلاء»([207]).

* السبكي: تاج الدين عبدالوهاب بن علي السبكي، المتوفَّى سنة (771)هـ -:

فقد قال في «قاعدة في الجرح والتعديل»([208]): «فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة؛ فلا ينبغي أن يُحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تُعُوِّدَ منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويلُ الصالحُ، وحُسْنُ الظن الواجبِ به وبأمثاله». اهـ.

فتأمل كيف حَمَل كلام مَنْ عُرِف بالصلاح والتدين على ما تُعُوِّدَ منه -أي على سيرته وكلامه الآخر- بل قال: «على ما تُعُوِّدَ منه ومن أمثاله» فيالله؛ كم جُنَّ الغلاةُ بتعالمهم وتلبيسهم على كثير من المبتدئين في الطلب والعوام، فحاربوا الحق، ونصروا الباطل بجهلهم!!!

* الحافظ ابن كثير عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير الدمشقي المتوفَّى سنة(774)هـ:

قال – في «تفسيره»([209]) سورة النجم: «… وفي رواية عنه-أي عن ابن عباس – أنه أطلق الرؤية –أي: رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- ربَّهُ ليلة المعراج- وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد…». اهـ.

وذلك لثبوت الرواية عن ابن عباس في «صحيح مسلم»، قال: «رآه بفؤاده مرتين»، فَحَمَلَ مُطْلَقَ كلام ابن عباس –رضي الله عنهما -على مُقَيَّدِهِ، خلافًا لمن يزعم أن ذلك لا يجوز، والله أعلم.

* العلامة ابن الوزير: محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني، المتوفَّى سنة (840ﻫ) :

قالفي «العواصم والقواصم»([210]): «وكذلك كل من صح عنه من المسلمين مالَهُ وجهان ومَحْملان: حسن وقبيح؛ فإنه يُحْمَلُ على الوجه الحسن، والمَحْمَل الجميل، ولا يحل لأحد التشكيك في إسلامه، والقدح فيه بسبب ذلك الاحتمال…». اهـ. فتأمل هذا الكلام الصحيح الصريح، واحذر من الغلاة في التجريح، وإن زعموا أن لواء الجرح والتعديل بأيديهم، فيا ليتهم يسلمون من الضلال والإضلال!!

وقال أيضًا في «العواصم»([211]): «…وما زال الحملُ على السلامة عند الاحتمال؛ شعارَ العارفين والصالحين والمتقين». اهـ.

أي: مّنْ كان عنده عِلْمٌ وتقوى؛ عَرَفَ المخارج الشرعية للمسلم الصادق، بدون تكلف وتعسف، فلينظر الغلاة المفلسون أين موقعهم من هذه الجملة؟!!

وقال أيضًا في «العواصم»([212]) في سياق الكلام على آل عليٍّ وآل العباس، وما جرى بين الطائفتين: «الوجه الثاني: تحسين الظن بالمسلمين من الطائفتين -ما استطعتُ- وإذا كان لأحد من الطائفتين محمل قبيح، ومحمل أقبح منه؛ حملتُه على أقلها قبحًا، إن لم أجد محتملًا حسنًا…». اهـ

* ابن أبي العز الحنفي: شارح «الطحاوية»، القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي، المتوفَّى سنة (793ﻫ). :

قال في «شرح الطحاوية»([213]) معتذرًا عن الهروي: «وإن كان قائله لم يُرِدْ به الاتحاد، لكن ذَكَرَ لفظًا مجملًا محتملًا، جَذَبه به الاتحادي إليه، وأقسم بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِ: إنه معه، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها؛ كان أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله، لو كان مطلوبًا؛ لنبَّه الشارع عليه، ودعا الناس إليه، وبيَّنه…». اهـ.

وقال معتذرًا عن الإمام الطحاوي([214]): «وقول الشيخ تعالى-: «لا تحويه الجهاتُ السِّتُّ كسائر المبتَدَعَات»: هو حق، باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو محيط بكل شيء، وفوقه، وهذا المعنى هو الذي أراده الشيخ لما يأتي في كلامه: «أنه تعالى محيط بكل شيء، وفوقه»، فإذا جُمع بين كلاميه، وهو قوله: «لا تحويه الجهاتُ السِّتُّ كسائر المبتَدَعَات» وبين قوله: «محيط بكل شيء، وفوقه»؛ عُلم أن مراده: أن الله تعالى لا يحويه شيء، ولا يُحيط به شيء، كما يكون لغيره من المخلوقات، وأنه تعالى هو المحيط بكل شيء، العالي على كل شيء…»، ثم ذكر أن ترْك هذا الإطلاق أَوْلَى، وتكلَّم أيضًا على قوله: «كسائر المبتدعات…»، فارجع إليه إن شئت، والله تعالى أعلم.

* السخاوي وهو شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السخاوي، المتوفَّى سنة (902)ﻫ.

قال في «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ»([215]): «ولو لم يكن من آفات المبالغة، إلا ما أشار إليه إمامنا الشافعي تعالى- بقوله: «ما رفعتُ أحدًا فوق مقداره؛ إلا واتضع من قدري عنده، بقدر ما رفعته به، أو أَزْيد» ونحوه: «ثلاثة إن أكرمتهم؛ أهانوك: المرأة، والفلاح، والعبد»؛ قاله الشافعي أيضًا، وبه يُقيّد كلامه الأول، بأن يُحمل على الأنذال اللئام غير الكرام». اهــ.

* ابن حجر الهيتمي: وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الشافعي، والمتوفَّى سنة(973)هـ :

ففي كتاب: «الإعلام، بقواطع الإسلام»([216]) قال بعد أن نقل كلامًا مطلقًا لبعض العلماء، وآخر مفسرًا، قال: «وحَمْلُ هذا الإطلاق على ذاك التفصيل أَخْذًا بالقاعدة الأصولية الشهيرة». اهـ.

فدل هذا الكلام على أن حَمْلَ المجمل على المفصّـل، والمُطْلَق على المُقَيَّد من كلام أهل العلم؛ من القواعد الأصولية المشهورة بين العلماء، فأين أولئك الذين يدّعون أن ذلك من قواعد أهل البدع، وأن الإجماع على خلاف ذلك؟

وذكر أن المؤلِّفين للمصنفات يذكرون فيها كلامًا مجملًا مختصرًا، بخلاف الإطلاق في الفتاوى([217])، ثم قال: «وأيضًا فالمصنفات تكثر مسائلها، فلو (عَمَدَ) المصنفون إلى استيعاب سائر التفاصيل في كل مسألة؛ لشق عليهم، بل عَجَزَتْ عن ذلك قدرتهم، فساغ لهم ذِكْرُ أصول المسائل، والإطلاقُ في بعض الأبواب؛ اتِّكَالًا على فَهْم التفصيل من محل آخر، وغير ذلك مما لا يخفى على ناظر في كُتبهم…»اهـ.

فتأمل هذا يا طالب العلم، واحْمَدِ الله الذي وفقك لطريقة أهل العلم، وعصمك من بُنَيَّات الطريق، ومن مُحْدَثات الغلاة، ونسبتهم ضلالتهم إلى الشريعة، بل يَدَّعُون -لجهلهم- الإجماع عليها!!..

* أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ حمد بن ناصر ـ تعالى ـ

ففي «الدرر السنية»([218]) وَرَدَ سؤال للشيخ حمد بن ناصر وأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحم الله الجميع- فذكروا كلامًا خطيرًا لابن الفارض، وذكروا أنه ليس من أهل السنة، وأن له مقالات كُفْرية، إلا أنهم قالوا: «فمن أهل العلم من أساء به الظن، بهذه الألفاظ وأمثالها، ومنهم من تأول ألفاظه، وحملها على غير ظاهرها، وأحسن فيه الظن، ومن أهل العلم والدين من أجرى ما صدر منه على ظاهره، وقال: هذه الأشعار ونحوها تتضمن مذهب أهل الاتحاد…إلخ»، إلى أن قالوا([219]): «…وابن الفارض وأمثاله -لجهالتهم- لا يعلمون ما في كلامهم ومذهبهم من الكفر، ومن أحسن فيهم الظن من العلماء -كما قدمنا- حمل كلامهم على محامل غير هذه، وأوّلها تأويلًا حسنًا، على غير ظاهرها». اهـ.

قلت: هذا مع ابن الفارض – الذي هو من هو في الضلالة – ولم يقل من قدح فيه من العلماء: إن هؤلاء العلماء الذين أحسنوا به الظن -على ما في كلامه من ضلال وكفر يدافعون عن أهل البدع، وأنهم مميِّعون للدين، أو أنهم يُلْحَقُونَ بابن الفارض، وغير ذلك من تهاويل وأقاويل غلاة زماننا!!

وهؤلاء أبناء الشيخ ومن معهم لا يتهمون من أحسن الظن بابن الفارض، وهو هو!! فأهل العلم والعدل يخطِّئون من سلك هذا المسلك، ولا يبدِّعونه- فضلًا عن تكفيره – ولعل الذين أحسنوا به الظن لم يقفوا على ما وقف عليه من أساء به الظن، والله تعالى أعلم.

* الصنعانــي : محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، المتوفَّى سنة (1182)ﻫ:

ففي كتابه: «رفع الأستار، لإبطال أدلة القائلين بفناء النار»([220]) حمل الصنعاني كلام عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما: «ليأتين على جهنم يوم تصفِّقُ فيه أبوابها، ليس فيها أحد…»-وهو أثر ضعيف- فقال الصنعاني: «ثم إنه لابد مِنْ حَمْلِ كلامه المطلق على هذا التفسير –أي أن المراد: إخراج عصاة الموحدين من النار، لا الكفار- عند ابن تيمية، وهو المستدل بهذا الأثر وغيره…». اهـ.

وظاهر صنيع الصنعاني تصحيحه نسبة هذا الأثر لابن عمرو، ولما كان محتملًا القول بفناء النار عامة، بما في ذلك نار الكفار، أو إخراج عصاة الموحِّدين خاصَّة؛ حمله على المحمل الصحيح، الذي يليق بعقيدة الصحابة، وعقيدة أهل السنة بعدهم، وهذا حَمْلٌ لكلام السني على ما يتناسب مع معتقد أهل السنة، وإن لم يكن له كلام آخر صريح مُفَسَّر في هذه المسألة بعينها، لكن مجرد كونه سُنِّيًّا صادقا يوجب حمل مشتبهه على كلام أهل السنة، والله أعلم.

* أبو بطيـن : عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز، المتوفَّى سنة (1282)ﻫ:

جاء في «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية»([221]): «سئل شيخنا عبدالله (أبو بطين) عن قول السيوطي، على قوله تعالى في آخر سورة المائدة من «الجلالين» [ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ] {الروم:50}، قال: وخَصَّ العقلُ ذاتَهُ؛ فليس عليها بقادر.

فأجاب: الظاهر أن مراده: أن الرب -سبحانه- يستحيل عليه ما يجوز على المخلوق من العدم والعيب والنقص، وغير ذلك من خصائص المخلوقين، فلكون ذلك يستحيل على الرب سبحانه؛ عبَّر عنه بأنه لا يدخل تحت القدرة، وأنا ما رأيت هذه الكلمة لغيره، والنفس تَنْفُر منها…»، إلى أن قال: «والذي ذكره السيوطي لَفْظٌ لم يأت في الكتاب ولا في السنة، ولا رأينا أحدًا من أهل السنة ذكره في عقائدهم، ولا ريب أن ترك فضول الكلام؛ من حُسْن الإسلام، وهذه كلمة ما نعلم مراد قائلها، يحتمل أنه يراد بِها معنىً صحيحٌ، ويحتمل أنه يُراد بها باطل…» إلخ ما قال .

فمع كون الكلام محتملًا للحق والباطل؛ فقد استظهرـ في أول الجواب ـ أن مراده المعنى الحسن، وأنكر عليه التقحم في مثل هذه المسالك، وهذا مقتضى العلم والعدل والنصح، والله أعلم.

* والعلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني المتوفَّى سنة (1386)ﻫ:

فقد ذكر في «التنكيل»([222]) الكلمة المنسوبة إلى ابن حبان: «النبوة العلم والعمل»؛ فَعَدَّ هذا القولَ قولًا مجملًا، ثم دافع عنه بتعظيمه السنةَ والنبوةَ في جميع تصانيفه، وأنه من أخص تلامذة ابن خزيمة أحد أئمة السنة، والله تعالى أعلم.

* الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ ـ تعالى ـ المتوفِّى سنة (1398ﻫ):

جاء في «مجموع فتاوى محمد بن إبراهيم»([223]): «قول صاحب «اللمعة»: (وجب الإيمان به لفظًا).

قال : «وأما كلام صاحب «اللمعة»؛ فهذه الكلمة مما لوحظ في هذه العقيدة، وقد لوحظ فيها عدة كلمات، أُخذت على المصنف؛ إذ لا يخفى أن مذهب أهل السنة والجماعة: هو الإيمان بما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته لفظًا ومعنى…»، إلى أن قال : «أما ما ذكره في «اللمعة»؛ فإنه ينطبق على مذهب المفوِّضة، وهو من شر المذاهب وأخبثها، والمصنف إمام في السنة، ومن أبعد الناس عن مذهب المفوِّضة وغيرهم من المبتدعة، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم». اهـ.

* سماحة شيخ الإسلام في هذا العصر: الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ـ رحمة الله عليه ـ:

(أ) جاء في «مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، فتاوى العقيدة»([224]): «قوله -أي قول الطحاوي-: تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، والجهات الست، كسائر المبتدعات»: هذا الكلام فيه إجمال، قد يستغله أهل التأويل والإلحاد في أسماء الله وصفاته، وليس لهم بذلك حجة؛ لأن مراده : تنـزيه الباري سبحانه عن مشابهة المخلوقات، لكنه أتى بعبارة مجملة تحتاج إلى تفصيل، حتى يزول الاشتباه…»، ثم فصّل مراده بكل شيء من ذلك، إلى أن قال : «وأهل البدع يطلقون مثل هذه الألفاظ؛ لِيَنْفُوا بها الصفات، بغير الألفاظ التي تكلم بها وأثبتها لنفسه، حتى لا يفتضحوا، وحتى لا يشنع عليهم أهل الحق، والمؤلف الطحاوي لم يقصد هذا المقصد، لكونه من أهل السنة المثبتين لصفات الله، وكلامُهُ في هذه العقيدة يُفَسِّر بعضُه بعضًا، ويُصَدِّق بعضُه بعضًا، ويُفسَّر مشتبهه بمُحْكَمِه». اهـ.

فأين هؤلاء الذين يدَّعون -في هذه المواضع- أنهم يسيرون على منهج الإمام ابن باز ؟! فأين الثرى، وأين الثريا؟! والله المستعان، وعليه التكلان.

* مُحَدِّث العصر الإمام محمد ناصر الدين الألباني ـ تعالى ـ:

(أ) جـاء في «السلسلة الصحيحــة»([225]): «ضَحِكَ رُّبنا من قنوط عباده…» الحديث، قال الشيخ : «وبهذه المناسبة أقول: إن قول صاحبنا الشيخ مقبل بن هادي في تخريجه لحديث ابن كثير (1/445) الكويت: «رواه أحمد (4/13) بمعناه، وهو حديث ضعيف؛ لأنه من طريق عبد الرحمن بن عياش السمعي عن دلهم بن الأسود، وهما مجهولان».

قال الشيخ الألباني : «أقول: فقوله: (بمعناه) ليس بصحيح؛ لأن (العَجَب) غير (الضحك) فهما صفتان لله عند أهل السنة -وهو منهم، ولله الحمد- خلافًا للأشاعرة؛ فإنهم لا يعتقدونها، بل يتأولونها، بمعنى الرضا، فلعله لم يتنبه للازم هذا القول، ولهذا قيل: لازم المذهب، ليس بمذهب…». اهـ.

فتأمل كيف اعتذر شيخُنا لشيخِنا -رحمهما الله-؛ وذلك لما كان شيخُنا الوادعي من علماء السنة في هذا العصر، ولما كان شيخنا الألباني من أهل العلم والعدل والإنصاف، وتأمل كيف رد الخطأ، واعتذر عمن يُعتذر عنه بخلاف حال الغلاة الذين ضيَّعوا -في هذه الجوانب- العلم والأدب والورع!! والله أعلم.

(ب) وفي كتاب: «النصيحة….» (ص172) ط/دار ابن عفان، ذكر الشيخ كلامً الرازي في «الجرح والتعديل»، وأراد أن يفسره بكلام آخر له، فقال: «… وخير ما يُفسَّر به كلام الحافظ؛ إنما هو كلامُهُ نَفْسِهِ…». اهـ. ثم ذكر القول الآخر للرازي، مُفَسِّرًا به كلامَهُ الأول، فتأمل كيف يفهم مشايخنا كلام أهل العلم، ولو أخذنا بكلام المخالفين المخترع؛ لانطمست المعالم، ولانهارت القوائم، والله المستعان.

* فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ـ تعالى ـ:

واعلم أن الشيخ مُكْثِرٌ من تقرير هذا الأصل، وذلك لما رأى من الغلو في كثير من الناس، وسأذكر بعض المواضع من ذلك، سواء ما يتصل منها بموضع النِّزاع ـ أي المجمل الذي يحتمل معنيين: أحدهما حسن، والآخر قبيح ـ أم لا.

(أ) جاء في «مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين» ([226]) عند قول المصنف : «فإنك إذا عرفت أن الإنسان يَكْفُر بكلمة يُخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يُعذر بالجهل».

قال : «تعليقنا على هذه الجملة من كلام المؤلف :

أولًا: لا أظن الشيخ لا يرى العذر بالجهل، اللهم إلا أن يكون منه -أي من الواقع في الكفر- تفريط بترك التعلم، مثل أن يسمع بالحق؛ فلا يلتفت إليه، ولا يتعلم، فهذا لا يُعذر بالجهل، وإنما لا أظن ذلك من الشيخ؛ لأن له كلامًا آخر يدل على العذر بالجهل؛ فقد سئل تعالى- عما يُقَاتِلُ عليه؟ وعما يَكْفُر الرجل به؟ فأجاب:… -فذكر كلامه، وفيه-: «ولا نُكَفِّر إلا بما أجمع عليه العلماء كُلُّهم، وهو الشهادتان، وأيضًا: نُكَفِّره بعد التعريف، إذا عَرَفَ، وأَنْكَرَ…» إلخ ما قال.

فتأمل كيف فسّر كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب بعضَهُ ببعضٍ.

(ب) وفي «الشرح الممتع»([227]) قال : «وقوله: «ظاهره العدالة»، أي: وأما من عُرِف بالفسوق والفجور؛ فلا حَرَجَ أن نسيء الظن به؛ لأنه أهل لذلك، ومع هذا لا ينبغي للإنسان أن يَتَّبِع عورات الناس، ويبحث عنها، لأنه قد يكون متجسسًا بهذا العمل».

قال : «قال: «ويستحب ظن الخير للمسلم»، أي: يستحب للإنسان أن يظن بالمسلمين خيرًا، وإذا وَرَدَتْ كلمةٌ من إنسان، تحتمل الخير والشر؛ فاحْمِلْها على الخير، ما وجدت لها محملًا، وإذا حصل فِعلٌ من إنسان، يحتمل الخير والشر؛ فاحْمِلْهُ على الخير، ما وجدت له محملًا؛ لأن ذلك يزيل ما في قلبك من الحقد والعداوة والبغضاء، ويريحك، فإذا كان الله لم يكلفك أن تَبْحَثَ وتُنَقِّبَ؛ فاحمد الله على العافية، وأَحْسِن الظن بإخوانك المسلمين، وتعوذ من الشيطان الرجيم…»، إلى أن قال : «وهذا هو اللائق بالمسلم، أما من فُتن -والعياذ بالله- وصار يَتَّتِبُع عوراتِ الناس، ويبحث عنها، وإذا رأى شيئًا يحتمل الشر- ولو من وجه بعيد- طار به فرحًا، ونشره؛ فَلْيُبْشِر؛ بأن: «من تتبع عورة أخيه؛ تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته؛ فضحه، ولو في جوف بيته». اهـ.

قلت: وليس عندي مزيد على هذا الكلام السديد، فنعوذ بالله من أهل الحقد، والعداوة، والبغضاء، والله المستعان.

(ج) وفي شريط (لقاء مفتوح مع فضيلته) بمسجد الملك خالد بن عبدالعزيز بالرياض، بتاريخ 13/11/1413ﻫ، وقد سُئل الشيخ عن قول سيد قطب بوحدة الوجود؟، فذكر كلامًا، وفيه: «وأنا أقول لكم: إذا صدر من عالم معروف بالنصح للأمة، إذا صدر ما يوهم الحق، وما يوهم الباطل؛ فاحمله على أحسن المحملين» ثم تدخل السائل أو غيره، فقال: «عقيدة يا شيخ»؟ قال الشيخ: «عقيدة، وغير عقيدة، ما دام عُرِفَ بالنصح للأمة، وكلامه محتمل، ما هو بصريح؛ نحمله على أحسن المحملين، اعتبارًا بحال الرجل…». اهـ.

وهذه طامَّة كبرى على رؤوس الغلاة شِيبًا وشُبَّانًا، لكنهم أَجْبَنُ من أن يطعنوا في الشيخ ابن عثيمين لدفاعه بما قال عن الأستاذ سيد قطب وهذه نَخْسَةٌ عُظمى من جانبين: في تقرير القاعدة التي يَدَّعون أنها من كلام أهل البدع، وفي الدفاع عن الأستاذ سيد قطب .

هذا، مع أنني وضَّحْتُ في غير موضع كثيرًا مما يؤخذ عليه -غفر الله لنا وله-.

(د) وفي شريط (لقاء بين الشيخين: ابن عثيمين وربيع المدخلي) الوجه (ب)، ذكر الشيخ ابن عثيمين حمل كلام العالم بعضه على بعض، وتفسير بعضه ببعض، ومن العجب أن الشيخ ربيعًا كان حاضرًا، ولم يتعقب الشيخ ابن عثيمين في هذا الموضع بشيء، ثم صار الآن نافخَ كِيرِ الفتنة، وحاملَ لوائها، ويزعم أن القول بهذه القاعدة هو قول أهل البدع، وأن الإجماع على خلاف هذه القاعدة، فنسأل الله الثبات على الهدى، والعافية من الهوى والرَّدى!!!

* وقال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي تعالى- في شريط محفوظ عندنا، في الإجابة على أسئلة شباب «الحُدَيْدَة» وغيرها، في سياقِ رَدِّهِ على من يقوم بالتمثيل، فقال فيمن يُمَثِّلُ أبا جهل أو الشيطان: «أبو جهلين، وشيطانان» وقد قال مرة: «شيطان يُمَثِّل شيطانًا،» فظن بعضهم أنه يكفِّر الممثل لهذا بهذا، فرد ذلك الشيخ، وبيَّن مراده، بأن مَنْ مَثَّلَ أبا جهل جاهل، وأن الشيطان يُطلق على غير الشيطان الأكبر، وعلى غير الكافر، ثم قال: «وعلى كلّ حال، فينبغي أن يُحمل الكلام: إذا كان من سني؛ على السنة، وإذا كان من بدعي؛ على البدعة، والله المستعان». اهـ.

* الشيخ أحمد بن يحيى النجمي وهو من المبالغين في مدح غلاة العصر:

وهو أحد الموثوق بهم عند المقلدة الغلاة المخالفين في هذه المسائل الخلافية.

فلننظر ماذا قال في هذا الشأن؟! فقد قال في «أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة»([228]) وهو في صدد الرد على مبتدعٍ احتج بكلام مالك على بدعته: «رابعًا: إذا أُشْكِلَ كلام مالك؛ فعلى الباحث أن يجمع بعضه إلى بعض، وينظر فيه، فإنْ فَسَّر بعضُه بعضًا، وتبين مراده منه، لا لأنه شَرْعٌ بنفسه، ولكن لنعلم موقف قائله من الشرع، كما هو معلوم عندنا، وعند جميع أهل العلم، أن قائله من أئمة الدين، وممن لهم لسان صدق في الآخرين، وهو نفسه يقول: «كل يؤخذ من قوله ويُرد، إلا صاحب هذا القبر»، ويشير إلى قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمهم أن الذي يجب علينا؛ أن نجمع كلام مالك من مصادره، فإن اتضح الإشكال؛ وإلا رددنا ما أُشكل منه إلى كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقد نظرنا في كلام مالك، فوجدناه يفسِّر بعضه بعضًا…»، ثم ذكر كلام مالك في حكم زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فهذا كلام صريح، في حَمْل ما أُشْكِلَ من كلام الإمام مالك وأُجْمِلَ، واستدل به المخالف على بدعته، على ما جاء عن مالك مصرحًا به، وإن لم نفعل هذا؛ فقد فتحنا بابًا لأهل البدع، يستدلون بعبارات مجملة أو مطلقة من كلام الأئمة، على ما عندهم من الباطل، فظهر من هذا أن حَمْلَ المجمل على المفصل، والمشتبه على المحكم؛ من القواعد التي تدفع عن أهل السنة المقالات الباطلة، وتَسُدُّ الباب أمام أهل البدع، الذين يتذرعون بمثل هذه العبارات لنصرة باطلهم، فيا ليت قومي يعلمون، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

* وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله تعالى- في شريط بعنوان «التوحيد يا عباد الله» السؤال رقم (6) بعد المحاضرة، قال السائل: هل يحمل المجمل على المفصل في كلام الناس؟ أم هو خاصٌّ بالكتاب والسنة؟ نرجو التوضيح ـ حفظكم الله ـ؟ فأجاب الشيخ: «الأصل أن حمل المجمل على المفصل، الأصل في نصوص الشرع من الكتاب والسنة، لكن مع هذا؛ نحمل كلام العلماء، مجمله على مفصله، ولا يُقَوَّل العلماء قولا مجملًا، حتى يُرْجَع إلى التفصيل من كلامهم، حتى يرجع إلى التفصيل من كلامهم، إذا كان لهم قول مجمل، وقول مفصّل، نرجع إلى المفصل، ولا نأخذ المجمل». اهـ.

وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- أيضًا في كتابه «التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية»([229]) عند قول الطحاوي الفقرة (رقم 76)، (وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات): «الحاصل أن هذه الألفاظ التي ساقها المصنف فيها إجمال، ولكن يحمل كلامه على الحق؛ لأنه ـ من أهل السنة والجماعة، ولأنه من أئمة المحدثين، فلا يمكن أن يَقْصُد المعاني السيئة، ولكنه يَقْصُد المعاني الصحيحة، وليته فصّل ذلك وبيّنه، ولم يُجْمِل هذا الإجمال». ا هـ.

وقال -حفظه الله- عند فقرة (77): (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) نقول: «هذا فيه إجمال، إن أريد الجهات المخلوقة؛ فالله منـزه عن ذلك، لا يحويه شيء من مخلوقاته، وإن أُريد جهة العلو، وأنه فوق المخلوقات كلها؛ فهذا حق، ونفيه باطل، ولعل قَصْدَ المؤلف بالجهات الست، أي: الجهات المخلوقة، لا جهة العلو؛ لأنه مُثْبِتٌ للعلو ومُثْبِتٌ للاستواء». اهـ.

* الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد قال في «المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال»([230]):«أما الجناة كل الجناة: فهم في عصرنا طلاب الطّروس، الذين يُظهرون الانتساب إلى الحديث وأهله، وينادون بالسنة ونصرتها، ثم يمدون إلى الباطل أنبوبًا، وللتضليل يستدلون عليه بكلام لشيخ الإسلام تعالى- حتى يغرِّر أحدهم بالناس، ويضلل أهل السنة والجماعة، ويعدل بهم عن الحق الذي قرره شيخ الإسلام، وهذه فتنة عمياء، وانشقاق في صف أهل السنة والجماعة، وبذر للشقاق، وغرس لحنظل الخلاف، وهكذا يكون الفتون، نسأل الله السلامة والعافية، ولهم في ذلك من الباطل طرق شتى منها:

– الأَخْذ بالمتشابه، وهَجْر المحكم.

– التقاط العبارات المجملة، أو المحتملة، أو الموهمة، والإعراض عن الصريحة الواضحة.

– المغالطة في دلالة بعض العبارات.

– قطع الكلام المستدل به عن السباق واللحاق الذي لا يتضح إلا بهما.

– بتر الكلام في أوله أو مثانيه أو آخره.

– إبدال لفظة بأخرى.

– توظيف النص على غير المراد منه.

– توظيف لفظة في غير ما يدل عليها السياق في واحدة من دلالات الألفاظ الثلاث: اللغوية، والشرعية، والعرفية.

– يكون له كلام مجمل في موضع، لكنه مفصَّل مبسوط في موضع آخر، فيأخذ المجمل، ويترك المفصل…»إلخ. اهـ.

وقال أيضًا في سياق رده على الشيخ ربيع-حفظه الله-، عندما ذكر أن سيد قطب يقول بوحدة الوجود: «ولنفرض أن فيه – أي: في كلام سيد قطب – عبارة موهمة أو مطلقة؛ فكيف نحولها إلى مؤاخذة مُكَفِّرة…»، إلى أن قال: «وأزيدكم أن في كتاب: «مقومات التصور الإسلامي» ردًّا شافيًا على القائلين بوحدة الوجود؛ لهذا فنحن نقول: غفر الله لسيد كلامه المتشابه، الذي جنح فيه بأسلوب وسَّع فيه العبارة، والمتشابه لا يقاوم النص الصريح القاطع من كلامه…». اهـ.([231])

* فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله تعالى-:

(أ) وقد سُئل الشيخ -حفظه الله تعالى- في درس «سنن أبي داود» في المسجد النبوي ـ على صاحبه أفضل الصلاة وأَتَمُّ السلام ـ ليلة 26/ صفر/ 1423ﻫ عدة أسئلة، منها:

«السؤال الثالث: إذا وُجد للعالم كلام مجمل في موضع، في قضية ما، وقد يكون هذا الكلام المجمل ظاهره يدل على أمر خطأ، ووُجِد له كلام آخر، في موضع آخر، مُفَصَّل في نفس القضية، موافق لمنهج السلف؛ فهل يُحمل المجمل من كلام العالم على الموضع المفصل؟ فأجاب الشيخ: «نعم، يُحمل على المفصل، ما دامه شيئًا موهمًا، فالشيء الواضح الجلي هو المعتبر». اهـ.

فهذا الجواب يشمل: حمل المجمل على الموضَّح الجلي، وتأويل الظاهر إلى الجهة الأخرى، أو حمل الظاهر على المؤول؛ لأن السائل قال في سؤاله: «وقد يكون هذا الكلام المجمل، ظاهره يدل على أمر خطأ» فهذا هو المجمل، الذي يحتمل معنيين، إلا أن أحدهما أظهر من الآخر، بخلاف المجمل، الذي يستوي فيه الاحتمالان، ولا مزية لأحدهما على الآخر، والله أعلم.

(ب) وفي مكالمة هاتفية مسجلة مع فضيلته، قام بها بعض طلبة العلم من (مسجد هايل) في مدينة (المعلّا) محافظة (عدن) باليمن، عصر الخميس 22 جمادي الأولى 1423ﻫ، جاء فيها:

…قال السائل: طيب، مسألة أخرى: إذا قال قائل: الرجل السني، إذا كان له مواقف، أو كلمات صريحة في مسألة من المسائل، في الحق ونصرة الحق، وجاءت عنه كلمة موهمة، بأنها تحتمل هذا الحق، وتحتمل ضده، فقال – والكلام لا زال للسائل-: لا نحمل كلامه الموهم على المعنى السيئ، وأن له كلامًا صريحًا بالمعنى الحسن، والرجل المبتدع الذي عُرفت بدعته، إذا وُجِدَ له كلام محتمل: يحتمل البدعة، ويحتمل غيرها؛ فإنا نحمل كلامه على ما صرح به من قبل، وهو البدعة، فهل هذا الكلام حق، أم باطل؟

قال الشيخ: هذا حق، هذا حق.

قال السائل: هذا حق؟ هذا ما يُسمَّى -مثلًا- يحمل المجمل على المفصَّل؟ قال الشيخ: إذا كان وُجد كلام صريح حق، ووُجد كلام محتمل، فيُحْمل المجمل على المبيَّن، وكذلك العكس، إذا كان يعني كلامًا خبيثًا، وكلامًا في بدعته صريحًا واضحًا، ثم جاء كلام محتمل، لا يقال: إن ذا يعني يطغي على ذاك، فالأصل هو الواضح، بل يُحمل هذا على هذا، في هذا وفي هذا، في المسألتين، أقول: في المسألتين، كله يُحمل هذا على هذا، أقول: إن الحكم للواضح الصريح، سواء كان حسنًا، أم باطلًا»….

وقد كرر السائل السؤال بمعناه، فأجاب الشيخ -أيضًا- بما سبق، إلى أن قال السائل: «ولو كان الكلام الواضح في موضع آخر، من كتاب آخر، من شريط آخر؟ قال الشيخ: «ولو كان، ما دام أن الرجل هو، كلام الرجل واحد، فما كان حقًّا صريحًا واضحًا؛ هو المعتبر، وما كان محتملًا؛ لا يُعوَّل عليه». اهـ. ولا مزيد على هذا الكلام، والله تعالى أعلم.

قلت: هذا المتصل يظهر من سؤاله أنه ممن ابْتُلي بقول الغلاة شيبًا وشبانًا في هذه الفتنة، ولذلك كلما أفتاه الشيخ بما لا ينفعه الطيران به للتشنيع على من خالفهم؛ أعاد السؤال أكثر من مرة، لكن الحق الثابت عند أهله؛ لا تهزّه رياح الغلو والغلاة!!

الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

قال في كتابه «الإرشاد شرح لمعة الاعتقاد» لابن قدامة المقدسي ([232]): قولـه: قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: في قول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ينـزل إلى السماء الدنيا» أو «إن الله يُرَى في القيامة»، وما أشبه هذه الأحاديث: «نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف ولا معنى….إلخ»، والكلمة التي تشكل في هذا الأثر قوله: «لا كيف ولا معنى»، ونحن نعتقد أن للصفات معنى، ونعتقد أن المعاني مفهومة، ولذلك فمراده بالمعنى هنا هو الماهية، وقصده أن ماهية تلك الصفة لا نخوض فيها… ولكننا إذا أثبتنا الصفات؛ أثبتناها حقيقة، دون أن نبحث عن هذا، فلعل هذا هو مراد الإمام أحمد بقوله: «لا كيف ولا معنى»؛ فالكيف مجهول، يعني: كيفية الصفة، وأما المعنى فهو مفهوم بدلالته اللغوية، وخفي بكيفيته وكنهه، وأما الكلام فهو الكلام المسموع، الذي يفهمه من سمعه…». اهـ.

وقال([233]): «وهذا الأثر عن الإمام أحمد معمول به، والكلمات التي تُنْكَر مثل قوله: «لا حد ولا غاية»، و «لا كيف ولا معنى» محمول محملًا يناسب المقام، أن المراد بالمعنى الكُنْه، وأن المراد بالحد والغاية المنتهى، لا أنه يريد بذلك التفسير؛ فإنا نفسِّرها ونفهم مدلولها…».ا هـ.

الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ:

(أ) في شريط (كيف تقرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيمية )([234]) قال: -حفظه الله كما في الشريط-: «من مميزات كلامه -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية : أن كلامه يكثر فيه المحكم والمتشابه عنده فيما يُقرِّر محكم، وتارة في كلامه -إما في الاستطراد، أو أحيانًا في التأصيل- يكون من المتشابه، ونعني بالمحكم: ما يتضح معناه، وبالمتشابه: ما يحتمل المعنى، أو لا يتضح، أو يكون مشكلًا على أصول السلف؛ لأن شيخ الإسلام كان مُتَّبِعًا للسف الصالح، لا يخرج عن أقوالهم، وخاصة أقوال أئمة أهل الحديث، وباقي الأئمة، فهو قد يورد كلامًا، ينظر إليه العالم أو طالب العلم، ويجده مُشْكِلًا، وهذا يُسَمَّى المتشابه؛ لأن المتشابه موجود في كلام أهل العلم، ويُحَلّ هذا المتشابه بالنظر في المواضع الأخرى، التي تكلم فيها عن هذه المسألة، فيكون في الموضع الآخر جلاء وإيضاح لهذا الموضع الذي اشتبه على الناظر، فإِذَنْ هذه ينبغي التنبه لها، وهي أنَّ في كلامه محكمًا ومتشابهًا، وهذا إنما يعرفه أهل العلم، يُعرف المحكم المؤصَّل الذي يوافق كلام السلف، ويوافق كلامه هو في المختصرات، كما سيأتي في التطبيق، وكلامه الذي يشتبه؛ يحتمل أنه يريد كذا، ويحتمل أنه يريد كذا؛ فَتَحْمِل كلامه على ما تعلمه من طريقته، ومن تقريره، ومن عقيدته ...». اهـ.

* الشيخ زيد المدخلي ـ أصلحه الله، وعافاه من الغلاة ـ فقد قال -حفظه الله- في كتاب: «الإرهاب»([235]) وقد رد على الشيخ ابن جبرين ـ حفظه الله ـ دفاعه عن سيد قطب، واحتمل له بعض المخارج، ثم قال: «وهذا الحمل الحسن ـ مع مرارته ـ لأن الشيخ عبد الله من العلماء السلفيين، كما هو معلوم». اهـ.

فتأمل كيف اعتذر له عذرًا يجد مرارته، وأوَّل ظاهر كلامه الذي لا يرتضيه إلى معنى حسن، وما ذاك إلا لأن الشيخ عبد الله الجبريين عالم سلفيٌّ، فهذا واضح في موضع النـزاع من الشيخ زيد المدخلي، وهو رجل لا يشك المخالفون في سلفيته، ويحتجون به كثيرًا.

* وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- كما في شريط «الاقتصاد في الاعتقاد»، وقد سُئل عن حمل المجمل على المفصل، فقال: «يُحمل المجمل على المفصل في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام العلماء»، وقال فيمن يقول: إنه لا يُحمل على المفصل في كلام العلماء: «هذا ليس بصحيح». اهـ.

* وقال إخواننا القائمون على مركز الإمام الألباني للدراسات المنهجية والأبحاث العلمية بالأردن -وهم: الشيخ محمد بن موسى آل نصر، والشيخ سليم بن عيد الهلالي- حفظه الله ـ، والشيخ علي بن حسن الحلبي الأثري ، والشيخ مشهور بن حسن آل سلمان- حفظه الله ـ في كلمة أصدروها بخصوص هذا الخلاف المستعر، فكان فيها: «…وأما مسألة حمل المجمل على المفصل: فالفصل فيها ما بيّنه الإمام السلفي، شيخ الإسلام ابن تيمية النميري في «الجواب الصحيح»([236])… ثم ذكروا كلامه- وقد سبق نقله بتمامه عن شيخ الإسلام- وفيه رد على الغلاة، ثم قالوا: «نقول: وهذا حق وصواب، نعم، لا يجوز اتخاذ مثل هذه القواعد تُكَأَةً، لتسوّغ بها مقالات أهل الضلال، ولا ينبغي التهوين فيها من شأن المخطئ، لكي يُصرّ على سوء وضعه، ولا يتراجع عن كبير خطئه، فضلًا عن جعلها ذريعة فضفاضة، تُميَّع بها المواقف الشرعية، بأصولها المرعية،…إلخ». اهـ.

* وقال محمد بن هادي المدخلي – هداه الله، وعافاه من الغلو والبغي، وهو أحد الموثوق بهم عند المخالفين!!- في كتابه «الإقناع، بما جاء عن أئمة الدعوة من الأقوال في الاتباع»([237]) في دفع شبهة من يعترض على كون الإمام محمد بن عبدالوهاب النجدي على مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمهما الله تعالى- واستدل المستدل بكلمات للإمام محمد بن عبدالوهاب، صرح فيها بأنه على مذهب الإمام أحمد، ومنها قوله: ونحن -أيضًا- في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ثم قال محمد بن هادي ـ هداه الله تعالى ـ:

«والجواب عن هذا الإشكال، سهل -ولله الحمد- فيقال:

أولًا: كلامه تعالى- يوضِّح بعضه بعضًا، فكما أنه قال: نحن على مذهب أحمد، فهو الذي قال أيضًا: نحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة…إلخ.

قال: فهذا الثاني يفسر الأول، ويوضحه زيادة قوله :«وأما المتأخرون فكتبهم عندنا، فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص لا نعمل به». اهـ.

ثم قال محمد بن هادي -مبالغًا في تقرير هذه القاعدة-: «وكذلك يوضحه أيضًا:

* قول ابنه الإمام عبدالله في جوابه على رسالة الصنعاني؛ فإنه قال بعد كلام له، على معنى كلمة «المذهب» ونَقْلِهِ لكلام العلماء فيها، قال: «فقد تلخص من كلامهم، أن المذهب في الاصطلاح: ما اجتهد فيه إمام بدليل، أو قول جمهور، أو ما ترجح عنده، ونحو ذلك، وأن المذهب لا يكون إلا في مسائل الخلاف، التي ليس فيها نص صريح ولا إجماع، فأين هذا من توهمكم أن قولنا: «مذهبنا مذهب الإمام أحمد»: أنا نقلده فيما رأى وقال؛ وإن خالف الكتاب والسنة والإجماع، فنعوذ بالله من ذلك». اهـ.

فتأمل كيف فسّر محمد بن هادي مجمل كلام الإمام محمد بن عبدالوهاب، بكلام ابنه الإمام عبدالله بن محمد -رحمهما الله تعالى-، فكيف بحمل مجمل الشخص على المبيَّن من كلامه نفسه؟!

(خاتمة): هذا ما وقفتُ عليه من كلام أهل العلم والفقه في الدين – وإن كان في قليل منهم كلامٌ ما في معتقده – بل نقلتُ كلام كبار الغلاة في هذه المسائل في هذا العصر، ولا أظن أحدًا يخالف هذا، ومن نشط لجمع كلامهم في ذلك؛ وجد أكثر وأكثر، وفي هذا كفاية لمن أراد الهداية، وخشي على نفسه من الضلالة والغواية، وقد ظهر من خلال ما سبق: أن أهل العلم مُتَّفِقُون على حمل المجمل على المفصَّل، وحمل المشتبه المحتمل على المحكم، وتأويل الظاهر، إذا كان لذلك قرينة معتبرة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر هذه القرائن في الفصل الآتي، وظهر لنا أيضًا أن العلماء يفعلون ذلك لقرائن متصلة ومنفصلة، وفي كلام الله تعالى، وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكلام أهل العلم.

خامسًا: الأسباب التي تجعل الأئمة يُبَيِّنُون بها المجمَل، ويُعَيِّنون بها المحتمل، ويُؤوِّلون بها الظاهر:

بعد النظر فيما سبق من كلام الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم من أهل العلم؛ يتضح لنا أن هناك دوافع تحمل الأئمة على حَمْل المجمل على أحد وجهيه، وتأويل الظاهر إلى الوجه المرجوح، أذكرها ليستفيد بها من أراد أن يسلك مسلك أهل العلم؛ فإن في طريقهم الصحيح الكفاية والهداية- إن شاء الله تعالى-:

1- سياق الكلام الذي يدل على مراد المتكلِّم: فإنه يخصِّص العامَّ، ويقيِّد المطلق، ويوضِّح المجمل، ويؤوِّل الظاهر، ومن ذلك رَدُّ شيخ الإسلام على البكري في «تلخيص الاستغاثة»([238]) وفيه: «…وأيضًا فغير الرسول، إذا عبَّر بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام؛ كان هذا سائغًا باتفاق أهل الإسلام». اهـ.

وبنحوه كلام الإمام ابن القيم في «بدائع الفوائد»([239]): «السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوُّع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله؛ غلط في نظره، وغالط في مناظرته». اهـ.

2- النظر إلى مواضع أخرى محكمة وصريحة من كلام العالم نفسه، فيكون ذلك هو المعتمد، وعليه يُحمل الكلام الموهم؛ كما استدلت عائشة ببيت شعري لحسان -رضي الله عنهما- وكما هو في رد شيخ الإسلام ابن تيمية على البكري، وكما دافع به عن الهروي، وكذا كما دافع ابن أبي العز الحنفي عن الطحاوي.

3- الاعتبار بمنهج العالم الذي يُناظِرُ عليه، ومواقفه الأخرى؛ فيكون ذلك كالمحكم من كلامه، كما استدلت به عائشة في الدفاع عن حسان
-رضي الله عنهما- أي: بكونه يدافع ويرد وينافح عن عِرْض رسول الله
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وكما هو الحال في دفاع شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وابن أبي العز عن الهروي، وكما دافع به الذهبي عن ابن حبان، وكما دافع به الشيخ محمد بن إبراهيم عن صاحب «اللمعة»، وكما دافع به سماحة الشيخ ابن باز عن الطحاوي، وكذا دفاع شيخنا الألباني عن شيخنا مقبل الوادعي …إلخ ما سبق مفصلًا، وإهمال حياة الرجل ومواقفه المشهورة في مثل هذا؛ يفتح الباب إلى إهدار جهاد العلماء لكلمة مشتبهة صَدَرَتْ عنهم، والله المستعان.

4- وقريب من هذا: النظر في حال الرجل، وما عُرف به من الصلاح، فيُستبعد في حقه صدور ما يشكك في صدقه، أو صحة إسلامه؛ كما دافع معاذ عن كعب -رضي الله عنهما- وكما دافع أحمد عن شعبة، وأوّلَ كلامه الظاهر في ذم الحديث وطلبه، وكما دافع شيخ الإسلام عن الشيخ أبي عثمان، واستبعد صدور ما لا يليق من المعاني بمقامه تعالى- وهذا السبب يلتقي مع سابقه في عدة مواضع، ومن عَدَّهما سببًا واحدًا؛ فما أَبْعَدَ، والله أعلم.

5- معرفة قصد المتكلِّم ونيته؛ وبهذا يوضع الشيء في موضعه؛ فإن الاعتبار بالمقاصد مقدَّم على الألفاظ، وقد سبق ذلك من كلام الإمام ابن القيم في «إعلام الموقعين»([240]) وقد سبق موقف الشافعي مع الربيع ـ رحمهما الله تعالى ـ.

6- معرفة عُرف المتكلِّم وعادته فيما يعنيه من كلامه، وقد سبق ذلك من كلام شيخ الإسلام .

7- الاعتبار بما تقتضيه أصول المتكلم، وإلا نسبنا إليه الأقوال القبيحة، وقد سبق من كلام شيخ الإسلام ذم من يأخذ مذاهب الفقهاء من إطلاق كلامهم، دون الرجوع إلى ما تقتضيه أصولهم.

8- حَمْلُ كلام المتكلِّم السني على ما تقتضيه أصول أهل السنة -وإن لم يكن له كلام صريح في المسألة بعينها- وذلك من باب إحسان الظن به، كما دافع غير واحد عن الطحاوي والمقدسي، وكما أوّل الصنعاني أثر ابن عَمْرو -على ضعفه- على ما تقتضيه أصول الصحابة وأهل السنة من بعدهم.

9- وجود مثل كلامه المشتبه في كلام الأئمة المشهورين بالخير، وأن الرجل لم يجاوز الحد الذي يُعتذر فيه للعلماء، فيؤوَّل كلامه على المحمل الحسن، كما أوّلوا كلام غيره من المشهورين بالفضل، ما لم يظهر أنه قصد المتكلم التلبيس أو التدليس بالمجمل، ومثال ذلك كلام الذهبي عن الغزالي، وقاعدة السبكي، فارجع إليهما إن شئت، ولابد من التأنِّي في مثل هذا الموضع.

10- الرغبة في إزالة الخلاف، وكثرة تعدد الأقوال في المسألة التي قد يتذرّع بها المخالف؛ كما حمل شيخ الإسلام ما جاء عن الصحابة والتابعين وأحمد في جواز التوسل بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأن في المسألة قولين، فاستحب حمل كلامهم على التوسل بإيمانه بالنبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فيكون القول في هذه المسألة واحدًا.([241])

فهذه عشرة أسباب – وقد يتداخل بعضها في بعض – تجعل الأئمة يحملون الكلامَ المجمل على المفصَّل من كلام أهل العلم، فافهم هذا؛ ترشُدْ!!

سادسًا: فوائد مهمة:

* الأولى: يتلخص مما سبق عدة فوائد في القول بحمل المجمل على المفصّـل من كلام أهل العلم، فمن ذلك:

(أ) الدفاع عن علماء السنة: فعندما يُشَغَّب عليهم بكلمة مشتبهة؛ يُرَدُّ على المشغِّب بهذه القاعدة، وكذا عندما يَدَّعي أحدٌ تناقضهم، أو يريد أن يُنَفِّر الناسَ عنهم بهذا الكلام المشتبه؛ يُرَدُّ عليه بحمل هذا على ذاك، وتُدفع دعوى التعارض.

(ب) قطع تعلق أهل البدع ببعض كلام أهل السنة وانتحالهم إياهم: فإذا تعلق مبتدع بالمتشابه من كلام أهل السنة على بدعته؛ رُدّ عليه بأن كلام الإمام المشتبه يوضّحه ويفسّره كلامُهُ الآخر، أو ما عُرف من حاله في مواضع أخرى.

(جـ) سد الباب أمام أهل البدع الذين يأتون بكلام محتمل، ويتذرَّعون به لنشر الباطل بعبارة لا يستنكرها من سمعها، ولهم فيها مآرب أخرى، فأهل السنة يُغْلِقُون أمامَهم الباب بحملهم مجمل المبتدع على ما صرح به في هذه المقالة، بما لا يدع مجالًا للشك في انحرافه عن جادة السنة في هذا الباب، فكما أن هذه القاعدة تدافع عن أهل السنة، فهي تُدين أهل البدع، وتقلِّم أظفارهم ومخالبهم، وتفضح نواياهم الخبيثة، وتكشف أساليبهم الملتوية الغامضة.

(د) السير على ما سار عليه أهل العلم والعدل؛ لدفع حظوظ النفس، من حسد وتحامل وظلم وغير ذلك، ودَفْعِ الجهل عن النفس، والذي من ثمرته عَدَمُ إدراك المخارج الشرعية لمن كان كلامه محتملًا، وقد سبق هذا من قول ابن الوزير وابن عثيمين، وغيرهما.

* الفائدة الثانية: أن كلام الأئمة السابق، وإن كان -في الغالب- في سياق الدفاع عن العلماء المشهورين بالخير، إلا أن هذه القاعدة ليست منحصرة في ذلك، فالمبتدع إذا كان له كلام موهم في بدعته، نحمله على صريحه القبيح، ونعد استعماله للمجمل والموهم -في هذا الموضع- من أساليب أهل البدع، التي يجب الحذر والتحذير منها، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية بحمل كلام المتهمين بالبدع على بدعهم، فقال
– كما في «مجموع الفتاوى»ـ([242]) وقد ذكر قول ابن عربي وهو يخاطب ربه: «ما خَلْقُك للأمر ترى لولائي» فقال شيخ الإسلام: «كلام مجمل، يمكن أن يريد به معنى صحيحًا، أي لولا الخالق؛ لما وُجد المكلَّفون، ولا خَلْق لأمر الله، لكن قد عُرف أنه لا يقول بهذا، وأن مراده الوحدة والحلول والاتحاد…». اهـ.

فتأمل كيف حمل مجمل كلامه، على ما عُرف عنه من قالة السوء؟!! فأين في سلوك هذه القاعدة من الدفاع عن أهل البدع؟

بل قد صرَّح في كتاب «الاستقامة»([243]) بحمل كلام المبتدعة بعضِهِ على بعض، فقال: «الوجه الثاني: أن الكلام المجمل من كلامهم؛ يُحمل على ما يناسب سائر كلامهم…». اهـ.

فتأمل هذا «وَعَضَّ عليه بالنواجذ، وإياك ومحدثات الأمور، فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»!!.

وبهذا أيضًا قال الشيخ ابن عثيمين فقد ردَّ على الحلولي الذي يقول: «رأيت الله في كل شيء»، وكذَّبه إذا ادعى أنه أراد بذلك معنى صحيحًا؛ لأنه قد عُرف بنصرة الضلال، وقد سبق ذلك.

وكذلك ما قاله شيخنا الوادعي حيث قال: «وعلى كل حال؛ يُحْمَل كلامُ السني على السنة، وكلام المبتدع على البدعة»، وقد سبق -أيضًا- ولله الحمد والمنة.

وكذلك ما قاله شيخنا عبد المحسن العباد ـ حفظه الله تعالى ـ ففي هذا وغيره كفاية، لمن أراد الهداية، واستعاذ بالله من الغواية.

* الفائدة الثالثة: هذه القرائن السابقة، منها ما هو متصل بالكلام كالسياق، ومنها ما هو منفصل، كالكلام الآخر الصريح، وغير ذلك، والله تعالى أعلم وأحكم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: مِلْء السموات والأرض، ومِلْءَ ما بينهما، ومِلْءَ ما شاء من شيء بعد: عددَ خَلْقه، ورضا نَفْسه، وزِنَةَ عَرْشه، ومداد كلماته.

هذا ما لَخَّصْتُه من رسالتي:

«الجواب الأكمل على من أنكر حمْل المجمل على المفصَّل»

في الرد على الشيخ ربيع المدخلي ومن قلَّده من الغلاة المسرفين في تجريح من هم أولى منهم بمنهج علماء السنة: سلفًا وخلفًا.

كتبه أبو الحسن

مصطفى بن إسماعيل السليماني

A

A

[24]

ذَمُّ تقديس الأشخاص، وتَرْكُ العمل والتعصُّب لهم، إذا خالفوا الأدلة النقلية والعقلية