كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(الخلاف في الحكم على الأشخاص لا يكون سببًا في الفُرْقة والتهاجر)

  • السؤال الثاني والعشرون: هل الخلاف في تبديع شخصٍ أو تَجْرِيحِهِ يُوجِب الهجْرَ والفُرقة لمن لا يُبَدِّعه ولا يهْجره؟

الجواب:

  • أولًا: الخلاف في الجرح والتعديل للرجال لا يُورث البغضاء والضغينة عند سلف الأمة وخلفها من أهل العلم والفهم والصدق والورع؛ فهناك الكثير من الأمثلة عن السلف باختلاف كلمتهم وأحكامهم في كثير من الرواة جرحًا وتعديلًا، وكُتُبُ الجرح والتعديل مليئة بذلك.

فالخلاف في حكم الأشخاص لا يُوجب الفُرقة عند من يفهم دين الله؛ لأن الخلاف في ذلك خلاف بين أهل العلم في مسائل اجتهادية، في تنزيل الحكم العام على المعيَّن، وليست مجمعًا عليها في كثير من الحالات، فالإمام أحمد كثيرًا ما يقول في الرجل قولا يخالِفُ فيه قولَ يحيى بن معين، فيحيى يُجرِّح وأحمد يُعَدِّل، وكل طبقة فيها المتوسط والمتشدد والمتساهل في الجرح والتعديل، غايةُ الأمر أنْ يُقال: فلان متشدد، أو مُتَعَنِّتْ، أو قويّ النَّفَس في التجريح، وفلان متساهل في التوثيق، رخْو النفَس في التجريح، أما القول بأن الخلاف في هذا خلاف في صحة انتماء الرجل المجرِّح أو المعدِّل إلى أهل السنة، ثم نرجع بعد أن بدَّعنا الأول -وغالبا ما يكون هذا التبديع بدون وَجْه حق- فنبحث في سلفيَّة وسُنِّيَّة مَنْ خالفنا في تجريح هذا الشخصٍ أو تعديله، وهل هو باقٍ في دائرة السنة والسلفية، أم خرج منها؟ فهذا كلام باطل، وإذا سِرْنا عليه؛ فلن يَسْلَم أحد من الطعن فيه، سواء كان من السلف أو الخلف، إنما هذا هو منهج أهل الغلو والإفراط وضيق الأفق سلفا وخلفا!!

والسبب في هذا الخلاف: إما أن يكون أحدهم أعلم بالرجل من غيره، أو يكون أحدهم ينطلق من قاعدة في الجرح والتعديل، وهي إما أن تكون متشددة أو متساهلة، أو يكون أحدهم استوعب النظر في حال المتكلَّم فيه، أو وقف على بعض حديثه أو كلامه فأطلق القول فيه، جرحا أو تعديلا،… وهكذا.

وكثير من الغلاة إذا خالفته في الحكم على شخص ما أو مؤسسة، أو جمعية، أو هيئة، أو جماعة؛ عاداك، وصبّ عليك جامَ غضبه، إذا بَلَغه أنك تُخَالفه في فلان مَدْحًا أو قدحا، وما ذاك إلا من نَزْغ الشيطان، واتِّباع المرء هواه، أو على الأقل جَهْلِهِ بمنهج علماء السنة أو بحال المتكلَّم فيه فنعوذ بالله من الخذلان!!!

ثانيًا: ليس كُلُّ خلافٍ يُوجب إطلاقَ الطعن أو الهجر للمخالف:

ولأهل العلم كلامٌ كثيرٌ في هذا المعنى، ومع ذلك فلم يختلفوا، فمن كان على منهجهم؛ فليسْلك طريقهم:

فقد جاء في «تاريخ دمشق»([53]) عن يحيى بن الحصين قال سمعت طارق ابن شهاب قال: كان بين سعد وخالد كلام، فذهب رجل يقع في خالد عند سعد؛ فقال: مَهْ، إن ما بيننا لم يَبْلُغْ ديننا. اهـ([54])

وكان أبو حنيفة يُكْثِر من قول: «اللهم من ضاق بنا صَدْرُهُ؛ فإن قلوبنا قد اتَّسَعَتْ له»، ويقول: «من جاء بأحسن من قولنا؛ فهو أَوْلَى بالصواب». اهـ([55])

وعن أحمد بن حفص السعدي قال: سمعت الإمام أحمد يقول: «لَمْ يَعْبُرِ الْجِسْرَ إِلَى خُرَاسَانَ مِثْلُ إِسْحَاقَ – أي ابن راهويه -، وَإِنْ كَانَ يُخَالِفُنَا فِي أَشْيَاءَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَلْ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»([56]).

ومن ذلك ما رواه ابن عبد البر ([57]) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابِ بْنِ الْمُرَبَّعِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيَّ أَخْبَرَنِي، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَجَاءَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ رَاكِبًا عَلَى دَابَّةٍ، قَالَ: فَتَنَاظَرَا فِي الشَّهَادَةِ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى خِفْتُ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا جَفَاءٌ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَرَى الشَّهَادَةَ، وَعَلِيٌّ يَأْبَى وَيَدْفَعُ، فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ الِانْصِرَافَ؛ قَامَ أَحْمَدُ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ…».

فتأمل يا طالب الهدى والنجاة؛ كيف أن هذا الخلاف بينهما كان في مسألة من مسائل العقيدة، ولم يقع بين أحمد وعليّ -رحمهما الله- جفاء بسبب ذلك، فهذه طريقة العلماء، لا الصغار الحدثاء، ولا الكبار ممن تلوَّث بشيء من عُجْب الأهواء، مِمَّن ابْتُلِيَتْ بهم الدعوة وأهلها في هذه الأيام.

وفي «سير أعلام النبلاء»([58]): «قَالَ يُوْنُسُ الصَّدَفِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنَ الشَّافِعِيِّ؛ نَاظَرْتُهُ يَوْمًا فِي مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ افْتَرَقْنَا، وَلَقِيَنِي، فَأَخَذَ بِيَدِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُوْسَى، أَلاَ يَسْتَقيمُ أَنْ نَكُوْنَ إِخْوَانًا وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ؟!

قال الذهبي : «قُلْتُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَقْلِ هَذَا الإِمَامِ، وَفقهِ نَفْسِهِ، فَمَا زَالَ النُّظَرَاءُ يَخْتَلِفُوْنَ». اهـ

قلت: فاعتبروا يا أولي الأبصار، واسْلُكوا سبيل القوم تُفْلِحوا!!

وقال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن»([59]):

«وأما حكم مسائل الاجتهاد: فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زال الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون». اهـ

قلت: مسائل الاجتهاد كثيرة جدا، ومنها: الاختلاف بين العلماء في الجرح والتعديل للأشخاص حتى المشاهير منهم، فقد يختلف علماء الجرح والتعديل في حال كثير من المشاهير فضلا عمن دونهم، والله أعلم.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الاستقامة»([60]):

«.. ولكن الاجتهاد السائغ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الفتنة والفُرْقة إلا مع البغي، لا لمجرد الاجتهاد، كما قال تعالى: [ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ] {آل عمران:19}، وقال: [ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ] {الأنعام:159}، وقال: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ] {آل عمران:105}، فلا تكون فتنة وفُرْقة مع وجود الاجتهاد السائغ، بل مع نوعِ بَغْيٍ». اهـ

وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([61]):

«… وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر؛ اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: [ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ] {النساء:59}، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاوَرَة ومناصَحَة، وربما اختلف قولُهم في المسألة العِلْمية والعَمَلِيَّة، مع بقاء الأُلْفة والعِصْمة وأُخُوَّة الدين، نعم من خالف الكتاب المستبين، والسنة المستفيضة، أو ما أَجْمَعَ عليه سلفُ الأمة خلافًا لا يُعْذَر فيه؛ فهذا يُعَامَلُ بما يُعَامَلُ به أهلُ البدع… وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا؛ لم يَبْقَ بين المسلمين عِصْمَةٌ ولا أُخُوَّةٌ…». اهـ

فتأمل قوله : «في المسألة العلمية والعملية…» أي لا تفريق في هذا الشأن -في الجملة- بين مسائل العقيدة ومسائل الأحكام بالضوابط المعلومة عند أهل السنة، والتي سأبيِّنها -إن شاء الله- فيما سيأتي.

وقال المناوي في «فيض القدير»([62]):

«قال الذهبي: وبين الأئمة اختلاف كبير في الفروع وبعض الأصول، وللقليل منهم غَلَطات وزَلَقات ومفردات منكرة، وإنما أُمِرْنا باتباع أكثرهم صوابا، ونجزم بأن غرضهم ليس إلا اتباع الكتاب والسنة، وقلَّما خالفوا فيه لقياس أو تأويل؛ قال: وإذا رأيتَ فقيها خالف حديثا، أو رَدَّ حديثا، أو حَرَّفَ معناه؛ فلا تبادر لتغليطه؛ فقد قال علي -كرم الله وجهه- لمن قال له: أَتَظُنُّ أن طلحة والزبير كانا على باطل؟: يا هذا، إنه مَلْبُوسٌ عليك؛ إن الحق لا يُعْرَفُ بالرجال، اعْرِفْ الحقَّ؛ تَعْرِف أَهْلَهُ، وما زال الاختلاف بين الأئمة واقعا في الفروع وبعض الأصول، مع اتفاق الكل على تعظيم الباري -جل جلاله-، وأنه ليس كمثله شيء، وأن ما شَرَعَهُ رسوله حق، وأن كتابَهم واحد، ونَبِيَّهُم واحد، وقِبْلَتَهُم واحدة، وإنما وُضِعَتْ المناظرةُ لِكَشْف الحق، وإفادةِ العالِمِ الأَذْكَى العِلْمَ لمن دونه، وتَنْبِيهِ الأغفلِ الأضعفِ، فإن داخَلَها زهوٌّ من الأكمل، وانكسارٌ من الأصْغَر؛ فذاكَ دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان، غفلةٌ عن الله، فما الظن بالنفوس الشريرة المنطفية، انتهى». اهـ

فتأمل كلامه في وقوع الاختلاف بين أئمة الهدى في بعض الأصول -أي العقيدة- أيضًا، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصر، وقد ذكرتُها في مواضع أخرى بتوسُّع، وسترى بعضها الآن -إن شاء الله-، أما الجهلة والغلاة فإنهم يرون أن أي خلاف في العقيدة -هكذا بدون تفصيل- يوجب التبديع أو التكفير، ومن ثَمَّ الفرقة والتهاجر، بل تبديع وهجر من يخالفهم في أحكامهم على الأعيان جرحا أو تعديلا، أليسَتْ هذه فتنة في الدين؟!

وهذه أمثلةٌ على وقوع الاختلاف بين العلماء في الحكم على الرجال من غير تهاجر أو فُرقة:

قلت: لا شك أنّ التبديع والتهاجر بسبب الاختلاف في الحكم على أعيان الرجال انحراف عن جادة العلماء، فإنّ الخلاف في الجرح والتعديل بين أهل العلم موجود، سواء كان في الضبط، أو في العدالة، أو في السُنَّة، أو في البدعة، وفي حكمهم على الشخص: هل هو سني أو مبتدع؟ ومع ذلك فالسلف كانوا أمة واحدة، وكل منهم يُثْني على الآخر، مع أنه يخالفه في الحكم على بعض الأشخاص في كونه من أهل السنة أو البدعة، بل ربما أثنى عليه في جانب وذمَّه في جانب آخر بضوابط معروفة، وهذا موجود بكثرة، وله شواهد كثيرة في كتب أهل العلم، لكن الغلاة في زماننا الذين ينتسبون في هذا الشأن إلى منهج السلف كذبا وزورا!! لا تتسع عقولهم وقلوبهم حتى يقْبلوا جواز اجتماع المدح والقدح لشخص واحد من شخص واحد-فضلا عن أشخاص-، ويكون المدح في جانب والقدح في جانب آخر، مع أن إجماع أهل السنة -بل العقلاء- على ذلك، كما سيأتي -إن شاء الله- وإن اختلفت كلمات أهل العلم في الشخص الواحد؛ فالتماس الأعذار للمختلفين في الجرح والتعديل له أبواب كثيرة؛ فقد يُحْمل على العلم الواسع بالشخص المتكلَّم فيه من بعضهم دون بعض، أو يحمل على اختلاف موضع الجرح عن موضع التعديل،… إلخ، المهم لا يرجع العلماء فيما بينهم إلى الطعن في بعضهم، هذا هو الأصل، والله أعلم.

ومن ذلك كلام الإمام أحمد في إبراهيم بن محمد بن أبى يحيى الأسلمي، أبي إسحاق المدني مخالفًا فيه قولَ شيخه الشافعي -رحمهما الله-:

قال عبد الله بن أحمد: سمعتُ أَبي يقول: حدثنا أبو جعفر الحذاء قال: قلت لسفيان بن عيينة: إن هذا يتكلم في القدر – أعني إبراهيم بن أبي يحيى -. قال: عَرِّفوا الناسَ بِدْعَتَهُ، وسَلُوا رَبَّكُم العافية.([63])

وقال عبد الله: سألته (يعني أباه) عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، فقال: ثقة، ولكن ابنه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ترك الناس حديثه، وكان قدريًّا.([64])

وقال عبد الله: سَمِعتُهُ (يعني أباه) ذكر عن المعيطي، عن يحيى بن سعيد، قال: كنا نتهمه بالكذب – يعني إبراهيم بن أبي يحيى -. قال أبي: وكان قدريا جهميا، كُلُّ بلاء كان فيه: إبراهيم بن أبي يحيى.([65])

وقال الحسين (وهو ابن إدريس الأنصاري راوي «السؤالات» عن أبي داود): إبراهيم بن أبي يحيى قدري متروك الحديث.([66])

وقال أبو زرعة: قال لي أحمد بن حنبل: قال يحيى بن سعيد القطان: لم يُتْرَكْ إبراهيم بن أبي يحيى للقَدَر، إنما تُرِكَ للكذب.([67])

وهذا توثيق الإمام الشافعي لابن أبي يحيي:

فقد جاء في «تهذيب التهذيب»([68]):

قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: كان إبراهيم بن أبي يحيى قدريا، قيل للربيع: فما حمل الشافعيَّ على أن رَوَى عنه؟ قال: كان يقول: لأنْ يَخِرَّ إبراهيم مِنْ بُعْد؛ أَحَبُّ إليه من أن يَكْذِبَ، وكان ثقةً في الحديث.

وقال ابنُ حِبَّان : كان يرى القَدَر، ويَذْهَبُ إلى كلام جَهْم، ويَكْذِبُ في الحديث، إلى أن قال: وأمَّا الشافعي فإنه كان يجالس إبراهيم في حداثته، ويحفظ عنه، فلما دخل مصر في آخر عمره، وأخذ يُصَنِّفُ الكُتُبَ؛ احتاج إلى الأخبار، ولم تكن كتبه معه، فأَكْثَرُ ما أَوْدَعَ الكُتُبَ مِنْ حِفْظِهِ، وربما كَنَّى عن اسمه.

وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت أحدًا يحتج بإبراهيم بن أبي يحيى مثل الشافعي، قلت للشافعي: وفي الدنيا أحد يحتج بإبراهيم بن أبي يحيى. اهـ

فالشافعي خالف غيره من الأئمة في توثيق إبراهيم، ومدحه في العدالة والأمانة، والكتابة -بل والإكثار عنه- مع أن غيره طعن في دينه، ورماه بالكذب وأَخْذِ أحاديث الناس وادعائه أنها من حديثه- ومع ذلك لم يطعن أحد في الشافعي لذلك، فتأمل الفارق بين الفهم السلفي والهوس الخَلْفي الذي يطعن فيك أصحابُه إذا خالفتهم، أو خالفت حامل رايتهم المشؤومة، فيقولون عنه: فلان حامل لواء أو راية الجرح والتعديل-كذبا وزورا- كيف تخالفه؟!! ويجعلونك أَخْبَثَ مَنْ تُظِلُّه السماء، أو تُقِلُّه الغبراء… إلخ!!

فإذا كان الخلاف في الحكم على الأشخاص ليس مُوجِبًا للتفرق عند علماء السنة سلفا وخلفا؛ فلماذا هذه الفتنة المسعورة بين السلفيين في هذه الآونة، وكما يُقال: العزاء أو البكاء أكبر من الميت! فُرقة في الصفوف في كل مكان، ومجالس الليل والنهار في غِيبة، ولَعْن، وسَبٍّ، وتشهير، وتضليل، وتفريق، كل هذا بسبب ماذا؟ ألِكَوْنك خالفتَ فلانًا أو خالفك فلان في تجريح شخصٍ أو تعديله؛ يَحْدُثُ كُلُّ هذا؟ وقد تكون أنت المخطئ في تعديله، أو تكون أنت المخطئ في تجريحه، والصواب مع من يخالفك في مدحه أو قدحه فيه؟! أليس يُقال في مثل هذه الحالة: لقد اجتهدتَ، فإن أخطأتَ؛ فلك أجر واحد، وإن أصبْتَ؛ فلك أجران-إذا كان المقصود الوصول إلى الحق-؟ فإذا لم يكن هذا المقام من مقام هذا الحديث في المجتهد المصيب والمجتهد المخطئ،([69]) فمتى يكون مقام تنزيل هذا الحديث، إذا لم يكن هذا من صُوَرِ مقامه وتنزيله؟ [ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ] {الأنعام:143}!!

(شبهة والجواب عليها):

بعض هؤلاء الغلاة يقول: إنّ الخلاف بين أئمة السلف ومن تبعهم من أئمة الخلف في الجرح والتعديل، إنما كان في الضبط وعدمه، أما في كون فلان من أهل السُنَّة أو البدعة فالاتفاق بين أهل السُنَّة أنّ مَنْ قيل فيه: إنه مبتدع؛ فهو مبتدع، ولا يجوز الخلاف فيه، بل يُبَدَّع ويُهْجَر المخالف في ذلك؟

والجواب: أن القوم كلما اضطُّرُّوا في النقاش إلى زاوية ضيقة، وضيَّق عليهم أهل الحق الخَنَاق؛ وضعوا قاعدة محدَثة ما لهم بها منِ علم ولا سلطان، ولا سبقهم إليها أحد، فنقول لهم: مَنْ مِنَ العلماء قال بهذا قبلكم، أو أَحِيلونا على مرجع من مراجع أهل العلم صَرَّح بذلك؟ [ﯵ ﯶ ﯷ ﯺ] {البقرة:111} فإذا لم يسبقكم إلى هذا أحد؛ فكيف تدّعون الاتفاق عليه أصلا؟ فها نحن نطلب منكم إثبات هذا الاتفاق، ومن الذي نقله، وفي أي كتاب ذكره، وهل له مَحْمل آخر غير ما نحن فيه أم لا؟! وإلا فليَعْلم أتباعُكم إن كانوا يريدون نَصْر الحق لا التعصُّب للأهواء أنكم عن الحق معرضون، وله معاندون، وبأهله مستهزئون، والمعاد يوم التناد!!!

ولما ذكرتُ لبعض هؤلاء الغلاة في بعض المجالس بعضَ الأمثلة عن العلماء الذين اختلفوا في رجل أصوله سُنِّيَّة، لكن تلوَّث ببدعة في بعض الجوانب، واختلف العلماء فيما بينهم في كون فلانٍ هذا مبتدعًا أم لا، وذكرتُ له كلام العلماء في مدح من وَصَفَهُ بعضُهم بالبدعة، ومن يمدحه منهم إنما يمدحه في جانب ما، ومن يذمه منهم، إنما يذمه في جانب آخر، ولم يحكموا بإسقاطه بالكلية، مع أنهم وصفوه بالبدعة، أو وصفه بذلك بعضهم، ومع ذلك لم يجرح بعضهم بعضا، إنما بيَّن كلٌّ منهم وجْه خطأ مخالفه مع حفظه لحرمته وحشمته؛ فقال: لا يَكْفي في صحة ما تقول مثال أو اثنان أو ثلاثة!! مع أن المثال الواحد ينقض دعواهم في اتفاق أهل السنة على قولهم، ويلزمهم أن يأتوا هم بأمثلة من حال السلف على قولهم، ودعواهم الإجماع المزعوم؛ لكن القوم هَمُّهم الانتصار لما قالوه؛ حتى لا تهتز مكانتهم عند مقلِّديهم بلا برهان -إلا من رحم الله- ومع ذلك فالأمثلة في ذلك كثيرة.

وهاهنا أمرٌ أُحِبُّ أن أُؤكِّد عليه، وهو: أني حين أُورِدُ خلافَ العلماء حول أحد العلماء الآتي ذِكْرُهم؛ فليس همي ولا قصدي الدفاعَ عن واحد من هؤلاء ولا أن الذي قيل فيه حقٌّ أو باطل؛ لأن هذا له موضعٌ آخر، أما قصدي في هذا المقام: هو بيان أن العلماء اختلفوا فيما بينهم، فمنهم من مدح، ومنهم من قدح في الشخص الواحد، ومع ذلك لم يختلفوا فيما بينهم، ولا سبَّ بعضُهم بعضًا، لا المادح سب القادح، ولا القادح سب المادح وقال: إنه يدافع عن أهل البدع، ويروِّجُ لهم، كما هو حال أدعياء السلفية-في هذه الأيام، في هذا الموضِع، وإن كانوا في الجملة ينتمون إلى أهل السنة-.

وإليك مزيد بيان:

فمن ذلك ما جاء في ترجمة:

أَبي ذَرٍّ الهَرَوِيُّ :

قال الحافظ الذهبي ([70]):

«أَبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ: عَبْدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، الحَافِظُ، الإِمَامُ، المُجَوِّدُ، العَلَّامَةُ، شَيْخُ الحرمِ…

وَقَالَ الأَمِيْنُ ابْنُ الأَكْفَانِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بنُ أَبِي حَرِيْصَةَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرٍّ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ بِمَكَّةَ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَذْهب الأَشْعَرِيِّ».

قال الحافظ الذهبي : «قُلْتُ: أَخذ الكَلاَمَ وَرَأْيَ أَبِي الحَسَنِ -أي الأشعري- عَنِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ بنِ الطَّيِّب، وَبثَّ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، وَحمله عَنْهُ المغَاربَةُ إِلَى المَغْرِب، وَالأَنْدَلُس، وَقبل ذَلِكَ كَانَتْ عُلَمَاءُ المَغْرِب لاَ يدخُلُوْنَ فِي الكَلاَم، بَلْ يُتْقِنُوْنَ الفِقْهَ أَوِ الحَدِيْثَ أَوِ العَرَبِيَّةَ، وَلاَ يَخُوْضُون فِي المعقولاَتِ، وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ الأَصِيْلِيُّ، وَأَبُو الوَلِيْدِ بنُ الفَرَضِيّ، وَأَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ، وَمَكِّيٌّ القَيْسِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ، وَأَبُو عُمَرَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ، وَالعُلَمَاءُ.

قَالَ أَبُو الوَلِيْدِ البَاجِيُّ فِي كِتَاب (اختصَار فِرَقِ الفُقَهَاء) مِنْ تَأْلِيْفه، فِي ذكر القَاضِي ابْنِ البَاقِلَّانِيّ: لَقَدْ أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَبُو ذَر، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِهِ، فَسَأَلْتُهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟

قَالَ: إِنِّيْ كُنْتُ مَاشيًا بِبَغْدَادَ مَعَ الحَافِظ الدَّارَقُطْنِيّ، فَلَقِيْنَا أَبَا بَكْرٍ بنَ الطَّيِّب؛ فَالتزمه الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ، وَقبَّلَ وَجهَهَ وَعَيْنَيْهِ، فَلَمَّا فَارقنَاهُ، قُلْتُ لَهُ: مَنْ هَذَا الَّذِي صَنَعْتَ بِهِ مَا لَمْ أَعْتَقِدْ أَنَّكَ تَصْنَعُهُ وَأَنْتَ إِمَامُ وَقْتِكَ؟

فَقَالَ: هَذَا إِمَامُ المُسْلِمِيْنَ، وَالذَّابُّ عَنِ الدِّيْنِ، هَذَا القَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الطَّيِّب.

قَالَ أَبُو ذَر: فَمِنْ ذَلِكَ الوَقْت تَكَرَّرْتُ إِلَيْهِ مَعَ أَبِي، كُلُّ بَلَد دَخَلْتُهُ مِنْ بلاَد خُرَاسَان وَغيرِهَا لاَ يُشَارُ فِيْهَا إِلَى أَحدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّة إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَطَرِيْقِهِ».

قال: «قُلْتُ: هُوَ -أي القاضي ابن الطيب الباقلاني- الَّذِي كَانَ بِبَغْدَادَ يُنَاظِرُ عَنِ السُّنَّة وَطَرِيْقَةِ الحَدِيْث بِالجَدَلِ وَالبُرْهَانِ، وَبَالحضرَةِ رُؤُوْسُ المُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالقَدَرِيَّة وَأَلوَانِ البِدَع، وَلهُم دَوْلَةٌ وَظُهورٌ بِالدَّوْلَة البُوَيْهِيَّة، وَكَانَ يَرُدُّ عَلَى الكَرَّامِيَّة، وَينصُرُ الحَنَابِلَةَ عَلَيْهِم، وبَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْل الحَدِيْث عَامِرٌ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَخْتَلِفُون فِي مَسَائِل دقيقَة، فلهَذَا عَامَلَه الدَّارَقُطْنِيُّ بِالاحْتِرَام، وَقَدْ أَلَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ: (الإِبَانَة)، يَقُوْلُ فِيْهِ: فَإِن قِيْلَ: فَمَا الدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّ للهِ وَجهًا وَيدًا؟

قَالَ: قَوْله: [ﮄ ﮅ ﮆ ] {الرحمن:27}، وَقوله: [ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ] {ص:75} فَأَثبت تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَجهًا وَيدًا.

إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِن قِيْلَ: فَهَلْ تقولُوْنَ: إِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَان؟

قِيْلَ: مَعَاذَ اللهِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ.

إِلَى أَنْ قَالَ: وَصِفَاتُ ذَاتِهِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلاَ يزَالُ مَوْصُوَفًا بِهَا: الحَيَاةُ وَالعِلْمُ وَالقُدرَةُ وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالكَلاَمُ وَالإِرَادَةُ وَالوَجْهُ وَاليدَانِ وَالعينَانِ وَالغضبُ وَالرِّضَى، فَهَذَا نَصُّ كَلاَمه.

وَقَالَ نحوَهُ فِي كِتَاب «التَّمهيد» لَهُ، وَفِي كِتَاب «الذَّبِّ عَنِ الأَشْعَرِيِّ».

وَقَالَ: قَدْ بَيَّنَّا دينَ الأُمَّة وَأَهْلِ السُّنَّة: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَات تُمَرُّ كَمَا جَاءت، بِغَيْر تكييفٍ وَلاَ تحَدِيْدٍ وَلاَ تجنيسٍ وَلاَ تصويرٍ.

قُلْتُ -والقائل هو الذهبي : فَهَذَا المنهجُ هُوَ طريقَةُ السَّلَف، وَهُوَ الَّذِي أَوضحه أَبُو الحَسَنِ-أي الأشعري- وَأَصْحَابُه، وَهُوَ التَسْلِيمُ لنُصُوص الكِتَاب وَالسُّنَّة، وَبِهِ قَالَ ابْنُ البَاقِلَّانِيّ، وَابْنُ فُوْرَك، وَالكِبَارُ إِلَى زَمَن أَبِي المعَالِي، ثُمَّ زَمَنِ الشَّيْخ أَبِي حَامِدٍ، فَوَقَعَ اختلاَفٌ وَأَلْوَانٌ، نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ.

وَلأَبِي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ مُصَنَّفٌ فِي الصِّفَات عَلَى منَوَال كِتَاب أَبِي بَكْرٍ البَيْهَقِيِّ بحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا.

قَالَ عَبْدُ الغَافِرِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ فِي «تَاريخ نَيْسَابُوْر»: كَانَ أَبُو ذَر زَاهِدًا وَرِعًا عَالِمًا، سَخِيًّا لاَ يَدَّخِرُ شَيْئًا، وَصَارَ مِنْ كِبَار مَشْيَخَة الحَرَم، مُشَارًا إِلَيْهِ فِي التَّصوُّف، خَرَّجَ عَلَى «الصَّحِيْحَيْنِ» تَخْرِيجًا حَسَنًا، وَكَانَ حَافِظًا كَثِيْرَ الشُّيُوْخ». اهـ

وقال المعلمي في «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل»([71]):

قال ابن الجوزي في «المنتظم»([72]): «كان -أي أبو ذر الهروي- من الأشاعرة المُبْغَضِين، وهو أول من أَدْخَل الحرمَ مذهبَ الأشعري، ولا يُقْبَلُ جَرْحُهُ لحنبلي يعتقد كُفْرَه».

قال المعلمي : أقول: قال ابن الجوزي نفسه في ترجمة أبي ذر من «المنتظم» نفسه([73]): «كان ثقة ضابطًا فاضلًا… وقيل: إنه كان يميل إلى مذهب الأشعري» ويظهر من هذه العبارة الأخيرة أن الميل لم يَثْبُتْ، فإن ثَبَتَ؛ فما مقداره؟ وقد كان ابن الجوزي نفسه مائلًا، بل يُوجَد في كلامه وكلام كثير من الحنابلة ما هو أَبْعَدُ عن قول الإمام أحمد والأئمة من كلام الأشعري وأصحابه، هكذا قاله أعرف الناس بهم، وهو رجل منهم، كما تقدم في ترجمة الخطيب، هَبْ أن أبا ذر كان أشعريًا، فما تفصيل ذلك؟ والنقل عن الأشعري مُخْتَلِفٌ، وأصحابه مختلفون.

وعلى كل حال: فلا يُكَفِّرون الحنابلة، نعم قد يُبَدِّعُونهم، ولكنَّ عقلاءهم -ولا سيما العارفين بالرواية منهم كالبيهقي- لا يرون ذلك مُوهِنًا للرواية، ولا مُسَوِّغًا للبُغْض والعداوة، وقد مرت الإشارة إلى ذلك في القواعد، وأَشْبَعْتُ القولَ في قسم الاعتقاديات، فالحق الذي لا مَعْدِل عنه: أن أبا ذر ثقة تُقْبَلُ روايته، ويُرَدُّ عليه من قوله ورأيه ما أخطأ فيه الحق. اهـ

فتأمل اختلاف كلام العلماء في أبي ذر وشيخه ابن الباقلاني من أجل مخالفتهما في بعض المواضع في الاعتقاد، ومع ذلك لم يفترق علماء السنة بسبب هذا الاختلاف، ولا طعن المُجَرِّح في المُعَدِّل، ولا المعدِّل في المجرِّح، ولا أهدر من طعن فيهم كلَّ ما لهم من مواقف أصابوا فيها، وهذا هو المراد من إيراد هذه التراجم، فأين ما يزعمه الغلاة المسرفون في هذا الزمان من أن العلماء لم يختلفوا فيما بينهم مع وجود الأُخُوَّة بينهم في الحكم على الأشخاص إلا إذا كان الخلاف في جهة الضبط وعدمه، أما الحكم عليه من جهة العقيدة؛ فكلهم متفقون على هَجْر العالم السني إن تلوَّث ببدعة، وعدم الأخذ عنه، أو مدحه؟!

ترجمة أبي إسماعيل الهروي الملقَّب بـ «شيخ الإسلام»:

قال الحافظ الذهبي ([74]):

«عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ محمد بن أحمد بن عليّ بن جعفر بن منصور بن مَتّ، شيخ الإسلام، أبو إسماعيل الأنصاريّ الهَرَويّ الحافظ العارف، المتوفَّى: (481هـ)

مِنْ وَلد صاحب النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- أبي أيّوب الأنصاريّ.

قال أبو النَّضْر الفاميّ: كان بِكْرَ الزمانِ، وواسطةَ عِقْدِ المعاني، وصورَةَ الإقبال في فنونِ الفضائل، وأنواعِ المحاسن، منها نُصْرة الدّين والسُّنّة من غير مداهنةٍ ولا مراقبة لسلطان ولا وزير، وقد قاسى بذلك قصْد الحُسّاد في كلّ وقت، وسَعَوا في رُوحِهِ مرارًا، وعَمَدُوا إلى إهلاكه أطْوارًا، فوقاه الله شرّهم، وجعل قَصْدهم أقوى سببٍ لارتفاع شأنه.

وصنَّف كتاب «الفاروق في الصّفات» وكتاب «ذمّ الكلام» وكتاب «الأربعين حديثًا» في السُّنَّة، وكان جِذْعًا في أَعْيُن المتكلِّمين، وسَيْفًا مسلولًا على المخالفين، وطَوْدًا في السّنة لا تُزَعْزِعُهُ الرّياحُ.

وقد امْتُحِن مرَّاتٍ؛ قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعتُ أبا إسماعيل الأنصاريّ يقول بهَرَاة: عُرِضتُ على السَّيف خمس مرّات، لا يقال لي: ارجعْ عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكُتْ عمّن خالفك، فأقول: لا أَسْكُتُ.

قال الذهبي : قلت: خرّج أبو إسماعيل خلْقًا كثيرًا بهَرَاة، وفسّر القرآن زمانًا، وفضائله كثيرة، وله في التصوف كتاب «منازل السّائرين» وهو كتاب نفيس في التَّصوُّف، ورأيت الاتحاديّة تُعَظِّم هذا الكتابَ وتَنْتَحِلُهُ، وتزعمُ أنّه على تصوّفهم الفلسفيّ، وقد كان شيخنا ابن تيمية بَعْدَ تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ عليه، ويرميه بالعظائم بسبب ما في هذا الكتاب، نسأل الله العفو والسلامة.

وله قصيدة في السُّنّة، وله كتاب في مناقب أحمد بن حنبل، وتصانيف أُخر لا تحضُرني. اهـ

وفي «منهاج السنة النبوية»([75]) ذكَرَ شيخُ الإسلام ابن تيمية قولَ الجهمية في الحلول، وأن لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي كلامًا يُوهِم ذلك، وإن كان لا يريده، فقال : «فَقَوْلُ الْقَائِلِ: «إِسْقَاطُ الْحُدُوثِ» إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمُحْدَثَ عَدَمٌ؛ فَهَذَا مُكَابَرَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ إِسْقَاطَ الْمُحْدَثِ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ إِلَّا الْقَدِيمُ؛ فَهَذَا إِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتُ الْقَدِيمِ؛ فَهُوَ قَوْلُ النُّسْطُورِيَّةِ مِنَ النَّصَارَى، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَعْرِفَتُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَتَوْحِيدُهُ، أَوْ قِيلَ: مِثْلُهُ، أَوِ الْمِثْلُ الْعِلْمِيُّ، أَوْ نُورُهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ قُلُوبَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مَمْلُوءَةٌ بِهَذَا، لَكِنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ذَاتُ الرَّبِّ الْقَدِيمِ، وَصِفَاتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ.

وَأَمَّا أَهْلُ الِاتِّحَادِ الْعَامِّ فَيَقُولُونَ: مَا فِي الْوُجُودِ إِلَّا الْوُجُودُ الْقَدِيمُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ.

وَأَبُو إِسْمَاعِيلَ لَمْ يُرِدْ هَذَا، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ بِتَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ الْحُلُولِيَّةِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَإِنَّمَا يُشِيرُ إِلَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضَ النَّاسِ.

وَلِهَذَا قَالَ: «أَلَاحَ مِنْهُ لَائِحًا إِلَى أَسْرَارِ طَائِفَةٍ مِنْ صَفْوَتِهِ»….»اهـ.

وفي «مدارج السالكين»([76]) للإمام ابن القيم في سياق ذِكْر ما أُخِذَ على أبي إسماعيل الهروي ثم قال:

«وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ، فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-، وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْبِ، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا – إِلَّا أَقَلَّهُمْ – عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ.

وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ الْبَحْرُ الَّذِي تَجْرِي سَفِينَةُ رَاكِبِهِ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، وَالْمُعْتَرَكُ الَّذِي تَضَاءَلَتْ لِشُهُودِهِ شَجَاعَةُ الْأَبْطَالِ، وَتَحَيَّرَتْ فِيهِ عُقُولُ أَلِبَّاءِ الرِّجَالِ، وَوَصَلَتِ الْخَلِيقَةُ إِلَى سَاحِلِهِ يَبْغُونَ رُكُوبَهُ».

إلخ ما قال من كلام نفيس، فارجع إليه -إن شئت- فتأمل مدحه لأبي إسماعيل الهروي، حتى قال: «شيخ الإسلام» مع ما أُخِذَ عليه في بعض جوانب العقيدة، فأين منهج الغلاة من منهج علماء السنة؟!

وقال في «مدارج السالكين»([77]) بعد أن ذَكَرَ كلامًا لأبي إسماعيل الهروي الملقب بـ(شيخ الإسلام)، ظاهره القولُ بالاتحاد، فَحَمَلَهُ على مَحْمَلٍ حَسَنٍ -مع تخطئته إياه في العبارة- ثم قال: «والكلمة الواحدة يقولها اثنان: يريد بها أحدهما أَعْظَم الباطل، ويريد بها الآخر مَحْضَ الحق، والاعتبارُ بطريقة القائل، وسيرته، ومذهبه، وما يَدْعُو إليه، ويناظِرُ عليه، وقد كان شيخ الإسلام -قدّس الله روحه- راسخًا في إثبات الصفات، ونَفْيِ التعطيل، ومعاداة أهله، وله في ذلك كُتُبٌ، مثل كتاب «ذم الكلام» وغير ذلك مما يخالف طريقة المعطلة والحلولية والاتحادية…»إلخ. اهـ.

ومما يدل على أن كلام الهروي لم يكن مجملًا، بمعنى احتمال أمرين متغايرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، بل كان ظاهره قبيحًا: ما قاله الإمام ابن القيم نَفْسُه في «مدارج السالكين»([78]):

«وصاحب المنازل يعني أبا إسماعيل الهروي- كان شديد الإثبات للأسماء والصفات، مضادًّا للجهمية من كل وجه، وله كتاب «الفاروق»، استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها، ولم يُسبق إلى مثله، وكتاب «ذم الكلام وأهله» طريقته فيه أَحْسَنُ طريقة، وكتاب لطيف في أصول الدين، يسلك فيه طريقة أهل الإثبات ويقررها، وله مع الجهمية المقامات المشهودة، وسَعَوْا بقتله إلى السلطان مرارًا عديدة، والله يعصمه منهم، ورموه بالتشبيه والتجسيم، على عادة بَهت الجهمية والمعتزلة لأهل السنة والحديث، الذين لم يتحيزوا إلى مقالة غير ما دل عليه الكتاب والسنة، ولكنه كانت طريقته في السلوك مضادَّةً لطريقته في الأسماء والصفات؛ فإنه لا يُقَدِّم على الفناء شيئًا، ويراه الغايةَ التي يشمِّر إليها السالكون، والعَلَمَ الذي يَؤُمُّهُ السائرون، واستولى عليه ذَوْقُ الفناء، وشهودُ الجَمْعِ، وعَظُمَ مَوْقِعَهُ عنده، واتَّسَعَتْ إشاراتُهُ إليه، وتَنَوَّعَتْ به الطرقُ الموصلةُ إليه: عِلمًا وحالًا وذَوْقًا؛ فتضمَّن ذلك تعطيلًا من العبودية، باديًا على صَفَحَات كلامه، وِزان تعطيل الجهمية، لما اقْتَضَتْهُ أصولُهم من نَفْيِ الصفات، ولما اجتمع التعطيلان لمن اجتمعا له من السالكين؛ تولد منهما القول بوحدة الوجود، المتضمن لإنكار الصانع وصفاته وعبوديته، وعَصَمَ الله أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السلف في إثبات الصفات، فَأَشْرَفَ مِنْ عَقَبَةِ الفناء، على وادي الاتحاد، بأرض الحلول، فلم يَسْلُك فيها، ولوقوفه على عقبته، وإشرافه على تلك الربوع الخراب، ودعوة الخلق إلى الوقوف على تلك العقبة؛ أَقْسَمَتْ الاتحاديةُ بالله جَهْدَ أَيْمانهم، إنه لمعهم ومنهم، وحاشاه، وتولى شرح كتابه أشدُّهُم في الاتحاد طريقةً، وأعظمُهُم فيه مبالغة وعنادًا لأهل الفرق: العفيفُ التلمسانيُّ، ونزّل الجَمْعَ الذي يشير إليه صاحب «المنازل»: على جَمْعِ الوجود، وهو لم يُرِدْ به -حيث ذَكَرَهُ- إلا جَمْعَ الشهود، ولكن الألفاظَ مجملةٌ، وصادفَتْ قلبًا مشحونًا بالاتحاد، ولسانًا فصيحًا متمكنًا من التعبير عن المراد، [ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النور:40}». اهـ.

وقال الإمام ابن القيم أيضًا([79]): «فرحمة الله على أبي إسماعيل، فَتَحَ للزنادقة بابَ الكُفر والإلحاد، فَدَخَلُوا منه، وأَقْسَمُوا بالله جَهْدَ أيمانهم: إنه لمنهم، وما هو منهم، وغرّه سرابُ الفناء، فظن أنه لُجّة بَحْرِ المعرفة، وغايةُ العارفين، وبالَغَ في تحقيقه وإثباته؛ فقَادَهُ قَسْرًا إلى ما ترى…إلى أن قال: «وحاشا شيخَ الإسلام من إلحاد أهل الاتحاد، وإن كانت عبارته مُوهِمَةً، بل مُفْهِمَةً ذلك…». اهـ.

وفي «شفاء العليل»([80]) قال في مقام الدفاع عن الهروي -أيضًا-: «وكان شيخ الإسلام -أي الهروي- في ذلك موافقًا للأمر، وغَضَبُهُ لله ولحدوده ومحارمه، ومقاماتُهُ في ذلك شهيرة عند الخاصَّة والعامة، وكلامه المتقدم بيِّنٌ في رسوخ قَدَمِهِ، في استقباح ما قبَّحه الله، واستحسان ما حسَّنه الله، وهو كالمُحْكَم فيه، وهذا مُتَشَاِبٌه، فيُردّ إلى مُحْكَمِ كلامه». اهـ

وفي «سير أعلام النبلاء»([81]) في ترجمة أبي إسماعيل الهروي، قال الحافظ الذهبي : «قلت: قد انتفع به خَلْقٌ، وجَهِلَ آخرون؛ فإن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في «منازل السائرين»، وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم، كلا، بل هو رجل أثري، لَهِجٌ بإثبات نصوص الصفات، منافِرٌ للكلام وأهله جدًّا، وفي «منازله» إشارات إلى المحو والفناء: وإنما مراده بذلك الفناء: هو الغَيْبة عن شهود السِّوَى، ولم يُرِدْ مَحْوَ السِّوَى في الخارج، ويا ليته لا صَنَّف ذلك، فما أَحْلَى تَصَوُّفَ الصحابة والتابعين، ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عَبَدُوا الله، وذَلُّوا له، وتوكَّلوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو مُعْرِضون، والله يَهْدِي من يشاء إلى صراط مستقيم». اهـ.

وقال ابن أبي العز ([82]) معتذرًا عن أبي إسماعيل الهروي: «وإن كان قائله لم يُرِدْ به الاتحاد، لكن ذَكَرَ لفظًا مُجْمَلًا مُحْتَمِلًا، جَذَبه به الاتحادي إليه، وأَقسم بالله جَهْد أيمانه: إنه معه، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها؛ كان أَحَقَّ، مع أن المعنى الذي حام حوله، لو كان مطلوبًا؛ لنبَّه الشارع عليه، ودعا الناس إليه، وبيَّنه…». اهـ.

قلت: فهذا أبو إسماعيل الهروي مدحه العلماء في جانب، ولامُوه في جانب آخر، بل هناك من طعن فيه، ولم يكن هذا الاختلاف -مع كونه في مسائل عقدية- سببًا في افتراق كلمة علماء السنة المادح والقادح فيما بينهم، ولا سببا في إهدار كل حسنات ومواقف الهروي، كما يفعل غلاة أهل زماننا وأهل الطيْش منهم.

ترجمة إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة :

قال الحافظ أبو موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام قوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن إسماعيل التيمي: «سمعته يقول: أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطْعَنُ عليه في ذلك، وقال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قلّ من إمام إلا وله زلة، فإذا تُرِك الإمام لأجْل زلته؛ تُرك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يُفعل». اهـ.

وفي «النبلاء»([83]) ترجمة ابن خزيمة، قال الذهبي : «ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النفوس، وجلالَةٌ في القلوب؛ لِعِلْمِهِ ودينه واتباعه السنةَ، وكتابُهُ في التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة؛ فَلْيُعْذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده، مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتباع الحق؛ أَهْدَرْناه، وبَدَّعْناه؛ لَقَلّ مَنْ يَسْلَمُ مِنَ الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه». اهـ. هذا مع أن هناك من الأئمة من جعل الكلام بذلك في حديث الصورة من قول الجهمية، فمع وجود هذا الخطأ العقدي عند ابن خزيمة ؛ إلا أن مكانة ابن خزيمة في سماء أهل السنة، وليس كما يزعم الغلاة أن من شابه أهل البدع في قول ما؛ فالاتفاق قائم بين السلف على هجره وإسقاطه وإسقاط من لم يسقطه!!! وقُلْ نحو ذلك في تفضيل ابن خزيمة عليًّا على عثمان -رضي الله عنهما- مع أن من قال بذلك؛ فقد أَزْرى بالمهاجرين والأنصار، كما قال بعض السلف، وكل هذا موضَّح في موضعه -ولله الحمد-.

فهؤلاء الغلاة ليسوا مؤتمنين -في هذا الباب- فيما ينسبونه إلى السلف، بل وكثير مما يدَّعون إجماع السلف عليه؛ فإن ما تهواه أنفسهم من المحدَثات التي رفعوا بها عقيرتهم في هذا الزمان يدَّعون فيها الإجماع، وربما ما سبقهم إلى قولهم أحد فضلًا عن انعقاد الإجماع عليه!!

ترجمة محمد بن نصر المروزي :

جاء في «سير أعلام النبلاء»([84]) في ترجمة محمد بن نصر المروزي ، وقد ذكر الذهبي بعض المسائل التي خالف فيها المروزيُّ أهلَ السنة -مع إمامته- وقد هَجَرَهُ بعض علماء وقته، فَرَدَّ ذلك الذهبي، وقال: «قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ فِي مَسْأَلَةِ الإِيْمَان: صَرَّحَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ فِي كِتَاب (الإِيْمَان) بِأَنَّ الإِيْمَانَ مَخْلُوْقٌ، وَأَنَّ الإِقْرَارَ، وَالشَّهَادَةَ، وَقرَاءةَ القُرْآنِ بِلَفْظِهِ مَخْلُوْقٌ.

ثُمَّ قَالَ: وَهَجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ وَقتِهِ، وَخَالفَهُ أَئِمَّةُ خُرَاسَانَ وَالعِرَاقِ.

قُلْتُ: الخَوْضُ فِي ذَلِكَ لاَ يَجُوْزُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَجُوْزُ أَنْ يُقَالُ: الإِيْمَانُ، وَالإِقْرَارُ، وَالقِرَاءةُ، وَالتَّلَفُّظُ بِالقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ؛ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ العبَادَ وَأَعمَالَهُمُ، وَالإِيْمَانُ: فَقَوْلٌ وَعمَلٌ، وَالقِرَاءةُ وَالتَّلَفُّظُ: مِنْ كَسْبِ القَارِئِ، وَالمَقْرُوءُ المَلْفُوظُ: هُوَ كَلاَمُ اللهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَكَذَلِكَ كَلِمَةُ الإِيْمَانِ، وَهِيَ قَوْلُ: (لاَ إِلَهَ إِلَّا الله، مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ) دَاخلَةٌ فِي القُرْآنِ، وَمَا كَانَ مِنَ القُرْآنِ؛ فلَيْسَ بِمَخْلُوْقٍ، وَالتَّكَلُّمُ بِهَا مِنْ فِعْلنَا، وَأَفعَالُنَا مَخْلُوْقَةٌ، وَلَوْ أَنَّا كلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ المَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ([85])، قُمْنَا عَلَيْهِ، وَبدَّعْنَاهُ، وَهَجَرْنَاهُ؛ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لاَ ابْنَ نَصْرٍ، وَلاَ ابْنَ مَنْدَةَ، وَلاَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، وَاللهُ هُوَ هَادِي الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ، وَهُوَ أَرحمُ الرَّاحمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الهوَى وَالفظَاظَةِ.

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ فِي بَعْضِ توَالِيفِهِ: أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أَجْمَعَهُم للسُّنَنِ، وَأَضْبَطَهُم لَهَا، وَأَذْكَرَهُمُ لِمَعَانِيهَا، وَأَدرَاهُمُ بِصِحَّتِهَا، وَبِمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ مِمَّا اخْتَلفُوا فِيْهِ.

قَالَ: وَمَا نَعْلَمُ هَذِهِ الصِّفَةَ – بَعْد الصَّحَابَةِ – أَتمَّ مِنْهَا فِي مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ المَرْوَزِيّ، فَلَو قَالَ قَائِل: لَيْسَ لِرَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَدِيْثٌ وَلاَ لأَصْحَابِهِ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بنِ نَصْرٍ؛ لَمَا أَبْعَدَ عَنِ الصِّدْقِ.

قال الذهبي : قُلْتُ: هَذِهِ السَّعَةُ وَالإِحَاطَةُ مَا ادَّعَاهَا ابْنُ حَزْمٍ لابْنِ نَصْرٍ إِلَّا بَعْدَ إِمعَانِ النَّظَرِ فِي جَمَاعَةِ تَصَانِيْفَ لابْنِ نَصْرٍ، وَيمْكِن ادِّعَاءُ ذَلِكَ لِمِثْلِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ وَنُظَرَائِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ». اهـ.

فمكانة ابن نصر باقية في القلوب مع تخطئته فيما خاض فيه من مسائل عقدية كان في غنى وسعة عنها، وأخطأ فيها، وبعض العلماء كفَّره، وبعضُهم جعله أعلم الأمة بعد الصحابة، ومع ذلك لم يلعن بعضهم بعضا: سلفًا وخلفًا، واستقر أمر العلماء على عُلُوِّ مكانته، وإن استنكروا عليه بعض المواضع، وهذا عكس ما عليه الغلاة فيما يسمُّونه بـ«الجرح والتعديل»!!

ترجمة مسعر بن كدام الهلالي :

فقد اتُّهم بالإرجاء.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي. قال: سمعت سفيان بن عيينة، قال: قال لي سفيان الثوري: ألا تقول لمسعر: إني بالهلالية -يعني في الإرجاء -، وقال أبو نعيم: قال مسعر: أشك في كل شيء إلا في إيماني.([86])

وقال ابن هانئ: قال أبو عبد الله: أما مسعر، فلم أسمع منه أنه كان مرجئًا، ولكن يقولون: إنه كان لا يستثني.([87]) أي: والقول بالاستثناء وإن كان من كلام أهل السنة في الإيمان، لكن ليس بمنزلة قولهم فيه: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، فالمخالف في أحد هذين الأصلين يقال فيه -بعد استيفائه الشروط، وانتفاء الموانع عنه- أنه يقول بقول المرجئة، أو هو مرجئ، والله أعلم.

وقال أبو داود: سمعت أحمد ذكر المرجئة، فقال: قيس بن مسلم، وعلقمة بن مرثد، وعمرو بن مرة، ومسعر.([88])

وفي «سير أعلام النبلاء»([89]): وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: كَانَ لِمِسْعَرٍ أُمٌّ عَابِدَةٌ، فَكَانَ يَخْدُمُهَا، وَكَانَ مُرْجِئًا، فَمَاتَ، فَلَمْ يَشهَدْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالحَسَنُ بنُ صَالِحٍ.

وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بنِ الحُبَابِ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ مِسْعرًا قَالَ: الإِيْمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.

وَرَوَى: مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي مَخْزُوْمٍ، ذَكَرَهُ عَنْ مِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، قَالَ: التَّكذِيبُ بِالقَدَرِ «أَبُو جَاد الزَّنْدَقَةِ». اهـ أي: أول مرحلة في الوقوع في الزندقة.

وقال الذهبي في «ميزانه»([90]): «مسعر بن كدام حجة إمام، ولا عبرة بقول السليماني: كان من المرجئة مسعر وحماد بن أبي سليمان والنعمان وعمرو بن مرة وعبد العزيز بن أبي رواد وأبو معاوية وعمرو بن ذر…، وسرد جماعة.

ثم قال : قلت: الارجاء مذهب لعدة من جلة العلماء، لا ينبغي التحامل على قائله». اهـ

قلت: هذا فيمن لا يستثني في إيمانه، أما من لا يقول: قول وعمل، ويزيد وينقص، فقوله قول المرجئة المفسدين.

فتأمل، وقارنْ هذا بحال أهل زماننا مع أقوام من أهل السنة الصافية، لكنهم يتوهمون ابتداعهم وزَيْغهم، ويتجاسرون على ادعاء الإجماع على قواعدهم المُحْدَثَة، ومنها: أن السلف لم يختلفوا في جَعْل عالِم من مشاهير أهل السنة، لكنه تلوَّث ببدعة -وإن دَقَّتْ- من جملة أهل البدع، وضرورة هجره وإسقاطه؛ بل وإسقاط من لم يُهْدِرُه!!!

فإن قيل: إن هناك من بَدَّعه وهجره حتى لم يشهد جنازته؛ فالجواب: نعم هذا موجود، لكن ما موقفهم ممن لم يفعل فِعْلهم: هل بدَّعُوه وهجروه، وأسقطوه أيضًا، وقالوا فيه القبائح كما تفعلون أيها الغلاة المسرفون، والظلمة المفسدون، أم بقِيَتْ أخوَّتهم مع وجود الخلاف بينهم؟!

أبو حنيفة :

أقوال العلماء فيه:

الذين أَثْنَوْا على الإمام أبي حنيفة النعمان تعالى- في علمه وفقهه وورعه وزهده كثيرون، ومنهم:

الفضيل بن عياض، وابن جريج.([91])

وكذلك الإمام أحمد بن حنبل ([92])، وشعبة بن الحجاج العتكي([93])، وإسرائيل بن يونس([94])، والحسن بن صالح([95])، وأبو داود السجستاني([96])، وابن عبد البر([97])، وأبو الحجاج المزي([98])، وشيخ الإسلام ابن تيمية([99])، والذهبي([100]) وغيرهم -رحم الله الجميع-.

ورغم ثنائهم عليه في سعة علمه وفقهه وورعه ومجانبته السلاطين؛ فقد عاب عليه بعض العلماء كلاما بلغهم عنه في الإيمان، وتكلموا فيه من أجله، كقوله إن العمل لا يدخل في مُسَمَّى الإيمان، ومن هنا كان اتهام الإمام أبي حنيفة بالإرجاء -وفي هذا تفصيل ليس هذا موضعه-..

قال ابن عبد البر : «كل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل؛ يُنْكِرون قوله، ويُبَدِّعونه بذلك».([101])

قلت: أي يبدِّعُونه في هذه الجزئية ونحوها، ولا يسقطونه في علمه ومواقفه في نصرة الدين بالكلية، كما يفعل الغلاة، والأمة مجمعة اليوم ومنذ قرون على عدالة الأئمة الأربعة، والأخذ عنهم، وجواز الانتساب إلى اختياراتهم الفقهية دون تعصُّب بجميع صوره، ولم يبدِّع من قدح فيه من مدحه ولا العكس، فهذه مسائل اجتهادية -أي في تنزيل الحكم العام على المعيَّن- وإن كان الخلاف في مسائل عقدية لا فقهية فقط؛ فتأمل، ولا تكن من الغافلين، أو المتعصِّبين، أو اللاهثين وراء الدنيا، أو الباحثين عن مكانته عند من حولك، أو الخائفين عن إظهار الحق الذي تعتقده خشية أن يقوم عليك بالتبديع والإهدار من حولك… إلى آخر هذه المقاصد السيئة، والعياذ بالله!!!

ولا شك أن القول الذي قاله الإمام أبو حنيفة خلاف مذهب السلف، لكنه إرجاء مقيد، لا يصل إلى الإرجاء الخالص المطلق، الذي يزعم أصحابه أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فبرغم موافقته لهؤلاء في عدم إدخالهِ الأعمالَ في مُسَمَّى الإيمان، لكنه يختلف معهم اختلافا جذريا؛ فهم يرون أنه لا تضر مع الإيمان معصية، وهو يرى أن مرتكب الذَّنب مستحق للعقاب، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وهذا موافق لما عليه أهل السنة.([102])

فالمقصود أنه لا يجوز لنا أن نصف هذا الإمام بالإرجاء المطلق، الذي لا يقول به مسلم من أهل السنة.

ومع ما سبق من الثناء على الإمام أبي حنيفة ، فقد عارض ذلك ذَمٌّ له من بعض الأئمة لأمور، منها ما ثَبَتَ عنه أنه تكَلَّم بها ولم يَثْبُتْ رجوعُه عنها، ومنها ما ثَبَتَ عنه، وثَبَتَ رجوعه عنها أيضًا، ومنها ما لم يثبت عنه أصلا.

فعن نصر بن على، قال: سمعت ابن داود يقول: الناس في أبى حنيفة حاسِدٌ وجاهلٌ، وأحسنُهُم عندي حالا الجاهل.

وممن أطلق الذم في الإمام أبي حنيفة :

حماد بن سلمة([103])، وسفيان الثوري([104])، وسفيان بن عيينة([105])، ومالك بن أنس، وشريك، وغيرهم.([106])

والسؤال الذي لابد منه: ما هو موقف الأئمة المختلفين فيما بينهم في الإمام أبي حنيفة ؟ هل تهاجروا، وتهاوشوا، وطارت كلماتهم القبيحة في بعضهم في الآفاق، كما يفعل الغلاة المسرفون الجائرون الظالمون هذه الأيام؟!!

وأما ترجمة الحسن بن صالح بن حيٍّ:

فهو الحَسَنُ بنُ صَالِحِ بنِ صَالِحِ بنِ حَيٍّ الهَمْدَانِيُّ، وَاسْمُ حَيٍّ: حَيَّانُ بنُ شُفَيِّ بنِ هُنَيِّ بنِ رَافِعٍ، الإِمَامُ الكَبِيْرُ، أَحَدُ الأَعْلاَمِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الهَمْدَانِيُّ، الثَّوْرِيُّ، الكُوْفِيُّ، الفَقِيْهُ، العَابِدُ، أَخُو الإِمَامِ عَلِيِّ بنِ صَالِحٍ. كذا قال الذهبي .

ومع ذلك فقد قال الذهبي : «قُلْتُ: هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الإِسْلاَمِ، لَوْلاَ تَلَبُّسُهُ بِبِدعَةٍ.

وقد أورد الذهبي في ترجمته([107]) أقوال عدد من الأئمة في ذم بدعته، كسُفْيَان الثَّوْرِيّ، وابْنِ إِدْرِيْسَ، ويُوْسُفَ بنِ أَسْبَاطٍ، وحَفْص بن غِيَاثٍ، وزَائِدَة، ويَحْيَى بن سَعِيْدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بن مهدي.

قُلْتُ (الذهبي): كَانَ يَرَى الحَسَنُ الخُرُوْجَ عَلَى أُمَرَاءِ زَمَانِهِ؛ لِظُلْمِهِم وَجَوْرِهِم، وَلَكِنْ مَا قَاتَلَ أَبَدًا، وَكَانَ لاَ يَرَى الجُمُعَةَ خَلْفَ الفَاسِقِ. اهـ

وأورد من أثنى عليه، كوكيع، وأبي أحمد الزبيري، وعَبْدَةَ بنِ سُلَيْمَانَ، وأَبي نُعَيْمٍ، وأَبي غَسَّان.

ولم يُبَدِّع المجرِّحون له من أثنى عليه، ولم يسقطوهم بالمرة، بل اكتفوْا ببيان بدعة الحسن، ولم يطعنوا في علم ودين من وثقه لاحتمال وجود أسباب كثيرة، ليس هذا مقام بيانها، وهذا كله منهم بخلاف ما عليه حال الغلاة في هذا العصر، الذين إذا خالفتهم في مدح رجل يذمُّونه -وإن كان الحقّ معك- أو ذمّ رجل يمدحونه؛ شنَّعُوا عليك، فكيف إذا كنت مخطئًا في مدحه؟ فهذا وكيع أخطأ في إطلاق المدح لابن حيّ، ولم يبدِّعْه من يبدِّع ابنَ حيٍّ!! والغلاة توسَّعُوا جدًّا في قولهم: من لم يبدِّع فلانًا؛ فهو مبتدع، حتى لزمهم أن يبدِّعُوا مشاهير علماء السنة في هذا العصر وفي كل عصر، وإن هابُوا النطق بذلك؛ فهو مما يدل على فساد مذهبهم، لكنهم يخافون من التراجع عنه؛ حتى لا يبدِّعهم زملاؤهم وتلامذتُهم!!!

موقف الإمام أحمد من الإمام علي بن المديني -رحمهما الله-:

سبق موقف أحمد في الاختلاف مع علي -رحمهما الله- في أمر الشهادة للعشرة بالجنة، وأما هنا فأقول:

قال العقيلي : قرأت على عبد الله بن أحمد كتاب «العلل» عن أبيه، فرأيت فيه حكايات كثيرة، عن أبيه، عن علي بن عبد الله، ثم قد ضرب على اسمه، وكتب فوقه: حدثنا رجل، ثم ضرب على الحديث كله، فسألت عبد الله، فقال: كأن أبي حدثنا عنه، ثم أَمْسَكَ عن اسمه، وكان يقول: «حدثنا رجل»، ثم ترك حديثه بعد ذاك.([108])

قلت: هذا كله بعد أن كان الإمام أحمد يُجِلُّ ابنَ المديني ويحبه، ولكن لما أجاب في الفتنة أنكر عليه دون تشنيع وإسقاط من لم يشنع عليه ولم يسقطه، فلا زال حديث ابن المديني في «الصحيحين» وغيرهما من كتب السنة، ولازالت ترجمته في الكتب مليئة بمدحه في علمه ودينه، وإن أُخِذَ عليه موقفه من ابن أبي دؤاد وفتنة القول بخلق القرآن، وهذا بعكس منهج الغلاة الذي لا يُبْقِي ولا يَذَر!!!

قال أبو حاتم الرازي : كان علي بن المديني عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان أحمد بن حنبل لا يُسَمِّيه، إنما يكنيه «أبا الحسن» تبجيلًا له، وما سمعت أحمد سماه قط.([109])

وسببُ تغيُّرِ الإمام أحمد عليه ما وقع منه في فتنة القول بخلق القرآن، وقد أورد ذلك غير واحد من العلماء في كتب التراجم.

قال الخطيب البغدادي : والذي يُحْكَى عن علي بن المديني أنه روى لابن أبي دؤاد حديثًا عن الوليد بن مسلم في القرآن، كان الوليد أخطأ في لفظة منه، فكان أحمد بن حنبل ينكر عَلَى عَلِيٍّ روايته ذلك الحديثَ.([110])

وقال أبو بكر المرُّوذي : قلت لأبي عبد الله: إن علي بن المديني حَدَّث عن الوليد بن مسلم حديث عمر «كِلُوه إلى خالقه»؟ فقال: هذا كَذِبٌ، ثم قال: هذا كتبناه عن الوليد، إنما هو «فَكِلُوه إلى عالمه»، هذا كَذِبٌ.([111])

وقال أبو بكر المرُّوذي أيضًا: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن علي بن المديني يحدث عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس، عن عمر «كِلُوه إلى خالقه»، فقال أبو عبد الله: كَذِبٌ، حدثنا الوليد بن مسلم مرتين، ما هو هكذا، إنما هو: «كِلُوه إلى عالمه»، قلت لأبي عبد الله: إن عباسًا العنبري قال لما حَدَّثَ به بالعسكر: قلت لعلي بن المديني: إنهم قد أنكروه عليك؟ فقال: حَدَّثْتُكُم به بالبصرة، وذكر أن الوليد أخطأ فيه، فغضب أبو عبد الله، وقال: فنعم، قد عَلِمَ -يعني علي بن المديني- أن الوليد أخطأ فيه، فَلِمَ أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ؟ وكَذَّبَهُ أبو عبد الله.

قال أبو بكر : وسمعت رجلًا من أهل العسكر يقول لأبي عبد الله: علي بن المديني يقرئك السلام، فَسَكَتَ.

وقال أبو بكر : قلت لأبي عبد الله: قال لي عباس العنبري: قال علي بن المديني -وذكر رجلًا- فتكلم فيه، فقلت له: إنهم لا يقبلون منك، إنما يقبلون من أحمد بن حنبل، قال: قَوِيَ أحمدُ على السَّوْط، وأنا لا أَقْوَى.([112])

وقال الحسين بن محمد بن فهم : حدثني أبي، قال: قال ابن أبي دؤاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين، هذا يزعم -يعني أحمد بن حنبل- أن الله تعالى يُرَى في الآخرة، والعين لا تقع إلا على محدود، والله تعالى لا يُحَدُّ، فقال له المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عندي ما قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، قال: وما قال ؟ قال: حدثني محمد بن جعفر غندر، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في ليلة أربع عشرة من الشهر، فنظر إلى البدر، فقال: «أما إنكم سَتَرَوْنَ رَبَّكُم كما تَرَوْنَ هذا البدْرَ، لا تُضَامُّون في رؤيته»، فقال لأحمد بن أبى دؤاد: ما عندك في هذا؟ قال: أنظر في إسناد هذا الحديث، وكان هذا في أول يومٍ، ثم انصرف، فَوَجَّهَ ابنُ أبى دؤاد إلى علي بن المديني، وهو ببغداد مُمْلقٌ([113])، ما يَقْدِر على درهم، فأحضره، فما كلمه بشيءٍ حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وقال له: هذه وَصَلَكَ بها أمير المؤمنين، وأمر أن يُدْفَع إليه جميع ما استحق من أرزاقه، وكان له رزق سنتين، ثم قال له: يا أبا الحسن، حديث جرير بن عبد الله في الرؤية ما هو؟ قال: صحيح، قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يعفيني القاضي من هذا، فقال: يا أبا الحسن، هذه حاجة الدهر، ثم أمر له بثياب وطيب ومَرْكَبٍ بِسِرْجِهِ ولجامه، ولم يَزَلْ حتى قال له: في هذا الإسناد من لا يُعْمَلُ عليه، ولا على ما يرويه، وهو قيس بن أبي حازم، إنما كان أعرابيًّا بوَّالًا على عَقِبَيْهِ، فَقَبَّلَ ابنُ أبي دؤاد ابنَ المديني، واعتنقه، فلما كان الغد، وحضروا، قال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، يحتج في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه عنه قيس بن أبي حازم، وهو أعرابيٌّ بوَّالٌ على عقبيه، قال: فقال أحمد بن حنبل بعد ذلك: فحين أَطْلَعَ لي هذا؛ عَلِمْتُ أنه مِنْ عَمَلِ علي بن المديني، فكان هذا وأشباهه من أوكد الأمور في ضَرْبِهِ -أي في ضرب أحمد .([114])

وقال عبد الله بن أحمد بعد أن روى عن أبيه، عن علي حديثًا: لم يحدث أبي بعد المحنة عنه بشيء، وفي مسند طلق بن علي: حدثنا أبي، حدثنا علي ابن عبد الله قبل أن يُمْتَحَنَ.([115])

قلت: فهذا عليّ بن المديني اسْتَغَلَّه أهلُ البدع بما كان سببًا في ضَرْبِ أحمد واكتفى أهل السنة بالإنكار عليه في ذلك، مع عدم تجريح من عَدَّله وأطلق توثيقه، فالخلاف في الجرح والتعديل -وإن كان في مسائل عقدية- لا يلزم منه -في الأصل- اختلاف وفُرْقة وتهاجر عند أهل السنة، ثم ينتقل الخلاف إلى امتحان الناس بموقفهم من هذا المخالف، وهكذا من بعده… إلخ، فلينْظُر الغلاة مَنْ سَلَفُهم من علماء السنة فيما هم عليه من هذا الحال السيئ؟! وقد سبق من كلام العلماء أن هذا من عمل أهل البدع والأهواء والبغْي!!!

ترجمة عفان بن مسلم الصَّفَّارُ:

هو عَفَّانُ بنُ مُسْلِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَصْرِيُّ الصَّفَّارُ، بَقِيَّةُ الأَعْلاَمِ.

قال الفَسَوِيُّ فِي (تَارِيْخِهِ): قَالَ سَلَمَةُ بنُ شَبِيْبٍ: قُلْتُ لأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: طَلَبْتُ عَفَّانَ فِي مَنْزِلِهِ، قَالُوا: خَرَجَ، فَخَرَجتُ أَسْأَلُ عَنْهُ، فَقِيْلَ: تَوَجَّهَ هَكَذَا.

فَجَعَلْتُ أَمْضِي أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مَقْبَرَةٍ، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يَقْرَأُ عَلَى قَبْرِ بِنْتِ أَخِي ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ([116])، فَبَزَقْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: سَوْءةٌ لَكَ.

قَالَ: يَا هَذَا! الخُبْزَ الخُبْزَ!

قُلْتُ: لاَ أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَكَ.

قَالَ: فَقَالَ لِي أَحْمَدُ: لاَ تَذْكُرَنَّ هَذَا؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَامَ فِي المِحْنَةِ مُقَامًا مَحْمُوْدًا عَلَيْهِ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الكَلاَمِ.([117])

قلت: فتأمل كيف طلب الإمام أحمد من سلمة بن شبيب -رحمهما الله- عدم ذِكْر زَلَّة عفان، وعَمَلِهِ ما هو بدعة، وهي القراءة على المقابر من أجل الدنيا، بسبب موقفه وثباته في محنة القول بخلق القرآن، وهذا يدل أيضًا على أن أحمد لا يرى صحة ما صنع سلمة مع عفَّان من سبِّه وشتمه والدعاء عليه، ومع ذلك لم يتهاجرا!!

ترجمة أبي بكر ابن أبي داود سليمان بن الأشعث، صاحب السنة
-رحمهما الله-:

هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود السجستاني.

اختلفوا فيه، فنسبه أبوه إلى الكذب، ونسبه جماعة إلى النصب، وبرأه آخرون ووثقوه، وانظر دفاع المعلمي عنه في ترجمته في «التنكيل».

فقد قال المعلمي في خاتمة ترجمته: «أطبق أهل العلم على السماع من ابن أبي داود، وتوثيقه، والاحتجاج به، فروى عنه الحاكم أبو أحمد، والدارقطني، وابن المظفر، وابن شاهين، وعبد الباقي بن قانع حافظ الحنفية، وأبو بكر بن مجاهد المقرئ، وخَلْقٌ لا يُحْصَوْن». اهـ

وقد أطال المعلمي في ترجمته، وتفنيد ما قيل فيه، فارجع إليه إن شئت([118]):

قال المعلمي : وأما اتهامه بالنصب: فقد قال ابن عدي على ما في (تذكرة الحفاظ): «نُسِبَ في الابتداء إلى شيء من النصب، ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، ثم رده علي بن عيسى، فحدث وأظهر فضائل علي، ثم تَحَنْبَلَ، فصار شيخًا منهم، وهو مقبول عند أصحاب الحديث» ولم يتحقق مَن الذي نَسَبَه إلى النصب، وما حجته في ذلك، وكان الرجل شَكِسَ الأخلاق، تَيَّاهًا، وله أعداء، فإن كان شيء؛ فقد تاب وأناب، قال أحمد بن يوسف الأزرق: «سمعت أبا بكر بن أبي داود غير مرة يقول: كل من بيني وبينه شيء – أو قال: كل مَنْ ذَكَرني بشيء – فهو في حِلٍّ؛ إلا من رماني بِبُغْضِ عليّ بن أبي طالب».

قال: وأما أُخْلُوقة التَّسَلُّق: فقال ابن عدي: «سمعت محمد بن الضحاك ابن عمرو بن أبي عاصم يقول: أشهد على محمد بن يحيى بن منده بين يدي الله قال: أشهد على أبي بكر بن أبي داود بين يدي الله أنه قال: روى الزهري عن عروة قال: حَفِيَتْ أظافر فلان من كَثْرَةِ ما كان يَتَسَلَّق على أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم -» محمد بن الضحاك هذا له ترجمة في (تاريخ بغداد)([119]) لم يذكر فيه توثيقًا ولا جرحًا.

وابن منده هو أحد الذين شَهِدُوا بأصبهان؛ فَجُرِحُوا، وقد ذكر الحافظان الأصبهانيان الجليلان أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان وأبو نعيم في كتابيهما في (تاريخ علماء أصبهان والواردين عليها) أبا بكر بن أبي داود، وأثنيا عليه، ولم يتعرضا في ترجمته للقصة، لكن ذكراها في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص، فقال أبو الشيخ: «كان ورد أصبهان أبو بكر بن أبي داود السجستاني، وكان من العلماء الكبار، فكان يجتمع معه حفاظ أهل البلد وعلماؤهم، فجرى منهم يومًا ذِكْرُ علي بن أبي طالب
-رضوان الله عليه- فقال ابن أبي داود: إن الناصبة يروون عليه أن أظفاره حَفِيَتْ من كَثْرَةِ تَسَلُّقِهِ على أم سلمة، فنسبوا الحكاية إليه، وأَلْغَوْا ذِكْرَ الناصبة، وأَلَّبُوا عليه جعفرَ بنَ شريك وأولادَهُ…» وساق أبو نعيم القصة بأتم من ذلك قال: «محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص الهمذاني… وهو الذي عمل وسعى في خلاص عبد الله بن أبي داود، لما أَمَرَ أبو ليلى الحارثُ بن عبد العزيز بضرب عنقه، لما تَقَوَّلُوا عليه، وكان احتسب في أمر عبد الله بن أبي داود السجستاني لما امْتُحِنَ، وتَشَمَّرَ في استنقاذه من القتل، وذلك أن أبا بكر بن أبي داود قدم أصبهان، وكان من المتبحرين في العلم والحفظ والذكاء والفهم، فيحسده جماعة من الناس، وأجرى يومًا في مذاكرته ما قالت الناصبة في أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-، فإن الخوارج والنواصب نسبوه إلى أن أظافيره قد حَفِيَتْ مِن كَثْرَةِ تَسَلُّقِهِ على أم سلمة زوج النبي – صلى الله عليه وسلم -، ونسبوا الحكاية إليه، وتَقَوَّلوا عليه، وحَرَّضوا عليه جعفر بن محمد بن شريك، وأقاموا بعضَ العلوية خصمًا له، فَأُحْضِرَ مجلسَ أبي ليلى الحارث بن عبد العزيز، وأقاموا عليه الشهادة فيما ذُكِرَ: محمدَ بنَ يحيى بن منده، وأحمدَ بنَ علي بن الجارود، ومحمدَ بنَ العباس الأخرم، فأمر الوالي أبو ليلى بضَرْبِ عُنُقِهِ، واتصل الخبر بمحمد بن عبد الله بن الحسن، فحَضَر الوالي أبا ليلى، وجَرَّحَ الشهودَ، فَنَسَبَ محمدَ بنَ يحيى إلى العقوق، وأنه كان عاقًا لوالده، ونسب ابن الجارود إلى أنه مُرَابٍ يأكل الربا، ويُؤَكِّل الناسَ، ونَسَبَ الأخرم إلى أنه مُفْترٍ غير صدوق، وأخذ بيد عبد الله بن أبي داود، فأخرجه، وخَلَّصَه من القتل، فكان عبد الله بن أبي داود يدعو لمحمد بن عبد الله طول حياته، ويدعو على الذين شهدوا عليه، فاستجيب له فيهم، وأصابتْ كلَّ واحد منهم دعوتُهُ، فمنهم من احترف، ومنهم من خلط، وفَقَدَ عقله».

فهذان حافظان جليلان من أهل البلد الذي جَرَتْ القضية فيه، وهما أعرف بالقصة والشهود، وبعد أن قضى الحاكمُ ببراءة ابن أبي داود؛ فلم يَبْقَ وَجْهٌ للطعن فيه بما برأه منه الحُكْمُ، وقد شهد ثلاثةٌ خير من هؤلاء على المغيرة بن شعبة، وتَلَكَّأَ الرابع؛ فَحَدَّ الصحابةُ الشهودَ، ونجا المغيرة، ثم اتفق أهل السنة على أنه ليس لأحد أن يطعن في المغيرة بما برأه منه الحُكْم، فإن كان أهل العلم بعد ذلك عَدَّلُوا الثلاثة الذين شَهِدُوا على ابن أبي داود؛ فليس في ذلك ما ينفي أن يكونوا كانوا حين الشهادة مجروحين بما جُرِحُوا به في مجلس الحكم، بل يقال: تابوا مما جُرِحُوا به، فلذلك عَدَّلَهُم أهلُ العلم.

وبعد؛ فقد كانت أُمُّ سلمة -رضي الله عنها- أَتَمَّ أمهاتِ المؤمنين ولاءً لفاطمة -عليها السلام- وللحسن والحسين وأبيهما، وكان علي -رضي الله عنه- يثق بِعِظَمِ ولائها وبعقلها ورَأْيها ودينها، فكان يستنصحها ويستشيرها، فقد يكون بعض الناس روى أن عليًا كان يتردد عليها لذلك؛ فأخذ بعضُ أعداء الله تلك الحكاية وغَيَّرَهَا ذاك التغييرَ الفاجِرَ، كما غَيَّر بعضُهم حديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فجعل بدل «هارون» «قارون» كما تراه في ترجمة حريز بن عثمان.

وكان من عادة المحدثين التباهي بالإغراب، يحرص كل منهم على أن يكون عنده من الروايات ما ليس عند الآخرين؛ لِتَظْهَرَ مَزِيَّتُهُ عليهم، وكانوا يعتنون شديدًا لتحصيل الغرائب، ويحرصون على التفرد بها، كما ترى في ترجمة الحسن بن علي المعمري من (لسان الميزان) وغيره، وكانوا إذا اجتمعوا تذاكروا فيحرص كل واحد منهم على أن يَذْكُر شيئًا يُغْرِب به على أصحابه، بأن يكون عنده دونهم، فإذا ظَفَرَ بذلك؛ افتخر به عليهم، واشتد سرورُهُ وإعجابُهُ وانكسارُهم، وقد حكى ابن فارس عن الوزير أبي الفضل ابن العميد، قال: «ما كنت أظن في الدنيا كحلاوة الوزارة والرياسة التي أنا فيها، حتى شاهدتُ مذاكرة الطبراني وأبي بكر الجعابي…» فذكر القصة، وفيها غلبة الطبراني، قال ابن العميد «فخَجل الجعابيُّ، فودِدْتُ أن الوزارة لم تَكُنْ، وكنتُ أنا الطبرانيَّ، وفَرِحْتُ كفَرَحِهِ»([120]).

ولم يكونوا يُبَالُون في سبيل إظهار المزية والغلبة: أكان الخبر عن ثقة أو غيره، صحيحًا أو غير صحيح؟!! وقد كان عند زكريا الساجي حديث عن رجل واهٍ، ومع ذلك لما لم يوجد ذاك الحديث إلا عند الساجي؛ صار له به شأن. وفي (لسان الميزان): «قال الساجي: كتب عني هذا الحديث البزاز وعبدان وأبو داود وغيرهم من المحدثين. قال القراب: هذا حديث الساجي الذي كان يُسْأَل عنه». وكانت طريقتهم في المذاكرة أن يشير أحدهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس عند صاحبه، ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه، كان يقول الأول: مالك عن نافع قال…، فإن عرفه الآخَرُ قال: حَدَّثَنَاه فلانٌ عن فلان عن مالك، وقد يذكر ما يَعْلَم أنه لا يصح، أو أنه باطل، كأن يقول: المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «أبغض الكلام إلى الله الفارسية». أو يقول: أبو هريرة مرفوعًا: «خَلَقَ الله الفَرَسَ» الخ. وقد تقدم في ترجمة حماد بن سلمة.

وكان ابن أبي داود صَلفًا تَيَّاهًا حريصًا على الغلبة، فكأنه سمع من بعض النواصب يروي بسند فيه واحد أو أكثر من الدجالين إلى الزهري أنه قال: قال عروة… فحفظ ابن أبي داود الحكاية مع عِلْمِهِ واعتقادِه بطلانَها، لكن كان يُعِدُّها للإغراب عند المذاكرة، ولما دخل أصبهان؛ ضايق محدثيها في بلدهم، فتجمعوا عليه، وذاكروه، فأَعْوَزَه أن يُغْرِب عليهم؛ ففزع إلى تلك الحكاية، فقال: الزهري عن عروة… فاستفظع الجماعةُ الحكايةَ، ثم بدا لهم أن يتخذوها ذريعة إلى التخلص من ذلك التَّيَّاه، الذي ضايقهم في بلدهم، فاسْتَقَرَّ رَأْيُهم على أن يَرْفَعوا ذلك إلى الوالي؛ ليأمر بنَفْيِ ابن أبي داود؛ فيستريحوا منه؛ إذ لا يَرَوْن في القضية ما يوجب القتلَ، فلما أَمَرَ أبو ليلى بما أَمَرَ؛ سُقِطَ في أيديهم، ورأوا أنهم إن راجعوه؛ عاد الشر عليهم، فَقَيَّضَ الله
-تبارك وتعالى- ذلك السّريَّ الفاضلَ محمد بن عبد الله بن الحسن، فَخَلَّصَهُم جميعًا.

ومن الجائز أن يكون ابن أبي داود قبل نَفْيِهِ من بغداد وقَعَتْ له مِثْلُ هذه الواقعة، ولكن كان أَهْلُ بغداد أَعْقَلَ من أهل أصبهان، فاقتصروا على نِسْبَتِهِ إلى النصب، ونَفْيِه من بغداد.

وعلى كل حال: فقد أساء جِدَّ الإساءة بتعرضه لهذه الحكاية من دون أن يُقْرِنها بما يصرح ببطلانها، ولا يكفيه من العذر أن يقال: قد جَرَتْ عادَتُهم في المذاكرة بأن يَذْكُر أحدُهم ما يَرْجُو أن يُغْرِب به على الآخرين، بدون التزام أن يكون حقًّا، أم باطلًا، لكن الرجل قد تاب وأناب، كما تقدم، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولو كان الذنب كفرًا صريحًا.

وبعد التوبة لا يجوز الطعن في الرجل بما قد تاب منه، ولو كان كفرًا، والذين كانوا يشنعون على أبي حنيفة بأنه اسْتُتِيبَ من الكُفر مرتين، إنما كانوا يَسْتَرِوحُون إلى أن عَوْدَهُ إلى ما اسْتُتِيبَ منه، حتى استتيب ثانيًا؛ كأنه يريب في صحة توبته الأولى، وأنه بقي عنده ما يناسب ما استتيب منه، وإن لم يكن كفرًا، وهذا تعنت، سَوَّغَه -عندهم- أنهم احتاجوا إليه للتنفير عن أتباع أبي حنيفة فيما لم يرجع عنه مما يرونه أخطأ فيه.

وبعد، فقد أَطْبَقَ أهلُ العلم على السماع من ابن أبي داود وتوثيقه والاحتجاج به، ولم يَبْقَ معنى للطعن فيه بتلك الحكاية وغيرها مما مرّ، فروى عنه الحاكم أبو أحمد والدارقطني وابن المظفر وابن شاهين وعبد الباقي بن قانع حافظ الحنفية، وأبو بكر بن مجاهد المقري، وخَلْقٌ لا يُحْصَوْن، وتقدم قول أبي الفضل صالح بن أحمد التميمي الهمذاني الحافظ فيه: «إمام العراق، وعَلَم العِلْم في الأمصار…» وتقدم أيضًا ثناء أبي الشيخ وأبي نعيم، وذَكَر السُّلمي أنه سأل الدارقطني عنه؟ فقال: «ثقة، إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث» وقال الخليلي «حافظٌ، إمامُ وقته، عالم متفقٌ عليه، واحتج به من صنف الصحيح أبو علي النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني، وكان يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد: ابن أبي داود، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم» وقد طعن الأستاذ -يعني الكوثري- في هؤلاء الثلاثة كُلِّهم، وعَدَّهُم مُجَسِّمين، يعني أنهم على عقيدة أئمة الحديث، وقد ذَكَرْتُ ما يتعلق بذلك في قسم الاعتقاديات.

وقال محمد بن عبد الله بن الشخير في ابن أبي داود «كان زاهدًا عالمًا ناسكًا -رضي الله عنه- وأسكنه الجنة برحمته».ا.هـ

وقد أطلتُ -إلى حدٍّ ما- في نقْل كلام الإمام المعلمي لنفاسته ودقَّتِه وعُمق وسَعَة علمه وفهمه، ولا يخلو المقام بذلك من فائدة، وإن كانت خارج المقام الذي نحن بصدده.

قلت: فهذا ابن أبي داود وثقة أكثر العلماء، وجرَّحه بعضهم، ومن الجرح ما لم يثبت، ومنه ما ثبت، لكن يحتمل أن الجارحين بالغوا فيه، وهوَّلوا لشيء في أنفسهم… إلخ، المهم أن ابن أبي داود إمامٌ ابنُ إمامٍ، والمختلفون فيه لم نقف على ما يدل أنهم اختلفوا فيما بينهم، وجرَّح بعضهم بعضا، كغلاة زماننا، الذين يجرحون من لم يوافقهم على التهويل في التجريح، مع أن الخلاف في نسبة الرجل إلى عقيدة مبتدعة، وهي النصْب، فاعتبروا يا أولي الأبصار!!!

ترجمة الحافظ أبي حاتم الرازي :

وهو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي، أبو حاتم الرازي الحافظ، كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات المشهورين بالعلم المذكورين بالفضل.

قال الحافظ في «تهذيب التهذيب»([121]):

قال مسلمة في «الصلة»: كان ثقة، وكان شيعيا مُفْرِطًا، وحديثه مستقيم. انتهى.

(قال الحافظ): ولم أر من نسبه إلى التشيع غير هذا الرجل، نعم ذكر السليماني ابنَهُ عبدَ الرحمن من الشيعة الذين كانوا يُقَدِّمُون عَلِيًّا على عثمان، كالأعمش، وعبد الرزاق، فلعله تَلَقَّفَ ذلك من أبيه.

وكان ابن خزيمة يرى ذلك أيضًا مع جلالته.

وقد ذكر ابن أبى حاتم في مقدمة «الجرح والتعديل» لوالده ترجمة مليحة، فيها أشياء تدل على عِظَمِ قَدْرِهِ، وجلالته، وسعة حفظه .

قلت: فأبو حاتم وابنه وابن خزيمة ممن قبلهم وبعدهم إن ثبت عنهم أنهم قدَّموا عليًّا على عثمان، وهو خلاف الراجح عند أهل السنة، ومن قال بهذا القول فلازم قوله أنه أزْرَى بالمهاجرين والأنصار، الذين قدَّموا عثمان على عليٍّ -رضي الله عنهما-؛ فهم مع ذلك أئمة هُدًى، ولا يُتابَعُون فيما أخطؤوا فيه فقط، كما أن أهل العلم لم يختلفوا فيما بينهم بسبب ذلك، وابن خزيمة قد عيب عليه موقفه من حديث الصورة أيضًا -كما مرَّ بنا-، ومع ذلك؛ فهو إمام، ولا يُتابَعُ على خطئه، والعلماء اكْتَفوا بذلك، ولم يتفرقوا فيما بينهم بسبب اختلافهم في جرحه وتعديله، وأما طريقة الغلاة التي أفسدت البلاد والعباد؛ فحَدِّث ولا حَرَج!! والله أعلم.

داود بن علي الظاهري :

دَاوُد بْن عليّ بْن خَلَف، أبو سُلَيْمَان الْبَغْدَادِيّ الاصبهاني، مَوْلَى المهديّ، الفقيه الظّاهريّ، رأس أهل الظاهر.([122])

كلام العلماء في عقيدته ومنهج تَفَقُّهِهِ:

قال الحافظ الذهبي : وقَالَ سَعِيد البَرْذَعيّ: كُنَّا عِنْدَ أبي زُرْعة، فاختلف رجلان فِي أمر داود والمزني، والرجلان: فَضْلَك الرّازيّ، وابن خِراش، فقال ابنُ خِراش: دَاوُد كافر، وقَالَ فَضْلَك: المُزَنيّ جاهل.

فَأَقْبَلَ عليهما أبو زُرْعة يوبِّخهما، وقَالَ: ما واحد منكما له بصاحب، ثُمَّ قَالَ: ترى داود هذا لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهلُ العلم؛ لَظَنَنْتُ أنه يَكْمِد أَهْلَ البِدَع بما عنده من البيان والآلة، ولكنه تَعَدَّى، لقد قَدِمَ علينا من نَيْسابور، فكتب إِلَيّ محمد بْن رافع، ومحمد بن يحيى، وعَمْرو بْن زُرَارة، وحسين بْن مَنْصُورٌ، ومشيخة نَيْسابور بما أحدث هناك، فَكَتَمْتُ ذلك لِمَا خِفْتُ من عواقبه، ولم أُبْدِ له شيئا من ذلك، فقدِم بغداد، وكان بينه وبين صالح بْن أَحْمَد بْن حنبل حُسْنٌ، فكلّم صالحًا أن يتلطّف له فِي الاستئذان على أَبِيهِ، فأتى وقَالَ: سألني رَجُل أن يأتيك. قَالَ: ما اسمه؟ قَالَ: دَاوُد. قَالَ: ابنُ من؟ قَالَ: هُوَ من أَهْل أصبهان، وكان صالح يَرُوغُ عن تعريفه، فَمَا زال أَبُوهُ يفحص حَتَّى فَطِنَ به، فقال: هذا قد كتب إليّ محمد بْن يحيى فِي أمره، أنّه زعم أنّ القرآن مُحْدَث؛ فلا يَقْرَبَنيّ، قال: إنه يَنْتَفِي من هَذَا ويُنْكِرُهُ. قَالَ: محمد بْن يحيى أَصْدَقُ منه؛ لا تَأْذَنْ له.

قَالَ المَرُّوذيّ: حَدَّثَنِي محمد بن إِبْرَاهِيم النَّيْسَابوريُّ أنّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه لمّا سمع كلام دَاوُد فِي بيته – أي في أن القرآن محدَث -؛ وَثَبَ عليه إِسْحَاق، فضربه، وأنكر عليه.

قَالَ الخلّال: سمعت أَحْمَد بْن محمد بن صدقة يقول: سمعت محمد بن الحسين بن صبيح، يقول: سمعت دَاوُد الأصبهانيّ يقول: القرآن مُحْدَث، ولفظي بالقرآن مخلوق.

وأورد الذهبي خلاف العلماء في فقه داود: هَلْ يُعْتَدُّ بخلافه أَمْ لا؟

وقال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح: الذي اختاره الأستاذ أبو منصور، وذكر أنّه الصّحيح من المذهب: إنّه يُعْتَبر خلافُ داود.

قال ابن الصلاح: وهذا هو الذي استقر عليه الأمر آخرا، كما هُوَ الأغْلَبُ الأَعْرَفُ من صَفْو الأئمّة المتأخرين، الذين أوردوا مذهب دَاوُد فِي مصنّفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد، والماوَرْديّ، وأبي الطّيّب، فلولا اعتدادهم به؛ لَمَا ذكروا مذهبه فِي مصنَّفاتهم.

قال: وأرى أن يُعتبر قوله إلّا فيما خالف فِيهِ القياس الجليّ، وما أجمع عليه القَيَّاسون من أنواعه، أو بناه على أصوله الّتي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع مُنْعَقِدٌ، كقوله في التَّغَوُّط فِي الماء الرّاكد، وتلك المسائل الشنيعة، وقوله: لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها، فخلافه فِي هَذَا ونحوه غير مُعْتَدّ به؛ لأنه مبنيّ على ما يُقْطَع ببطلانه، والله أعلم. اهـ([123])

وقال السبكي : «الذي تَحَصَّل لي فِيهِ من كَلَام الْعلمَاء، ثَلَاثَة أَقْوَال:

أَحدهَا: اعْتِبَاره مُطلقًا، وَهُوَ مَا ذكر الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور البغدادي أَنه الصَّحِيح من مَذْهَبنَا، وَقَالَ ابْن الصّلاح: إِنَّه الذى اسْتَقر عَلَيْهِ الْأَمر آخرا.

والثاني: عدم اعْتِبَاره مُطلقًا، وَهُوَ رأى الْأُسْتَاذ أَبى إِسْحَاق الإسفرايني، وَنَقله عَن الْجُمْهُور، حَيْثُ قَالَ: قَالَ الْجُمْهُور: إِنَّهُم -يعْنى نفاة الْقيَاس- لَا يَبْلُغون رُتْبَة الِاجْتِهَاد، وَلَا يجوز تقليدُهم الْقَضَاءَ، وَإِن ابْن أَبى هُرَيْرَة وَغَيره من الشافعيين لَا يَعْتَدُّون بخلافهم في الْفُرُوع.

وَهَذَا هُوَ اخْتِيَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَعَزاهُ إِلَى أهل التَّحْقِيق، فَقَالَ: والمحققون من عُلَمَاء الشَّرِيعَة لَا يُقِيمُونَ لأهل الظَّاهِر وزنا، وَقَالَ في كتاب «أدب الْقَضَاء» من النِّهَايَة: كل مَسْلَك يخْتَص بِهِ أَصْحَابُ الظَّاهِر عَن القياسيين؛ فَالْحُكْمُ بِحَسَبِهِ مَنْقُوضٌ.

قَالَ: وبحق؛ قَالَ حَبْر الْأُصُول، القاضي أَبُو بكر: إني لَا أَعُدُّهم من عُلَمَاء الْأمة، وَلَا أبالي بخلافهم وَلَا وفاقهم

وَقَالَ في بَاب قطع الْيَد وَالرِّجْل في السّرقَة: كررنا في مَوَاضِع في الْأُصُول وَالْفُرُوع: أَن أَصْحَاب الظَّاهِر لَيْسُوا من عُلَمَاء الشَّرِيعَة، وَإِنَّمَا هم نَقَلَةٌ؛ إِن ظَهَرَتْ الثِّقَة. انْتهى

وَالثَّالِث: أَن قَوْلهم مُعْتَبر إِلَّا فِيمَا خَالف الْقيَاس الجلي.

قلت: وَهُوَ رأى الشَّيْخ أَبى عَمْرو بن الصّلاح.

وسماعي من الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد أَن الذي صَحَّ عِنْده عَن دَاوُد أَنه لَا يُنْكِرُ الْقيَاسَ الجليَّ، وَإِن نَقلَ إِنْكَارَهُ عَنهُ ناقلون، قَالَ: وَإِنَّمَا يُنْكِرُ الخفيَّ فَقَط.

قَالَ: ومنكر الْقيَاس مُطلقًا: جَلِيِّهِ وخَفِيِّهِ طَائِفَة من أَصْحَابه، زعيمهم ابْن حزم…

إلى أن قال التاج السبكي: فالذي أرَاهُ: الِاعْتِبَارُ بِخِلَاف دَاوُد ووفاقِهِ، نعم للظاهرية مسَائِل لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ فِيهَا، لَا من حَيْثُ إِن دَاوُد غَيْرُ أَهْلٍ للنَّظَر، بل لِخَرْقِهِ فِيهَا إِجْمَاعًا تقدمَهُ – وعُذْرُهُ أَنه لم يَبْلُغْهُ -، أَو دَلِيلًا وَاضحًا جدًّا([124])، وَذَلِكَ كَقَوْلِه في التغوط في المَاء الراكد، وَقَوله: لَا رِبًا إِلَّا في السِّتَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا، وَغير ذَلِك من مسَائِل وُجِّهَتْ سِهَامُ الملام إِلَيْهِم، وأفاضَتْ سَبِيلُ الإزراء عَلَيْهِم. اهـ([125])

والشاهد من هذا: أن داود قيل فيه ما قيل، فماذا كان موقف المختلفين فيه من بعضهم البعض؟

وكان يجب عليهم -على مذهب الغلاة الفاسد- أن يبدِّع -على الأقل- الفريقُ الذي يبدِّعه أو يكفِّره الفريقَ الذي يحتج باجتهاداته دون إسقاط له، ولكن ذلك لم يُنْقل إلينا، فأيّ الفريقين منَّا ومن الغلاة أحقّ بمنهج السلف، وتعاملهم فيما بينهم إذا اختلفوا في الحكم على أحد بعينه؟!

وأؤكد على أنَّني أذكرُ هذه التراجم وخلاف العلماء في أهلها؛ لأبَيِّن فساد منهج الغلاة في التعامل مع المخالف، وأنه منهجهم الذي يسيرون عليه، ويعلِّمونه أتباعهم منهج زائغ عن منهج السلف والخلف، ولا يلزم من ذلك إقراري لكل ما أنقله أو إنكاري، فهذا له موضع آخر يليق به، وكون الغلاة يتمسَّكون بظاهر عبارات بعض الأئمة؛ فمنشأ ذلك عدم فهمهم لمقاصد الإمام منهم، وعدم جمعهم لباقي كلامه وكلام إخوانه من الأئمة، وتفصيل ذلك في محله -بفضل الله .

ترجمة ابن حزم :

قال الحافظ الذهبي في «تذكرة الحفاظ»([126]):

«ابن حزم: الإمام العلامة الحافظ الفقيه المجتهد, أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية, الفارسي الأصل الأموي اليزيدي القرطبي الظاهري صاحب التصانيف. اهـ

مَدَحَهُ جماعةٌ، وحَطَّ عليه آخرون، ونسبوه إلى بِدَعٍ مُغَلَّظَة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «فإن قيل: قلتَ: إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بَلَّغُوه عن الرسول؛ ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك؟

قيل: هؤلاء أنواع:…

إلى أن قال : «والثاني: من يَسْلُك في العقليات مَسْلَكَ الاجتهاد، ويَغْلَطُ فيها، كما غَلِطَ غيره، فيشاركُ الجهميةَ في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة من هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون «الصحيحين» وغيرهما.

وهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأمثالهم». اهـ([127])

وقال أيضًا: «وكذلك أبو محمد بن حزم، مع معرفته بالحديث، وانتصاره لطريقة داود وأمثاله من نفاة القياس، أصحاب الظاهر، قد بالغ في نَفْيِ الصفات ورَدِّها إلى العِلْم، مع أنه لا يُثْبِتُ عِلْمًا هو صفة، ويزعم أن أسماء الله، كالعليم والقدير ونحوهما، لا تدل على العلم والقدرة، وينتسب إلى الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة، ويَدَّعِي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث، ويذم الأشعريَّ وأصحابَهُ ذَمًّا عظيمًا، ويَدَّعِي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات.

ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته: أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات أقربُ إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك». اهـ([128])

وقال أيضًا: «وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى لَا تَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي؛ فَلَا يَدُلُّ «عَلِيمٌ» عَلَى عِلْمٍ، وَلَا «قَدِيرٌ» عَلَى قُدْرَةٍ، بَلْ هِيَ أَعْلَامٌ مَحْضَةٌ، وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهَا تُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ.

وَأَصْلُ غَلَطِ هَؤُلَاءِ شَيْئَانِ: إِمَّا نَفْيُ الصِّفَاتِ وَالْغُلُوُّ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ، وَإِمَّا ظَنُّ ثُبُوتِ الْكُلِّيَّاتِ الْمُشْتَرِكَةِ فِي الْخَارِجِ.

فَالْأَوَّلُ: هُوَ مَأْخَذُ الْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ.

قَالُوا: إِذَا قُلْنَا: «عَلِيمٌ» يَدُلُّ عَلَى عِلْمٍ، وَ «قَدِيرٌ» يَدُلُّ عَلَى قُدْرَةٍ؛ لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ، وَهَذَا مَأْخَذُ ابْنِ حَزْمٍ، فَإِنَّهُ مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مَعَ تَعْظِيمِهِ لِلْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ: فِي ذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.

وَغَلَطُهُ فِي ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُ أَخَذَ أَشْيَاءَ مِنْ أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ مَنْ يُبَيِّنُ لَهُ خَطَأَهُمْ، وَنَقَلَ الْمَنْطِقَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ مَتَّى التُّرْجُمَانِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا: إِذَا قُلْنَا: مَوْجُودٌ وَمَوْجُودٌ، وَحَيٌّ وَحَيٌّ؛ لَزِمَ التَّشْبِيهُ، فَهَذَا أَصْلُ غَلَطِ هَؤُلَاءِ». اهـ

وقال أيضًا: «وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وَتَبَحُّرِهِ وَمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ: لَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُنْكَرَةِ الشَّاذَّةِ مَا يُعْجَبُ مِنْهُ، كَمَا يُعْجَبُ مِمَّا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ الْفَائِقَةِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، وَإِنَّ آسِيَةَ نَبِيَّةٌ، وَإِنَّ أَمْ مُوسَى نَبِيَّةٌ». اهـ([129])

وقال : «ابن حزم وهو ممن يُعَظِّم الفلاسفة». اهـ([130])

قلت: فتأمل كيف بيَّن الخطأ العظيم لابن حزم ومع ذلك مدحه فيما أحسن فيه، فما حُكم شيخ الإسلام على مذهب الغلاة؟ إن طردوا مذهبهم؛ فهو قائل بالموازنات، ومن ثمَّ فهو مبتدع، أو أخبث أهل الأرض؛ لأن الناس يثقون بعلمه وتقريره؛ ففساده أكثر من فساد غيره، ومن ثمَّ لابد من بذل غاية الجهد في التحذير منه!! وإلا كانوا متناقضين، ولا يشعرون ولا يحسّون بذلك؛ لأن اتِّباع الهَوَى يُعْمي ويُصمُّ!!!

وقال ابن عبد الهادي : «قلتُ: وقد طالعتُ أكثر كتاب «الملل والنِّحَل» لابن حَزْم؛ فرأَيتُه قد ذكر فيه عجائبَ كثيرة، ونقولًا غريبة، وهو يدُلُّ على قوةِ ذكاءِ مؤلِّفِه، وكثرةِ اطّلاعه، لكنْ تبيَّنَ لي منه أنه جَهْميٌّ جَلْد، لا يُثْبِتُ من معاني أسماء الله الحسنى إلّا القليل، كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا تدلُّ على معنى أصلًا: كالرَّحيم، والعليم، والقدير، ونحوها، بل العِلْمُ عنده هو القُدْرة، والقدرة هي العِلْم، وهما عَينُ الذَّات، ولا يدل العلم على معنى زائد على الذات المجرَّدة أصلًا، وهذا عين السَّفْسَطة والمكابرة، وكان ابن حزم في صِغَرِهِ قد اشتغل في المنطق والفَلْسَفة، وأخذ المنطق عن محمد بن الحسن المَذْحجي، وأَمْعَنَ في ذلك، فتقرَّر في ذِهْنه بهذا السَّبب معاني باطلة، ثم نظر في الكِتاب والسُّنَّة، فوجد ما فيهما من المعاني المخالفة لما تقرَّر في ذِهنه؛ فصار في الحقيقة حائرًا في تلك المعاني الموجودة في الكتاب والسُّنَّة، فَرَوَّغَ في رَدِّها رَوَغَانَ الثَّعْلب، فتارة يَحْمِلُ اللفظَ على غير معناه اللغوي، ومرة يَحْمِل ويقول: هذا اللّفْظ لا معنى له أصلًا، بل هو بمنزلة الأعلام، وتارة يَرُدُّ ما ثَبَتَ عن المصدوق، كردّه الحديثَ المتَّفَقَ على صحته في إطلاق لفظ الصِّفات، وقولَ الذي كان يَلْزَمُ قراءة [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ] {الإخلاص:1} لأنها صفة الرّحمن ، فأنا أحب أن أقرأ بها، ومَرَّة يخالف إجماعَ المسلمين في إطلاق بعض الأسماء على الله ، وفي كلامه على اليهود والنَّصَارى ومذاهبهم وتناقضهم فوائدُ كثيرة، وتخليط كثير، وهجومٌ عظيم، فإنه رَدَّ كثيرًا من باطلهم بباطلٍ مِثْلِهِ، كما رَدَّ على النَّصارى في التثليث بما يتضمن نَفَي الصِّفَات، وكثيرًا ما يَلْعَنُ ويُكَفِّر ويَشْتِمُ جماعةً ممن نقل كتبهم كمتَّى ولوقا ويوحنَّا وغيرهم، ويُقْذِع في القَدْح فيهم إقذاعًا بليغًا، وهو في الجُمْلة لَوْن غريبٌ، وشيء عجيب، وقد تكلَّم على نقل القرآن والمعجزات وهيئة العالم بكلامٍ أكثره مليح حَسَن.

ومما عِيب على ابنِ حَزْم: فجاجَةُ عبارته، وكلامُهُ في الكبار». اهـ([131])

فتأمل كيف جمع ابن عبد الهادي المدح والقدح في كلامه هذا في حق ابن حزم لاختلاف الجانبين، لكن الغلاة تنغلق عقولهم عن قبول هذا، ولازِمُ مذهبهم المبتدَعِ القبيح تبديعُ أهل العلم سلفا وخلفا، وما كان كذلك؛ فهو عين الباطل، والله أعلم.

وقال الحافظ ابن كثير : «والعجب كل العجب منه: أنه كان ظاهريًا حائرًا في الفروع، لا يقول: بشيء من القياس: لا الجلي ولا غيره، وَهَذَا الَّذِي وَضَعَهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ خَطَأً كَبِيرًا فِي نَظَرِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَكَانَ مَعَ هَذَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَأْوِيلًا فِي بَابِ الأصول، وآيات الصفات، وأحاديث الصفات؛ لأنه كان أولًا قد تَضَلَّع مِنْ عِلْمِ الْمَنْطِقِ، أَخَذَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَذْحِجِيِّ الْكِنَانِيِّ الْقُرْطُبِيِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاكُولَا وابن خلكان، فَفَسَدَ بذلك حالُهُ في باب الصفات». اهـ([132])

وقد نقل الذهبي كلام عدد ممن مدحه في «تاريخ الإسلام»([133]) فقال:

قال أبو القاسم صاعد بن أَحْمَد: «كان ابن حزمٍ أَجْمَعَ أهل الأندلُس قاطِبةً لعلوم الإسلام، وأَوْسَعَهُم معرفةً مع توسّعه في علم اللِّسان، ووفور حظّه من البلاغة والشِّعر، والمعرفة بالسّير والَأخبار، أخبرني ابنه الفضل أنَّهُ اجتمع عنده بخطّ أبيه أبي محمد من تأليفه نحو أربعمائة مُجَلَّد، تشتمل على قريبٍ من ثمانين ألف ورقة».

وقال الحُمَيْدِيّ: «كان ابن حَزْم حافِظًا للحديث وفِقْهِهِ، مُسْتَنْبِطًا للَأحكام من الكِتاب والسُّنَّة، مُتَفَنِّنًا في علوم جمَّة، عاملًا بِعِلْمِهِ، وما رأينا مِثْلَهُ فيما اجتمع له مع الذّكاء، وسُرْعة الحِفْظ، وكَرَم النَّفس، والتَّديُّن، وكان لهُ في الآداب والشِّعر نَفَسٌ واسِعٌ، وباعٌ طويلٌ، وما رأيتُ من يقول الشِّعر على البديهة أَسْرَعَ منه، وشِعرُهُ كثيرٌ، جَمَعْتُهُ على حروف المُعْجَم».

وقال أبو القاسم صاعد: «كان أبوه أبو عمر من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر، مدبِّر دولة المؤيّد باللَّه ابن المُستنصِر، ثم وَزَرَ للمُظفّر بن المنصور، وَوَزَرَ أبو محمد للمستظهر باللَّه عبد الرّحمن بن هشام، ثمّ نَبَذَ هذه الطّريقة، وأَقْبَلَ على العلوم الشَّرعيّة، وعُنِيَ بِعِلْمِ المنطق، وبَرَعَ فيه، ثمّ أَعْرَضَ عنه، وأَقْبَلَ على علوم الْإِسلام، حتّى نَالَ من ذلك ما لم يَنَلْهُ أحد بالَأندلس قبله…».

وقال الشّيخ عزّ الدين ابن عبد السَّلام : «ما رأيتُ في كُتُب الْإِسلام في العلم مثل «المحلّى» لابن حَزم، و«المغني» للشّيخ الموفَّق». اهـ

وممن بالَغَ في الحَطِّ على ابن حزم أبو بكر ابن العربي-رحمهما الله تعالى-:

قال الذهبي : وقد حطّ أبو بكر ابن العربيّ في كتاب «القواصم والعواصم» على الظّاهريّة، فقال: هي أُمَّة سخيفةٌ، تسوَّرَت على مرتبةٍ ليست لها، وتكلَّمَت بكلامٍ لم تَفْهَمْه، تلقَّفوه من إخوانهم الخوارج، حين حَكّم عليٌّ يوم صِفّين، فقالت: لا حُكْم إلا لله، وكان أولَ بدعةٍ لَقِيتُ في رحلتي: القولُ بالباطن، فلمّا عُدْتُ وَجَدتُ القَوُلَ بالظاهر، قد ملَأ به المغربَ سخيفٌ كان من بادية أشبيليّة، يُعرف بابن حزم، نشأ وتعلَّق بمذهب الشّافعيّ، ثم انتسب إلى داود، ثم خَلَعَ الكُلَّ، واسْتَقَلَّ بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يَضَعُ ويَرْفَعُ، ويَحْكُم ويُشَرّع، يَنْسِب إلى دين اللَّه ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا؛ تنفيرًا للقلوب عنهم، وخَرَج عن طريق المشبِّهة في ذات اللَّه وصفاته، فجاء فيه بطَوامٍّ، واتَّفق كونُهُ بين قومٍ لَا بَصَرَ لهم إِلَّا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدّليل؛ كَاعُوا؛ فتضَاحَكَ مع أصحابه منهم، وعضَّدتهُ الرياسةُ بما كان عنده من أدب، وبشُبَهٍ كان يوردها على الملوك، فكانوا يَحْمِلونه ويَحْمُونَهُ بما كان يُلْقِي إليهم من شُبَهِ البدعِ والشِّرْك، وفي حين عَوْدِي من الرِّحلة؛ ألفيتُ حَضْرتي منهم طَافِحَةً، ونارَ ضلالهم لافحةً، فَقَاسَيْتُهُم مع غير أقران، وفي عدم أنصارٍ إلى حُسَّادٍ يطؤون عَقِبي، تارة تَذْهَبُ لهم نَفْسِي، وأخرى يَنْكَشِرُ لهم ضِرْسي، وأنا ما بين إعراضٍ عنهم، أو تَشْغِيبٍ بهم، وقد جاءني رجلٌ بجزءٍ لابن حزم سمَّاه «نُكَت الْإِسلام»، فيه دواهٍ؛ فجرَّدتُ عليه نواهِيَ، وجاءني آخر برسالة في الاعتقاد؛ فنقضتها برسالة «الغُرّة». والَأمر أَفْحَشُ من أن يُنْقَضَ، يقولون: لَا قول إِلَّا ما قال الله، ولا نَتَّبع إلا رسولَ اللَّه، فإنَّ اللَّه لم يأمُر بالاقتداءِ بأحدٍ، ولا بالاهتداء بهدْي بَشَرٍ، فيجب أن يتحققوا أنهم ليس لهم دليل، وإنما هي سخافَةُ في تهويل، فأوصيكم بوصيّتين: أنْ لَا تستدِلّوا عليهم، وأن تطالبوهم بالدّليل؛ فإنّ المُبتَدِع إذا اسْتَدْلَلْتَ عليه؛ شَغّب عليك، وإذا طالبته بالدَّليل؛ لم يجد إليهِ سبيلا.

فأمَّا قولهم: لَا قول إِلَّا ما قال اللَّه؛ فحق، ولكن أرِني ما قال اللَّه، وأمَّا قولهم: لَا حُكم إِلَّا للَّه؛ فغير مُسَلَّمٍ على الْإِطلاق، بل من حُكْم اللَّه أن يجعل الحُكْمَ لغيره فيما قاله وأخبر به، صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «وَإِذَا حاصرْتَ أَهْلَ حصنٍ؛ فَلَا تُنزلْهم عَلَى حُكْمِ اللَّه؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّه، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حْكُمِكَ»، وَصَحَّ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ». الحديث… ا.هـ

وقد عاب الحافظ الذهبيُّ على ابن العربي -رحمهما الله مبالَغَتَهُ في الحطِّ على ابن حزم، فقال في «تذكرة الحفاظ»([134]) بعد نقل كلام أبي بكر بن العربي -: قال كاتبه: صدق القائل: لا تَنْهَ عَن خُلُقٍ وتَأْتِي مِثْلَهُ. اهـ

ثم نقل كلام أبي محمد عبد الله بن محمد بن العربي – وهو والد أبي بكر ابن العربي – وفي كلامه تفصيل في حال ابن حزم، ثم قال الذهبي :

«قلت: هذا القائل مُنْصِفٌ، فأين كلامه من كلام أبي بكر بن العربي، وهَضْمِهِ لمعارف ابن حزم؟». اهـ

ثم قال الذهبي : «قلت: ابنُ حزم رجل من العلماء الكبار، فيه أدوات الاجتهاد كاملة, تقع له المسائل المحررة والمسائل الواهية، كما يقع لغيره, وكل أحد يُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَكُ إلا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وقد امْتُحِنَ هذا الرجلُ، وشُدِّدَ عليه، وشُرِّدَ عن وطنه، وجَرَتْ له أمور، وقام عليه الفقهاء لطول لسانه، واستخفافه بالكبار، ووقوعه في أئمة الاجتهاد بأفَجِّ عبارة، وأَفَظِّ محاورة، وأَبْشَعِ رَدٍّ, وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجى مناظرةٌ ومنافرةٌ، قال أبو العباس بن العريف: كان لسانُ ابن حزم وسيفُ الحجاج شقيقين. اهـ

وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام»([135]):

«قلت: وقد امتُحن ابن حزم، وشُرّد عن وطنه، وجَرَتْ له أمور، وتَعَصَّب عليه المالكيَّة؛ لطول لسانه، ووقوعه في الفقهاء الكبار، وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجيّ مُنَاظرات يطول شَرْحها، ونَفَرَتْ عنهُ قلوبُ كثير من النَّاس؛ لحطِّه على أئِمَّتِهم، وتخطئته لهم بأفجّ عبارة، وأفظ محاورة، وعملوا عليه عند ملوك الأندلُس، وحذروهم منه ومن غائلته، فأقْصَتْه الدّولةُ، وشرّدَتْهُ عن بلاده، حتى انتهى إلى بادية لَبلة، فتُوُفّي بها في شعبان ليومين بقيا منه». اهـ

وقال أيضًا: «قُلْتُ:… وَقَدْ أَخَذَ الْمنطقَ – أَبعدَهُ الله مِنْ عِلمٍ – عَنْ: مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ المَذْحِجِيّ، وَأَمعَنَ فِيْهِ، فَزلزله فِي أَشيَاء، وَلِي أَنَا مَيْلٌ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ؛ لمَحَبَّته فِي الحَدِيْثِ الصَّحِيْح، وَمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ أُوَافِقُهُ فِي كَثِيْرٍ مِمَّا يَقولُهُ فِي الرِّجَالِ وَالعلل، وَالمَسَائِل البَشِعَةِ فِي الأُصُوْلِ وَالفروع، وَأَقطعُ بخطئِهِ فِي غَيْرِ مَا مَسْأَلَةٍ، وَلَكِن لاَ أُكَفِّره، وَلاَ أُضَلِّلُهُ، وَأَرْجُو لَهُ العفوَ وَالمُسَامحَة وَللمُسْلِمِيْنَ». اهـ([136])

قلت: فهل بعد هذا الكلام في ابن حزم يبقى أحد من هؤلاء الغلاة، الذين يُبَدِّعون من هم أهدى منهم سبيلا، وأقوم قيلا، وليس عندهم شيء مما أُخِذَ على ابن حزم وغيره؛ وما ذاك لأنهم لا يوافقونهم على القول: بأن فلانًا مبتدع ضال -وهو من دُعاة السنة، وإن أخطأ-؛ فخطؤه قطرة في بحر أخطاء ابن حزم العقدية!! فلا بارك الله في الغلو والإسراف والبَغْي والتجاوز، واتباع الهوى، والحَسَد، وحبّ الرياسة والذِّكْر…!!

وهل اختلف العلماء -أيها المسلمون- فيما بينهم بسبب تعديل ابن حزم أو تجريحه؟! وهل أهدروا كل محاسنه؟! وهل يستطيع الغلاة أن يسمُّوا رجلًا واحدًا ممن يبدعونه ويضللونه بإطلاق في زماننا هذا، ويأمرون بهجره، وهجر مَنْ لم يَهْجره… وهكذا… إلى ما لا يعلم نهايته إلا الله -تعالى-، فهل يُسمُّون لنا واحدًا من مخالفيهم يقول بعُشْر معشار ما يقوله ابن حزم؟ ومع ذلك يمدحه من مدحه، والحافظ الذهبيُّ يقول: «وَلِي أنا مَيْلٌ إلى أبي محمد…» وذكر أخطاءه الغليظة، وقال: «ولكن لا أكَفِّره ولا أضلِّله؟! أي: لا أُضَلِّله بإطلاقه -لأنه مجتهد قاصد للحق- وإن ضلَّله فيما خالفه فيه!! ولا يضلل الذهبي -أيضًا- من خالفه في ابن حزم!!

ألا يستحي الغلاة من نِسْبَة ما هم عليه إلى منهج السلف، ويقولون: أهل السنة مجمعون على تبديع وتضليل وهجر من خالفهم في تجريح رجلٍ عنده انحرافٌ في العقيدة -وهذا إذا سلَّمْنا لهم بوجود ذلك، وإن كان شيئا يسيرًا!!- ثم قولهم: إن الاختلاف الذي بينهم -أي السلف- في الأعيان إنما هو في قوة الضبط وقِلَّتِهِ؟ فهل هؤلاء أصحاب هذه الدعاوى الساقطة يقرؤون في كتب السلف؟ وإذا قرؤوا هل يفهمون ما يقرؤون، وإذا فهموا هل يضعونه في موضعه، أم يُحَرِّفُون الكَلِمَ عن مواضعه؛ ليشغِّبوا بذلك على صغار الطلاب، ويوهموهم أنهم على منهج السلف سائرون، وما عَلِمُوا أو تَنَاسَوْا أنه في الزوايا بقايا، [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ] {الفرقان:33}، [ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ] {الإسراء:81}، [ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ] {الأنبياء:18}!!!

ترجمة القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي :

قال السيوطي في «طبقات الحفاظ»([137]): ابْن الْعَرَبِيّ الْعَلامَة الْحَافِظ القَاضِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الإشبيلي، ولد سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة.

ورحل إِلَى الْمشرق، وَسمع من طراد الزَّيْنَبِي، وَنصر بن البطر، وَنصر الْمَقْدِسِي، وَأبي الحسني الخلعي.

وَتخرج بِأبي حَامِد الْغَزالِيّ، وَأبي بكر الشَّاشِي، وَأبي زَكَرِيَّا التبريزي.

وَجَمَعَ وصَنَّفَ، وبَرَعَ فِي الْأَدَب والبلاغة، وَبَعُدَ صيته، وَكَانَ متبحرًا فِي الْعلم، ثاقب الذِّهْن، موطَّأَ الأكناف([138])، كريم الشَّمَائِل، ولي قَضَاء إشبيلية، فَكَانَ ذَا شدَّة وسَطْوة، ثمَّ عُزِلَ؛ فَأَقْبَلَ على التَّأْلِيف وَنشر الْعلم، وَبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد، صنف فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول وعلوم الْقُرْآن وَالْأَدب والنحو والتاريخ، مَاتَ بفاس فِي ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة. اهـ

وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام»([139]): قَالَ ابن بَشْكُوال: أخبرني أنّه رحل مَعَ أبيه إلى المشرق سنة خمسٍ وثمانين، وأنّه دخل الشّام ولَقِيَ بها: أبا بَكْر محمد بْن الوليد الطُّرطوشي، وتفقّه عنده، ولَقِيَ بها جماعة من العلماء والمحدّثين، وأنّه دخل بغداد، وسمع بها من طِراد الزَّيْنبيّ، ثمّ حجّ سنة تسعٍ وثمانين، وسمع من الحسين بْن عليّ الطَّبَريّ، وعاد إلى بغداد، فصحِب أبا بكر الشاشي، وأبا حامد الغزالي، وغيرهما، وتفقه عندهم، ثمّ صدر عَنْ بغداد، ولَقِيَ بمصر والإسكندريَّة جماعةً، فاستفاد منهم وأفادهم، وعاد إلى بلده سنة ثلاثٍ وتسعين بعِلمٍ كثير لم يُدْخِلْهُ أحدٌ قبله ممّن كانت لَهُ رحلة إلى المشرق، وكان من أهل التّفنّن في العلوم، والاستبحار فيها، والجَمْع لها، مُقَدَّمًا في المعارف كلها، متكلِّمًا في أنواعها، نافذًا في جميعها، حريصًا على أدائها ونشرها، ثاقبَ الذّهن في تمييز الصّواب منها، يجمع إلى ذَلكَ كلّه آداب الأخلاق مَعَ حُسن المعاشرة، ولِين الكنف([140])، وكثْرة الاحتمال، وكَرَم النفس، وحُسن العهد، وثبات الوُدّ، واستُقضي ببلده، فنفع اللَّه بِهِ أهلَها؛ لصرامته وشدّته، ونفوذ أحكامه، وكانت لَهُ في الظّالمين سَوْرةٌ مرهوبة، ثمّ صُرف عَن القضاء، وأقبل عَلَى نشر العِلْم وبثّه، قرأتُ عَلَيْهِ، وسمعت منه بإشبيلية وقُرْطُبة كثيرًا من روايته وتواليفه، وتُوُفّي بالعدوة، ودُفن بفاس في ربيع الآخر…

وكان أَحَدَ من بلغ رُتبة الاجتهاد، وأَحَدَ من انفرد بالأندلس بعُلُوّ الإسناد…

وقد ذكره اليَسَع بْن حزْم([141])، وبالغ في تعظيمه، وقال: ولي القضاء فمُحِن، وجرى في أغراض الإمارة فَلَحَنَ([142])، وأصبح يتحرّك بإثارة الألسنة، ويأبى بما أجراه القدرُ عَلَيْهِ النّوم والسِّنَة، وما أراد إلّا خيرًا، نصب الشّيطان عَلَيْهِ شباكه، وسكَّن الإدبارُ حِراكَهُ، فأبداه للناس صورةً تَذُمُّ، وسَوْرَةً تُتلى، لكونه تعلَّق بأذيال المُلك، ولم يجر مجرى العلماء في مجاهرة السلاطين وحزبهم، بل داهن، ثم انتقل إلى قُرْطُبة مكرَّمًا، حتّى حُوِّل إلى العُدْوة، فَقَضَى نَحْبَهُ.

قرأت بخطّ ابن مَسدي في «مُعْجَمه»: أَخْبَرَنَا أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرّج النباتي بإشبيلية، قال: سَمِعْتُ الحافظ أبا بَكْر بْن الجدّ وغيره يقولون: حضر فقهاء إشبيلية: أبو بَكْر بْن المُرجّى، وفلان وفلان، وحضر معهم أبو بكر ابن العربيّ، فتذاكروا حديث المِغفَر، فقال ابن المُرَجّى: لا يُعرف إلّا من حديث مالك، عَن الزُهري، فقال ابن العربيّ: قد رويته من ثلاثة عشر طريقا، غير طريق مالك، فقالوا لَهُ: أفِدنا هذه الفوائد، فوعدهم، ولم يُخرج لهم شيئًا، وفي ذَلكَ يَقُولُ خَلَفُ بنُ خَير الأديب:

يا أهل حمصَ ومَن بها أوصيكمُبالبرّ والتَّقْوَى وصيَّةَ مُشْفِقِ
فخُذُوا عَن العربيّ أسمارَ الدُّجاوخُذوا الرّوايةَ عَنْ إمامٍ متّقي
إنّ الفتى حُلْوُ الكلام مُهَذّبٌإنْ لم يجِدْ خَبَرًا صحيحًا يخْلُقِ

قلت: هذه الحكاية لا تدل على ضعف الرجل ولابد. اهـ

وفي «تذكرة الحفاظ» للذهبي ([143]): قلت: هذه حكاية ساذجة، لا تدل على جرح صحيح، ولعل القاضي وَهِمَ وسَرَى فِكْرُهُ إلى حديثٍ، فظنه هذا، والشعراء يَخْلُقُون الإفك. اهـ

وفي «سير أعلام النبلاء»([144]): قُلْتُ: هَذِهِ حِكَايَة سَاذجَة، لاَ تَدُلُّ عَلَى تَعمد، وَلَعَلَّ القَاضِي وَهِم، وَسرَى ذِهْنه إِلَى حَدِيْث آخر، وَالشَّاعِر يَخْلُقُ الإِفك، وَلَمْ أَنقُمْ عَلَى القَاضِي إِلَّا إِقذَاعَه فِي ذَمّ ابْن حَزْمٍ، وَاسْتجهَالَه لَهُ، وَابْنُ حَزْمٍ أَوسعُ دَائِرَةً مِنْ أَبِي بَكْرٍ فِي العُلُوْم، وَأَحْفَظُ بِكَثِيْر، وَقَدْ أَصَاب فِي أَشيَاء وَأَجَاد، وَزلق فِي مضَايق كغَيْره مِنَ الأَئِمَّةِ، وَالإِنصَافُ عزِيز. اهـ

عقيدة أبي بكر ابن العربي :

تتلمذ ابن العربي على الغزالي بلا شك، وتأثر به، وإن كان قد نقده في بعض المواضع، بل ونقد بعض شيوخ الأشاعرة: كالأشعري، والباقلاني، والجويني، لكنه مع ذلك بقي على مذهب الأشاعرة في الصفات وغيرها، بل ودافع عن منهجهم، فقال:

«فإن قيل: فما عُذْر علمائكم في الإفراط بالتعلق بأدلة العقول دون الشرع المنقول في معرفة الرب، واستوغلوا في ذلك؟ قلنا: لم يكن هذا لأنه خَفِيَ عليهم أن كتاب الله مفتاح المعارف، ومعدن الأدلة، لقد علموا أنه ليس إلى غيره سبيل، ولا بعده دليل، ولا وراءه للمعرفة مَعْرَسٌ ولا مَقِيل، وإنما أرادوا وجهين:

أحدهما: أن الأدلة العقلية وَقَعَتْ في كتاب الله مختصرة بالفصاحة، مشارًا إليها بالبلاغة، مذكورًا في مساقها الأصول، دون التوابع والمتعلقات من الفروع، فَكَمَّلَ العلماءُ ذلك الاختصار، وعَبَّروا عن تلك الإشارة بتتمة البيان، واستوفوا الفروع والمتعلقات بالإيراد…

الثاني: أنهم أرادوا أن يُبَصِّروا الملاحدةَ، ويُعَرِّفوا المبتدعةَ أن مجرد العقول التي يَدَّعُونها لأنفسهم، ويعتقدون أنها معيارهم؛ لا حَظَّ لهم فيها…». اهـ([145])

وهذا الكلام – بما فيه من لَمْزٍ خَفِيٍّ بكتاب الله وكمال بيانه – استقاه ابن العربي من شيوخه، الذين أمرَ بالاقتداء بهم في التأويل، حين قال حول صفات اليد، والقدم، والأصابع، والنزول: «اسْرِدْ الأقوالَ في ذلك بقَدْر حِفْظِكَ، وأَبْطِلْ المستحيلَ عقلًا بأدلة العقل، والممتنع لغة بأدلة اللغة، والممتنع شرعًا بأدلة الشرع، وأَبْقِ الجائز من ذلك كله بأدلته المذكورة، ورَجِّحْ بين الجائزات من ذلك كله إن لم يمكن اجتماعها في التأويل، ولا تَخْرُجْ في ذلك عن منهاج العلماء، فقد اهْتَدَى مَنِ اقْتَدَى، ولن يأت أحد بأحسن مما أتى به من سبق أبدًا»، وما منهجه في كتابه (قانون التأويل) وغيره إلا أكبر دليل على أشعريته.

وفي مقال في «مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية» بعنوان: (دور أبي بكر ابن العربي في نشر الأشعرية بالغرب الإسلامي)، إعداد الباحث: منتصر الخطيب.

جاء فيه: يقول عبد المجيد النجار: «تشاء الأقدار أن يكون الإسهام المغربي الحقيقي في إنماء الأشعرية وإثرائها ونشرها نهائيا بالمغرب كاملا، أن يكون ذلك صادرا من المغرب الأقصى والأندلس على يد رجلين من أفذاذ علماء العقيدة الأشعرية هما: «أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي» (ت543هـ)، و«محمد بن عبد الله بن تومرت»(ت524هـ)، فقد ارتحل كل منهما إلى المشرق، ودرس العقيدة الأشعرية على أبي حامد الغزالي (ت505هـ) وتَشَبَّعَ بمنهجية هذه العقيدة، وبحصيلة آرائها في المسائل الكلامية، ثم إن ابن العربي رجع إلى قرطبة، وشرع في تدريسِ الفقهِ على المذهب المالكي، والعقيدةِ في الأندلس والمغرب خاصة، وقد ألَّف في بسطها وتفصيلها والإقناع بها كتبا كثيرة من أهمها كتابه الذائعُ الصِّيتِ «العواصم من القواصم»، إلى جانب ما جَلَبَ وروَّج من كتبها من مؤلفات الباقلاني والجويني إمام الحرمين والغزالي، وقد ظهرت في مؤلفات ابن العربي روح الابتكار والتطوير في الأشعرية، فلم يكن بذلك متلقيا فحسب؛ بل كان مُنْتِجًا مُسْهِمًا في الإثراء..». فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب-عبد المجيد النجار-دار الغرب الإسلامي

دور أبي بكر بن العربي في نشر الأشعرية بالغرب الإسلامي:

يقول عبد الله غاني: «يعد ابن العربي من العلماء الذين قال عنهم الغزالي: أنهم كانوا يَقْصُدون بعلمهم وجه الله لا وجه الدنيا، وتُعَدُّ جهوده من أجل الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وفي الرد على أفكار الخوارج والشيعة وغيرهم، ودَحْضِ التهم التي وجهها هؤلاء إلى الصحابة -رضوان الله عليهم- أو إلى بعضهم جهادا في سبيل تركيز العقيدة الأشعرية في المغرب.. ونثبت هنا ما يرويه ابن فرحون عن الإمام السهيلي لإيضاح التزامه بالعقيدة الأشعرية، وإيضاح دوره كحلقة في سلسلة السند الذي نَفَذَتْ عبره الأشعريةُ إلى المغرب، يقول صاحب «الديباج المُذَهَّب»: «قال الإمام السهيلي: أخبرنا أبو بكر بن العربي في «مشيخته» عن أبي المعالي: أنه سأله في مجلسه رجل من العوام، فقال: أيها الفقيه الإمام: أريد أن تذكر لي دليلا شرعيا على أن الله تعالى لا يوصف بالجهة ولا يُحَدَّد بها؟ فقال نعم؛ قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُفَضِّلُوني على يونس بن مَتَّى». فقال الرجل: إني لا أعرف وجه الدليل من هذا الدليل؟ وقال كل من حضر المجلس مثل قول الرجل. فقال أبو المعالي: أضافني الليلة ضيف له عليَّ ألف دينار، وقد شَغَلَتْ بالي، فلو قُضِيَتْ عني؛ قُلْتُها، فقام رجلان من التجار، فقالا: هي في ذمتنا. فقال أبو المعالي: لو كان رجلا واحدا يضمنها كان أحب إليَّ، فقال أحد الرجلين-أو غيرهما-: هي في ذمتي، فقال أبو المعالي: نعم؛ إن الله تعالى أَسْرَى بعبده فوق سبع سموات، حتى سمع صَرِيرَ الأقلام، والتقم يونُسَ الحوتُ، فهوى به إلى جهة التحت من الظلمات ما شاء الله. فلم يكن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم، -في عُلُو مكانه- بأقرب إلى الله تعالى من يونس -في بُعْد مكانه- فالله تعالى لا يُتقرب إليه بالأجرام والأجسام، وإنما يُتقرب إليه بصالح الأعمال».([146])

ويقول إبراهيم التهامي في معرض حديثه عن العلماء الذين ساهموا في انتشار الأشعرية بالغرب الإسلامي: «ولكن الرجل الذي كان له الدور الأكبر في نشر طريقة الجويني بالمغرب: هو أبو بكر بن العربي، الذي رحل إلى المشرق، ولَقِيَ أعظم تلاميذ الجويني: أبا حامد الغزالي(ت505هـ) حيث أخذ عنه طريقة أبي المعالي الجويني في «الإرشاد»، كما أن أبا الوليد الباجي جَلَبَ بدوره إلى المغرب طريقة أبي جعفر السمناني (ت444)..».([147])

وعن تأثر القاضي ابن العربي بآراء أستاذه أبي حامد الغزالي، يقول عبد المجيد النجار: «فقد التقى بالغزالي في رحلته العلمية إلى المشرق، وتَتَلْمَذ عليه، ولَازَمَهُ مدة، ودرس عليه بعض كتبه، وذكر هو نفسه ذلك، إذ قال: «قرأْتُ عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه بـ«الإحياء لعلوم الدين»، ومن المؤكد أن يكون من بين تلك الكتب بعض كتب الغزالي المنطقية؛ ذلك لأننا نجده يتكلم فيها كلام مَنْ خَبَرَهَا وعَرَفَ مُحْتَوَاها، إذ يقول: (وأَبْدَع -أي الغزالي- في استخراج الأدلة من القرآن على رسم الترتيب في الوزن الذي شرطوه على قوانين خمسة بديعة، في كتاب سماه «القسطاس» ما شاء، وأخذ في معيار العلم عليهم طريق المنطق، فرتَّبه بالأمثلة الفقهية والكلامية، حتى محا فيه رسم الفلاسفة، ولم يترك لهم مثالا ولا ممثلا، وأخرجه خالصا من دسائسهم..)، ثم إن ابن العربي لما عاد إلى الأندلس من رحلته؛ جلب معه كتبا للغزالي، ومن بينها كتبه المنطقية كـ «محك النظر» و «معيار العلم»..»

ويضيف كذلك: «هذان الرجلان لم يقوما مباشرة بإدخال المنطق في الدراسات الفقهية بالمغرب، بل لقد كان ابن العربي يرى وجوب التحري في ذلك؛ لأنه إذا ما أُسْنِدَ إلى غير كُفْءٍ باء بالضرر الكبير، وقد كان يوحِي بذلك إلى تلاميذه، إذ يقول لهم: «وعلى كل حال: فالذي أراه لكم على الإطلاق، أن تقتصروا على كتب علمائنا الأشعرية، وعلى العبارات الإسلامية، والأدلة القرآنية… فإن أبا حامد وغيره، وإن كان لَبَسَ للحال معهم -أي الفلاسفة- لبوسها باستعمال المنطق، وأخذ نعيمها، ورفض بُؤْسَها؛ فليس كل قلب يحتمله.. فهو وإن كان سبيلا للعلم، ولكنه مشحون بالغرر… أما أن الرجل إذا وجد من نفسه مِنَّةً، أو تَفَرَّس فيه الشيخُ المُعَلِّمُ له ذلك؛ فلابد من توقيفه على جميع مآخذ الأدلة…».([148])

ويؤكد هذا الكلام عبد الله غاني قائلا: «وهكذا عمل القاضي أبو بكر بن العربي طيلة أربعين سنة في التدريس، وتركيز العقيدة الأشعرية والفقه المالكي، ومما يؤكد ذلك أن العقيدة النظامية التي ألفها الإمام الجويني -وكانت من بين المتون التي تُدَرَّس في علم العقائد- سَمِعَها ودَرَسَها ابنُ العربي عن الإمام الغزالي، الذي أخذها بدوره عن واضعها الجويني، وهكذا دخلت إلى المغرب على يد الإمام أبي بكر بن العربي، وكانت تُدَرَّسُ به».([149])

وإلى هذا الرأي ذهب عبد الخالق أحمدون حين قال: «وفي هذه الفترة برز في الأندلس الفقيه المالكي الكبير أبو بكر محمد بن العربي المعافري(ت543هـ)، أكبر شخصية مالكية أشعرية بالغرب الإسلامي، والذي سيتطور المذهب الأشعري على يديه تطورا ملحوظا، من خلال ما نقله من المشرق من كتب علم الكلام على طريقة الأشعرية، ونذكر منها على سيل المثال: «مدارك العقول»، و«العقيدة النظامية» للجويني، و«محك النظر»، و«الاقتصاد في الاعتقاد» للغزالي، و «الجامِعَيْنِ» الخفي والجلي للإسفراييني، ثم إن كتبه الكلامية تنطق بما لا يَدَعُ مجالا للشك بكونه على مذهب الأشعرية، ومدافعا قَوِيًّا عنهم، ونذكر من كتبه: «الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا»، «رسالة الغرة في الرد على ابن حزم»، و«العواصم من القواصم» وكتاب «المتوسط في معرفة الاعتقاد» و«المقسط في شرح المتوسط»([150]).

وبعد هذا كله: فلا شك في أشعرية ابن العربي، ومع ذلك مدحه من مدحه -لاسيما الذهبي الأثري السلفي- بما سبق ذكره، فما حُكم الذهبي عند هؤلاء الغلاة، وما حُكْم من يمدح من وقع في بدعة، لكنه مدحه في جوانب أخرى -لاسيما إذا كان في مقام الترجمة- فذكر ما له وما عليه، هل يكون ذلك مبتدعًا قائلًا بالموازنة -على منهج الغلاة البغاة الغواة-؟ وإذا قالوا بذلك: ألا يلزم أن يبدِّعُوا أيضًا بقية العلماء الذين مدحوا من تلوَّث بمقالة بدعية؟ فمن الذي سيسْلم معنا إن اتبعنا منهج هؤلاء الغلاة؟!

ترجمة أبي حيان التوحيدي:

قال الحافظ الذهبي في «تاريخ الإسلام»([151]): «أَبُو حيّان التوحيدي، صاحب المصنَّفات، واسمه عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس الصُّوفِي. [الوفاة: 391 – 400 هـ]

كَانَ فِي حدود الأربعمائة، وله مصنَّفات عديدة فِي الْأدب والفصاحة والفلسفة، وكان سيئ الاعتقاد، نفاه الوزير أَبُو مُحَمَّد المهلّبي.

قَالَ ابن بابي فِي كتاب «الخريدة والفريدة»: كَانَ أَبُو حَيَّان كذَّابًا، قليل الدين والورع عَنِ القَذْف والمجَاهَرَة بالبُهْتَان، تعرّض لأمور جِسامٍ من القدْح فِي الشريعة، والقول بالتّعطيل، ولقد وقف سيدنا الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كَانَ يُدْغِلُه ويخفيه من سوء الاعتقاد؛ فطلبه ليقتله؛ فهرب، والتجأ إلى أعدائه، ونَفَقَ عليهم بزُخْرُفِه وإِفْكِه، ثم عثروا منه عَلَى قبيح دخْلته، وسوء عقيدته، وما يُبْطِنه من الإلحاد، ويرومه فِي الْإسلام من الفساد، وما يُلْصِقه بأعلام الصّحابة من القبائح، ويضيفه إلى السَّلَف الصّالح من الفضائح؛ فطلبه الوزير المهلّبي، فاستتر منه، ومات فِي الاستتار، وأراح اللَّه منه، ولم تؤثر عَنْهُ إلا مَثْلَبة أو مُخْزيَة.

وقَالَ أَبُو الفرج ابن الْجَوْزِي فِي «تاريخه»: زنادقة الإِسْلام ثلاثة: ابن الرّاوَنْدِيّ، وَأَبُو حَيَّان التوحيدي، وَأَبُو العلاء المَعَرِّي، وأشدّهم عَلَى الْإسلام أَبُو حَيَّان؛ لأنّهما صرَّحا، وهو مَجْمَجَ ولم يصرِّح.

قلت: وكان من تلامذة عَلِيّ بْن عيسى الرّمّاني، وقد بالغ فِي الثناء عَلَى الرّمّاني فِي كتابه الَّذِي ألّفه فِي تقريظ الجاحظ، فانظر إلى الحامد والمحمود، وأجْود الثلاثة الرّمّاني مَعَ اعتزاله وتشيّعه.

وَأَبُو حَيَّان هُوَ الَّذِي نَسَب نفسه إلى التوحيد، كما سمّى ابنُ تومرت أتباعَه فَقَالَ: «الموحِّدين»، وكما سمَّى صوفيّةُ الفلاسفة نفوسهم بـ«أهل الوحدة وأهل الاتحاد»…

وقد ذكره ابن النّجّار، وقَالَ: لَهُ المصنَّفات الحَسَنَة، «كالبصائر» وغيرها، وكان فقيرًا صابرًا متديّنًا، إلى أن قَالَ: وكان صحيح العقيدة – كذا قَالَ، بل كَانَ عدوًّا لله خبيثًا» -ا.هـ

وقال تاج الدين السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى»([152]): «قلت: الْحَامِل للذهبي على الوقيعة فِي التوحيدي مَعَ مَا يبطنه من بغض الصُّوفِيَّة هَذَانِ الكلامان، وَلم يثبت عِنْدِي إِلَى الْآن من حَال أبي حَيَّان مَا يُوجب الوقيعة فِيهِ، ووقفت على كثير من كَلَامه؛ فَلم أجد فِيهِ إِلَّا مَا يدل على أَنه كَانَ قويَّ النَّفس مزدريا بِأَهْل عصره، لَا يُوجب هَذَا الْقدر أَن ينَال مِنْهُ هَذَا النّيل.

وَسُئِلَ الشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد عَنهُ فَأجَاب بقريب مِمَّا أَقُول»؟ا.هـ

قلت: ومع أن أبا حيان ليس على منهج أهل السنة -كما يظهر مما سبق- لكن موضع الشاهد أن الحافظ الذهبي الذي قال فيه ما قال، ونقل كلام من طَحَنَه طَحْنًا، وعندما نقل كلام من مدحه؛ لم يتهمهم على الإسلام، ولا ذكرهم بسوء، وإن أخطأوا في إطلاق الثناء عليه.

فالمُعَدِّل أو المُجَرِّح يذكر ما بَلَغَه وعَلِمَهُ، فقد يكون من عدَّل أو جرَّح لا يعلم بما عند المُتَرجَم له، وقد يكون عالمًا بكلامه؛ لكن حَمَلَه على وجه سائغ -سواء أصاب في هذا الحَمْل أو أخطأ- وقد يرى المتكلِّمُ فيه بالمدح أن خطأه ينغمر في سعة ما عنده من صواب وحسنات… وغير ذلك من أسباب، وكل هذا يجعل الخلاف في الجرح والتعديل خلافا في أمر اجتهادي، وليس مقطوعًا به، فلذلك يَعذُر الأئمة والمتكلمون في الرجال بعضُهم بعضا، سواء من جهة العدالة والضبط، أو جهة السنة والبدعة، وإن خطّأ بعضهم بعضا فيما وقع فيه اختلاف، لكن دون تبديع بعضهم بعضًا، أما الغلاة في زماننا فتضيق صدورهم وعقولهم عن إدراك ذلك، ولذا فهؤلاء الغلاة اليوم يمتحنون الناس بمسائل غير مُجْمع عليها، وبموقفهم من أشخاص بأعيانهم جرحًا أو تعديلا، ثم ينسبون هذا الهراء إلى منهج السلف، وهذا تَقَوُّل وافتراء على منهج السلف الصالح!!!

انقسام الناس في ابن عربي الصوفي:

الناس في الحكم على ابن عربي أقسام ثلاثة:

القسم الأول: من نَصَّ على تكفيره؛ بناء على كلامه في كتابه (فصوص الحِكَم) وغيره، وسيأتي ذكر بعض ما فيه من الكفر الصُّراح، وممن صرَّح بتكفير ابن عربي: أبو حيان الأندلسي (745هـ) في «تفسيره»، وسعد الدين التفتازاني (792هـ)، وسراج الدين البلقيني (805هـ)، والعلامة ابن الجزري الشافعي (833هـ)، والحافظ السخاوي (902هـ)، والشيخ ملا علي القاري (1014هـ)، وغيرهم.

وقد حكم ابن المقري بكفر من شكَّ في كفر طائفة ابن عربي، وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: «لا شكَّ في اشتمال (الفصوص) المشهورة على الكفر الصريح الذي لا يُشكّ فيه، وكذلك (فتوحاته المكية)؛ فإن صحَّ صدور ذلك عنه، واستمر عليه إلى وفاته؛ فهو كافر مخلَّد في النار بلا شكٍّ».([153])

القسم الثاني: من يجعله من أكابر الأولياء، ومن جملة من يغالي فيه: الفيروزآبادي صاحب «القاموس» (817هـ)، وابن كمال باشا (940هـ)، وعبد الوهاب الشعراني (973هـ)، وعبد الرؤوف المناوي (1031هـ)، وإبراهيم بن حسن الكوراني (1101هـ)، والشيخ عبد الغني النابلسي (1143هـ). وهؤلاء انخدَعوا بما ظهر من بعض أحوال ابن عربي من الجوع والسهر والانعزال، مع ما في بعض كلامه من الحُسْن والفوائد، ومن وقف منهم على كلامه في (الفصوص) اجتهد في تأويله، وحَمَلَهُ على محامل بعيدة.

القسم الثالث: من اعتقد ولايته، وحرَّم النظر في كتبه؛ ومن هؤلاء: السيوطي (911هـ)، وابن العماد الحنبلي (1089هـ)، وابن عابدين (1252هـ). وهؤلاء لم يجدوا تأويلًا سائغًا لكلامه الدال على الكفر الصريح، فحرَّموا النظر في كتبه جملة؛ خشيةَ الافتتان به.([154])

قلت: وكما سبق التنبيه عليه كثيرًا: ما موقف العلماء الذين كَفَّروه وبدَّعوه ممن أحسنوا به الظن، مع أن التفاوت بينهما واسع الهُوَّة، أمَّا طوامُّه وبلاياه فلا خلاف فيها؟

وبالجواب السديد يتضح للمُنْصِف الفَرْقُ بين طريقة السلف، وطريقة مَنِ ادعى النسبة إليهم -فيما فارق فيه العلماء والعقلاء- في كيفية التعامل بين المختلفين في الجرح والتعديل، وأنت يا طالب العلم في مَفْرَق الطريق؛ فإما أن تلزم طريقة العلماء في النظر إلى الرجل من جميع جوانبه، فتقبل الحق الذي معه -وإن كان كافرًا أو مبتدعًا أو فاسقًا- وتَحْذَر بل وتُحَذِّر من الخطأ الذي عنده -وإن كان من علماء السنة- مع حِفْظ حُرمته وحشمته، وإما أن تَتْبع الغلاة المُحْدثين طريقةً وقواعدَ ما أنزل الله بها من سلطان؟ [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ] {البقرة:213} والله أعلم!!!

A

A

[23]

حَمْلُ المجمل على المفصَّل مِنْ كلامِ مَنْ بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-