تَبْصِيرُ الأَنَامِ بِتَصْحِيحِ الأَفْهَامِ
(سُؤَالٌ وَجَوَابٌ حَوْلَ مَسَائِلَ دَعوِيَّةٍ وَمَنْهَجِيَّةٍ)
1445هـ / 2023 م
رقم الإيداع:
الترقيم الدولي:
تَبْصِيرُ الأَنَامِ بِتَصْحِيحِ الأَفْهَامِ
(سُؤَالٌ وَجَوَابٌ حَوْلَ مَسَائِلَ دَعوِيَّةٍ وَمَنْهَجِيَّةٍ)
كَتَبَهُ
أَبُو الْحَسَنِ مُصْطَفَى بْنُ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَيْمَانِيُّ
غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ
المجلد الثاني
A
A
[21]ما حُكْم قَتْلُ المبتَدِع؟
(ما حُكْم قَتْلِ المبتَدِع؟)
- السؤال الحادي والعشرون: قرأنا كلامًا لبعض أهل العلم في جواز قَتْلِ المبتدع، فما رأيكم في هذا الكلام؟ وهل هذا على إطلاقه في كل مبتدع؟
الجواب:
أولًا: درجات المبتدعة:
إن أهل الأهواء والبدع ليسوا سواء، فمنهم الجاهِلُ المُقَلِّدُ، ومنهم المعْرِضُ عن طلب الحق والهدى، المنشغلُ بدنياه، ومنهم من تبين له الحق، ولكنه تركه تقليدا وتعصبا، أو بغضا له، ومعاداة لأصحابه، ومنهم الداعي إلى بدعته، ومنهم المستتر بها، ومنهم الموالِي والمعادِي عليها، ومنهم من ليس كذلك، بل منهم المعاقِب: سجْنًا، وضربًا، وتعذيبًا، وقَطْعَ أرزاقٍ للمخالف له، وتضْييع حقوق، بل ومنهم من يقتل المخالف.
ومنهم المبتدع بدعة كبرى، مخالفة لما أُجْمع عليه عند أهل السنة، بل منهم المخالِف ببدعة مُكَفِّرة، ومنهم المخالف ببدعة دون ذلك، ومنهم من أصوله سنية، لكن زلَّ في بدعة تقليدًا أو اجتهادًا، ومنهم دون ذلك.
والتسوية بين هذه الأنواع وغيرها لا يَسُوغ في عقل ولا شرع، حيث إنه مما لا شك فيه: أن الجاهل المقلد أخف حالا من المعرض عن طلب الحق، وكلاهما أقل مفسدة وأخف ضررا من الذي يدعو إلى بدعته وينشرها، ويفتن الناس بها، ويُلَبِّس عليهم دينهم؛ فإن الدعوة إلى المقالة المُبْتَدَعة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعوة إليها، والعقوبة بالقتل أعظم من العقوبة بالضرب، وهذا أمر يدركه العقلاء من الناس جميعا: أن المفاسد والبدع تتفاوت إلى درجات مختلفة.
وعلى أساس هذا التفاوت ينبني الموقف النظري والعملي لأهل السنة والجماعة من أهل البدع والأهواء على اختلاف فِرَقِهِم وطوائفهم.
قال الإمام ابن القيم : «فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، الْمُوَافِقُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُمْ مُخَالِفُونَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ – كَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَغُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ وَنَحْوِهِمْ.
فَهَؤُلَاءِ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا: الْجَاهِلُ الْمُقَلِّدُ، الَّذِي لَا بَصِيرَةَ لَهُ؛ فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى تَعَلُّمِ الْهُدَى، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُتَمَكِّنُ مِنْ السُّؤَالِ وَطَلَبِ الْهِدَايَةِ، وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَلَكِنْ يَتْرُكُ ذَلِكَ اشْتِغَالًا بِدُنْيَاهُ وَرِيَاسَتِهِ، وَلَذَّتِهِ وَمَعَاشِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا مُفَرِّطٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ، آثِمٌ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنْ تَارِكِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ: فَإِنْ غَلَبَ مَا فِيهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْهَوَى عَلَى مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهُدَى؛ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ غَلَبَ مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهُدَى؛ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْأَلَ وَيَطْلُبَ، وَيَتَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، وَيَتْرُكَهُ تَقْلِيدًا وَتَعَصُّبًا، أَوْ بُغْضًا أَوْ مُعَادَاةً لِأَصْحَابِهِ؛ فَهَذَا أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ: أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا، وَتَكْفِيرُهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ وَتَفْصِيلٍ، فَإِنْ كَانَ مُعْلِنًا دَاعِيَةً؛ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَفَتَاوِيهِ وَأَحْكَامُهُ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ تُقْبَلْ لَهُ شَهَادَةٌ، وَلَا فَتْوَى، وَلَا حُكْمٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، كَحَالِ غَلَبَةِ هَؤُلَاءِ وَاسْتِيلَائِهِمْ، وَكَوْنِ الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ وَالشُّهُودِ مِنْهُمْ؛ فَفِي رَدِّ شَهَادَتِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ إذْ ذَاكَ فَسَادٌ كَثِيرٌ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ فَتُقْبَلُ لِلضَّرُورَةِ». اهـ([1])
ثانيًا: تَنَوُّع مواقف السلف تجاه أهل البدع بتنوع درجاتهم:
وبناء على التقسيم السابق؛ فقد تنوعت وتعددت مواقف السلف مع أهل البدع، فمن ذلك:
الأول: دعوتُهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والتلطف والترفق في ردهم إلى الجادة وحظيرة السنة.
الثاني: مناظرتُهم وإقامةُ الحجة عليهم، وعلى هذا يُحمل فعلُ ابن عباس -رضي الله عنهما- مع الخوارج بأمر من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه -.([2])
الثالث: النهي عن مناظرتهم ومجالستهم، بل يُشْرع هجرهم، وترك السماع منهم، حيث لم تكن في مجالستهم مصلحة، أو تحقَّقَتْ أو غَلَبَتْ المضرة، وعليه يُحمل تحذير السلف من مجالسة أهل البدع والأهواء، ويُحْمل تحذير السلف -أيضًا- على أن المسؤول عَرَفَ حال السائل أو المسؤول عنه، وإعراضه عن قبول الحق الذي بلغه.
الرابع: قَطْعُ شَرِّهم، ودَفْعُ باطلهم بكل ما يتحقق به من أنواع التعزير بالحبس والضرب والنفي، ونحو ذلك، وهذا لقطع شرهم، ودفع فتنتهم، وهذا يكون لإمام المسلمين ومن له ولاية بذلك، وعلى هذا يتنزل موقف أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- مع صُبَيْغ بن عِسْل، أما أن يباشر هذا أحد المسلمين، أو طائفة معيَّنة دون إِذْنٍ من وَلِيِّ الأمر؛ فهذه فتنة في الدنيا والآخرة!!
الخامس: قتالهم ومحاربتهم إذا كانوا جماعةً لهم قوة وشوكة، كما فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- مع من بقي من الخوارج بغير توبة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وكذلك علي – رضي الله عنه – بعث ابن عباس إلى الخوارج، فناظرهم، ثم رجع نِصْفُهم، ثم قاتل الباقين». اهـ([3])
ثالثًا: والسؤال هنا: هل يجوز أن يَصِلَ تعزيرُ الإمام للمبتدع إلى حَدِّ القتل؟
قال بعض العلماء: يجوز قَتْلُ المبتدع تعزيرًا له ولغيره إذا لم تندفع مفسدته إلا بالقتل، كما فعل الأئمة والأمراء مع غيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، والحسين الحلاج، فهؤلاء ذهب أهل العلم في زمنهم إلى قتلهم، وذلك لدفع المفسدة والضرر الذي وُجِدَ بسبب دعوة هؤلاء المنحرفة، وهي دعوات كلها خارجة عن دين النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «وَجَوَّزَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: قَتْلَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَقَالُوا: إنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ قَتْلَ الْقَدَرِيَّةِ؛ لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؛ لَا لِأَجْلِ الرِّدَّةِ… وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ مَتَى لَمْ يَنْقَطِعْ شَرُّهُ إلَّا بِقَتْلِهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ عرفجة الأشجعي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ؛ فَاقْتُلُوهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ؛ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ». اهـ([4])
وقال أيضًا : «هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْقَتْلَ، مِثْلَ قَتْلِ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ؟»
ثم قال : «فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَدْ يَبْلُغُ بِهِ الْقَتْلَ، فَيَجُوزُ قَتْلُ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ إذَا قُصِدَ الْمَصْلَحَةُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَد، كَابْنِ عَقِيلٍ، وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي قَتْلِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ، وَمَنْ لَا يَزُولُ فَسَادُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: قَتْلُ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ: كَالْقَدَرِيَّةِ، وَنَحْوِهِمْ.
والْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْجَاسُوسُ، وَهُوَ مُذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد». اهـ([5])
وقال أيضًا : «الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ مُسْتَحِقٌّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَعُقُوبَتُهُ تَكُونُ تَارَةً بِالْقَتْلِ، وَتَارَةً بِمَا دُونَهُ، كَمَا قَتَلَ السَّلَفُ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ، وَالْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ، وَغَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ، وَغَيْرَهُمْ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، أَوْ لَا يُمْكِنُ عُقُوبَتُهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ بِدْعَتِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا، فَإِنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
والْبِدْعَةُ الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ، وَالرَّوَافِضِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُرْجِئَةِ». اهـ([6])
قلت: فتأمل هذا البيان؛ حتى لا يَدَّعِي جاهلٌ وجوبَ قَتْل كل من وقع في بدعة، ليست من البدع الكبرى، المتَّفَق -عند علماء السنة- على عَدِّ أهلها من أهل الأهواء والبدع المارقين عن السنة!!
وقال : «إذا أراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته؛ فإنه يجب مَنْعُهُ من ذلك، فإذا هُجِرَ وعُزِّرَ، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بصُبِيغ بن عِسْل التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قُتِلَ، كما قَتَلَ المسلمون الجعدَ بن درهم، وغيلانَ القدري وغيرهما -؛ كان ذلك هو المصلحةَ، بخلاف ما إذا تُرِكَ داعيًا، وهو لا يَقْبَلُ الحق: إما لهواه، وإما لفساد إدراكه؛ فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضررٌ عليه وعلى المسلمين.
والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه، وناظروه، وبينوا له الحق، كما فعل عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- واستتابه، ثم نكث التوبة بعد ذلك؛ فقتلوه.
وكذلك علي – رضي الله عنه – بعث ابن عباس إلى الخوارج، فناظرهم، ثم رجع نِصْفُهم، ثم قاتل الباقين.
والمقصود: أن الحق إذا ظَهَرَ وعُرِفَ، وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس، قُوبل بالعقوبة». اهـ([7])
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: «وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَعُقُوبَةُ الدُّنْيَا غَيْرُ مُسْتَلْزَمَةٍ لِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ وَلَا بِالْعَكْسِ، وَلِهَذَا أَكْثَرُ السَّلَفِ يَأْمُرُونَ بِقَتْلِ الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ الَّذِي يُضِلُّ النَّاسَ لِأَجْلِ إفْسَادِهِ فِي الدِّينِ سَوَاءً قَالُوا: هُوَ كَافِرٌ أَوْ لَيْسَ بِكَافِرِ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا؛ فَتَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ – بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ – لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا كُفْرٌ». اهـ([8])
وقال الإمام ابن القيم : «هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِالتَّعْزِيرِ الْقَتْلَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: «يَجُوزُ، كَقَتْلِ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ، إذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ قَتْلَهُ»، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ نَحْوَ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدْعَةِ، كَالتَّجَهُّمِ، وَالرَّفْضِ، وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ. وَقَدْ قَتَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَتِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ». اهـ([9])
رابعًا: أدلة القائلين بمشروعية قتل المبتدع إذا تحققت الشروط:
1 – عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ».([10])
قال الحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث: «وَأَمَّا تَرْكُ الدِّينِ وَمُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ، فَمَعْنَاهُ: الِارْتِدَادُ عَنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَلَوْ سَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُقِرٌّ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ أُبِيحَ دَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ بِذَلِكَ دِينَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَهَانَ بِالْمُصْحَفِ، وَأَلْقَاهُ فِي الْقَاذُورَاتِ، أَوْ جَحَدَ مَا يُعْلَمُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَالصَّلَاةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُخْرِجُ مِنَ الدِّينِ.
وَهَلْ يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ؟ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ بِالْكُلِّيَّةِ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَآهُ خُرُوجًا عَنِ الدِّينِ؛ كَانَ عِنْدَهُ كَتَرْكِ الشَّهَادَتَيْنِ وَإِنْكَارِهِمَا، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ خُرُوجًا عَنِ الدِّينِ؛ فَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَلْحَقُ بِتَارِكِ الدِّينِ فِي الْقَتْلِ، لِكَوْنِهِ تَرَكَ أَحَدَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ، أَمْ لَا؟ لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الدِّينِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: مَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَتْلِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْبِدَعِ؛ فَإِنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ شَبِيهٌ بِالْخُرُوجِ عَنِ الدِّينِ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ وَوَسِيلَةٌ إِلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَخْفَى بِذَلِكَ، وَلَمْ يَدْعُ غَيْرَهُ؛ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُنَافِقِينَ إِذَا اسْتَخْفَوْا، وَإِذَا دَعَا إِلَى ذَلِكَ؛ تَغَلَّظَ جُرْمُهُ بِإِفْسَادِ دِينِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْأَمْرُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَقَتْلِهِمْ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهِمْ:
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمْ كُفَّارٌ؛ فَيَكُونُ قَتْلُهُمْ لِكُفْرِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُقْتَلُونَ لِفَسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ، بِسَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَكْفِيرِهِمْ لَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَجَازُوا الِابْتِدَاءَ بِقِتَالِهِمْ، وَالْإِجْهَازَ عَلَى جَرِيحِهِمْ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ دَعَوْا إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ؛ قُوتِلُوا، وَإِنْ أَظْهَرُوهُ وَلَمْ يَدْعُوا إِلَيْهِ؛ لَمْ يُقَاتَلُوا، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى قِتَالِ مَنْ دَعَا إِلَى بِدْعَةٍ مُغَلَّظَةٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ الْبَدَاءَةَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَبْدَءُوا بِقِتَالٍ يُبِيحُ قِتَالَهُمْ، مِنْ سَفْكِ دِمَاءٍ وَنَحْوِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ بِقَتْلِ رَجُلٍ كَانَ يُصَلِّي، وَقَالَ: «لَوْ قُتِلَ؛ لَكَانَ أَوَّلَ فِتْنَةٍ وَآخِرَهَا»([11])، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْ قُتِلَ؛ لَمْ يَخْتَلِفْ رَجُلَانِ مِنْ أُمَّتِي حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ» خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
فَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى قَتْلِ الْمُبْتَدِعِ إِذَا كَانَ قَتْلُهُ يَكُفُّ شَرَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْسِمُ مَادَّةَ الْفِتَنِ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ جَوَازَ قَتْلِ الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَةِ.
فَرَجَعَتْ نُصُوصُ الْقَتْلِ كُلُّهَا إِلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِهَذَا التَّقْدِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ». اهـ([12])
وقال النووي في «شرحه»: «وَأَمَّا قَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُرْتَدٍّ عَنِ الْإِسْلَامِ بِأَيِّ رِدَّةٍ كَانَتْ، فَيَجِبُ قَتْلُهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَيَتَنَاوَلُ أيضًا كُلَّ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِبِدْعَةٍ، أو بَغْيٍ، أو غيرهما، وَكَذَا الْخَوَارِجُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ». اهـ([13])
قال الحافظ ابن حجر – بعد أن نقل كلام النووي -: «… كذا قال، وسيأتي البحث فيه.
قال الحافظ : وقال القرطبي في «المفهم»: «ظاهر قوله: «المفارق للجماعة» أنه نَعْتٌ للتارك لدينه؛ لأنه إذا ارتد؛ فارق جماعة المسلمين، غير أنه يلتحق به كل من خرج عن جماعة المسلمين، وإن لم يرتد، كمن يمتنع من إقامة الحد عليه إذا وجب، ويقاتِلُ على ذلك: كأهل البغي، وقُطَّاع الطريق، والمحاربين من الخوارج، وغيرهم، قال: فيتناولهم لفظ «المفارق للجماعة» بطريق العموم، ولو لم يكن كذلك؛ لم يَصِحَّ الحصر؛ لأنه يلزم أن يَنْفِيَ مَنْ ذُكِرَ، ودمُهُ حلال، فلا يصح الحصر، وكلام الشارع مُنَزَّهٌ عن ذلك، فدل على أن وصف المفارقة للجماعة يعم جميع هؤلاء، قال: وتحقيقه: أن كل من فارق الجماعة؛ ترك دينه، غير أن المرتد ترك كُلَّه، والمفارِقَ بغير رِدَّة؛ تركَ بَعْضَهُ». انتهى.
قال الحافظ : وفيه مناقشة؛ لأن أصل الخصلة الثالثة: الارتداد، فلا بد من وجوده، والمفارِق بغير ردة لا يُسَمَّى مرتدا، فيلزم الخُلْفُ في الحصر، والتحقيق في جواب ذلك: أن الحصر فيمن يجب قتله عينا، وأما من ذَكَرَهُم؛ فإن قَتْلَ الواحد منهم إنما يُبَاح إذا وقع حال المحاربة والمقاتلة، بدليل أنه لو أُسِرَ لم يَجُزْ قَتْلُهُ صَبْرا: اتفاقا في غير المحاربين، وعلى الراجح في المحاربين أيضًا؛ لكن يَرِدُ على ذلك قَتْلُ تارك الصلاة…». اهـ([14])
وقال أيضًا : «وحكى ابن التين عن الداودي: أن هذا الحديث منسوخ بآية المحاربة: [ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ] {المائدة:32}، قال: فأباح القتل بمجرد الفساد في الأرض، قال: وقد وَرَدَ في القتل بغير الثلاث أشياء، منها قوله تعالى: [ﮦ ﮧ ﮨ ] {الحجرات:9}، وحديث: «من وجدتموه يعمل عَمَلَ قوم لوط؛ فاقتلوه»، وحديث: «من أتى بهيمة؛ فاقتلوه»، وحديث: «من خرج وأَمْرُ الناسِ جَمْعٌ، يريد تَفَرُّقَهُم؛ فاقتلوه»، وقولُ عمر: «تغرة أن يُقْتَلا»، وقولُ جماعة من الأئمة: إن تاب أهل القدر؛ وإلا قُتِلُوا، وقول جماعة من الأئمة: يُضْرَبُ المبتدعُ حتى يرجع أو يموت، وقولُ جماعة من الأئمة: يُقْتَلُ تارك الصلاة.
قال: وهذا كله زائد على الثلاث.
قلت -أي الحافظ -: وزاد غيره: قَتْلَ مَنْ طَلَبَ أَخْذَ مالِ إنسان أو حريمه بغير حق، ومانعَ الزكاة المفروضة، ومن ارتد ولم يفارق الجماعة، ومن خالف الإجماع، وأظهر الشقاق والخلاف، والزنديق إذا تاب على رأي، والساحر.
والجواب عن ذلك كله: أن الأكثر في المحاربة: أنه إن قَتَلَ؛ قُتِلَ، وبأن حكم الآية في الباغي أن يُقَاتَلَ، لا أن يُقْصَد إلى قَتْلِهِ، وبأن الخبرين في اللواط وإتيان البهيمة لم يصحا، وعلى تقدير الصحة؛ فهما داخلان في الزنا، وحديث الخارج عن المسلمين تقدم تأويله، بأن المراد بقتله حَبْسُهُ ومَنْعُهُ من الخروج، وأثر عمر من هذا القبيل، والقول في القدرية وسائر المبتدعة مُفَرَّعٌ على القول بتكفيرهم، وبأن قتل تارك الصلاة عند من لا يُكَفِّره مختلف فيه، كما تقدم إيضاحه، وأما من طلب المال أو الحريم؛ فمِنْ حُكْم دَفْعِ الصائل، ومانع الزكاة تقدم جوابه، ومخالفُ الإجماع داخلٌ في مفارق الجماعة، وقَتْلُ الزنديق لاستصحاب حُكْمِ كُفْرِهِ، وكذا الساحر، والعلم عند الله تعالى». اهـ([15])
2 – أن هذا مبنيٌّ على جواز التعزير بالقتل إذا اقتضت المصلحة ذلك.
ومن ذلك: حديث مُعَاوِيَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ؛ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ؛ فَاقْتُلُوهُ».([16])
قال محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري الهندي في شرحه: «الحديث صحيح، وقالوا: ليس عليه عمل أحد من الأربعة، وقال السيوطي في «قوت المغتدي»: إني أقول به، وإن لم يَعْمَلْ به أحد من الأئمة، أقول: الحديث معمول به عندنا، أي الأحناف، ونَحْمِلُه على التعزير، ويجوز القتل عندنا تعزيرًا، كما يجوز قتل المبتدع تعزيرًا». اهـ([17])
3 – أَمْرُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقتل الخوارج.([18])
* عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؛ فَإِنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ؛ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ».([19])
* وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنهما- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- قَالَ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ، وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ؛ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: «التَّحْلِيقُ».([20])
* وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ؛ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».([21])
* وعن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ، مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- لَاتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ» فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ؟! وَاللهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا، حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ، وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا، فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ، وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ، فَقَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ، فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلِلَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-؟ فَقَالَ: إِي، وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ».([22])
4 – وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ مَتَى لَمْ يَنْقَطِعْ شَرُّهُ إلَّا بِقَتْلِهِ؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ عرفجة الأشجعي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ؛ فَاقْتُلُوهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ؛ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ». اهـ([23])
5 – وقال عُمَرُ لصُبيغِ بنِ عِسْلٍ: لو وَجدْتُكَ مَحلوقًا؛ لضرَبْتُ الذي فيه عَيناكَ..
وقد أورد القصة الآجري بسند صحيح من طريق السائب بن يزيد قال: «أُتِيَ عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهم أَمْكِنِّي منه.
قال: فبينا عمر ذات يوم يُغَدِّي الناس، إذ جاءه رجل عليه ثياب وعمامة يتغدى، حتى إذا فرغ؛ قال: يا أمير المؤمنين [ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ] {الذاريات:1، 2}، فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه، فَحَسَرَ عن ذراعيه؛ فلم يَزَلْ يَجْلِدُه؛ حتى سَقَطَتْ عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده، لو وجدتك محلوقا؛ لضربْتُ رأسك، ألبسوه ثيابه، واحملوه على قتب، ثم أخرجوه حتى تَقْدُمُوا به بلاده، ثم لِيَقُمْ خطيبا، ثم لِيَقُلْ: إن صبيغًا طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك، وكان سيد قومه».([24])
6 – ولأنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ – رضي الله عنه – طلَبَ أنْ يَقتُلَ عبدَ اللهِ ابنَ سَبأٍ أولَ الرافضةِ، حتى هرَبَ منه.([25])
7 – ولأنَّ هؤلاء من أعظَمِ المُفسدِينَ في الأرضِ، فإذا لم يَندَفِعْ فَسادُهم إلَّا بالقَتلِ؛ قُتِلوا.([26])
8 – والاستدلال بقياسِ الأَوْلى:
وصورةُ هذا القياسِ: أنَّ الشريعةَ أباحَتْ دمَ المُسلِمِ المَعصومِ بأُمورٍ عديدةٍ، تَرجِعُ إلى الفَسادِ في الأموالِ والمَصالِحِ الدُّنيويةِ، والمُبتَدِعُ الذي يَتبنَّى بِدعةً كُبرى غاليةً، ويَدْعو إليها؛ يُؤدِّي إلى إحداثِ ضَررٍ كَبيرٍ في دِينِ الناسِ، والدِّينُ أعظَمُ من المصالِحِ الدُّنيويةِ، فإباحةُ قتلِه -إذا لم يندفع شرُّه إلا بهذا- من بابِ أَوْلى.
والأصلُ المَقيسُ عليه في هذا القياسِ أصلٌ كُليٌّ قَطعيٌّ، كما جاء في قَتلِ الزاني المُحصَنِ، وقَتلِ المُفارِقِ للجَماعةِ، الشاقِّ لعَصا الطاعةِ، وقَتلِ الصائلِ، وقَتلِ المحارِبِ، وقَتلِ الخَوارِجِ، وقَتلِ الساحِرِ، وقَتلِ مَن أتى ذاتَ محرم، وقَتلِ تارِكِ الصلاةِ وغَيرِهم.
والعِلةُ في إباحةِ الدمِ في هذه الأمورِ تَحَقُّقُ الفسادِ في دِينِ الناسِ ودُنياهم، وهذه العِلةُ مُتحَقِّقةٌ بصورةٍ أكبرَ في صاحِبِ البِدعةِ الكُبرى الغاليةِ، الذي يَسعى إلى الدعوةِ لبِدعَتِه، فإباحةُ دَمِه بناءً على ما سبَقَ تكونُ من بابِ الأَوْلى إذا لم يندفع شرُّه إلا بهذا.
وهذا الأصلُ القَطعيُّ كان مُعتَمَدَ عددٍ من العُلماءِ في الإفتاءِ بالقَتلِ في أُمورٍ لم تَرِدْ في النصِّ الشرعيِّ، ومِن تِلك الأمورِ: الإفتاءُ بقَتلِ فاعلِ اللِّواطِ، ومن هذه الأُمورِ: الإفْتاءُ بقَتلِ الجاسوسِ، ومن تلك الأمورِ: الإفْتاءُ بقَتلِ شارِبِ الخَمرِ في المرَّةِ الخامِسةِ، فهذه القَضايا أفْتى فيها عددٌ من العلماءِ بالقَتلِ، قياسًا على ذلك الأصلِ الكُليِّ.
وهذه التَّقريراتُ مِن شيخ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ تدُلُّ على أنَّه لا يَعتَمِدُ على قِصَّةِ عُمَرَ معَ صَبيغٍ فقطْ، ولا على مَوقِفِ عَليٍّ من السبَئيَّةِ فقطْ؛ وإنَّما يَنطَلِقُ من أصلٍ كليٍّ في الشريعةِ، وهو أنَّ الشرعَ جاء فيه إباحةُ دمِ المُسلِمِ؛ لأجْلِ أُمورٍ تَتعلَّقُ بالشؤونِ الدُّنيويةِ، فما يَتعلَّقُ بالدِّينِ يكونُ من بابِ أَوْلى، كما سيَأتي بيانُه.
والمُلاحَظُ أنَّ عددًا من المُعاصِرينَ لم يَهتَمَّ بتَحريرِ وتَعيينِ الأدلةِ الشرعيةِ التي استُنبِطَ منها ذلك المَناطُ المُركَّبُ، ولأجْلِ هذا أخَذَ بعضُهم يقولُ: إنَّ دَليلَ هذا القولِ ضعيفٌ؛ لأنَّه مَبنيٌّ على الاستدلالِ بفِعلِ الحجَّاجِ أو هِشامِ بنِ عبدِ المَلِكِ، أو مَبنيٌّ على كَونِ أكثَرِ السلَفِ قال به.
9 – ما ورد من وقوع ذلك في وقائع متعددة بعد عصر الصحابة.
كما فعل الأئمة والأمراء مع غيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، والحسين الحلاج، فهؤلاء ذهب أهل العلم في زمنهم إلى أن يُقْتَلُوا، وأقيم عليهم ذلك -أعني القتل- وذلك بسبب دفع المفسدة أو الضرر الذي وُجِدَ بسبب دعوة هؤلاء المنحرفة.([27])
وفي هذا يقولُ ابنُ عابدينَ من الحنفيةِ: «والمُبتدِعُ لو له دَلالةٌ ودَعوةٌ للناسِ إلى بِدعتِه، ويُتوَهَّمُ منه أنْ يَنشُرَ البِدعةَ، وإنْ لم يُحكَمْ بكُفرِه؛ جازَ للسلطانِ قَتلُه سياسةً وزَجرًا؛ لأنَّ فَسادَه أعلى وأعَمَّ حيثُ يؤثِّرُ في الدِّينِ». اهـ([28])
على أن بعض هؤلاء قُتل على الزندقة أو الكفر.
قال شيخ الإسلام : «الحلاجُ قُتل على الزندقة التي ثبتت عليه بإقراره وبغير إقراره، والأمر الذي ثبت عليه بما يوجب القتل باتفاق المسلمين». اهـ([29])
وقال الحافظ ابن حجر : «وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها: أنه جعل في قارورة ترابًا وماءً، فاستحال دودًا وهوامًا، فقال: أنا خَلَقْتُ هذا؛ لأني كنتُ سبب كونه، فبلغ ذلك جعفر بن محمد، فقال: فليقل كَمْ هو؟ وكَم الذكران منه والإناث إن كان؟ وليَأْمُر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره، فبلغه ذلك فرجع».([30])
خامسًا: ما هو السبب الدافع لقتل من قُتل من المبتدعة؟
شاعَ في التاريخِ الإسلاميِّ أنَّ عددًا من غُلاةِ المُبتَدِعةِ قُتِلوا؛ كمَعبَدٍ الجُهَنيِّ، وغَيْلانَ الدِّمَشقيِّ، والجَهمِ بنِ صَفْوانَ، والجَعدِ بنِ دِرهَمٍ، وغَيرِهم، ولا شك أنَّ المَناطَ في قَتلِ القَدَريةِ كان الابتداعَ في الدِّينِ، ولكن هل مجرد الحكم عليه بالبدعة يبيح قتله؟
نقول: لا بد في قتله من اجتماع عدة أمور:
الأولُ: حُصولُ الضرَرِ العظيم في الدِّين بسَببِ البِدعةِ، وذلك بأن يكون المبتدع داعية إلى بدعته، ويسعى في نشرها، وأقيمت عليه الحجة من العلماء والأمراء المتأهلين، ولكنه عاند وكابر، بعد ظهور الحق له، وإزالة شبهاته، وانقطاع عُذْره، وظهور تلاعبه، فإن كان غير داعية؛ فإنه لا يُقْتَل.
والثاني: انحصارُ دَفعِ الضرَرِ في القتلِ فقطْ، فإن أمكن دفع ضرره في نفسه وغيره بدون القَتْل كالضرب والحَبْس والهَجْر… إلخ؛ فلا يُقْتَل.
والثالث: أن تكون البدعة مغلظة، أي من البدع الكبرى، المصادمة لمحكمات الأدلة، وإجماع علماء السنة بلا تردُّد، فإن كانت غير ذلك من البدع المخففة: كبعض صُور الإرجاء، أو التشيع لتفضيل علِيّ على عثمان
-رضي الله عنهما- أو على الشيخين، دون تفسيق أو تكفير، وإنكاره على من غلا في التشيع… ونحو ذلك من بدع؛ فلا يستباح دمه.
والرابع: أن يكون هذا المبتدع منطلقًا من الزندقة أو البدع الكبرى المخالفة لإجماع أهل السنة، أما العالم السُّني، الذي له قَدَم صِدْقٍ في نُصْرة الإسلام وأهل الحديث، إذا اجتهد في مسألة، فوافق فيها قول أهل البدع، وخالف أهل السنة، ولكنه متأول، وانحرف لشبهات عقلية كلامية أو نقْلية علقَتْ بذهنه؛ فلا يُقْتَل، وإن كان داعية، كما دعا أبو ذر الهروي في الحرم لقول الباقلاني الأشعري – جميعًا-.
والخامس: أن الذي يتولَّى القتل وليُّ أمر المسلمين، بعد استشارة كبار علماء السنة وقضاتهم، ويكون ذلك بحُكْم القاضي الممكَّن من وليّ الأمر، وليس الأمر كَلَأً مباحًا لكل أحد، جاهلًا كان، أو غاليًا مُفْرِطًا في تجريح الناس.
والسادس: يظهر من ضرورة العلم بأن مسألة قَتْل المبتدع قد ضيَّق فيها علماء السنة جدًّا، فكم عدد المبتدعة في الأمة في عهد السلف، ودُوَل الإسلام، إلى زماننا هذا؟ وكم عدد الدعاة الذين قتلهم الولاة، وأفتاهم بذلك كبار علماء السنة، وقضى به قضاة الإسلام؟ لا شك أنه شيء لا يَكَاد يُذْكَر، ولذلك فهذا باب ضيِّقٌ جدًّا، لا يوسِّعُه إلا أهل الأهواء والبدع.
أما الجهلة والمتهورون في زماننا، فيستغلون ذلك، وتطيش سيوفهم في أهل السنة والتقوى برغم أنهم مبتدعة، وأن السلف قتلوا الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، ونحوهما، وهؤلاء يَسْعَوْن إلى قتل مشاهير أهل السنة؛ لكونهم خالفوا زيغهم، ويزعمون أنهم مبتدعة لمخالفتهم ما عليه حزبُهم وشيخهم، ثم يستدلون بأنهم اتبعوا السلف، الذين قتلوا الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم ونحوهما، فيالله العَجَب، والله المستعان!!!
سادسًا: إيراد أقوال بعض أهل العلم ممن أطلق المنع من قتل المبتدع:
وممن ذهب إلى المنع من ذلك الإمام الغزالي حيث قال: «وعلى هذا يُخَرَّجُ المنع من قتل المبتدع؛ فإن البدع تَجْرِي كلُّها من الكفر مَجْرَى الأجزاء من الكُل؛ فلا تبلغ مبلغها في العقوبة، كيف: وإنما شُرِعَ القتل لمصلحة؛ والمصلحة في الحاجة إلى القتل، والحاجة إليه إذا لم يحصل الغرض بمساودته؛ ومقصود الزجر حاصل بالتعزيرات المشروعة، إذا أحسن الولاة في وضعها مواضعها؛ وذلك: بنصب المراقبين في الخُفْيَة على المبتدع، بعد زَجْره بجلدات النكال، وصَبِّ سياط التعزير عليه، فإن عاود دعوته وبدعته؛ عاود الإمام عقوبته؛ ولا يزال يفعل كذلك؛ فتزيد مجموع الضربات – الواقعة في كَرَّاتٍ – على مبالغ الحدود؛ وذلك لا مانع منه، فإن عسر عليه ذلك؛ فالحبس نوع من التعزيز – فيه متسع ولا منتهى له؛ وفيه الكف عن كل فساد وعادية في المستقبل – إلى أن تتبين مخايل الرشد.
ففي موضوعات الشرع – فيما تعرضت له النصوص – غُنْيَةٌ ومندوحة عن كل وجه مخترع بالمصالح؛ وإنما يَظُنُّ الحاجةَ إلى غير المشروع من لم يطلع على وجوه لُطْف الشرع ومحاسنه، فالتعزير مشروع، والحبس إلى غير منتهى في التعزير مشروع، وفي الحبس الدائم، ومعاودة التعزيرات حالا بعد حال – ما يتضمن الزجر عن كل خبال وضلال.
فتبين بهذا المثال: أنا ما دمنا نجد في المشروعات غُنْية، نكتفي بها، وندور عليها؛ فلا نتعداها بالمصلحة المتخيلة إلى ما عداها، بل نعلم أن مراسم الشرع – فيما أحاطت به – حاوية لجميع المصالح ومغزاها». اهـ([31])
وقال ابن مفلح ([32]): «فصل (في حظر حبس أهل البدع لبدعتهم): قال المرُّوذي: سألت أبا عبد الله عن قوم من أهل البدع يتعرضون ويُكَفِّرون، قال: لا تتعرضوا لهم، قلت: وأي شيء تكره من أن يحبسوا؟ قال: لهم والدات وأخوات، قلت: فإنهم قد حبسوا رجلا وظلموه، وقد سألوني أن أتكلم في أمره حتى يخرج، فقال: إن كان يحبس منهم أحد؛ فلا، ثم قال أبو عبد الله: هذا جارنا، حبس ذلك الرجل، فمات في السجن، وأظن أنه قال غير مرة: كيف حكى أبو بكر بن خلاد؟ فقلت له: قال: كنت عند ابن عيينة قاعدا، فجاء الفضيل، فقال: لا تجالسوه ــ يعني لابن عيينة ــ تحبس رجلًا في السجن؟ ما يؤمنك أن يقع السجن عليه؟ قُمْ فَأَخْرِجْه، فعَجِبَ أبو عبد الله، وجعل يستحسنه». اهـ
وقال الشيخ مقبل : «جوابًا على السؤال التالي: «السائل: هل صاحب البدعة يُقتل؟
الشيخ مقبل : صاحب البدعة يا إخوان، البدع تختلف، منهم من بدعته مكفِّرة، فهذا إلى الحاكم واجب عليه أن يستتيبه، فإن تاب وإلّا قتله، ومنهم من بدعته غير مكفِّرة، فهذا يكفي أن يُهجر، وأن يحذّر منه، ويموت في الدنيا وهو يمشي، والله المستعان، ولا نوافق من قال: إن المبتدع يُقتل، بل نُنكر عليه والله المستعان». من شريط موجود في موقع «علماء ومشائخ الدعوة السلفية في اليمن».
قلت: لا تعارض بين ما قرَّره هؤلاء العلماء وبين ما قرَّرْتُه سابقًا، ونقَلْتُه عن العلماء؛ إذ الذين ذهبوا إلى قتله لم يطلقوا هذا في كل مبتدع أولًا، وثانيًا أنهم اشترطوا أن لا يندفع شرُّه بأي سبيل آخر غير القتل، فإذا أمكن ردعه، أو الحيلولة بينه وبين الناس بالتعزير، أو الحبس الدائم، أو الطرد، أو الهجر؛ فلا يُلْتَجَأ إلى القتل.
ويفسِّر هذا عمليًّا: أن المبتدعة ما أكثرهم في الأمة -هداهم الله، وإلا فلا كثَّرهم الله- ومع ذلك لم يُقْتَل إلا العدد القليل، الذي لا يكاد يتجاوز أصابع اليد أو اليدين -حسب علمي- مما يدل على أن العلماء والأمراء يغلِّبون مسلك التعزير والحبس والهجر… إلخ، قبل الحاجة إلى ولوج باب السعي في قتلهم، وإن أَفْتَوْا في مطلق كلامهم بذلك، والله أعلم.
سابعًا: مناقشة بعض المُفَكِّرين المعاصرين:
1 – استدل بعضهم بمَوقِفِ ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- من القَدَريَّةِ.
فعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ – أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ – فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ ابْنُ عُمَرَ، «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ».([33])
قالوا: فإنَّه -رضي الله عنه- أنكَرَ قولَهم، ولم يُطالِبْ بَقتلهم، أو مُلاحَقَتِهم، فمَوقِفُه هذا دالٌّ على أنَّه يَرى أنَّ المُخالِفَ لا يُعاقَبُ على مُخالَفَتِه، وهذا يدُلُّ على التسامُحِ العِقابيِّ!!
والجواب:
1 – ظاهرُ فَتوَى ابنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّه يَرى كُفرَ القَدَريةِ الأُولى؛ لأنَّه بيَّنَ أنَّ اللهَ لا يَقبَلُ منهم عَمَلَهُم حتَّى يُؤمِنوا بالقَدَرِ، واستدَلَّ بحَديثِ جِبريلَ الطويلِ؛ ليُثبِتَ أنَّ القَدَريةَ أنكَروا أصلًا من أُصولِ الإيمانِ الستةِ.
وكونُ ابنِ عُمَرَ لم يُفْتِ بقَتلِ القَدَريةِ الأُولى؛ لا يَعْني أنَّه لا يَرى عدمَ إلحاقِ العُقوبةِ بهم، خاصَّةً إذا عَلِمْنا أنَّه يَرى كُفرَهم.
2 – كان ابنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- يَرى قَتلَ القَدَريةِ الأُولى؛ فعن أبي الزُّبَيرِ أنَّه: «كان معَ طاوُسٍ يَطوفُ بالبيتِ، فمَرَّ مَعبَدٌ الجُهَنيُّ، فقال قائلٌ لطاوسٍ: هذا مَعبَدٌ الجُهَنيُّ، فعدَلَ إليه، فقال: أنتَ المُفْتَري على اللهِ، القائلُ ما لا يَعلَمُ؟ قال: إنَّه يُكذَبُ عليَّ، قال أبو الزُّبَيرِ: فعدَلَ معَ طاوُسٍ حتى دخَلْنا على ابنِ عبَّاسٍ، فقال طاوُسٌ: يا أبا عبَّاسٍ، الذين يقولونَ في القدَرِ؟ قال: «أَرُوني بعضَهم، قُلْنا: صانعٌ ماذا؟ قال: إذنْ أضَعُ يَديَّ في رأسِه؛ فأدُقُّ عُنُقَه».([34])
وهذا القولُ هو المَنقولُ عن كبارِ عُلماءِ التابِعينَ: كمُحمَّدِ بنِ سِيرينَ، وإياسِ بنِ مُعاويةَ، وزَيدِ بنِ أسلَمَ، ومحمَّدٍ القُرَظيِّ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ، ووَكيعِ بنِ الجرَّاحِ، والقاسِمِ بنِ محمدِ بنِ أبي بكرٍ، وسالمِ بنِ عبدِاللهِ بنِ عُمَرَ.([35])
فكلُّ هؤلاء تَوارَدوا على الإفتاءِ بقَتلِ القَدَريةِ الأُولى، وهم أعلَمُ بفِقهِ الصحابةِ، وأقرَبُ إلى مَنهجيَّتِهم في الاستدلالِ، وأَوْلى بفَهمِ أقوالِهم، لكن لابد من مراعاة القيود السابقة.
2 – واستدل البعض بمَوقِفِ عليٍّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- من الخَوارِجِ.
فعَنْ كَثِيرِ بْنِ نَمِرٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْجُمُعَةِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إذْ قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: لاَ حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: لاَ حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، ثُمَّ قَامُوا مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ يُحَكِّمُونَ اللَّهَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِيَدِهِ: اجْلِسُوا، نَعَمْ لاَ حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَى بِهَا بَاطِلٌ، حُكْمُ اللهِ يُنْتَظَرُ فِيكُمْ، الآنَ لَكُمْ عِنْدِي ثَلاَثُ خِلاَلٍ مَا كُنْتُمْ مَعَنَا: لَنْ نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكُرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَلاَ نَمْنَعَكُمْ فَيْئًا مَا كَانَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَيْدِينَا، وَلاَ نُقَاتِلُكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا، ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطْبَتِهِ.([36])
فهذا يدُلُّ على أنَّ عليًّا -رضي الله عنه- يَرى أنَّ المُبتَدِعةَ لا يُتَّخَذُ فيهم إجراءٌ عِقابيٌّ، كما يقولُ بعضُ الباحِثينَ.
والجواب:
1 – قبلَ أنْ نُبيِّنَ حَقيقةَ مَوقِفِ عليٍّ -رضِيَ اللهُ عنه- لا بُدَّ أنْ نُنبِّهَ على أنَّ النصوصَ الشرعيةَ دلَّتْ على مَشروعيةِ قِتالِ الخَوارِجِ وقَتلِهم، وقد جاء ذلك في نصوصٍ كثيرةٍ، منها: قولُه -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّمَ-: «يَأْتي في آخِرِ الزمانِ قَومٌ حُدَثاءُ الأسنانِ، سُفَهاءُ الأحلامِ، يقولونَ من خَيرِ قَولِ البَريَّةِ، يَمرُقونَ من الإسلامِ كما يَمرُقُ السهمُ من الرَّميَّةِ، لا يُجاوِزُ إيمانُهم حَناجِرَهم، فأينَما لَقِيتُموهم؛ فاقْتُلوهم؛ فإنَّ في قَتلِهم أجرًا لمَن قتَلَهم يومَ القيامةِ».([37])
ومنها: قولُه -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّمَ-: «إنَّ من ضِئضئِ هذا قومًا يَقرَؤونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم، يَمرُقونَ من الإسلامِ مُروقَ السهمِ من الرَّميَّةِ، يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ، ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ، لئنْ أدْرَكْتُهم؛ لَأقْتُلَنَّهم قَتلَ عادٍ».([38])
فهذه النصوصُ كلُّها استنَدَ عددٌ من عُلماءِ المذاهِبِ إليها في تَقريرِ مَشروعيةِ قَتلِ الخَوارِجِ، ولو لم يَبْدَؤوا بالقتالِ، إذا لم تندفع فتنتهم حالًا ومآلًا إلا بذلك.
2 – وأمَّا عدَمُ تَطبيقِ عَليٍّ -رضِيَ اللهُ عنه- لهذه العُقوبةِ في بدايةِ الأمرِ، فليس فيها دَليلٌ على أنَّه يَرَى عدَمَ مَشروعيةِ العُقوبةِ الدُّنيويةِ للمُخالِفِ؛ فإنَّه حرَّقَ مَن غَلا فيه من الشِّيعةِ، ولم يَتسامَحْ مَعَهم -وإن أنكر بعضهم عليه هذا النوع من العقدية- فمَوقِفُه من الخَوارِجِ في ابتداءِ الأمرِ يُحمَلُ على أنَّ عليًّا
-رضي الله عنه- لم يكُنْ يَقصِدُ إلى تَشتيتِ جُهودِه في مُحارَبةِ الخارِجينَ عن حُكمِه، والمُنازِعينَ له في إمامتِه، وعلى أنَّ الخَوارجَ كان عددُهم كبيرًا جدًّا، فلا مَصلحةَ من قَتلِهم في تلك المرحلةِ، فلمَّا اعْتَدى الخوارجُ، وانتشَرَ شرُّهم بعد ذلك؛ بادَرَهم بالقتالِ والقَتلِ، حتى كَسَر شوكتهم، وشَتَّت شملهم
-رضي الله عنه-.
3 – القولُ بأنَّ واصِلَ بنَ عَطاءٍ -رأس البدعة الاعتزالية- كان له مَجلِسٌ في مَسجِدِ الكوفةِ، يُدرِّسُ فيه مَذهَبَه المُخالِفَ لِمَا كان عليه الصحابةُ والتابِعونَ، وهذا يدُلُّ على مَدى التسامُحِ الذي كان يُزاوِلُه الصحابةُ والتابِعونَ، كما يقولُ بعضُ الباحِثينَ.
والجواب:
1 – ليس فيما وقفنا عليه من المراجِعِ التاريخيةِ ما يدُلُّ على أنَّ واصِلًا كان له مَجلِسٌ في المسجِدِ يُدَرِّس فيه معتقده؛ وإنَّما غايةُ ما فيها أنَّه لمَّا انعزَلَ عن مَجلِسِ الحَسَنِ البَصريِّ؛ جلَسَ إلى ساريةٍ من سَواري المسجِدِ، واجتمَعَ إليه عددٌ من أصحابِه، وأخَذَ يَتحدَّثُ إليهم بفِكرتِه، ولم يَرِدْ أنَّه أنشَأَ مَجلِسًا ظاهِرًا في المسجِدِ، أو في غيرِه يَشرَحُ فيه قولَه, بل الظاهرُ في التاريخِ أنَّ قولَه كان غيرَ مَشهورٍ، ولا مُعلَنٍ به.
4 – مَوقِفُ عُمَرَ بنِ عبدِالعَزيزِ من غَيْلانَ، فإنَّه -كما قرَّرَ بعضُ الباحِثينَ- ناظَرَ غَيْلانَ الدِّمَشقيَّ، ولم يَتخِذْ ضدَّه إجراءً عِقابيًّا، فلمَّا مات عُمَرُ؛ قتَلَه هِشامُ بنُ عبدِ الملِكِ، وبلا شكٍّ أنَّ عُمَرَ أفضَلُ من هِشامٍ، وهذا دَليلٌ على أنَّ الإجراءاتِ العِقابيةَ كان مَنشؤُها السياسيةَ لا الدِّينَ.
والجواب:
هذا التوصيفُ غيرُ دَقيقٍ؛ فإنَّ الناظِرَ في الكتُبِ المُسنَدةِ يَجِدُ أنَّ عُمَرَ لم يَتسامَحْ معَ غَيْلانَ؛ فإنَّه حينَ بلَغَه عن غَيْلانَ القولُ بالبِدعةِ؛ دَعاه، وحبَسَه أيامًا، ثم ناظَرَه، وبيَّنَ له خَطَأه، واستَتابَه، فأظهَرَ غَيْلانُ التوبةَ والرجوعَ عن مَقالتِه، فخَلَّى عمر سَبيلَه، وهذا يدُلُّ على أنَّه لو لم يُعلِنْ تَوبتَه؛ لاتخَذَ منه مَوقِفًا آخَرَ.
ثم لمَّا مات عُمَرُ رجَعَ غَيْلانُ إلى مَقالتِه، وعند ذلك قتَلَه هِشامُ بنُ عبدِ الملِكِ بعدَما ناظَرَه الأوْزاعيُّ، وأفْتى بقَتلِه، فقُتِلَ، وأيَّدَ عددٌ كبيرٌ من كبارِ العُلماءِ هذا الفعلَ.
ففي «السنة» لعبد الله بن أحمد -رحمهما الله-: قَالَ حَوْثَرَةُ: وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إِنَّ غَيْلَانَ يَقُولُ فِي الْقَدَرِ كَذَا وَكَذَا، فَمَرَّ بِهِ، فَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْعِلْمِ؟» فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا هِيَ عَامِلَةٌ، وَإِلَى مَا هِيَ صَائِرَةٌ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا؛ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، اذْهَبِ الْآنَ فَاجْهَدْ جَهْدَكَ».([39])
وقال عبد الله بن أحمد -رحمهما الله-: حَدَّثَنِي أَبِي، نا مُؤَمَّلٌ، نا حَمَّادٌ -يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ- حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ دَعَا غَيْلَانَ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ لَهُ: «وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ، مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ؟» قَالَ: يُكْذَبُ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُقَالُ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ؟ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْعِلْمِ؟ قَالَ: قَدْ نَفِدَ الْعِلْمُ.، قَالَ: فَأَنْتَ مَخْصُومٌ، اذْهَبِ الْآنَ فَقُلْ مَا شِئْتَ، وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ، إِنَّكَ إِنْ أَقْرَرْتَ بِالْعِلْمِ؛ خُصِمْتَ، وَإِنْ جَحدْتَهُ؛ كَفَرْتَ، وَإِنَّكَ إِنْ تُقِرَّ بِهِ؛ فَتُخْصَمَ؛ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجْحَدَهُ فَتُكَفَّرَ، ثُمَّ قَالَ: تَقْرَأَ يَاسين؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: اقْرَأْ [ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ] {يس:1، 2} فَقَرَأَ [ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ] إِلَى قَوْلِهِ [ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ] {يس:7}، قَالَ: قِفْ، كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: كَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: زِدْ، فَقَرَأَ: [ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ] {يس:8، 9} قَالَ: قَالَ عُمَرُ : قُلْ: [ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ] {يس:9، 10} قَالَ: كَيْفَ تَرَى؟ «قَالَ: كَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَاتِ قَطُّ، وَإِنِّي لَأُعَاهِدُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا كُنْتُ أَتَكَلَّمُ فِيهِ أَبَدًا، قَالَ: «اذْهَبْ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا قَالَ؛ فَأَذِقْهُ حَرَّ السِّلَاحِ، قَالَ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ زَمَنَ عُمَرَ فَلَمَّا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، جَاءَ رَجُلٌ لَا يَهْتَمُّ لِهَذَا، وَلَا يَنْظُرُ فِيهِ، فَتَكَلَّمَ غَيْلَانُ، فَلَمَّا وُلِّيَ هِشَامٌ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ عَاهَدْتَ اللَّهَ لِعُمَرَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَبَدًا،؟ قَالَ: أَقِلْنِي؛ فَوَاللَّهِ، لَا أَعُودُ، قَالَ: لَا أَقَالَنِي اللَّهَ إِنْ أَقَلْتُكَ، هَلْ تَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْرَأْ، فَقَرَأَ [ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ] { الفاتحة:2-5} قَالَ: قِفْ، عَلَامَ اسْتَعَنْتَهُ، عَلَى أَمْرٍ بِيَدِهِ لَا تَسْتَطِيعُهُ إِلَّا بِهِ، أَوْ عَلَى أَمْرٍ فِي يَدِكَ أَوْ بِيَدِكَ؟ اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، وَاصْلُبُوهُ».([40])
قال عبد الله بن أحمد: حَدَّثَنِي سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: «أَنَا رَأَيْتُ غَيْلَانَ مَصْلُوبًا عَلَى بَابِ دِمَشْقَ».([41])
ثامنًا: ينبغي أن يُعلم أنَّ النظرَ في نصوصِ الكِتابِ والسُّنةِ يَتطلَّبُ أنْ يُفرِّقَ الناظرُ فيها بين أمرَيْنِ مُهمَّينِ:
أمَّا الأمرُ الأولُ: فهو حقيقةُ الحُكمِ الشرعيِّ في نفْسِه، وكيفيةُ بِنائِه.
وأمَّا الأمرُ الثاني: فهو تَنزيلُ الحُكمِ الشرعيِّ على المُعَيَّنِ، وتَطبيقُه في الواقِعِ.
وهذان أمْرانِ مُفتَرِقانِ في الحقيقةِ وفي الشروطِ.
فالواجبُ على الباحِثينَ في الشريعةِ أولًا: بناءُ الحُكمِ الشرعيِّ في نَفسِه، وتحريرُ الدَّلالاتِ الصحيحةِ فيه، وأمَّا تَنزيلُ الحُكمِ على المُعَيَّنينَ، وتَطبيقاتُه المُختلِفةُ؛ فهذا شأنٌ آخَرُ، له شُروطٌ واعتباراتٌ أُخرى، ويجِبُ أنْ يُراعى فيه ظروفٌ زمانيةٌ ومكانيةٌ وحاليةٌ، لا تُراعى في بناءِ الحُكمِ الشرعيِّ نَفسِه.
وعلى هذا، فانتفاءُ العِقابِ عن المُعَيَّنِ؛ ليس دليلًا على انتفاءِ وُجودِ العُقوبةِ الشرعيةِ نفسِها، ولمَّا لم يُدرِكْ بعضُ المفكرين هذه الحقيقةَ؛ أخذَ يَستدِلُّ على انتفاءِ مَشروعيةِ العُقوبةِ بانتفاءِ تَطبيقِها، فجعَلَ يقولُ: إنَّ المُنافقين والمبتدعة لم يُشَرَّعْ في حقِّهم إجراءٌ عقابيٌّ في الدُّنيا؛ لأنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّمَ- لم يَتخِذْ في حقِّهم ذلك الإجراءَ العقابيَّ.
وهذا التصوُّرُ مَبْنيٌّ على مُقدِّمةٍ خاطئةٍ في الاستدلالِ، كما سبَقَ تِبيانُه، وفَضلًا عن ذلك؛ فإنَّ ثَمَّةَ دَلالاتٍ شَرعيةً عديدةً دالَّةً على ثُبوتِ العُقوبةِ الدُّنيويةِ شَرعًا.
وقد سبق الكلام عن أدلة عقوبة المبتدع في الدنيا، وأما المنافقون فلم يعاقَبُوا معاقبة الكفار؛ لأن الإسلام يعاملهم حسب الظاهر، وأما السرائر على الله والله أعلم.
تاسعًا: شبهة والجواب عليها:
وَصَفَ بعضُ الحداثيين، والعلمانيين، وبعضُ المبتدعة شيخَ الإسلام ابنَ تيمية بأن لديه تساهلا في دماء المبتدعة من المسلمين؛ لأنه يستبيحها بمجرد الوقوع في البدعة، وصَوَّروا بأن شيخ الإسلام ابن تيمية يُجوّز قَتْل المبتدع لأجل بدعته!
ثم هوّلوا في الأمر، فقالوا: إن فِكْرَ ابن تيمية خطير على الأمة؛ لأنه على طريقة ابن تيمية يجب علينا أن نقتل علماء المسلمين من الفقهاء والمفسرين والمحدِّثين؛ لأنهم كلهم واقعون في البدعة، ويجب علينا قتل علماء الأزهر الشريف وغيرهم من المعاصرين؛ لأنهم مبتدعة واقعون فيما يوجب استباحة الدم.
والجواب على هذا:
1 – إذا رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية نجده يناقض ما نُسب إليه من القول باستباحة دماء المسلمين.
فقد تحدث عن هذه القضية في مواطن عديدة من كتبه – وسبق نقل العديد من أقواله -، وهو في كل تلك المواطن لم يُعَلِّق استباحة الدم بالبدعة، ولم يجعل مجرد الوقوع في البدعة هو المناط المؤثر في استحقاق القتل.
والذي يدل عليه مجموع كلامه: أن المناط المؤثر عنده في قضية قتل المبتدع مركب من أمور، وهي التي ذكرناها من قبل في ضوابط قتل المبتدع؛ فارجع إليها.
وهذه شروط شديدة جدا، لا تكاد تتحقق في الواقع إلا في حالات نادرة.
ويدل كلامه أيضًا على أنه لا يَتَشَوَّف إلى القتل، ولا يجعل له الأولوية في الحَلِّ، وإنما يجعله حلًا استثنائيا بعد فقدان كل السبل التي تدفع الضرر عن دين المسلمين.
ويلاحظ القارئ أيضًا أنه بنى قوله على أدلة شرعية، وانطلق فيها من أصول كلية، مِثْلُهُ مثل الفقهاء الموافقين له في الرأي، ولم يعتمد على العبارات العاطفية، ولم يؤسس موقفه على الألفاظ المتشنجة؛ ليؤثر في الجمهور، وإنما كان يقرر قولا فقهيا، ويبنيه على ما يراه دليلًا شرعيًّا له.
ولا بد من التأكيد على أن هذا الموقف ليس خاصا بشيخ الإسلام ابن تيمية فقط، وإنما ذهب إليه عدد من الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم، كما سبق نقل كلامهم.
2 – وأما تطبيقه العملي؛ فهو لم يختلف عن تنظيره الفقهي، فقد كانت له مواقف عادلة مع من يرى أنهم واقعون في البدعة في زمنه، فلو كان يرى أن مجرد وقوع العالِمِ من المسلمين في البدعة يبيح الدم؛ فلماذا لم يحكم بذلك على من كان يراهم واقعين في البدعة؟! ولماذا لم يعلن ذلك في مؤلفاته؟!
وقد حكم عدد من العلماء الواقعين في البدعة عند ابن تيمية بكفره واستباحة دمه، فلم يحكم عليهم بالقتل، ومن هؤلاء: ابن مخلوف، فإنه كتب إلى السلطان قائلا عن ابن تيمية: «يجب التضييق عليه إن لم يقتل، وإلا فقد ثَبَتَ كُفْرُه»([42])
وطالب عدد من العلماء في عصره بقتله.([43])
ومع ذلك كله لم يحكم باستباحة دمائهم، فشيخ الإسلام ابن تيمية لم يتردَّد في الشفاعة في دَفْع بعض الظلم عن بعض أهل البدع([44])، فقد شَفَعَ عند القاضي حسام الدين الحنفي عندما أراد حَلْقَ لحية الأذرعي، وأحْضَرَ الموسَى والحمارَ ليركبه -أي الأذرعي- ويَطُوف به (وهذا من باب الإهانة له، والحطِّ من قَدْرِهِ ومكانتِهِ بين الخاصة والعامة!!)، وهو خَصْمٌ لشيخ الإسلام، فجاء أخو الأذرعي، وعَرَّف شيخ الإسلام بذلك، فقال : «فَقُمْتُ إليه -أي إلى القاضي- ولم أَزَلْ به حتى كَفَّ عن ذلك -أي: عن حلق لحية الأذرعي، ورَكوبه الحمار؛ ليُطَاف به- قال: «وجَرَتْ أمور، لم أَزَلْ فيها مُحْسِنًا إليهم، وهذه الأمور ليستْ مِنْ فِعْلِي ولا فِعْل أمثالي، نحن إنما نَدْخُل فيما يحبه الله ورسوله والمؤمنون، ليس لنا غرضٌ مع أحد، بل نَجْزِي بالسيئة الحسنةَ، ونَعْفُو ونَغْفِر، وهذه القضية قد انتشرت، وظهر ما فُعِلَ فيها، وعَلِمَهُ الخاصُّ والعامُّ».
ثم قال: «وأنا والله، من أعظم الناس مُعَاوَنَةً على إطفاء كل شر فيها -أي في هذه القضية- وفي غيرها، وإقامةِ كُلِّ خير، وابنُ مَخْلُوف لو عَمِل مَهْما عَمِلَ، والله ما أَقْدِر على خير إلا وأعْمَلُه معه، ولا أُعِينُ عليه عَدُوَّهُ قَطُّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه نِيَّتِي وعَزْمِي… مع علمي بجميع الأمور، فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين». اهـ
وقال ([45]): «ومما ينبغي أن يَعْرِف به الشيخُ: أني أخاف أن القضية تخرُجُ عن أمره بالكلية، ويكون فيها ما فيه ضرر عليه وعَلَى ابن مخلوف، ونحوهما… وأنا مُسَاعِدٌ لهما على كل بِرٍّ وتقوى». اهـ.
هذا، مع أنه قد قال في ابن مخلوف في موضع آخر: «إن ابن مخلوف رَجُلٌ كَذَّابٌ فاجِرٌ، قليلُ العِلْمِ والدين».([46]) اهـ.
بل إنه حين طلب منه الوالي أن يفتيه بقتل من آذاه من العلماء الواقعين في البدعة في زمنه؛ أنكر عليه ذلك، وسجل موقفا من أرقى المواقف وأجملها، فقد أراد السلطان ابن قلاوون من شيخ الإسلام ابن تيمية أن يُصدر فتوى يحكم فيها بحل دم الفقهاء الذين آذوه وأفتوا بقتله، فأنكر ابن تيمية ذلك أشد الإنكار، وقد أورد القصةَ بطولها ابنُ كثير في «البداية والنهاية»، ومما قاله: «وَقَدْ كَانَ السُّلْطَانُ أَعْلَمَ بِالشَّيْخِ مِنْ جميع الحاضرين، ودينه وزينته وَقِيَامِهِ بِالْحَقِّ وَشَجَاعَتِهِ، وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ يَذْكُرُ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ مِنَ الْكَلَامِ لَمَّا انْفَرَدَا فِي ذَلِكَ الشُّبَّاكِ الَّذِي جالسا فِيهِ، وَأَنَّ السُّلْطَانَ اسْتَفْتَى الشَّيْخَ فِي قَتْلِ بَعْضِ الْقُضَاةِ بِسَبَبِ مَا كَانُوا تَكَلَّمُوا فِيهِ، وأخرج له فتاوى بعضهم عَزْلَه مِنَ الْمُلْكِ وَمُبَايِعَةِ الْجَاشْنَكِيرِ، وَأَنَّهُمْ قَامُوا عَلَيْكَ وَآذَوْكَ أَنْتَ أيضًا، وَأَخَذَ يَحُثُّهُ بِذَلِكَ عَلَى أَنْ يُفْتِيَهُ فِي قَتْلِ بَعْضِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ حَنَقُهُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مَا كَانُوا سَعَوْا فِيهِ مِنْ عَزْلِهِ وَمُبَايَعَةِ الْجَاشْنَكِيرِ، فَفَهِمَ الشَّيْخُ مُرَادَ السُّلْطَانِ فَأَخَذَ فِي تَعْظِيمِ الْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ، وَيُنْكِرُ أن ينال أحدًا منهم بسوء، وَقَالَ لَهُ: إِذَا قَتَلْتَ هَؤُلَاءِ لَا تَجِدُ بِعْدَهُمْ مِثْلَهُمْ، فَقَالَ لَهُ إِنَّهُمْ قَدْ آذَوْكَ وَأَرَادُوا قَتْلَكَ مِرَارًا، فَقَالَ الشَّيْخُ مَنْ آذَانِي فَهُوَ فِي حِلٍّ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَاللَّهُ يَنْتَقِمُ مِنْهُ، وَأَنَا لَا أَنْتَصِرُ لِنَفْسِي، وَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى حَلُمَ عَنْهُمُ السُّلْطَانُ وَصَفَحَ.
قَالَ وَكَانَ قَاضِي الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ مَخْلُوفٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ حَرَّضْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ وَقَدَرَ عَلَيْنَا فَصَفَحَ عَنَّا وَحَاجَجَ عَنَّا».([47])
والعجيب: أن بعض خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية من المبتدعة أقر له بعدله ونزاهته وحرصه على حقن دماء المسلمين، وذكر الحافظ ابن كثير عن ابن مخلوف مقولة عنه، وهي قوله: «ما رأينا مثل ابن تيمية: حَرَّضْنا عليه؛ فلم نَقْدر عليه، وقَدَر علينا؛ فصفح عنا، وحاجَجَ عنا». اهـ([48])
وعندما غضب السلطان على الشيخ البكري المالكي، فأراد الانتقام منه وقتله؛ توسط له شيخ الإسلام ابن تيمية وسعى إلى تخليصه من المحنة التي وقع فيها، مع أنه كان من أشد الناس الساعين إلى قتل شيخ الإسلام ابن تيمية ، ومن أشد من تبنى القول بجواز الاستغاثة بالأموات.([49])
فهل هذه المواقف العلمية والعملية تتوافق مع القول بأن ابن تيمية يستبيح دماء المسلمين بمجرد الوقوع في البدعة؟!وهل يقوم بهذه المواقف رجل يرى استباحة دماء علماء المسلمين بمجرد الوقوع في البدعة؟!.
نعم، فشيخ الإسلام يطلق الحكم للحفاظ على الشريعة من الاندثار، لكن لا يُنَزِّلُهُ على المعيَّن إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وما دام عند المبتدع شبهة -وهو غير زنديق متلاعب- فإنه لا يكفِّره فضلًا عن قتله، والله أعلم.
عاشرًا: في فتاوى الشيخ ربيع المدخلي -غفر الله لنا وله- في قتل المبتدعة كالماتريدية وغيرهم:
فقد قال في «اللُّباب»([50])- عمن تخرج من كليات الجامعة الإسلامية بالمدينة، وهم لا يزالون على انحرافاتهم العقدية أو المنهجية يدعو إليها عند الرجوع إلى بلده – فقال:
«قلت في العام الماضي: إن هذا قامت عليه الحجة،…،أنت كذاب في انتمائك، أنت أَصْلُكَ صوفي خرافي قبوري، وأصلك ماتريدي جهمي، وأبو حنيفة الذي تنتمي إليه، ومحمد بن الحسن، والطحاوي براء منك، والرسول -صلى الله عليه وسلم- والسلف الصالح وأنت على هذه الحال براء منك.
فهذا عندي يستحق السيف، ولا خوف ممن أشاعوها، وهذا حكم الإسلام بالإجماع، أن الذي تقوم عليه الحجة ويعاند ويستمر في نشر بدعته، يجب أن يُقتل؛ لأنه شرٌّ من المحاربين [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ] {المائدة:33} فهؤلاء شر من قطاع الطرق، ومن المحاربين الذين يسعون في إفساد دنيا الناس، وهذا يسعى في إفساد دين الناس، وقد أفتى العلماء بذلك، وقتلوا الجعد بن درهم، وقتلوا غيرهم من رءوس البدع.
ولما قتل هشام بن عبد الملك غيلان الدمشقي، ومعه واحد اسمه صالح، وهو طالح، ندم وتحسّر، فكتب إليه رجاء بن حيوة: قد بلغنا أنك ندمت على قتل فلان وفلان، والله لقتلك إياهم أفضل من قتل ألفين من الترك -وهم كفار في ذلك الوقت- والرومان، هذا في قتلهم حماية لدين الله -تبارك وتعالى-». اهـ
فها هو يجيز قتل الماتريدية، وهم لا يختلفون كثيرًا عن الأشاعرة، وهم جهمية عنده، مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول كما في «مجموع الفتاوى»([51]): «لا ريب أن قول ابن كلاب والأشعري ونحوهما من المثبتة للصفات ليس هو قول الجهمية، بل ولا المعتزلة، بل هؤلاء لهم مصنفات في الرد على الجهمية والمعتزلة، وبيان تضليل من نفاها، بل هم تارة يُكَفِّرون الجهمية والمعتزلة، وتارة يُضَلِّلونهم». اهـ
قلت: كلام الشيخ ربيع -غفر الله لنا وله- من حيث التأصيل النظري، وقول الكثير من السلف بقتل رؤوس المبتدعة، لا غبار عليه -في الجملة- لكن الإشكال في أنه ومقلِّديه المفتونين به ينزلون هذا على أقوام ليسوا زنادقة متلاعبين مراوغين، إنما فيهم دين وصدق، لكن علقت بأذهانهم شبهات عقلية ونقلية، ومن تكلَّم معهم لم يوفَّق لإزالتها عنهم؛ فاستمروا على قولهم -تديُّنًا لا زندقة- ككثير من العلماء الذين سبق ذكرهم في هذا الكتاب، بل كان شيخ الإسلام ابن تيمية يُناظر علماء وقضاة الجهمية، ولا يرجعون عن قولهم بعد المناظرة، ومع ذلك يقول لهم: لو قلتُ بقولكم؛ كنت كافرًا، أما أنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال!!! كما في «الرد على البكري».([52])
وهؤلاء كانوا يقولون مقالات كفرية مُجمع على تكفير القائل بها، أما الشيخ ربيع وحِزْبُهُ فيطلقون هذه الأحكام فيمن خالفهم، وإن كان له قَدَم صِدْقٍ في نصْرة السنة، والردّ على جميع أهل البدع، والسبب الذي استباحوا به عِرْضَه، وأجازوا قتله إذا لم يتب: أنه -فقط- يخالفهم؛ فلا يبدِّع من بدَّعوه، ولا يهجر من هجروه؛ فلا تغتر يا طالب العلم بالإجماع الذي ينقله الشيخ ربيع عن العلماء؛ فهو في جهة وما نزَّله عليهم الشيخ ربيع في جهة أخرى، والله المستعان.
هذا، مع أن للشيخ ربيع كلامًا آخر يذكر فيه خلاصة القيود السابقة، لكن الإشكال معه ومع مقلِّديه ليس في التأصيل النظري، ولكن في التنزيل العملي والتطبيقي الواقعي، والله المستعان.
* (تنبيه):
وإنما ذكرتُ كلام الشيخ ربيع في حكم قتل المبتدع دون غيره من كبار العلماء المعاصرين؛ لأبَيِّن أن إطلاقه وتعميمه الحكم يحتاج ولابد إلى ذِكْر ضوابطه كاملة، وفي بعض كلامه ما يشير إلى بعض هذه الضوابط، فيُحْمَلُ مُطْلَقُه على مُفَصَّله، وإن كان قد صاح وأرْعدَ وأزْبد ببطلان هذه القاعدة؛ فتأمل كيف أن الحق يجري على لسان من حاربه -تأويلا- وكل ما له بالحق صلة إنما هو وقوله في ظهور، وأن الباطل وكل ما له به صلة في أفول وسفول وضمور -ولله الحمد والمنة- والله أعلم.
A
A
[22]الخلاف في الحكم على الأشخاص لا يكون سببًا في الفُرْقة والتهاجر













