كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(قبول الحق ممن قاله وإن كان صاحب ذنوب،
وعدم إسقاط العالم بكل خطأ يقع فيه)

  • السؤال الرابع والأربعون: أحيانًا يَتْرُك بعضُ الناس العمل بالنصيحة لعِلْمِهم بعيوب الناصح، وهناك من يُنَفِّر من بعض العلماء بالكلية؛ لوقوع أخطاء في كتبهم أو محاضراتهم، فهل هذا عمل صحيح؟

الجواب على ذلك من وجوه:

أولًا: لا أحد يَسْلم من الخطأ، ولا يجوز لأحد أن يَدَّعي -قولًا أو حالًا- أنه سالم من الخطأ، أو معصومٌ ومعافى من الزلة، فكلنا نخطئ ونُصيب.

ولا يليق بمسلم أن يترك الدعوة إلى الله خشية الوقوع في الزلَلْ، كما لا يجوز ردّ الحق بحجة أن المتكلِّم به ليس سالمًا من العيوب، أو ليس منَّا، أو مقصده بالرد سيئ… إلخ؛ فإن هذا مَدْخَلٌ شيطاني، بل يجاهد المرء نفسه، ويَقْبَلُ الحق ممن أَهْداه إليه -وإن كان من رجلٍ خَشِنٍ جافٍ- وعلى هذا درج العلماء – تعالى-.

قال الحافظ ابن رجب في «لطائف المعارف»([660]):

«ومع هذا كله؛ فلا بد للإنسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ والتذكير، ولو لم يَعِظْ إلا المعصوم من الزلل؛ لم يَعِظِ الناسَ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَحَدٌ؛ لأنه لا عصمة لأحد بعده:

لئِنْ لَمْ يَعِظِ العاصين مَنْ هو مُذْنِبٌفمَنْ يَعِظُ العاصينَ بعد محمد؟

* وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مُروا بالمعروف، وإن لم تَعْمَلُوا به كلِّه، وانْهَوْا عن المنكر، وإن لم تتناهَوْا عنه كلِّه» وقيل للحسن: إن فلانا لا يَعِظُ، ويقول: أخاف أن أقول مالا أفعل، فقال الحسن: وأَيُّنَا يَفْعَل ما يقول؟ وَدَّ الشيطانُ أنه ظَفَرَ بهذا؛ فلم يَأْمُر أحد بمعروف، ولم يَنْهَ عن منكر، وقال مالك عن ربيعة: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء؛ ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر، قال مالك: وصَدَقَ، ومن ذا الذي ليس فيه شيء:

مَنْ ذا الذي ما ساء قَطْومَنْ له الحُسْنَى فقط

خطب عمر بن عبد العزيز يومًا، فقال في موعظته: إني لأقول هذه المقالة، وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، فاستغفر الله وأتوب إليه، وكَتَبَ إلى بعض نُوَّابه على بعض الأمصار كتابا يَعِظُهُ فيه، وقال في آخره: وإني لأعظك بهذا، وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير مُحْكِمٍ لكثير من أَمْرِي، ولو أن المرء لا يَعِظُ أخاه حتى يُحْكِمَ نَفْسَهُ؛ إذًا لتواكل الخير، وإذًا لرُفِعَ الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر، وإذًا لاسْتُحِلَّتْ المحارم، وقَلَّ الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض، والشيطان وأعوانه يَوَدُّون أن لا يَأْمُر أحد بمعروف، ولا يَنْهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم؛ عابوه بما فيه وبما ليس فيه، كما قيل:

وأُعْلِنَتْ الفواحشُ في البواديوصار الناسُ أعوانَ المريبِ
إذا ما عِبْتُهُم عَابُوا مقاليلما في القوم من تلك العيوب
وَوَدُّوا لو كَفَفْنا فاسْتَوَيْنافصار الناسُ كالشيء المشُوب
وكنا نَسْتَطِبِّ إذا مرِضْنَافصار هلاكُنا بيد الطبيب

وكان بعض العلماء المشهورين له مجلس للوعظ، فجلس يوما، فنظر إلى من حوله، وهم خَلْقٌ كثير، وما منهم إلا من قد رَقَّ قَلْبُهُ، أو دَمَعَتْ عَيْنُهُ، فقال لنفسه فيما بينه وبينها: كيف بكِ إن نجا هؤلاء وهلكتِ أنتِ؟ ثم قال في نفسه: اللهم إن قَضَيْتَ عليَّ غدا بالعذاب؛ فلا تُعْلِمْ هؤلاء بعذابي؛ صيانةً لكرمك لا لأجلي؛ لئلا يقال: عَذَّبَ من كان في الدنيا يَدُلُّ عليه، إلهي؛ قد قيل لنبيك -صلى الله عليه وسلم-: اقْتُلْ ابن أُبَيٍّ المنافق، فقال: «لا يَتَحَدَّثُ الناسُ أن محمدا يَقْتُلُ أصحابَهُ» فامتنع من عقابه لما كان في الظاهر يُنْسَبُ إليه، وأنا على كل حال فإليك أُنْسَبُ». اهـ

قال تاج الدين ابن السَّاعي (المتوفى: 674هـ) في «الدر الثمين في أسماء المصنفين»([661]) – في ترجمة الجوهري اللغوي -:

«وصنّف كتاب (الصّحاح)، أحسن تصنيفه، وجوّد تأليفه، وقرّب تناوله، وكتابا في العروض، سمّاه (عَرُوض الورقة)، وكتاب (المقدّمة) في النّحو، وقد أُخِذ عليه في كتاب (الصّحاح) مآخذ، نُسِبَ فيها إلى التصحيف، وما أَقَلّ إنصافهم! فمن ذا الذي ما ساء قطّ؟ ومن له الحسنى فقط! فإنه غلط وأصاب، وأخطأ المرمى وأصاب، كسائر العلماء الذين تقدّموه وتأخّروا عنه، فإني لا أعلم في الدّنيا كتابا سُلّم إلى مؤلّفه فيه، ولم يَتْبَعْهُ بالتّتبّع من يليه» ا. هـ

وقال ابن الوزير – وقد عزم على الرد على بعض الرسائل من المخالفين – قال في «العواصم»([662]):

«وقد قَصَدْتُ وَجْهَ الله تعالى في الذَّبِّ عن السنة النبوية، والقواعد الدينية، وليس يضرني وقوفُ أهل المعرفة على ما لي من التقصير، ومعرفَتُهم أن باعي في هذا الميدان قصير؛ لاعترافي أني لَسْتُ من نقاد هذا الشأن، وإقراري أني لَسْتُ من فرسان هذا الميدان، لكني لم أجد من الأصحاب من يتصدى لجواب هذه الرسالة، لما يجرّ إليه ذلك من القالة، فتصديْتُ لذلك من غير إحسان ولا إعجاب، ومَنْ عُدِم الماء تيمَّمَ التراب، عالمًا بأني لو كنتُ باريَ قَوْسِها ونِبَالِها، وعنترةَ فَوَارِسِهَا ونِزَالِهَا؛ فلا يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد، ولا يَصْفُو جوابي من الغلط عند النُّقَّاد، والكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: هو كلام الله في كتابه العزيز الكريم، وكلام مَنْ شَهِدَ بعصمته الذِّكْرُ الحكيم، وكل كلام بعد ذلك فله خطأ وصواب، وقِشْرٌ ولُبَاب، ولو أن العلماء -رضي الله عنهم- تركوا الذب عن الحق، خوفًا من كلام الخلق؛ لكانوا قد أضاعوا كثيرًا، وخافوا حقيرًا، ومن قصد وجه الله تعالى في عمل من أعمال البر والتقى؛ لم يحْسُن منه أن يتركه لما يجوز عليه في ذلك من الْخَطَأ، وأقصى ما يُخاف: أن يَكِلَّ حُسَامُهُ في معترك المناظرة وينْبوُ، ويَعْثُرَ جوادُه في مجال المجادلة ويَكْبُو، فالأمر في ذلك قريب: إن أخطأ فمن ذا الذي عُصم؟! وإن خُطِّئَ؛ فمن الذي ما وُصِم؟! والقاصد لوجه الله لا يخاف أن يُنْتَقَدَ عليه خَلَلٌ في كلامه، ولا يهاب أن يُدَلَّ على بطلان قوله، بل يحب الحق من حيث أتاه، ويَقْبَلُ الهدى ممن أهداه، بل المخاشنةُ بالحق والنصيحة، أحبُّ إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة، وصَدِيقُكَ من أصْدقك، لا من صدّقك، وفي نوابغ الكلم، وبدائع الحكم: عليك بمن يُنذر الإبسال والإبلاس، وإياك بمن يقول: لا باس ولا تاس، فإن وَقَفَ على كلامي ذَكِيٌّ لا يستقويه، أو جافٍ يَسْخَر منه ويستزريه؛ فالأَوْلَى بالذَّكِيّ أن يُخْفِضَ لي جناح الذُّلِّ من الرحمة، ويَشْكُر الله على أن فَضَّله عليّ بالحكمة، وأما الآخر الزاري، وزَنْدُ الجهالة الواري؛ فإن العلاج لترقيق طَبْعِهِ الجامد؛ هو الضرب في الحديد البارد، ولذلك أمر الله بالإعراض عن الجاهلين، ومدح به عباده الصالحين». اهـ

* وفي الحديث: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُون»([663]).

ثانيًا: الاعْتِرَافُ يَمْحُو الاقْتِرَافَ:

وقد قال الإمام ابن رجب في «لطائف المعارف»([664]):

«الاعتراف يمحو الاقتراف، كما قيل:

فإن اعتراف المرء يمحو اقترافه كما أن إنكار الذنوب ذنوبُ». اهـ

قلت: ولولا قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَة»([665])؛ لما تَكَلَّمْتُ في أمر العامة بكثير أو قليل، ولولا الخوف من إثم كتمان العلم؛ لانكفأنا على أنفسنا، مقتصرين على علاج عيوبنا، لكن لَعَلَّ في بَثِّ العلم وتبليغه ما يُفَرِّج الله به كُربتنا، ويَسْتُر به عَوْرَتنا، ويغفر به زَلَّتنا؛ إنه على كل شيء قدير.

ثالثًا: كلٌّ يُؤخَذُ من قوله ويُتْرَكُ إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:

يجب أنْ يُعلَم أنّ كل أحد يُؤْخَذُ من قوله ويُرَدُّ، وليس في الأمة معصوم بعد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كما ذكر ذلك الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما، بل اتفق أهل السُنَّة والجماعة -بل المسلمون- على أن كل أحد يُؤخذ من قوله ويُرد إلا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يلزم من ردِّ خطأ العالم إذا أخطأ أن نرد كل كلامه حقًّا كان أو باطلًا؛ فإن هذا الإهدار لكل ما عنده من الحق خلاف العدل والإنصاف، ومجانب لمنهج علماء الأمة سلفًا وخلفًا، ويلزم من هذا الحال ردّ جميع ما جاء عن الصحابة والعلماء، لأنه ما منهم إلا وقد جانب الحق في قليل أو كثير.

قال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى»([666]):

«وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنْ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي الْهُدَى وَالنُّورِ وَالْإِصَابَةِ». اهـ

وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([667]):

«وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا سِيَّمَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْأُمَّةِ، الَّذِينَ لَمْ يُحْكِمُوا مَعْرِفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهَ فِيهِمَا، وَيُمَيِّزُوا بَيْنَ صَحِيحِ الْأَحَادِيثِ وَسَقِيمِهَا، وَنَاتِجِ الْمَقَايِيسِ وَعَقِيمِهَا، مَعَ مَا يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ مِنْ غَلَبَةِ الْأَهْوَاءِ، وَكَثْرَةِ الْآرَاءِ، وتَغَلُّظِ الِاخْتِلَافِ وَالِافْتِرَاقِ، وَحُصُولِ الْعَدَاوَةِ وَالشِّقَاقِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ وَنَحْوَهَا مِمَّا يُوجِبُ قُوَّةَ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، اللَّذَيْنِ نَعَتَ اللَّهُ بِهِمَا الْإِنْسَانَ فِي قَوْلِهِ: [ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ] {الأحزاب:72} فَإِذَا مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ؛ أَنْقَذَهُ مِنْ هَذَا الضَّلَالِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ] {العصر: 1-3}، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: [ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ] {السجدة:24}». اهـ

وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([668]):

«فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَفْعَالِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا مَنْ لَهُ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ لَا يُتَّبَعُ عَلَيْهَا، مَعَ أَنَّهُ لَا يُذَمُّ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ قَطْعًا مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ هِيَ مِنْ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ، الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ؛ فَهَذِهِ الْأُمُورُ قَدْ تَكُونُ قَطْعِيَّةً عِنْدَ بَعْضِ مَنْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحَقَّ فِيهَا؛ لَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِمَا بَانَ لَهُ وَلَمْ يَبِنْ لَهُمْ، فَيَلْتَحِقَ مِنْ وَجْهٍ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ وَجْهٍ بِالْقِسْمِ الثَّانِي، وَقَدْ تَكُونُ اجْتِهَادِيَّةً عِنْدَهُ أيضًا؛ فَهَذِهِ تُسَلَّمُ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ وَمَنْ قَلَّدَهُ طَرِيقَهُمْ تَسْلِيمًا نَوْعِيًّا، بِحَيْثُ لَا يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، كَمَا سُلِّمَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ تَسْلِيمًا شَخْصِيًّا». اهـ

وقال الإمام البخاري في «القراءة خلف الإمام»([669]):

«قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: «لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-».

وعنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ، إِلَّا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-»([670]).

وأخرج ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»([671]) عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-».

وأخرج البيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى»([672]) أن عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حَدَّثَ زَمَانَ اسْتُخْلِفَ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا بَعْدَ رَسُولِكُمْ، وَلَمْ يُنَزِّلْ بَعْدَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، فَمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَهُوَ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ؛ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ، وَلَسْتُ بِقَاضٍ، وَلَكِنِّي مَنَفِّذٌ، وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَلَكِنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلًا، أَلَا وَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، أَلَا هَلْ أَسْمَعْتُ؟ أَلَا هَلْ أَسْمَعْتُ؟.

وقال سعيد بن المسيب (93هـ): «ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلَّا وفيه عيب، ولكن مَن كان فضلُه أكثرَ من نَقْصه؛ ذهب نَقْصُه لفضله، كما أنَّه من غلب عليه نُقْصَانُهُ؛ ذهب فَضْلُهُ، وقال غيره: لا يَسْلَم العالم من الخطأ، فمَن أخطأ قليلًا وأصاب كثيرًا؛ فهو عالم، ومن أصاب قليلًا وأخطأ كثيرًا؛ فهو جاهل». اهـ([673])

وقال عبد الله بن المبارك (181هـ): «إذا غلبتْ محاسنُ الرَّجل على مساوئه؛ لَم تُذْكَر المساوئُ، وإذا غَلَبَتْ المساوئُ عن المحاسن؛ لَم تُذْكَر المحاسن». اهـ([674])

وَقَدْ رَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ – رَحِمَهُما اللَّهُ – أَنَّهُ قَالَ لَهُ: «إنِّي صَنَّفْت هَذِهِ الْكُتُبَ، فَلَمْ آلُ فِيهَا الصَّوَابَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةَ رَسُولِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ] {النساء:82}، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ؛ فَإِنِّي رَاجِعٌ عَنْهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.

«وَقَالَ الْمُزَنِيّ : قَرَأْت كِتَابَ «الرِّسَالَةِ» عَلَى الشَّافِعِيِّ ثَمَانِينَ مَرَّةً، فَمَا مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَكُنَّا نَقِفُ عَلَى خَطَإٍ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيهِ، أَبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابٌ صَحِيحًا غَيْرَ كِتَابِهِ».([675])

وقال الحاكم : أنبأني أبو عمرون السماك مشافهة أن أبا سعيد الجصاص حدثهم. قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:… وسمعت الشافعي يقول:

«ما من أحد إلا وتَذْهَبُ عليه سُنَّةٌ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتَعْزُبُ عنه، فمهما قُلْتُ من قول، أو أَصَّلْتُ من أَصْلٍ فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلافُ ما قلتُ؛ فالقولُ ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو قولي «وجعل يردد هذا الكلام».([676])

وقال أبو حاتم ابن حبان (354هـ) في «الثقات»([677]):

«كان عبد الملك ـ يعني ابن أبي سليمان ـ من خيار أهل الكوفة وحُفَّاظهم، والغالب على من يَحْفَظُ ويُحدِّث مِن حِفْظِهِ أن يَهِم، وليس من الإنصاف تركُ حديث شيخٍ ثبْتٍ صحَّتْ عدالتُه بأوهام يَهِمُ في روايته، ولو سلكنا هذا المسلك؛ لَلَزَمَنَا تركُ حديث الزهري وابن جريج والثوري وشعبة؛ لأنَّهم أهل حِفْظٍ وإتقان، وكانوا يحدِّثون مِنْ حِفْظِهِم، ولم يكونوا معصومين حتى لا يَهِمُوا في الروايات، بل الاحتياطُ والأَوْلى في مثل هذا: قبولُ ما يَرْوي الثبتُ من الروايات، وتَرْكُ ما صح أنَّه وهم فيها ما لم يَفْحُش ذلك منه، حتى يَغْلِب على صوابه، فإن كان كذلك؛ استحق الترك حينئذ». اهـ

قال أبو بكر الأثرم في «ناسخ الحديث ومنسوخه»([678]):

«وليس أحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا يُؤخذ من قوله ويُترك، وقد وجدنا ذلك في أفضل الأمة بعد النبي -صلي الله عليه وسلم- أما سمعت قول أبي بكر الصديق في الجد: إنه بمنزلة الأب، فلم يجعل للأخ معه ميراثًا، ثم قد وافقه على ذلك أيضًا جماعة، فَلَمْ تَسْتَوْحِشْ الأئمةُ فِراقَ قوله؛ لأنه لا يُنْكِر أن يُتْرَك بعضُ قوله، ويُؤْخَذَ ببعضه.

وقال أبو بكر -رضي الله عنه-: «إنه ليس في الأُذُن إلا خمسة عشر بعيرًا». فترك الناسُ قَوْلَهُ، وأخذوا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «في الأُذُن نصف الدية».

– فلو قال قائل: أنا آخذ بقول أبي بكر؛ كان أَبْيَنَ حجةً ممن أخذ بقول فلان وفلان في تحليل ما حرمه النبي -صلى الله عليه وسلم- من المُسْكِر.

– أَوَما سمعتَ قول عمر -رضي الله عنه-: «لا يتيمم الجنب، ولا يُصَلِّي حتى يجد الماء».

– وضَمِنَ أنسٌ وديعةً، وقال في المسح على الخفين: «أَمْسَحُ إلا من جنابة».

– وعثمان -رضي الله عنه- قال في أخت، وأم، وجد: للأم الثلث، وللأخت الثلث، وللجد الثلث، وقال: «عدة المختلعة الحيضة».

– وعلي -رضي الله عنه- قال: «تعتد الحامل المتوفَّى عنها آخِرَ الأَجَلَيْنِ»، وأجاز بيع أمهات الأولاد، وقال في الربيبة قولًا عجيبًا.

– وابن مسعود -رضي الله عنه- أفتى في الصرف بفتيا عَجَبٍ، وأفتى في أم المرأة التي لم يُدْخَلْ بها، وفي غير ذلك.

فهؤلاء قد جاز أن يُتْرَكَ من قولهم ما خالف آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمن دونهم أَبْعَدُ». اهـ

وقال ابنُ عبد البر في «التمهيد»([679]):

«لا أعلم أحدًا من أهل العلم والحديث المُصَنِّفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين؛ لاضطرابه فيه، وأنه لم يُقِمْ له إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلطُ لا يَسْلَمُ منه أحدٌ، والكمالُ ليس لمخلوق، وكلُّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا النبيَّ- صلى الله عليه وسلم –». اهـ

وقال الحافظ الذهبي (748هـ): «ثم إن الكبير من أئمَّة العلم، إذا كثر صوابُه، وعُلم تحرِّيه للحقِّ، واتَّسع عِلْمُهُ، وظهر ذكاؤه، وعُرِفَ صلاحُه وورعه واتِّباعه؛ يُغْفَرُ له زَلَلُه، ولا نضلِّلُهُ ونَطَّرِحُهُ، ونَنْسى مَحَاسِنَهُ، نعم! ولا نَقْتَدِي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك».([680])

وقال أيضًا: «ولو أنَّا كلَّما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له، قُمنا عليه وبدَّعناه وهجَرناه؛ لَمَا سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا مَن هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحقِّ، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة».([681])

وقال أيضًا: «ولو أنَّ كلَّ من أخطأ في اجتهاده ـ مع صحَّة إيمانه وتوخِّيه لاتباع الحقِّ ـ أهدَرْنَاه وبدَّعْنَاه؛ لقلَّ مَنْ يَسْلَم من الأئمَّة معنا، رحم الله الجميعَ بمنِّه وكرمه».([682])

وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»([683]) في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية :

«وبالجملة كان من كبار العلماء، وممن يخطئ ويصيب، ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لُجِّيٍّ، وخطأهُ أيضًا مغفور له، كما في «صحيح الْبُخَارِيِّ»: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجتهد فأخطأ؛ فله أجر» فهو مأجور.

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا صَاحِبَ هَذَا القبر». اهـ([684])

وكتب القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني إلى العماد الأصفهاني
-رحمهما الله-
معتذرًا عن كلام استدركه عليه: «إنه قد وقع لي شيءٌ، وما أدري أوقع لك أم لا؟ وها أنا أخبرك به، وذلك أني رأيت أنه لا يَكْتُبُ إنسانٌ كتابا في يومه إلا قال في غده:

«لو غُيِّر هذا؛ لكان أحسن، ولو زِيدَ؛ لكان يُسْتَحْسَن، ولو قُدِّم هذا؛ لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا؛ لكان أجمل».

ثم عَلَّق البيساني بقوله: «وهذا من أعظم العِبَرِ، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر».([685])

وقال علاء الدين البخاري في «كشف الأسرار شرح أصول البزدوي»([686]):

«وَإِنْ لَمْ آلُ جُهْدًا فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَتَرْتِيبِهِ، وَلَمْ أَدَّخِرْ جِدًّا فِي تَسْدِيدِهِ وَتَهْذِيبِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيهِ عَثْرَةٌ وَزَلَلٌ، وَأَنْ يُوجَدَ فِيهِ خَطَأٌ وَخَطَلٌ، فَلَا يَتَعَجَّبُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ عَنْهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ، وَلَا يَسْتَنْكِفُهُ بَشَرٌ،… ثم ذكر كلام الإمام الشافعي السابق.

فإذا كان هذا كلام الجبال الرواسي؛ فماذا عسانا أن نكون؟!

لكن يجب تحرير الأمر بالوجه الشرعي، وتقرير أنّ هذا القول الذي يُسْتَنْكر على العالم خطأٌ حقًّا، وإذا كان خطأً؛ فما حدود هذا الخطأ؟ أو ما حجم هذا الخطأ؟ وهل هو خطأ في المسائل الاجتهادية، أم في المسائل الإجماعية المتفق عليها؟ وهل اختلف فيه علماء السنة قبله، أو أجمعوا على خلافه، وشنَّعُوا على المخالف فيه، وعدُّوه مبتدعًا ضالًا؟ وهل المخطئ قاصد للحق، وباذل للجهد في معرفة الحق والوصول إليه، وهو أهل لذلك، أم أنه جاهل مُتَهَوِّر، أو متلاعب بدينه، أو يُرْضِي الناس بسخط الله، وهل هو عامِّيٌّ ساكت، أو داعية لضلالة، وهل هو متأول، وقد عرضَتْ له شبهة جعلته لا يصيب الحق، أم هو معاند أو طالب دنيا ورئاسةٍ وتَصَدُّرٍ؟!… إلى غير ذلك، ثم يُحْكم عليه بما يستحق بالعدل والإنصاف، وما عنده من حق فيؤخذ عنه إذا احتيج إليه، وعند مراعاة كل ذلك، أو عند وضوح الخطأ، وإن كان المُنْكِر عليه لم يراعِ الرفق في إنكاره وهذه القيود ونحوها؛ فيجب الإذعان والرجوع إلى الحق؛ فإنّ الرجوع إلى الحق فضيلة، يرفع الله -سبحانه وتعالى- بها أهل التواضع والإذعان، ولا يترك قبول الحق لكون المتكلِّم به غير مُحْسن، أو تكلم بكلام فاحش، والله تعالى أعْلَم وأعْلَم وأحْكَم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: عددَ خَلْقه، ورضا نَفْسه، وزِنَةَ عَرْشه، ومداد كلماته.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

A

A