(لزوم العدل في الكلام والمعاملة مع المسلم والكافر)
- السؤال الثالث والأربعون: نلاحظ أنه يخالفك عددٌ من الناس، ونرى منهم عليك وعلى إخواننا بغيًا وعدوانًا وافتراءً وبُهْتانًا، ثم نَجِدُكَ تَنْهَى من يَرُدُّ عليهم بغلظةٍ وشدةٍ لِرَدِّ عدوانهم، أليس هذا من حقِّنا؟!
الجواب:
أولًا: لا ينبغي للمسلم أن يتنابز بالألقاب، ولا أنْ يتكلم في شخصٍ -وإن ظلمه- بظلمٍ أو بِجَوْرٍ، وخصومُنا -وإن كانوا في الجملة في أصلهم من أهل السنة- إنْ لم يَتَّقُوا اللهَ فينا؛ فَلْنَتَّقِ اللهَ نحن فيهم، فإن بَدَّعونا بغير حق؛ فلا نُبَدِّعهم، ولا نُخرجهم من دائرة السنة -ما داموا- بأصولها متمسِّكين، وهم وإنْ ظلمونا؛ فلا نظلمهم؛ لأنّ الظلم ظلمات، وقد رأينا عاقبة ظلم الظلمة فيهم في العاجلة قبل الآجلة، أما الرد عليهم بالعدل فجائز وقد يجب، والعفو فيما هو من حقوقنا أفضل، وهو سبيل الكبار في هممهم ونفوسهم في الجملة؛ فنحذِّر أنفسنا وإخواننا من أنْ نظلم امرءًا كافرًا، فضلًا عن أنْ نَظْلِمَ مسلمًا، ولكن نصبر، وما من فتنة في التاريخ إلا زالت، وأسْفَر الأمر عن حال أهلها وحال من ثبت في وجهها بالعلم والحلم والعدل والورع، ومن سَلَكَ مسلك الكبار؛ وجاهَدَ نفسه وصبَّرها، وطمع في المراتب العالية؛ فلن يندم -إن شاء الله- ونعوذ بالله من الخذلان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([642]) – في الكلام عن النهي عن العدوان -: «أَلَّا يَعْتَدِيَ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي بِزِيَادَةِ عَلَى الْمَشْرُوعِ: فِي بُغْضِهِمْ، أَوْ ذَمِّهِمْ، أَوْ نَهْيِهِمْ، أَوْ هَجْرِهِمْ، أَوْ عُقُوبَتِهِمْ؛ بَلْ يُقَالُ لِمَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ: عَلَيْك نَفْسَك، لَا يَضُرُّك مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْت، كَمَا قَالَ: [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ] {المائدة:2} الْآيَةَ. وَقَالَ: [ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ] {البقرة:190}، وَقَالَ: [ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ] {البقرة:193}، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْآمِرِينَ النَّاهِينَ قَدْ يَتَعَدَى حُدُودَ اللَّهِ: إمَّا بِجَهْلِ، وَإِمَّا بِظُلْمِ، وَهَذَا بَابٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَالْعَاصِينَ». اهـ
وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([643]): «فَصْلٌ:
وَالْقِصَاصُ فِي الْأَعْرَاضِ مَشْرُوعٌ أيضًا: وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَعَنَ رَجُلًا، أَوْ دَعَا عَلَيْهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا شَتَمَهُ بِشَتْمَةِ لَا كَذِبَ فِيهَا، وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ] {الشورى:40-41}، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «الْمُسْتَبَّانِ: مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ». وَيُسَمَّى هَذَا الِانْتِصَارَ وَالشَّتِيمَةَ الَّتِي لَا كَذِبَ فِيهَا، مِثْلَ: الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْقَبَائِحِ، أَوْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَلْبِ، أَوْ الْحِمَارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَأَمَّا إنْ افْتَرَى عَلَيْهِ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَفَّرَهُ أَوْ فَسَّقَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَهُ أَوْ يُفَسِّقَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوْ لَعَنَ أَبَاهُ أَوْ قَبِيلَتَهُ أَوْ أَهْلَ بَلَدِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى عَلَى أُولَئِكَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَظْلِمُوهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: [ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8} فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَحْمِلَهُمْ بُغْضُهُمْ لِلْكُفَّارِ عَلَى أَلَّا يَعْدِلُوا، وَقَالَ: [ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ] {المائدة:8}.
فَإِنْ كَانَ الْعُدْوَانُ عَلَيْهِ فِي الْعِرْضِ مُحَرَّمًا لِحَقِّهُ؛ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْأَذَى؛ جَازَ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِمِثْلِهِ؛ كَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا دَعَاهُ؛ وَأَمَّا إذَا كَانَ مُحَرَّمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى: كَالْكَذِبِ؛ لَمْ يَجُزْ بِحَالِ، وَهَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إذَا قَتَلَهُ بِتَحْرِيقِ أَوْ تَغْرِيقٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ، مَا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُحَرَّمًا فِي نَفْسِهِ: كَتَجْرِيعِ الْخَمْرِ، وَاللِّوَاطِ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ إلَّا بِالسَّيْفِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ». اهـ
وقال كما في «مجموع الفتاوى»([644]):
«بَلْ الْعَدْلُ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالظُّلْمُ لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْهُ بِحَالِ، حَتَّى إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْدِلُوا عَلَى الْكُفَّارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: [ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ] {المائدة:8}.
وَالْمُؤْمِنُونَ كَانُوا يُعَادُونَ الْكَفَّارَ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَقَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا: لَا يَحْمِلُكُمْ بُغْضُكُمْ لِلْكُفَّارِ عَلَى أَنْ لَا تَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ، بَلْ اعْدِلُوا عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى». اهـ
وقال في «منهاج السنة النبوية»([645]):
«وَهَكَذَا الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ: إِنْ لَمْ يَقْصِدْ -يعني الرَّادَّ- فِيهِ بَيَانَ الْحَقِّ، وَهُدَى الْخَلْقِ، وَرَحْمَتَهُمْ، وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ؛ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ صَالِحًا، وَإِذَا غَلَّظَ فِي ذَمِّ بِدْعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ؛ كَانَ قَصْدُهُ بَيَانَ مَا فِيهَا مِنَ الْفَسَادِ؛ لِيَحْذَرَهَا الْعِبَادُ، كَمَا فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُهْجَرُ الرَّجُلُ عُقُوبَةً وَتَعْزِيرًا، وَالْمَقْصُودُ بِذَلِكَ رَدَعُهُ وَرَدَعُ أَمْثَالِهِ؛ لِلرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، لَا لِلتَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ». اهـ
فيا سبحان الله، ما أعظم هذا الدين، وما أَصْفَى مشارِبَ الأئمة الكبار، وما أدراهم وأخبرهم بسراديب النفوس ودهاليزها المظلمة، وما أَنْصَحَهم للعباد!!
وقال القرافي في «الفروق»([646]):
«أربابُ البدعِ والتصانيفِ المُضِلَّة ينبغي أن يُشْهِرُ الناسُ فسادَهَا وعَيْبَهَا، وأنهم على غير الصواب؛ ليحذرها الناس الضعفاء، فلا يقعوا فيها، ويُنَفِّرَ عن تلك المفاسد ما أَمْكَن، بشرط أن لا يَتَعَدَّى فيها الصدق، ولا يَفْتَرِي على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يَفْعَلوه، بل يَقْتَصِر على ما فيهم من المنفِّرات خاصة، فلا يقال على المبتدع: إنه يَشْرَبُ الخمر، ولا أنه يَزْني، ولا غير ذلك مما ليس فيه، وهذا القسم داخل في النصيحة، غير أنه لا يتوقف على المشاورة، ولا مقارنة الوقوع في المفسدة، ومن مات من أهل الضلال، ولم يترك شيعة تُعَظِّمْه، ولا كُتُبًا تُقْرَأ، ولا سببا يُخْشَى منه إفسادٌ لغيره؛ فينبغي أن يُسْتَر بستْر الله تعالى، ولا يُذْكَر له عَيْبٌ ألبتة، وحسابه على الله تعالى، وقد قال : «اذكروا محاسن موتاكم».([647])
قال: فالأَصْلُ اتِّباع هذا إلا ما استثناه صاحبُ الشرع». اهـ
ثانيًا: فَضْلُ الصَّبْرِ على أَذَى الناس، وتَرْكِ الانتقامِ منهم:
لقد عَقَد شيخ الإسلام فصلًا في «جامع المسائل»([648]) تَحَدَّث فيه عن الصبر على أذى الناس والبُعْدِ عن الانتقام، فقال :
«ويُعِينُ العبدَ على هذا الصبر عدّةُ أشياءَ:
أحدها: أن يشهدَ أن الله -سبحانه وتعالى- خالقُ أفعالِ العباد، حركاتِهم وسَكَناتِهم وإراداتِهم، فما شاءَ الله كان، ومالم يشأ لم يكن، فلا يتحرك في العالم العُلْوِيّ والسّفليّ ذرَّة إلّا بإذنه ومشيئتِه، فالعباد آلة، فانظر إلى الذي سَلَّطَهم عليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بكَ؛ تَسْتَرِحْ من الهمّ والغَمِّ.
الثاني: أن يَشْهَد ذُنُوبَه، وأنّ الله إنما سلَّطهم عليه بذنبه، كما قال تعالى: [ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ] {الشورى:30}.
فإذا شَهِدَ العبدُ أن جميع ما يناله منْ المكروه فسببُه ذنوبُه؛ اشتغلَ بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلَّطهم عليه بسببها عن ذَمِّهم ولَومِهم والوقيعةِ فيهم.
وإذا رأيتَ العبدَ يقع في الناس إذا آذَوْه، ولا يَرجع إلى نفسِه باللوم والاستغفار؛ فاعلمْ أن مصيبتَه مصيبةٌ حقيقية، وإذا تاب واستغفر، وقال: هذا بذنوبي؛ صارتْ في حقّهِ نعمةً، قال علي بن أبي طالب -كرَّمَ الله وجهَه- كلمةً من جواهرِ الكلام: «لا يَرجُوَنَّ عبدٌ إلّا ربَّه، ولا يَخافَنَّ عبدٌ إلّا ذنبَه».([649])
ورُوِي عنه وعن غيرِه: «ما نزلَ بلاءٌ إلّا بذنبٍ، ولا رُفِع إلّا بتوبة».([650])
الثالث: أن يشهد العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وَعَدَهُ الله لمن عَفَا وصَبَر، كما قال تعالى: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ] {الشورى:40}، ولمّا كان الناسُ عند مقابلة الأذى ثلاثةَ أقسامٍ: ظالمٌ يأخذ فوق حقّه، ومُقْتَصِدٌ يأخذ بقدرِ حقِّه، ومُحْسِنٌ يعفو ويترك حقَّه؛ ذَكَر الأقسامَ الثلاثة في هذه الآية، فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين.
ويَشْهَدُ نداءَ المنادي يوم القيامة: «ألاَ لِيَقُمْ مَن وَجَب أجرُه على الله؛ فلا يَقُوم إلّا مَنْ عَفَا وأَصْلَح».([651])
وإذا شهِدَ مع ذلك فوتَ الأجر بالانتقام والاستيفاء؛ سَهُلَ عليه الصبْرُ والعَفْوُ.
الرابع: أن يَشْهَد أنه إذا عَفا وأحسنَ؛ أورثَه ذلك من سلامةِ القلب لإخوانه، ونَقائِه من الغِشّ والغِلّ، وطلبِ الانتقام، وإرادةِ الشرّ، وحصَلَ له من حلاوة العفو ما يزيد لذّتُهُ ومنفعتُهُ عاجلًا وآجلًا، على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافًا مضاعفةً، ويَدْخُلُ في قوله تعالى: [ﭩ ﭪ ﭫ] {آل عمران:134}، فيصير محبوبًا لله، ويصير حالُه حالَ من أُخِذَ منه درهمٌ، فعُوضَ عليه ألوفًا من الدنانير، فحينئذٍ يَفرحُ بما منَّ الله عليه أعظمَ فرحًا يكون.
الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قَطُّ لنفسه؛ إلّا أورثَه ذلك ذُلًّا يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزَّه الله -تعالى-، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق، حيث يقول: «ما زاد الله عبدًا بعَفْوٍ إلّا عزًّا».([652])
فالعزّ الحاصل له بالعفو أحبّ إليه، وأنفع له من العزّ الحاصل له بالانتقام، فإنّ هذا عِزٌّ في الظاهر، وهو يُورِث في الباطن ذُلًّا، والعفوُ ذُلٌّ في الباطن، وهو يورث العزَّ باطنًا وظاهرًا.
السادس: وهي من أعظم الفوائد -: أن يَشهدَ أن الجزاء من جنس العمل، وأنه نَفْسهُ ظالمٌ مُذْنِبٌ، وأنّ من عَفا عن الناس؛ عَفَا الله عنه، ومن غَفَر لهم؛ غَفَر الله له، فإذا شَهِدَ أن عفوه عنهم وصفحَه وإحسانَه مع إساءتِهم إليه سببٌ لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله؛ فيعفو عنه ويَصْفَح، ويُحسِن إليه على ذنوبه، ويَسْهُل عليه عفوُه وصبرُه، ويكفي العاقلَ هذه الفائدةُ.
السابع: أن يَعلم أنه إذا اشتغلتْ نفسُه بالانتقام وطلب المقابلة؛ ضاعَ عليه زمانُه، وتفرَّقَ عليه قلبُه، وفاتَه من مصالحِه مالا يُمكِن استدراكُهُ، ولعلّ هذا أعظم عليه من المصيبة التي نالتْه من جهتهم، فإذا عفا وصَفحَ؛ فَرَّغَ قَلْبَهُ وجِسْمَهُ لمصالحه التي هي أهمُّ عنده من الانتقام.
الثامن: أن انتقامَه واستيفاءَه وانتصارَه لنفسِه،… فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما انتقمَ لنفسِه قَطُّ، فإذا كان هذا خيرُ خَلْقِ الله وأكرمُهم على الله لم يَنتقِمْ لنفسِه، مع أن أَذَاه أَذَى الله، ويتعلّقُ به حقوقُ الدين، ونَفْسُهُ أَشْرَفُ الأنفُس وأزكاها، وأبرُّها، وأبعدُها من كلّ خُلُقٍ مذمومٍ، وأحقُّها بكل خُلُقٍ جميلٍ، ومع هذا فلم يكن يَنتقِم لها؛ فكيف يَنتقِمُ أحدنا لنفسِه التي هو أعلم بها وبما فيها من الشرور والعيوب، بل الرجل العارف لا تُساوِي نفسُه عنده أن ينتقم لها، ولا قَدْرَ لها عنده يُوجِبُ عليه انتصارَه لها.
التاسع: إن أُوذِيَ على ما فعلَه لله، أو على ما أُمِرَ به من طاعتِه ونُهِي عنه من معصيتِه؛ وجبَ عليه الصبرُ، ولم يكن له الانتقام؛ فإنّه قد أوذِي في الله؛ فأجرُه على الله، ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبتْ دماؤهم وأموالُهم في الله؛ لم تكن مضمونةً؛ فإن الله اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله لا على الخلق، فمن طلبَ الثمنَ منهم؛ لم يكن له على الله ثمنٌ، فإنه من كان في الله تَلَفُه؛ كان على الله خَلَفُه، وإن كان قد أُوذِي على مصيبة؛ فليَرجعْ باللومِ على نفسِه، ويكون في لَومِه لها شُغْلٌ عن لَومِه لمن آذاه، وإن كان قد أُوذِي على حظّ؛ فليُوطِّن نفسَه على الصبر؛ فإنّ نيلَ الحُظوظِ دونَه أمرٌ أَمَرُّ من الصَّبِر([653])، فمن لم يصبر على حرِّ الهَوَاجر والأمطارِ والثلوج ومشقةِ الأسفارِ ولصوصِ الطريقِ؛ وإلّا فلا حاجةَ له في المتاجر.
وهذا أمرٌ معلوم عند الناس: أنّ مَن صدَقَ في طلب شيء من الأشياء؛ بذل من الصبر في تحصيله بقدر صدقِه في طلبِه.
العاشر: أن يَشهدَ معيَّهَ الله معه إذا صَبَر، ومحبَّهَ الله له إذا صَبَر، ورِضاه، ومن كان الله معه؛ دَفَع عنه أنواعَ الأذى والمضرَّات مالا يَدفعُه عنه أحدٌ من خلقِه، قال تعالى: [ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ] {الأنفال:46}، وقال تعالى: [ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ] {آل عمران:146}.
الحادي عشر: أن يَشهد أن الصبرَ نِصفُ الإيمان، فلا يبدّل من إيمانه جَزاءً في نُصرةِ نفسِه، فإذا صَبَر؛ فقد أَحرزَ إيمانَه، وصانَه من النقص، والله يدفع عن الذين آمنوا.
الثاني عشر: أن يشهد أنّ صبرَه حُكْمٌ منه على نفسِه، وقَهْرٌ لها وغَلَبةٌ لها، فمتَى كانتِ النفسُ مقهورةً معَه مغلوبةً؛ لم تطمعْ في استرقاقِه وأَسْرِه وإلقائِه في المهالك، ومتى كان مطيعًا لها، سامعًا منها، مقهورًا معها؛ لم تزَلْ به حتَّى تُهلِكَه، أو تتداركَه رحمةٌ من ربِّه، فلو لم يكن في الصبر إلّا قَهرُه لنفسِه ولشيطانِه؛ فحينئذٍ يَظهرُ سلطانُ القلبِ، وتَثبُتُ جنودُه، ويَفرَحُ، ويَقوَى، ويَطْرُد العدوَّ عنه.
الثالث عشر: أن يَعْلَم أنه إن صبرَ؛ فاللهُ ناصرُه ولابُدَّ، فاللهُ وكيلُ من صَبر، وأحالَ ظالمه على الله، ومن انتصَر لنفسِه؛ وكلَهُ اللهُ إلى نفسِه، فكان هو الناصر لها، فأينَ مَن ناصِرُه اللهُ خيرُ الناصرين إلى مَن ناصِرُه نفسُه أَعْجَزُ الناصرين وأضعفُه؟
الرابع عشر: أن صَبْرَه على من آذاه واحتمالَه له يُوجِبُ رجوعَ خَصْمِه عن ظُلمِه، ونَدامتَه واعتذارَه، ولومَ الناسِ له، فيعودُ بعد إيذائِه له مُسْتَحْيِيًا منه، نادمًا على ما فعلَه، بل يَصيرُ مواليًا له، وهذا معنى قوله تعالى: [ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ] { فصلت:34-35}.
الخامس عشر: ربّما كان انتقامُه ومقابلتُه سببًا لزيادة شرِّ خصمِه، وقوّةِ نفسِه، وفكرته في أنواع الأذى التي يُوصِلُها إليه، كما هو المشاهَد، فإذا صبر وعفا؛ أَمِنَ من هذا الضرر، والعاقلُ لا يختارُ أعظمَ الضررين بدَفْعِ أدناهما، وكم قد جلبَ الانتقامُ والمقابلةُ من شرٍّ عَجَزَ صاحبُه عن دفعِه، وكم قد ذهبتْ نفوسٌ ورِئاسَاتٌ وأموالٌ لَو عفا المظلومُ لبقيتْ عليه.
السادس عشر: أنّ من اعتادَ الانتقام، ولم يَصبِرْ؛ لابُدَّ أن يقعَ في الظلم؛ فإنّ النفس لا تَقتصِرُ على قدرِ العَدْل الواجب لها، لا علمًا ولا إرادةً، وربما عجزت عن الاقتصار على قدرِ الحقِّ، فإنّ الغضبَ يَخرُجُ بصاحبه إلى حدٍّ لا يَعقِلُ ما يقول ويفعل، فبينما هو مظلوم يَنتظِرُ النَّصْرَ وَالعِز؛ إذ انقلبَ ظالمًا يَنتظِرُ المقتَ والعقوبةَ.
السابع عشر: أنّ هذه المَظْلَمةَ التي ظُلِمَها هي سبب إمّا لتكفيرِ سيئتِه، أو رَفْعِ درجتِه، فإذا انتقمَ ولم يَصبِرْ؛ لم تكنْ مُكفِّرةً لسيئتِه، ولا رافعةً لدرجتِه.
الثامن عشر: أنّ عفوَه وصبرَه من أكبر الجُنْدِ له على خَصْمِه؛ فإنّ من صَبَر وعفا؛ كان صبرُه وعفوه مُوجِبًا لذُل عدوِّه وخوفِه وخَشيتِه منه ومن الناس؛ فإنّ الناس لا يَسْكُتون عن خصمِه، وإن سَكتَ هو، فإذا انتقمَ؛ زالَ ذلك كلُّه، ولهذا تَجِدُ كثيرًا من الناس إذا شَتَم غيرَه أو آذاه؛ يُحِبُّ أن يَستوفيَ منه، فإذا قابله؛ استراحَ، وألقَى عنه ثِقلًا كان يجده.
التاسع عشر: أنه إذا عفا عن خصمِه؛ استشعرتْ نفسُ خصمِه أنه فوقَه، وأنه قد رَبِحَ عليه، فلا يزال يرى نفسَه دونَه، وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للعفو.
العشرون: أنه إذا عفا وصَفَحَ؛ كانت هذه حسنةً، فتُوَلِّدُ له حسنةً أخرى، وتلك الأخرى تُولِّدُ له أخرى، وهَلُمَّ جَرًّا، فلا تزال حسناتُه في مزيد، فإنّ من ثواب الحسنةِ الحسنة، كما أنّ من عقاب السيئةِ السيئة بعدها، وربَّما كان هذا سببًا لنجاتِه وسعادتِه الأبدية، فإذَا انتقم وانتصرَ؛ زال ذلك». اهـ
قلت: وهذا كلام عظيم نافع في التربية للقلب والجوارح، ولذلك حَرِصْتُ على نَقْلِهِ بتمامه، فرحم اللهُ شيخ الإسلام رحمة واسعة، ونفعنا بعلومه وغيره من العلماء.
وقال الإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»([654]) – في سياق كلام له عن درجات الفتوة -:
«الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تُقَرِّبَ مَنْ يُقْصِيكَ، وَتُكْرِمَ مَنْ يُؤْذِيكَ، وَتَعْتَذِرَ إِلَى مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ، سَمَاحَةً لَا كَظْمًا، وَمَوَدَّةً لَا مُصَابَرَةً.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهَا وَأَصْعَبُ؛ فَإِنَّ الْأُولَى: تَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْمُقَابَلَةِ وَالتَّغَافُلَ، وَهَذِهِ تَتَضَمَّنُ الْإِحْسَانَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَمُعَامَلَتَهُ بِضِدِّ مَا عَامَلَكَ بِهِ، فَيَكُونُ الْإِحْسَانُ وَالْإِسَاءَةُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ خُطَّتَيْنِ: فَخُطَّتُكَ: الْإِحْسَانُ، وَخَطَّتُهُ: الْإِسَاءَةُ، وَفِي مَثْلِهَا قَالَ الْقَائِلُ:
| إِذَا مَرِضْنَا أَتَيْنَاكُمْ نَعُودُكُمُ | وَتُذْنِبُونَ فَنَأْتِيكُمْ وَنَعْتَذِرُ |
وَمَنْ أَرَادَ فَهْمَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ كَمَا يَنْبَغِي؛ فَلْيَنْظُرْ إِلَى سِيرَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ النَّاسِ؛ يَجِدْهَا هَذِهِ بِعَيْنِهَا، وَلَمْ يَكُنْ كَمَالُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، ثُمَّ لِلْوَرَثَةِ مِنْهَا بِحَسَبِ سِهَامِهِمْ مِنَ التَّرِكَةِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَجْمَعَ لِهَذِهِ الْخِصَالِ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ – قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ – وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْأَكَابِرِ يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي لِأَصْحَابِي مِثْلُهُ لِأَعْدَائِهِ وَخُصُومِهِ.
وَمَا رَأَيْتُهُ يَدْعُو عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَطُّ، وَكَانَ يَدْعُو لَهُمْ.
وَجِئْتُ يَوْمًا مُبَشِّرًا لَهُ بِمَوْتِ أَكْبَرِ أَعْدَائِهِ، وَأَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً وَأَذًى لَهُ؛ فَنَهَرَنِي، وَتَنَكَّرَ لِي، وَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَامَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى بَيْتِ أَهْلِهِ؛ فَعَزَّاهُمْ، وَقَالَ: إِنِّي لَكُمْ مَكَانَهُ، وَلَا يَكُونُ لَكُمْ أَمْرٌ تَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى مُسَاعَدَةٍ إِلَّا وَسَاعَدْتُكُمْ فِيهِ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ، فَسُّرُوا بِهِ، وَدَعَوْا لَهُ، وَعَظَّمُوا هَذِهِ الْحَالَ مِنْهُ. فَ وَرَضِيَ عَنْهُ، وَهَذَا مَفْهُومٌ». اهـ
وقال أيضًا في «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين»([655]):
«الْمَشْهَدُ السَّادِسُ: مَشْهَدُ السَّلَامَةِ وَبَرْدِ الْقَلْبِ، وَهَذَا مَشْهَدٌ شَرِيفٌ جِدًّا لِمَنْ عَرَفَهُ، وَذَاقَ حَلَاوَتَهُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ وَسِرُّهُ بِمَا نَالَهُ مِنَ الْأَذَى، وَطَلَبِ الْوُصُولِ إِلَى دَرْكِ ثَأْرِهِ، وَشِفَاءِ نَفْسِهِ، بَلْ يُفَرِّغُ قَلْبَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّ سَلَامَتَهُ وَبَرْدَهُ وَخُلُوَّهُ مِنْهُ أَنْفَعُ لَهُ، وَأَلَذُّ وَأَطْيَبُ، وَأَعْوَنُ عَلَى مَصَالِحِهِ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ؛ فَاتَهُ مَا هُوَ أَهَمُّ عِنْدَهُ، وَخَيْرٌ لَهُ مِنْهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَغْبُونًا، وَالرَّشِيدُ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ السَّفِيهِ، فَأَيْنَ سَلَامَةُ الْقَلْبِ مِنِ امْتِلَائِهِ بِالْغِلِّ وَالْوَسَاوِسِ، وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي إِدْرَاكِ الِانْتِقَامِ؟.
الْمَشْهَدُ السَّابِعُ: مَشْهَدُ الْأَمْنِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْمُقَابَلَةَ وَالِانْتِقَامَ؛ أَمِنَ مَاهُو شَرٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا انْتَقَمَ؛ وَاقَعَهُ الْخَوْفُ وَلَا بُدَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَزْرَعُ الْعَدَاوَةَ، وَالْعَاقِلُ لَا يَأْمَنُ عَدُوَّهُ، وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا، فَكَمْ مِنْ حَقِيرٍ أَرْدَى عَدُوَّهُ الْكَبِيرَ؟ فَإِذَا غَفَرَ، وَلَمْ يَنْتَقِمْ، وَلَمْ يُقَابِلْ؛ أَمِنَ مِنْ تَوَلُّدِ الْعَدَاوَةِ، أَوْ زِيَادَتِهَا، وَلَا بُدَّ أَنَّ عَفْوَهُ وَحِلْمَهُ وَصَفْحَهُ يَكْسِرُ عَنْهُ شَوْكَةَ عَدُوِّهِ، وَيَكُفُّ مِنْ جَزَعِهِ، بِعَكْسِ الِانْتِقَامِ، وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِذَلِكَ أيضًا». اهـ
ثالثًا: وها هو الإمام الذهبي يبين أن بُغْضَ المبتدعة بلا ميزان شرعي؛ أدى بالبعض إلى تجاوز طريقة السلف، والعدول عن النهج السَّوِيِّ، فقال في ترجمة يحيى بن عمار : «وكان مُتَحَرِّقًا على المبتدعة والجهمية، بحيث يؤول به ذلك إلى تجاوز طريقة السلف، وقد جعل الله لكل شيء قدرا». اهـ([656])
وفي ترجمة ابن منده : «أنه نَهَى عن الدخول على بعض من وقع في مخالفة مذهب السلف في أمور تخص الاعتقاد، وقال (أي: ابن منده): «على الداخل عليهم: أُحَرِّجُ أن يَدْخُل مجلسنا، أو يَسْمَع منا، أو يَرْوِي عنا؛ فإن فعل؛ فليس هو منا في حِلّ».
فَعَلَّقَ الذهبي على ذلك، فقال: «قلت: ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدَّة، فيقع في الهجران المحرم، وربما أَفْضَى ذلك إلى التكفير والسَّعْيِ في الدم». اهـ([657])
قلت: وكذلك الغلاة: فمنهم من كفَّر بعض دعاة أهل السنة، وكثير منهم يكتب التقارير الظالمة المليئة بالبهتان والكذب والادعاءات والافتراءات التي ليس لها أصل -لا من قريب ولا من بعيد- إلا الحسد وحبّ الانتقام من الشخص؛ فيفضي ذلك إلى سجنه وضربه وإيذاء أهله، مع أنه برئ براءة الذئب من دم ابن يعقوب -عليهما السلام- كما يُقال، بل هو رافع رأسه بالتحذير من دعاة الفوضى والقلاقل والفتن المسلَّحة وغيرها، ثم يتهمونه بذلك ونحوه!!! كل ذلك لكونه خالفهم في تبديع فلان، أو هَجْر فلان!!!
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي في «الرد الوافر»([658]):
«فَهَل بعد هَذَا الْوَعيد من مزِيد فِي التهديد؟ وَلَعَلَّ الشَّيْطَان يزين لمن اتبع هَوَاهُ، وَرَمَى بالْكفْر وَالْخُرُوج من الْإِسْلَام أَخَاهُ، أَنه تكلم فِيهِ بِحَق ورماه، وَأَنه من بَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، لَا يَسعهُ السُّكُوت عَن الْقَلِيل من ذَلِك، فَكيف بالجليل؟!
هَيْهَات هَيْهَات، إِن فِي مجَال الْكَلَام فِي الرِّجَال عقبات، مُرْتَقِيها على خَطَر، ومُرْتَقِبها هَوَىً لَا مَنْجَى لَهُ من الإثم وَالوَزَرَ، فَلَو حاسب نَفسه الرَّامِي أَخَاهُ مَا السَّبَب الَّذِي هاج ذَلِك؟ لتحَقّق أَنه الْهوى الَّذِي صَاحِبُهُ هَالك». اهـ
والله -سبحانه وتعالى- يقتصُّ للشاة الجماء من الشاة القرناء، وهذه شاة وتلك شاة، فنعوذ بالله من الظلم والبَغْي([659])!!
فالمقصود من هذه النقولات: أن نجاهد أنفسنا، ونُرَوِّضُها على مكارم الأخلاق: الصبر، ثم العفو، ثم الإحسان إلى من أساء إلينا،… إلخ؛ لعلَّنا نُدرك سهمًا من تركة النبوة، ونكون بذلك من ورثته الصادقين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: عددَ خَلْقه، ورضا نَفْسه، وزِنَةَ عَرْشه، ومداد كلماته.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
A
A
[44]قبول الحق ممن قاله وإن كان صاحب ذنوب، وعدم إسقاط العالم بكل خطأ يقع فيه













