(الفتن إذا أَقْبَلَتْ عَرَفها العلماء، وإذا أَدْبَرَتْ عَرَفها الجهلاء)
- السؤال الثاني والأربعون: هل من الممكن التَّبَصُّر ببذور الفتن والبدع والغُلُوّ في بداية نَشْأتها، وبَذْر بذرتها؟
الجواب:
أولًا: الناس رجلان: رجل يَحْمل الدعوة، ورجلٌ تحمله الدعوة.
فالصنف الأول: يفتح الله به آفاقا نافعة للدعوة، ويهدي الله على يديه الكثير، والآخر حِمْل ثقيل على أكتاف الدعاة، وحُفْرة عميقة في الطريق؛ لابد من اجتنابها، والابتعاد عنها، أو الالْقاء بهذا الحِمْل عن عاتق الدعوة والدعاة، والتخلُّص منه.
وهذا الصنف الأول: ممن أكرمه الله بالعقل الراجح، والعمل الناجح، فحيثما توجه؛ أَقْبَلَتْ القلوب عليه، واجتمع به شمل الدعوة، وجَنَّبَ بِحِكْمَتِهِ ووافر عقله -بعد توفيق الله له-الدعوةَ المصادماتِ المهلكةَ، وأسباب الشقاق والنزاع والتَّفْرقة.
والصنف الثاني: لا ينزل بلدًا إلا وفرَّق صفوف إخوانه، وحزَّبهم فرقا وأحزابًا، وشغلهم بقضايا لا يحتاجون إليها -وعلى الأقل لا يحتاجون إليها في هذه المرحلة- وصنّف الموافق له منهم والمخالف على ضوء ذلك، ونفخ في كير نار الفتنة والولاء والبراء بينهم، وهو يظن أنه يحسن صنعا، ويقيم سنة، ويهدم باطلًا، ويغار على دين الله، ويأمر بمعروف ويَنْهَى عن منكر، ويحيي منهج السلف في التحديد من أهل البدع!!
ورحم الله عبد الله بن المبارك -الرجلُ الذي جُمعت فيه خصال الخير- الذي سُئل:
أَيُّ خَصْلَةٍ فِي الْإِنْسَانِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «غَرِيزَةُ عَقْلٍ»، قيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: «فَأَدَبٌ حَسَنٌ»، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: «أَخٌ شَقِيقٌ يُشَاوِرُهُ»، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: «فَصَمْتٌ طَوِيلٌ»، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: «فَمَوْتٌ عَاجِلٌ».!!([633])
ثانيًا: من المهم أنْ تكون هناك فراسة شرعية، وأن يعرف المرء عاقبة الانحراف الخفيف في بدايته، وكيف ستكون نهايته، فيَحْذر ويُحَذِّر منه في بدايته قبل استفحال أَمْرِهِ وخَطَره، ويصرح بأن عاقبة هذا الفكر لو استمر الناس عليه، وتهاونوا في المبادرة بعلاجه أو استئصاله؛ فإنه سيُفْضي إلى شر عظيم، وبلاء جسيم، كما هو معروف في بداية انحراف أهل البدع، وكما هو معروف عند الأطباء في بداية ظهور مرض السرطان القاتل في الأجسام، فإن لم يُسْتأصل من بدايته؛ فقد يقتل صاحبه، والضلالات في بدايتها لابد من حسم مادة الشر فيها، وإلا قتلت من البشر عبر الأجيال ما لا يعلمه إلا الله!! ورحم الله من قال: «الفتن إذا أَقْبَلَتْ عَرَفَهَا العلماء، وإذا أَدْبَرَتْ عرفها كل الناس».
روى الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم»([634]): عن أَيُّوبِ السَّخْتِيَانِيِّ؛ قَال: كَانَ الْحَسَنُ يُبْصِرُ مِنَ الْفِتْنَةِ إِذَا أَقْبَلَتْ، كَمَا نُبْصِرُ نَحْنُ مِنْهَا إِذَا أَدْبَرَتْ.
وروى أبو نعيم في «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء»([635]): عن الْحَسَنِ قال: «إِنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ؛ عَرَفَهَا الْعَالِمُ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ؛ عَرَفَهَا كُلُّ جَاهِلٍ».
وفي «السنن الواردة في الفتن» للداني([636]): عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ؛ تَشَبَّهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ؛ تَبَيَّنَتْ».
وقد ورد في «سنن الدارمي» في قصة ابن مسعود -رضي الله عنه- مع القوم الذين كانوا في مسجد الكوفة، وبالرغم من أنّ هؤلاء ما كانوا يفعلون شيئًا من الفواحش: من زنا، أو سرقة، أو شرب خمر، أو قذف محصنات، إنما جلسوا في المسجد، وتحلقوا على التسبيح والتهليل والتكبير، وفي وسط كل حَلَقة من يقول: سبِّحوا مائة، كبّروا مائة، هلّلوا مائة…الخ!!([637])
لكن ابن مسعود -رضي الله عنه- بفطنته وفِراسته الموفَّقة؛ عَرَفَ منهم الغلو، ورأى منهم أنّ هؤلاء نواة شَرٍّ لفرقة الغلاة، وأنّ هؤلاء بذرة فتنة -وإن كان ظاهر عملهم حسنا، لكن الغلو ليس لشرِّه نهاية- فقال لهم: إما أنَّكم على مِلَّةٍ أَهْدى مِنْ مِلَّةِ محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو أنكم تفتتحون باب ضلالة، فقالوا: لماذا يا ابن مسعود، ونحن نسبح ونهلل ونكبر؟ وما أردنا إلا خيرا، فقال: كم من مريد للخير لا يدركه، ثم فأخبرهم بأنّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حديثُ عَهْدٍ بالموت، وأنّ هذه ثيابه لم تَبْلَ بَعْدُ، وأن هؤلاء أصحابه متوافرون بينهم، ومن كان كذلك؛ فلا يُسرع من بعده في الانحراف والهلكة، فذكر لهم أنهم سيأتون بملةٍ فاسدة، ونِحْلَةٍ كاسدة، ثم ساق لهم حديث النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الخوارج، ثم قال: والله، ما أُراكم إلا منهم، فهذه فراسة شرعية عظيمة، فراسة من ينظر بنور الله -جَلَّ وتقدست أسماؤه- ومن امتلأ قلبه بنور الكتاب والسنة، إنها فراسة من أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عندما رأى أنّ هؤلاء بدأوا الانحرافَ بعملٍ ظاهره أنه عَمَلٌ صالح، وأن ظاهره الرحمة، ولكن مآلهم سيؤول إلى الفتنة وحَمْل السيف، فصارَحَهُم بحقيقة الأمر حالًا ومآلًا، فكانوا قتلى يوم النهروان مع الخوارج، فَصَدَقَتْ فيهم فراسة العبد التقي الصالح: عبد الله بن مسعود، فلله دَرُّه، وما أحوج الدعوة في كل زمان ومكان إلى هذه القلوب الطاهرة، والعقول النيرة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
فأهل العلم يعرفون الذرائع والأبواب التي يُتَذَرَّع بها إلى الشر، فيسدون أبواب هذه الذرائع في بدايتها، والغلو والإسراف والإجحاف شر عظيم، فالغالي يعجبك اليوم بقوة غيرته، وعظيم همته، وغدًا يكون عليك بسيفه ولسانه وقلمه، والغالي يمشي بِخُطًى حثيثة سريعة، فإذا مَشِيتَ أنت مُتَأنِّيًا، وعلى تُؤَدةٍ؛ اتهمك ورماك بالتقصير والتفريط والخيانة!!
ثالثًا: البدع والانحرافات تبدأ صغيرةً، فإذا تُرِكَتْ وأُهْمِلَتْ؛ اسْتَفْحَلَ أَمْرُها، وعَظُم خَطَرُها:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([638]):
«فَالْبِدَعُ تَكُونُ فِي أَوَّلِهَا شِبْرًا، ثُمَّ تَكْثُرُ فِي الأتْبَاعِ؛ حَتَّى تَصِيرَ أَذْرُعًا وَأَمْيَالًا وَفَرَاسِخَ». اهـ
وقال أيضًا كما في «مجموع الفتاوى»([639]) – في معرض ذكر بعض العقائد المنحرفة التي عند الغلاة من الاتحادية وغيرهم -:
«فَهُمْ يَقُولُونَ فِي عُمُومِ الْكَائِنَاتِ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَلِهَذَا تَنَوَّعُوا فِي ذَلِكَ تَنَوُّعَ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَمِنْ الْأَنْوَاعِ الَّتِي فِي دَعْوَاهُمْ: أَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ الْمَعْرُوفِينَ، بَلْ الرَّجُلُ أَجَلُّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ إيمَانًا مِنْ أَنْ يَفْتَرِيَ هَذَا الْكُفْرَ الصَّرِيحَ، وَلَكِنْ أَخْطَأَ شِبْرًا، فَفَرَّعُوا عَلَى خَطَئِهِ مَا صَارَ كُفْرًا». اهـ
وقال أيضًا في «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية»([640]): «ولهذا يوجد في كلام هذا وأبي حامد ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي وذويه، ويوجد في كلام هذا وأبي المعالي وأبي حامد من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه.
ويوجد في كلام أبي الحسن من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كُلَّاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه، ويوجد في كلام ابن كُلَّاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة، وإذا كان الغلط شبرا؛ صار في الأَتْباع ذراعا، ثم باعا، حتى آل هذا المآل، فالسعيدُ مَنْ لَزِمَ السنة». اهـ
قال الشاطبي في «الاعتصام»([641]): «فَليَتَّقِ امرؤٌ رَبَّهُ، ولْيَنْظُرْ قبل الإحداث في أي مَزَلَّة يَضَعُ قَدَمَه؛ فإنه في مَحْصُول أَمْرِهِ، يَثِقُ بعقله في التشريع، ويَتَّهِمُ رَبَّهُ فيما شَرَعَ، ولا يدري المسكين ما الذي وُضع له في ميزان سيئاته، مما ليس في حسابه، ولا شَعَرَ أنه مِنْ عَمَلِهِ، فما من بِدْعة يبتدعها أحد، فيعمل بها مَنْ بعده؛ إلا كُتب عليه إثم ذلك العامل، زيادة إلى إثم ابتداعه أولًا، ثم عَمَلِهِ ثانيًا، وإذا ثبت أن كل بدعة تُبتدع؛ فلا تزداد على طول الزمان إلا مُضيًّا – حسبما تقدم- واشتهارًا وانتشارًا؛ فعلى وِزان ذلك؛ يكون إثم المبتدع لها، كما أن من سَنَّ سُنَّةً حسنة؛ كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وأيضًا: فإذا كانت كل بدعة يَلْزَمُها إماتَةُ سُنَّةٍ تقابلها؛ كان على المبتدع إثم ذلك أيضًا، هو إثم زائد على إثم الابتداع، وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة بالعمل بها؛ لأنها كلما تجددت في قول أو عمل؛ تجددت إماتة السنة كذلك…». اهـ.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: عددَ خَلْقه، ورضا نَفْسه، وزِنَةَ عَرْشه، ومداد كلماته.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
A
A
[43]لزوم العدل في الكلام والمعاملة مع المسلم والكافر













