(جَمْعُ أخطاء الرجل من أهل السنة، والتشنيعُ عليه بها:
عَمَلُ الذين مَرِضَتْ قلوبهم، أو انْحَرَفَتْ مناهجهم)
- السؤال الواحد والأربعون: هل يجوز جَمْعُ أخطاء العالِم من أهل السنة من كُتبه ومقالاته ومسموعاته، ونَشْرُها للتحذير منه، أو لتبديعه وتضليله، أو لتهديده بنشرها وما يُظَن فيها من أخطاء؛ فإن لم يسْتجب للتهديد نُشِرتْ؟
الجواب:
أولًا: جَمْعُ أخطاء العالم من علماء أهل السنة والجماعة على نوعين:
النوع الأول: أن يكون جَمْعُ أخطائه بقَصْد النصح لهذا العالم نفسه، أو النصح للأمة من ورائه؛ لئلا تغتر بهذه الأخطاء؛ فلا عيْب على من وقف على خطأ لأحد من أهل السنة أن ينصحه بالضوابط الشرعية، وبالطريقة التي نصَّ عليها علماء السنة، أما التفرُّغ أو تفريغ جماعة لنَخْل كُتبه ومقالاته ومسموعاته للوقوف على أخطائه لتحذير الناس من الأخذ عنه، دون قَصْد نُصْحه وتصفيته من الخطأ، وإعانته على التوبة إلى الله منه، والرجوع إلى الحق؛ فهذا عمل أهل البدع والضلالة، وأهل الغلو والغواية، وأهل الأهواء والحسد الدفين، وإن تظاهروا بخلاف ذلك!!
أما جَمْعُ الأخطاء لنصحه ونصح غيره دون قَصْد التشهير والإسقاط، بل لتصحيح الأخطاء فقط مع حِفْظ حرمته وحشمته ورُتبته؛ فلا إشكال في جَمْع ما يظنُّه الجامع من الأخطاء؛ لنصح المخطئ ومن اتَّبعه، ولهذا قيود وضوابط معروفة؛ فقد جُمِعَتْ -مثلًا- أخطاء الإمام البخاري في «التاريخ».
– فقد أَلَّفَ الإمام ابن أبي حاتم -رحمهما الله- كتابًا في تعقباته وتعقبات أبيه وأبي زرعة على كتاب «التاريخ الكبير» للإمام البخاري ، واسم الكتاب: «بيان خطأ البخاري في تاريخه».
– وأَلَّفَ الخطيب البغدادي كتابًا في ذلك أيضًا، واسم الكتاب: «مُوَضِّح أوهام الجمع والتفريق».
وقال المعلمي ([622]): «كتاب الجرح والتعديل ومَزِيَّتُهُ:
– أَلَّفَ الإمامُ أَبو عَبد الله محمد بن إسماعيل البخاري «تاريخه الكبير» وكأَنه حاول استيعاب الرواة من الصحابة فمن بعدهم إلى طبقة شيوخه، وللبخاري إمامته وجلالته وتَقَدُّمُهُ، ولتاريخه أهميته الكبرى، ومزاياه الفنية، وقد أَعْظَم شيوخُهُ ومن في طبقتهم تاريخَهُ، حتى إِن شيخه الإمام إِسحاق بن إِبراهيم المعروف بابن راهويه لما رأى «التاريخ» لأول مرة؛ لم يتمالك أَن قام، فدخل به على الأَمير عَبد الله بن طاهر، فقال: أيها الأَمير، ألا أُرِيكَ سِحْرًا؟.
لكن «تاريخ البخاري» خالٍ في الغالب من التصريح بالحكم على الرواة بالتعديل أَو الجرح، فأَحَسَّ الإمامان الجليلان: أَبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، وأَبو زُرعَة عُبَيد الله بن عَبد الكريم الرازي -وهما من أقران البخاري ونظرائه في العلم والمعرفة والإمامة- أَحَسَّا بهذا النقص، فأَحَبَّا تَكْمِيلَهُ.
قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ»([623]) عَن أَبي أَحمد الحاكم الكبير: «أَنه وَرَدَ الرَّي، فسمعهم يقرأون على ابن أبي حاتم كتاب «الجرح والتعديل»، قال: فقلتُ لابن عبدويه الوراق: هذه ضُحْكة؛ أراكم تقرأون كتاب «التاريخ» للبخاري على شيخكم، وقد نسبتموه إلى أَبي زُرعَة وأبي حاتم؟ فقال: يا أَبَا أَحمد، إِن أَبا زُرعَة وأَبا حاتم لما حُمِلَ إِليهما «تاريخ البخاري»؛ قالا: هذا عِلْمٌ لا يُسْتَغْنَى عنه، ولا يَحْسُن بنا أَن نَذْكُرَه عن غيرنا؛ فأقعدا عَبد الرَّحمن يسألهما عن رجل بعد رجل، وزادا فيه ونَقَّصَا».
كأن أَبَا أَحمد سمعهم يقرأون بعض التراجم القصيرة، التي لم يتفق لابن أَبي حاتم فيها ذكر الجرح والتعديل، ولا زيادة مهمة على ما في «التاريخ» فاكتفى بتلك النظرة السطحية، ولو تَصَفَّحَ الكتاب؛ لما قال ما قال؛ لاريب أن ابن أَبي حاتم حَذَا في الغالب حَذْوَ البخاري في الترتيب، وسياق كثير من التراجم، وغير ذلك، لكن هذا لا يَغُضُّ من تلك المزية العظمى، وهى التصريح بنصوص الجرح والتعديل، ومعها زيادة تراجم كثيرة، وزيادات فوائد في كثير من التراجم، بل في أكثرها، وتدارُكِ أوهامٍ وَقَعَتْ للبخاري وغير ذلك، وأما جواب ابن عبدويه الوراق؛ فَعَلَى قَدْرِ نَفْسِه، لا على قَدْر ذَيْنِكَ الإمامين أَبي زُرعَة وأبي حاتم، والتحقيق: إِن الباعث لهما على إقعاد عَبد الرَّحمن وأمرهما إياه بما أمراه؛ إِنما هو الحرص على تسديد ذاك النقص، وتكميل ذاك العلم، ولا أَدَلَّ على ذلك من اسم الكتاب نفسه كتاب «الجرح والتعديل».
حَرِصَ ابنُ أَبي حاتم بإرشاد ذَيْنِكَ الإمامين على استيعاب نصوص أئمة الفن في الحكم على الرواة بتعديل أَو جرح، وقد حصل في يده ابتداء نصوصُ ثلاثة من الأَئمة: وهم أَبوه، وأَبو زُرعَة والبخاري، أما أَبوه، وأَبو زُرعَة؛ فكان يُسائلهما في غالب التراجم التي أثبتها في كتابه، ويكتب جوابَهما، وأما نصوص البخاري؛ فإِنه استغنى عنها بموافقة أَبيه للبخاري في غالب تلك الأَحكام، ومعنى ذلك: أن أَبَا حاتم كان يقف على ما حَكَمَ به البخاري، فيراه صوابا في الغالب، فيوافقه عليه، فينقل عَبدالرَّحمن كلام أَبيه، وكان محمد بن يَحيَى الذهلي قد كتب إِليهم فيما جرى للبخاري في مسألة القرآن، على حسب ما تَقَوَّلَهُ الناس على البخاري، كما ذكره ابن أَبي حاتم في ترجمة البخاري من كتابه، فكأن هذا هو المانع لابن أَبي حاتم من نسبة أحكام البخاري إِليه، وعلى كل حال فالمقصود حاصل». اهـ
قلت: فابن أبي حاتم -رحمهما الله- جمع ما فات البخاري من تراجم وأقوال في الراوي جرحًا وتعديلا، ولم يطعن في البخاري بل استفاد من كتابه، وأراد البيان لما فاته؛ حتى تستفيد الأمة من كلام هذيْن الإماميْن: أبي زرعة وأبي حاتم الرازيَّيْن -رحمهما الله تعالى- أما غلاة زماننا فلا بركة فيما يجمعون، كما أثبتت الأيام، ويُخشى أن يكون السبب في ذلك سوءَ القَصْد وسوءَ الفهم، والله المستعان.
– وألَّف أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري (المتوفَّى: 409هـ) كتابًا في الأوهام التي وقعت في كتاب «المدخل» للحاكم النيسابوري، وقال فيه([624]):
«أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابِ (الْمَدْخَلِ) الَّذِي صَنَّفَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ السِّجْزِيِّ؛ فَإِذَا فِيهِ أَغْلَاطٌ وَتَصْحِيفَاتٌ، أَعْظَمْتُ أَنْ تَكُونَ غَابَتْ عَنْهُ، وَأَكْثَرْتُ جَوَازَهَا عَلَيْهِ، وَجَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرَى مِنْ ناقلِ الْكِتَابِ لَهُ، أَوْ حَامِلِهِ عَنْهُ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُعَرَّى بَشَرٌ مِنَ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ؛ فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى، وَجَرَّدْتُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَوْرَاقِ، وَبَيَّنْتُهُ، وَأَوْضَحْتُهُ، وَاسْتَشْهَدْتُ عَلَيْهِ بِأَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ، مُجْتَهِدًا فِي تَصْحِيحِهِ، مُتَوَخِّيًا إِظْهَارَ الصَّوَابِ فِيهِ، وَبِاللَّهِ أَسْتَعِينُ، وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ السَّدَادَ وَالتَّوْفِيقَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ». اهـ
قلت: فتأمل الباعث له على جَمْع هذه الأوهام: تجد ذلك من إجلاله لمكانة الحاكم ورُتْبَته، ومثله أجلُّ من أن تقع منه تلك الأوهام؛ فأراد أبو محمد الأزدي تصفيته من الخطأ، ونُصح من يقف على الكتاب بعد ذلك، فحفظ الله هذه الكتب، ونفع بها؛ لسلامة قَصْد مؤلفيها، وبيان الأوهام بالأدلة الصحيحة -غالبًا- وهذا كله بخلاف صنيع الغلاة في زماننا؛ حتى ابتلاهم الله بصنيعهم: فرجع بعضهم على بعض: الطالب على شيخه، والقرين على قرينه بالتبديع والتضليل والهجر وجمع الأخطاء؛… وهكذا، حتى أخرجوا جيلًا مشوَّهًا ممقوتا منبوذًا في مجتمعه -في الغالب- وكل يوم يزدادون فُرقة وتشَظِّيًا، ويلعن بعضهم بعضا، ويرمي كل منهم الآخر بأنه أخبث وأضر من الشخص الذي بدَّعوه من قبل، واختلفوا فيما بينهم عليه…!! فأين هذا الحال من عمل العلماء في بيان الأخطاء؟!!
– وألَّف أبو عبيد البكري الأندلسي (المتوفى: 487 هـ) كتابًا في التنبيه على أوهام أبي علي في (أماليه)، وقال فيه([625]):
«هذا كتاب نَبَّهْتُ فيه، على أوهام أبي عليّ في (أماليه) تَنْبِيهَ المُنْصفِ لا المتعسِّفِ ولا المعانِدِ، محتجًّا على جميع ذلك بالشاهد والدليل؛ فإني رأيت مَنْ تَوَلَّى مثل هذا من الرد على العلماء والإصلاح لأغلاطهم، والتنبيه على أوهامهم؛ لم يَعْدِل في كثير مما رَدَّه عليهم، ولا أَنْصَفَ في جُمَلٍ مما نَسَبَهُ إليهم. وأبو عليٍّ من الحفظ وسَعَة العلم والنُّبل، ومن الثقة في الضبط والنَّقل بالمحل الذي لا يُجْهَلُ، وبحيث يَقْصُر عنه من الثناء الأحفل؛ ولكن البشر غير معصومين من الزلل، ولا مُبرَّئين من الوهم والخطل؛ والعالم من عُدَّتْ هَفَوَاتُهُ، وأُحْصِيَتْ سقطاته:
| كفى المرءَ نُبْلًا أن تُعَدُّ معايبُه». اهـ |
قلت: هكذا بيان الأخطاء عند العلماء، أما غلاة زماننا فعن العلم والأدب والإنصاف بمعزل إلا من رحم الله ممن اغترَّ بهم، وهو لا يدري حالهم ومآلهم!!
وقال ضياء الدين المقدسي (المتوفَّى: 643هـ) في جزء «الأوهام في المشايخ النُّبُل»([626]):
«أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّنِي لَمَّا كَتَبْتُ كِتَابَ «الْمَشَايِخِ النَّبَلِ»، الَّذِي أَلَّفَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ مُؤَرِّخُ الشَّامِ؛ وَقَفْتُ فِيهَا عَلَى مَوَاضِعَ كَأَنَّهُ سَهَا فِيهَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ-». اهـ وهذا شبيه بما قبله إخلاصًا وعلمًا وأدبًا.
وقال جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي (المتوفَّى: 772 هـ) ([627]):
«فإن كتاب: (الكفاية في شرح التنبيه) للشيخ الإمام العلامة نجم الدين أبي العباس أحمد بن الرفعة الأنصاري- رضي الله عنه- لما برز للنواظر في قشيب جموعه رافلًا، وسطع لذوي البصائر وإن كان نجم سمائه آفلًا؛ اتخذه النقلةُ المكثرون عُمْدَة، والنقدةُ المتحرُّون عُدَّة، وهو حقِيقٌ بذلك، وجَدِيرٌ بما هنالك؛ إذ نهض فيه وسعى، وجمع فأوعى، وأطال واستطال، وأوسع المحال وصال، ونظر فحقق، وناقش فدقق، ورجَّح فوَضَّح، وجَرَّح فَأَوْضَح، وكيف لا ولم يخرج من إقليم (مصر) بعد انقراض ابن الحداد- فيما علمناه- من الفقهاء من يساويه، ولا من بقية الأمصار بعد الرافعي من يضاهيه؟!
ومن تأمل ما صنفه وجده أكثر مما صَنَّفَ الشيخ محيي الدين، هذا مع ما بينهما أيضًا من التباين في دقة الأعمال وغموضها، إلا أن الكتاب المذكور مع ذلك يشتمل على جملة عظيمة من الأوهام، وما يقارب الوهم من الإطلاق والإيهام، وارتكاب دعوى نَفْيِ الخلاف وهو ثابت مسطور، أو التوقف في نَقْلِهِ وهو منقول، بل مشهور، حتى اتفق من الغريب وقوع الاعتراض عليه بسبب ذلك في أول شيء افتتح به كتابه، وفي آخر شيء ختمه به- كما ستقف عليه- إن شاء الله تعالى-…
فلما رأيتُ الكتابَ المذكور قد اتصف بما وصفناه، وائتلف كما ذكرناه؛ رأيتُ من النصح أن أُنَبِّهَ على ما حَصَل لديه من الغلطات، وأُنَوِّهَ بما احتمله من السقطات؛ ليجتنب الناظر التعويل عليها، ويتحامى المناظر الركون إليها، وذلك في الحقيقة من صلاح حال الكتاب من غير نقصان في مرتبة مصَنِّفِهِ بالكلية؛ إذ لا يُتَصَوَّرَ عادةً- خصوصًا مع طول التصنيف- أن يَسْلَم المُصَنِّفُ من الخطأ والتحريف، والوقوع في مخالفة الأَوْلَى، والحَوْد عن الطريقة المُثْلَى، فكلٌّ مأخوذٌ من قوله ومتروك، ألا والسعيد من انْعَدَّتْ غلطاتُهُ، وانْحَسَرَتْ سقطاتُهُ، وقُيِّدَ له مَنْ تدارَكَ زَلَلُهُ، وأَصْلَحَ خَلَلُه». اهـ
يا سبحان الله، ما أَصْفَى هذه المقاصد، وأَزْكَى هذه النفوس؛ فها هو يُنَبِّه على أخطاء المصنِّف ليسْلَم كتابه من الأخطاء، دون نقصان في مرتبة مصنِّفه بالكلية… إلخ ما قال، لكن هل هكذا حزب الغلاة الغواة البغاة في زماننا؟! انظروا إلى قنواتهم ومواقعهم وصفحاتهم وكتبهم وأشرطتهم المسموعة… إلخ ما تحمل من سبٍّ وشتم وافتراء القبائح، وتأجيج نار الفضائح، حتى تكلموا في أعراض بعضهم، وَوَشَوْا بمخالفهم -وإن كان بالأمس منهم وفيهم ولازال حتى الآن من الغلاة، لكن بشكل آخر- إلى ولاة الأمور، واتهموه بما ليس فيه، وكأنهم لا يَعُدُّون كلامهم من عملهم، وتقاريرهم من جملة ما يوضع في ميزانهم [ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ] {القيامة:36}؟! فحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعوذ بالله من حالٍ وصل إليه هؤلاء، والله أعلم متى يفيقون؟!
النوع الثاني: جمع الأخطاء لرجل من علماء السنة، وطلاب العلم الذين لهم قدم صِدْقٍ في نُصْرة السنة، بقصد التشهير بالعالم وإسقاطه، مع عدم التحري والتأني، لكن بقصد التشهير والطعن والهدم، فهذا هو الذي يُعَدُّ من منهج أهل البدع، ومن في قلبه مرض، وليس من منهج أهل السُنَّة في شيء؛ إذ يَعْمَدُون إلى نشر الأخطاء مع الافتراء والكذب على صاحبها، وحَمْلها -وإن كانت كلمة محتملة- على الوجه السيء لها؛ مع إمكان حملها على الوجه الآخر -بل قد يكون الوجه الآخر هو الظاهر من الكلام- فهذا ليس من منهج العلماء، ولكنَّه من منهج أهل الجهل والأهواء!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([628]) وهو يَرُدُّ على ابن الجوزي، في كلامه على الحنابلة: «إن هذا الكلام ليس فيه من الحُجَّة والدليل ما يستحقُّ أن يُخاطَبَ به أهلُ العلم، فإن الردَّ بمجرد الشَّتْم والتهويل؛ لا يَعْجَزُ عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهلَ الكتاب؛ لكان عليه أن يَذْكُر من الحجة ما يُبيِّن به الحقَّ الذي معه، والباطلَ الذي معهم، فقد قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: [ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ] {النحل:125}، والمجادلة بالتي هي أحسن إنما تكون بالأدلة والبراهين.
وقال -تعالى-: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ] {العنكبوت:46} إلخ.
ولو كان الخَصْمُ مِمَّن يتكلم بهذا الكلام، سواءً كان المتكلِّم به أو غَيْرُه من أَشْهَر الطوائف بالبدع، كالرافضة؛ لكان ينبغي أن يَذْكَر الحجة، ويَعْدِل عما لا فائدة فيه؛ إذْ كان في مقام الرد عليهم». اهـ
وهؤلاء الغلاة الذين أردُّ عليهم في هذا الكتاب وغيره، سَلَّطُوا جُهْدَهم وكدَّهُم ضد إخوانهم أهل السُنَّة، فرَمَوْا أهلَ البدع بسهم واحد، ورَمَوْا عشرات الأسهم ضد أهل السُنَّة، ولو كانوا على حق فيما اعترضوا به؛ لهانَ الخَطْبُ، ولكنهم في باطلهم وأهوائهم وظلمهم وافتراءاتهم يتردَّدُون!!
فالتفرغ لجمع أخطاء لفظية وقعت لعدم تحرير العبارة، أو للتوسع فيما كان من حقِّه الدقةُ والانضباطُ لرجل من أهل السُّنة للتشنيع عليه: مخالف لمنهج علماء السنة والجماعة، كما هو مُوَضَّح من كلام أهل العلم، مع أنهم قد وقعوا -كبارًا ومتوسطين- فيما هو أشنع من ذلك، وعَذَرهم -في الجملة- خصومُهم، ولم يبَدِّعوهم، وإن أنكروا عليهم عبارتهم!!
وقد قال الحافظ ابن دقيق العيد – في مقدمته لشرح كتاب «جامع الأمهات» لابن الحاجب واصِفًا نحو حال من ابْتُلِيَتْ بهم دعوة أهل السنة في هذا العصر:
«وَلَقَد كَانَ سلفنا الصَّالح -رضوَان الله عَلَيْهِم- لطريق هَذَا الْخَوْف سالكين، ولأَزِمَّةِ الْوَرع والخشية مالِكين، فتدافعوا الْفَتْوَى لشدَّة التَّقْوَى، وَأَجَابُوا عَن الْيَسِير عِنْدَمَا سئلوا عَن الْكثير، وأَجْرَوُا الدُّمُوعَ فَرَقًا، وجَرَوْا إِلَى غَايَة التَّحَرِّي طَلَقا.
ثمَّ آل الْأَمر إِلَى التسامح والتساهل والغفلة والتغافل، فأُطْلِقَتْ أَعِنَّةُ الأقلام، وَأُرْسِلَتْ بَوَادِرُ الْكَلَام، وطُوي بِسَاط التَّوَرع رَأْسًا، وعُدَّ التَّوَقُّفُ جَهَالَةً أَو وَسْوَاسًا، وتَوَهَّمُوا التسرعَ دَلِيلا على كَثْرَة الْحَاصِل، والإحجامَ عَلامَةً على قلَّة الْوَاصِل، وَأَحَدُ الْأَمريْنِ لَازم لَهُم: إِمَّا أَن يَدَّعُوا أَنهم أَعْلَمَ مِمَّن سَبَقَ، أَو يُسَلِّمُوا أَنهم مَا طرق قُلُوبَهم من مَخَافَة الله مَا أَلَمَّ بقلوب العارفين… ثم ذكر المعترضين على ابن الحاجب تارة بأنَّ لفظه مُعَقَّدٌ، وتارة بالسهو والغلط، وتذرعوا بذلك لترك الاستفادة من كتابه، وبَيَّن أن سبب ذلك سوءُ الفهم -من المعترضين- وأن الذنْب للطَّرْف لا للنَّجْم، ثم قال : «وَلَو ذَهَبْنَا نَتْرُك كل كتاب وَقع فِيهِ غلط، أَو فَرَطَ من مُصَنِّفه سَهْوٌ أَو سَقْطٌ؛ لضاق علينا المجال، وَقَصُر السجال، وجحدنا فَضَائِل الرِّجَال، وفاتنا فَوَائِد تُكاثِر عديدَ الْحَصَا، وفَقَدْنا عوائدَ هِيَ أَجْدى علينا من تفاريق الْعَصَا
وَلَقَد نفع الله الْأمة بكتب طارتْ كل المطار، وَجَازَتْ أجواز الفلوات وأثباج الْبحار، وَمَا فِيهَا إِلَّا مَا وَقع فِيهِ عيب، وَعُرِفَ مِنْهُ غَلَطٌ بِغَيْر شكّ وَلَا ريب، وَلم يَجعله النَّاس سَببا لرفضها وهَجْرِها، وَلَا توقفوا عَن الاستضاءة بأنوار الْهِدَايَة من أُفُق فَجْرِها، وسَلَكْنا عِنْد الْإِنْصَاف تِلْكَ السَّبِيل، وَلَا بِدْع فِي أَن يُعْطَى الشَّخْصُ حُكْم السغب والتبتيل([629]).
| (يَا ابْن الأعارب مَا علينا باسُ | ||
| لم نأْبَ إِلَّا مَا أَبَاهُ النَّاس)». اهـ([630]) | ||
وقال الحافظ ابن رجب : «وأما إذا كان مرادُ الرادِّ بذلك إظهارَ عيب من ردَّ عليه، وتنقصَه، وتبيينَ جَهْلِهِ وقصورِهِ في العلم، ونحو ذلك؛ كان مُحَرَّمًا: سواء كان ردُّه لذلك في وَجْه من ردَّ عليه، أو في غَيْبَتِهِ، وسواء كان في حياته، أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه، وتوعد عليه في الهمز واللمز، وداخل أيضًا في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يؤمن بقلبه؛ لا تُؤذوا المسلمين، ولا تَتَّبِعُوا عوراتهم؛ فإنه من يَتَتَبَّع عوراتهم؛ تَتَبَّعَ الله عورته، ومن تَتَبَّعَ اللهُ عورتَهُ؛ يَفْضَحْه ولو في جوف بيته». وهذا كله في حق العلماء المقتدَى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة، ومن تَشَبَّهَ بالعلماء وليس منهم؛ فيجوز بيانُ جهلهم، وإظهارُ عيوبهم، تحذيرًا من الاقتداء بهم، وليس كلامنا الآن في هذا القبيل، والله أعلم.
ومن عُرِفَ منه أنه أراد بردِّه على العلماء النصيحة لله ورسوله؛ فإنه يجب أن يُعامَل بالإكرام والاحترام والتعظيم، كسائر أئمة المسلمين الذين سبق ذِكْرُهُم وأمثالُهم، ومن تَبِعَهُم بإحسان.
ومن عُرِفَ منه أنه أراد برده عليهم التنقصَ والذمَّ وإظهار العيب؛ فإنه يستحق أن يُقَابَلَ بالعقوبة؛ ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة.
ويُعرف هذا القصد تارة بإقرار الرادِّ واعترافه، وتارة بقرائن تحيط بفعله وقوله، فمن عُرف منه العلمُ والدينُ، وتوقيرُ أئمة المسلمين، واحترامُهُم؛ لم يَذكر الردَّ وتبيينَ الخطأ إلا على الوجه الذي يراه غيره من أئمة العلماء.
وأما في التصانيف وفي البحث وجب حَمْلُ كلامه على الأول، ومن حَمَلَ كَلَامَهُ على غير ذلك- والحال على ما ذُكِرَ – فهو ممن يَظُنَّ بالبريء الظنَّ السوءَ، وذلك من الظن الذي حرمه الله ورسوله، وهو داخل في قوله سبحانه: [ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ] {النساء:112}، فإن الظن السوء ممن لا تظهر منه أمارات السوء مما حرمه الله ورسوله، فقد جمع هذا الظانّ بين اكتساب الخطيئة، والإثم، ورَمْي البريء بها.
ويُقَوِّي دخولَهُ في هذا الوعيد إذا ظهرتْ منه – أعني هذا الظان – أماراتُ السوء مثلُ: كثرةِ البغي، والعدوان، وقلةِ الورع، وإطلاقِ اللسان، وكثرةِ الغِيبةِ والبهتانِ، والحسدِ للناس على ما آتاهم الله من فضله، والامتنانِ، وشدةِ الحرصِ على المزاحمة على الرئاساتِ قبل الأوان.
فمن عُرِفَتْ منه هذه الصفات التي لا يَرْضَى بها أهل العلم والإيمان؛ فعلى هذا الوَجْه يُحْمَل تَعَرُّضُه العلماء، وإذا كان ردُّه عليهم على الوجه الثاني؛ فيَسْتَحِقُّ حينئذٍ مقابلتَهُ بالهوان، ومن لم تظهر منه أماراتٌ بالكلية، تدل على شيء؛ فإنه يجب أن يُحْمَلَ كلامه على أحسن مُحْمَلاتِهِ، ولا يجوز حَمْلُه على أسوأ حالاته، وقد قال عمر -رضي الله تعالى عنه-: (لا تظن بكلمة خَرَجَتْ من أخيك المسلم سوءًا، وأنت تجد لها في الخير مَحْمَلًا([631])». اهـ([632])
قلت: والخلاصة مما سبق: أن العالم من أهل السنة بشر وليس بمعصوم، وعلى ذلك فلابد من وقوعه في الخطأ -كثيرًا كان أو قليلًا- فمن وقف على خطأ له -وإن كَثُر- بيّنه بالتي هي أحسن، ونصح لصاحبه ولغيره؛ فإن الحقَّ أحقُّ أن يُتَّبع، وأما التفرغ لنَخْل وتجميع الأخطاء من كل إنتاجه العلمي لإهداره وإسقاطه؛ فليس عمل أهل الصدق والإخلاص والعدل والإنصاف، إنما هو عمل أهل الحسد والأهواء والجهل والعصبية والحزبية الجاهلية، وما سبق عن العلماء فإنما كان لبيان أخطاء في كُتب بعينها لا عن تفرُّغ لجَمْع ما أمكن من أخطاء العالم السني في جميع كتبه، ولو وقع؛ كان مقيَّدًا بزمام عفة اللسان، والنصح الصادق والإحسان، لا الافتراء والبهتان، فاللهم وفقنا للزوم منهج علماء الأمة العاملين، والأئمة الصادقين، والله ولي التوفيق.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: عددَ خَلْقه، ورضا نَفْسه، وزِنَةَ عَرْشه، ومداد كلماته.
كتبه/
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني
A
A
[42]الفتن إذا أَقْبَلَتْ عَرَفها العلماء، وإذا أَدْبَرَتْ عَرَفها الجهلاء













