كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(الأصل في التحذير من الوقوع في المنكرات يكون بالتعميم لا بالتعيين)

  • السؤال الأربعون: هل يَلْزَم في إنكار المنكر التصريح باسم الشخص المخالف؛ حتى يكون عبرة لغيره؟

الجواب:

أولًا: جاء في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ»([607])، والنصيحة في الدين للمخالف لها ضوابط، سبق ذكرها في غير ما موضع؛ ولابد من مراعاتها.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»([608]): «فالرادُّ على أهل البدع مجاهِدٌ، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذَّبُّ عن السنة أفضلُ من الجهاد، والمجاهدُ قد يكون عَدْلا في سياسته، وقد لا يكون، وقد يكون فيه فُجُور». اهـ.

وكذلك الذابُّ عن السنة، والقامع للبدعة –في نظره- قد يكون على أحد هذه الوجوه، والموفَّق من وفقه الله وسَدَّدَه في الغاية والوسيلة، وتمسَّك في نفسه بالحق، ودعا إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.

ثانيًا: النصح للأمة يقتضي إرشادهم بما فيه صالح أمرهم العاجل والآجل دِينًا ودُنْيا، ولا يتأتى ذلك إلا باستعمال الحكمة والموعظة الحسنة، والرفقِ واللينِ، كما في الحديث الشريف: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».([609])

والقوة في الصَّدْع بالحق لا يَلْزَمُ منها دائما العَجْرَفةُ، أو الخشونةُ البالغةُ، أو القسوةُ في القول والتعامل، أو التشهيرُ بالشخص المخطئ، وفضيحتُهُ بين العامة والخاصة.

فليس هناك في هذه الأمة أَغْيرُ على الحق وعلى حرمات الله إذا انتُهِكَتْ من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومع ذلك فقد كان أحيانًا يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟»، أي يُنْكِر المنكَرَ على القوم الذين وقعوا فيه دون أن يُشَهِّر بذكْر أسمائهم، وإن كان يُصَرِّح بالأسماء أحيانًا للحاجة والمصلحة، بقصْد النصح والنفع، لا بقصْد التشفِّي والانتقام.

* وعن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ؛ لَمْ يَقُلْ: مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ؟ وَلَكِنْ يَقُولُ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟».([610])

ومن أمثلة ما ورد عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في ذلك:

* ما جاء عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ، وَيَكُونُ الوَلاَءُ لِي، وَقَالَ أَهْلُهَا: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ – وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا، وَيَكُونُ الوَلاَءُ لَنَا – فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «ابْتَاعِيهَا، فَأَعْتِقِيهَا؛ فَإِنَّ الوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- عَلَى المِنْبَرِ – وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- عَلَى المِنْبَرِ – فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا، لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ».([611])

* وعن قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه- حَدَّثَهُمْ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ»، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ؛ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ».([612])

* وعَنْ مَسْرُوقٍ قال: قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: صَنَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- فَخَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً».([613])

* وعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي».([614])

* وعن عُرْوَةَ، قال أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ -رضي الله عنه- قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- عَلَى المِنْبَرِ – قَالَ سُفْيَانُ أيضًا: فَصَعِدَ المِنْبَرَ – فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ: أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ؛ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ: إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ»، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ «أَلا هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلاَثًا.([615])

* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ؛ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ؛ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ فَلْيَقُلْ هَكَذَا» وَوَصَفَ الْقَاسِمُ: فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.([616])

قال أبو المحاسن جمال الدين المَلَطي الحنفي (المتوفَّى: 803هـ) ([617]): «دأْبه -صلى الله عليه وسلم- على ما جُبِلَ عليه من الخُلُق العظيم: عدمُ مخاطبة مَنْ صَدَرَ منه هفوةٌ، وبَلَغَتْهُ، وكان إذا بلغه عن أحد شيء؛ يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا، ويفعلون كذا» ولا يقول: ما بال فلان؛ لئلا يَلْحَقَهُ في ذلك ما يُبَغِّضُهُ عند غيره، بل يحصل الانزجار عما كان منه بوقوفه ودخوله في العموم». اهـ

وقال ابن النحاس : «وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يواجه أحدًا بما يَكْره.

وكان إذا بلغه عن أحد من أصحابه شيء يَكْرهه؛ يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، وما بال رجال يفعلون كذا».

ولا يُعَيِّنُهُم خشيةَ؛ أن يَحْصُل لهم خَجَلٌ واستحياء بالتعيين بين الناس، ويَكْفِيهم ذلك في النهي». اهـ([618])

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ)([619]):

«فأَيَّدَ الله نَبِيَّهُ مع غربة هذا الدين، ومخالفته لما عليه الأكثرون بأعظم حجة وآية، كانت لأكثر من أسلم سببًا ووقاية، وتلك هي الخُلُق العظيم، والرَأْي الراشد الحليم، فمكث على ذلك يدعو ويُذَكِّر، ويَعِظُ ويُنْذِر، مع غاية في اللُّطْف واللين، فتارة يُكَنِّى المخاطَبين، وطورًا يأتي نادي المتقدِّمين والمترأسين، وحينًا يقول: «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يَعْلَمون»، وناهيك بخُلُقٍ مَدَحَهُ القرآن، وأثنى عليه حِلْمَه في الدعوة والبيان، ولا يَرِدُ على هذا المعني قولُه تعالى: [ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ] {التوبة:73} الآية.

كما ظنه بعض المتطوعة دَيْدَنًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن هذا يُصار إليه إذا تَعَيَّنَتْ الغلظةُ، ولم يُجْدِ اللينُ، كما هو ظاهر مستبين، كما قيل: آخر الطبِّ الكيُّ، وهو أيضًا مع القدرة، ويُشْتَرَطُ أن لا يكون عليه مفسدة، كما قال تعالى: [ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ] {الأنعام:108}. وقد أخذ بعض الناس من هذا أن «دَرْءَ المفاسد يُقَدَّم على جَلْب المصالح» كما هو مقرر في علم الأصول.

ثم إن الآية -آية الغلظة- مدنية، بعد تمكن الرسول وأصحابه من الجهاد باليد، وظهور الاستمرار على الكفر من أعدائهم؛ فوقعت الغلظة في مركزها حيث لم ينفع اللين، وأَسْعَدُ الناس بوراثة الرسول -صلى الله عليه وسلم في دعوة الخَلْق، أكملُهُم متابعةً له في هذا.

وكان الصِّدِّيق -رضي الله عنه- أكملَ الناس، ولذلك أسلم على يديه وانتفع به أمم كثيرة، بخلاف غيره؛ فقد قيل لبعضهم: «إن منكم مُنَفِّرين».

والقَصْدُ من التشريع والأمر: تحصيلُ المصالح ودرءُ المفاسد حسب الإمكان، وقد لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين، أو تفويت أدنى المصلحتين، واعتبارُ الأشخاص والأزمان والأحوال أَصْلٌ كبير، فمن أهمله وضَيَّعَهُ؛ جَنَى على الشرع وعلى الناس أَعْظَمَ جناية، وقد قرر العلماء هذه الكليات والجزئيات، وفصَّلوا الآداب الشرعيات، فمن أراد أن يُنَصِّبَ نفْسَهُ في مقام الدعوة؛ فلْيتعلم أولًا، وليُزَاحِمَ رُكَبَ العلماء قبل أن يَرْأَسَ، فَيَدْعو بحجة ودليل، ويَدْري كيف السير في ذلك السبيل؛ فإن الصناعة لا يعرفها إلا من يعانيها، والعلوم لا يدريها إلا من أخذها عن أهلها، وصحب راويها.

ما كُلُّ مَنْ طَلَبَ المعالي نافذًافيها ولا كُلُّ الرجالِ فحولًا. اهـ

فتأمل هذا الكلام الرشيد السديد من هذا العالم الموفَّق، وسليل العلماء الذين أحيا الله بهم دينه، واعلم أنه كلما كان العالم أو طالب العلم مخالطا بعلمه الناس، عارفا بخبايا نفوسهم، وأسباب إقبالها ونُفْرتها، قاصدا بعلمه هداية الخلق والأخْذ بأيديهم إلى الله، حَذِرًا من الانتصار لنفسه أو لغير الله؛ كان رفيقا حليما، سهلًا ليِّنًا، مُوَطأ الأكناف بشوشا، مُغلقا أبواب الفتنة على الناس، فلا يخوض في قضية -لا حاجة لها، أو سابقة لأوانها- بطريقة تفرقة الصفوف، وتوهية القُوى، وتشغَل الناس بما لا ينفعهم، وتصدُّهم عما يتعيَّن عليهم، هذا هو الأصل في خُلُق الداعية أو العالم، أما استعمال الغِلْظة فله مواضع ضيقة، ووضع الشيء في موضعه من توفيق الله لعبده، ومن عاش الواقع بعقل وبصيرة؛ أدرك معنى هذه الكلمات، ومن لا؛ فلا بُكْيا عليه، والله المستعان!!!

وقال شيخنا الألباني ([620]): «وهذا من أدبه أنه يُوَرِّي ولا يُصَرِّح؛ لأن لا فائدة من فَضْح الناس بقدر ما الفائدة ببيان خطأ الناس؛ لكي ينتبه المخطئ، وألا يقع فيه غير المخطئ، فقال : «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني أخشاكم لله…»

فالنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كما سمعت كان من أدبه أن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا»، فإذا كانت المصلحة تتحقق دون تسمية شخص أو أشخاص أو جماعة أو جماعات؛ فيكفي، وإن كانت لا تُفْهَمُ ولا تَتَحَقَّقُ المصلحةُ؛ فلا مانع من أن يقال: إن الجماعة الفلانية تقول كذا، وتفعل كذا مع حكم شرع الله في ذلك، فما في مانع حينذاك بالشرط المذكور آنفًا، واضح؟». اهـ

وقال سماحة الشيخ ابن باز – تعالى- كما في «مجموع الفتاوى»([621]): «وما وُجِد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإن صاحبه لا يؤاخَذُ به، ولا يُثَرَّبُ عليه -إذا كان أهلًا للاجتهاد- فإذا خالفه غيره في ذلك؛ كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن، حِرْصًا على الوصول إلى الحق من أقرب طريق، ودفعا لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين.

فإن لم يتيسر ذلك، ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة؛ فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة، ودون تهجُّمٍ، أو تجريحٍ، أو شَطَطٍ في القول قد يدعو إلى رَدِّ الحق أو الإعراض عنه، ودون تعرض للأشخاص، أو اتهام للنيات، أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول في مثل هذه الأمور: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا»».ا هـ

قلت: فهذه أقوال العلماء سلفًا وخلفًا، ومن جملتهم كبار العلماء المعاصرين، فلا أدري من سلف هؤلاء الغلاة الطائشين في سوء أخلاقهم وأدبهم، وقبيح كلماتهم ومعاملاتهم، وغليظ نظراتهم ونبراتهم، ولم يخْجلوا بعْد من نسبة كل ما هم عليه من القبائح والفضائح إلى إجماع أهل السنة سلفا وخلفا!! حقًّا: «إذا لم تَسْتَحْي؛ فاصنع ما شئت»!!

ومع هذا التقرير؛ فلا يلزم من ذلك عدمُ التشهير ببعض المحادِّين لله ولرسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الوالغين في الشهوات والشبهات، المعاندين للحق، والظالمين لأهله، المتربصين بهم الدوائر، انتصارا لأهوائهم وشهواتهم.

وقد فرّق الله في طريقة التعامل مع المخالفين حسب أحوالهم، حتى وإن كانوا كفارًا، كما هو معلوم من قوله تعالى: [ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ] {العنكبوت:46}، فأمر بالجدال بالتي هي أحسن مع الكافر غير الظالم المعاند، بخلاف الكافر الحاقد على الإسلام، الظالم لأهله، الذي يَبْذُلُ وُسْعَهُ وجُهْدهُ وبأْسَهُ وفِكْرهُ وماله وإعلامه ليله ونهارَه، في حرب الإسلام والصد عنه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: عددَ خَلْقه، ورضا نَفْسه، وزِنَةَ عَرْشه، ومداد كلماته.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

A

A

[41]

جَمْعُ أخطاء الرجل من أهل السنة، والتشنيعُ عليه بها: عَمَلُ الذين مَرِضَتْ قلوبهم