كتب للقراءة

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

تبصير الأنام بتصحيح الأفهام المجلد الثاني

(الرجوع إلى الحق هو منهج أهل الإنصاف أهل السنة والجماعة)

  • السؤال التاسع والثلاثون: هل كَثْرَةُ رجوع العالم عن الخطأ الذي صَدَرَ منه يدل على تَذَبْذُبِهِ وعدم انضباط أصوله؟

الجواب:

إذا كان الرجل من أهل العلم، وقد ثَبَتَتْ له أهلية الكلام فيما تكلَّم به
-وإن لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق- إلا أنه يُحْسن الكلام فيما تكلم فيه؛ فهو بتراجعه إلى الحق محمود غير مذموم، بل لا سبيل له إلا الرجوع إلى الحق إذا ظهر له أنه قد أخطأ، أما من خاض فيما لا يُحْسِن، وكثرتْ أخطاؤه -ولابد-؛ لأنه ليس أهلًا لما تكلم فيه؛ فهو مسيئ غير محسن، ومُعْتَدٍ غير مُقْتَدٍ، ومُعَرِّضٌ نفسه إلى غضب الله ومقته، وبيان هذا كله وغيره يظهر من خلال ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-:

أولًا: وجوب تَحَرِّي المرءِ الحقَّ واتباعِهِ:

لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية كلماتٌ جميلة في وجوب تَحَرِّي المرء الحق واتباعه، يقول فيها: «فإنّ الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان، فإذا تبين له من العلم ما كان خافيًا عليه؛ اتبعه، وليس هذا مذبذبًا، بل هذا مُهْتَدٍ، زاده الله هُدَىً… والواجب على كل مؤمنٍ موالاة المؤمنين وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق فيتّبعه حيث وجده». اهـ([590])

ويقول : «وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبيّن له من الحق؛ هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قولٍ لا حجة معه فيه، وتَرْكُ القول الذي وضحتْ حجّته، أو الانتقالُ من قولٍ إلى قولٍ لمجرد عادةٍ واتِّبَاعِ هَوَىً؛ فهو مذموم». اهـ([591])

ثانيًا: الأدلة على أن المبادرة إلى الرجوع إلى الحق هي منهج أهل الإنصاف والعقل والإخلاص:

فعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- إِذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ -رضي الله عنه-: «تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟»، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لَا، فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ، هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ صَدَقْتَ.

وفي روايةٍ: «فَذَهَبَ زَيْدٌ فَسَأَلَهُنَّ، ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: الْقَوْلُ مَا قُلْتَ».([592])

وعن الثوري عن أبي حَصِينٍ عن أبي عطية الوادعي قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إنها كانت معي امرأتي، فَحُصِرَ لَبَنُها في ثَدْيِها، فجَعَلْتُ أمُصُّهُ، ثم أمُجُّهُ، فأتيت أبا موسى، فسألته؟ فقال: حَرُمَتْ عليك؟! قال: فقام وقمنا معه، حتى انتهى إلى أبي موسى، فقال: ما أفتيتَ هذا؟ فأخبره بالذي أفتاه، فقال ابن مسعود -وأخذ بيد الرجل-: أرَضِيْعًا ترى هذا؟! إنما الرَّضَاعُ ما أنْبَتَ اللَّحْمَ والدَّمَ.

فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء؛ ما كان هذا الحَبْرُ بين أظهركم.([593])

وعن هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، عَنِ امْرَأَةٍ تَرَكَتِ ابْنَتَهَا وَابْنَةَ ابْنِهَا، وَأُخْتَهَا؟ فَقَالَ: النِّصْفُ لِلِابْنَةِ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَقَالَ: ائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ؛ فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنِي، قَالَ: فَأَتَوْا ابْنَ مَسْعُودٍ، فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ؛ لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، قَالَ شُعْبَةُ: «وَجَدْتُ هَذَا الْحَرْفَ مَكْتُوبًا: لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-: «لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ، تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ» فَأَتَوْا أَبَا مُوسَى، فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: «لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ».([594])

وعَن إِدْرِيسَ الأَوْدِيِّ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا سَعِيدُ بن أَبِي بُرْدَةَ كِتَابًا، فَقَالَ: «هَذَا كِتَابُ عُمَرَ إِلَى أَبِي مُوسَى -رَضيَ الله عَنهمَا-: أَمَّا بَعْدُ، لاَ يَمْنَعْكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالأَمْسِ، رَاجَعْتَ الحَقَّ؛ فَإِنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ، لاَ يُبْطِلُ الحَقَّ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ».([595])

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ : «سَأَلْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ عَنِ التَّوَاضُعِ، فَقَالَ: أَنْ تَخْضَعَ لِلْحَقِّ، وَتَنْقَادَ لَهُ مِمَّنْ سَمِعْتَهُ، وَلَوْ كَانَ أَجْهَلَ النَّاسِ؛ لَزِمَكَ أَنْ تَقْبَلَهُ مِنْهُ».([596])

وقال ابن عبد البر : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَكْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ الْمَوْصِلِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: ذَاكَرْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ الْقَاضِي بِحَدِيثٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضٍ، فَخَالَفَنِي فِيهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ النَّاسُ بِسِمَاطَيْنِ، فَقَالَ لِي: «ذَلِكَ الْحَدِيثُ كَمَا قُلْتَ أَنْتَ، وَأَرْجِعُ أَنَا صَاغِرًا».([597])

وقال عبد الرحمن بن أبى حاتم -رحمهما الله-: حَضَر عند أبى زرعة محمدُ بنُ مسلم، والفضلُ بنُ العباس المعروفُ بالصائغ، فجرى بينهم مذاكرة، فذكر محمد بن مسلم حديثا، وأنكر فَضْلَكُ الصائغ، فقال له: يا أبا عبد الله، ليس هكذا هو، فقال: كيف هو؟ فذكر رواية أخرى، فقال محمد بن مسلم: بل الصحيح ما قلتُ، والخطأ ما قلتَ، قال فَضْلَكُ: فأبو زرعة الحاكم بيننا، فقال محمد بن مسلم لأبى زرعة: إيش تقول، أينا المخطئ؟ فسكت أبو زرعة ولم يُجب، فقال محمد بن مسلم: ما لك تَسْكُتُ؛ تَكَلَّمْ.

فجعل أبو زرعة يتغافل، فأَلَحَّ عليه محمد بن مسلم، وقال: لا أعرف لسكوتك معنى، إن كنتُ أنا المخطئ؛ فأَخْبِرْ، وإن كان هو المخطئ؛ فأَخْبِرْ، فقال: هاتوا أبا القاسم ابن أخي، فدُعِيَ به، فقال: اذهبْ؛ فادخُلْ بيتَ الكُتُب، فَدَعِ القِمَطْرَ الأول، والقِمَطْرَ الثاني، والقِمَطْرَ الثالث،… وعُدَّ ستة عشر جزءا، وائتني بالجزء السابع عشر، فذهب، فجاء بالدفتر، فَدَفَعَهُ إليه، فأخذ أبو زرعة، فتصفَّح الأوراق، فأخرج الحديث، ودَفَعَه إلى محمد بن مسلم، فقرأه محمد بن مسلم، فقال: نعم غَلِطْنَا، فكان ماذا! اهـ([598])

وفي ترجمة ابن الأنباري الحافظ العلامة ، شيخ الأدب أبي بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي من «السير»: وَقَالَ حَمْزَةُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ طَاهِر: كَانَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ زَاهِدًا مُتَوَاضعًا، حَكَى الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّهُ حَضَرَه، فَصَحَّفَ فِي اسْمٍ، قَالَ: فَأَعْظَمْتُ أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُ وَهْمٌ، وَهِبْتُهُ، فَعَرَّفْتُ مُسْتَمْلِيَهُ، فَلَمَّا حَضَرْتُ الجُمُعَة الأُخْرَى؛ قَالَ ابْنُ الأَنْبَارِيِّ لمُسْتَمْلِيْهِ: عَرِّفِ الجَمَاعَةَ أَنَّا صحَّفنَا الاسْمَ الفُلاَنِيَّ، وَنَبَّهنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّابُّ عَلَى الصَّوَاب». اهـ([599])

وقال ابن عبد البر : وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ قَالَ: «لَمَّا رَحَلْتُ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَنَزَلْتُ الْقَيْرُوَانَ، فَأَخَذْتُ عَنْ بَكْرِ بْنِ حَمَّادٍ حَدِيثَ مُسَدَّدٍ، ثُمَّ رَحَلْتُ إِلَى بَغْدَادَ، وَلَقِيتُ النَّاسَ، فَلَمَّا انْصَرَفْتُ؛ عُدْتُ إِلَيْهِ لِتَمَامِ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فِيهِ يَوْمًا حَدِيثَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ- «أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ، مُجْتَابِي النِّمَارِ»، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ «مُجْتَابِي الثِّمَار»، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ «مُجْتَابِي النِّمَارِ» هَكَذَا قَرَأْتُ عَلَى كُلِّ مَنْ قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ بِالْأَنْدَلُسِ وَبِالْعِرَاقِ، فَقَالَ لِي: بِدُخُولِكَ الْعِرَاقَ تُعَارِضُنَا، وَتَفْخَرُ عَلَيْنَا؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: قُمْ بِنَا إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ، لِشَيْخٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ لَهُ بِمِثْلِ هَذَا عِلْمًا، فَقُمْنَا إِلَيْهِ، وَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ «مُجْتَابِي النِّمَارِ» كَمَا قُلْتَ، وَهُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ مُشَقَّقَةً، جُيُوبُهُمْ أَمَامَهُمْ، وَالنِّمَارُ جَمْعُ نَمِرَةٍ، فَقَالَ بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ وَأَخَذَ بِأَنْفِهِ: «رَغِمَ أَنْفِي لِلْحَقِّ، رَغِمَ أَنْفِي لِلْحَقِّ، وَانْصَرَفَ».([600])

وقال أبو حامد الغزالي : «التعاون على طلب الحق من الدِّين، ولكن له شروط وعلامات… فذكرها ثم قال:

السادس: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة، لا يُفَرِّق بين أن تَظْهَرَ الضالةُ على يده، أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خَصْمًا، ويَشْكُرَهُ إذا عَرَّفَهُ الخطأ، وأظهر له الحق، كما لو أخذ طريقًا في طلب ضالته، فنبهه صاحبه على ضالته في طريق آخر؛ فإنه كان يَشْكُرُهُ ولا يَذُمُّه، ويُكْرِمُه، ويَفْرَح به.

فهكذا كانت مشاورات الصحابة -رضي الله عنهم-…

فانظر إلى مناظري زمانك اليوم، كيف يَسْوَدُّ وَجْهُ أحدِهِم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يَخْجَلُ به، وكيف يَجْهَدُ في مُجَاحَدَتِهِ بأقصى قدرته، وكيف يَذُمُّ من أَفْحَمَه طُولَ عُمُرِه، ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة -رضي الله عنهم- في تعاونهم على النظر في الحق». اهـ([601])

قلت: فتأمل هذا الحال الذي ذكره الغزالي في وصْفه مناظري زمانه، فكيف لو رأى أهل زماننا في أحكامهم الجائرة البائرة على من خالفهم، وذكر لهم مخالفهُم أن الحق على خلاف قولهم، وأَظْهَرَ لهم الأدلة المتواترة المتظافرة على خطئهم؛ فإنهم يرونه أضرّ وأخبث من إبليس والدجال واليهود والنصارى، يرمونه بكل أنواع البدع: الزندقة والرفض فما دونهما، والسبب في هذا كله: أنه خالفهم في فتوى أو حُكم ظالم منهم على شخص عُرِف بالحق، لكنه خالفهم أيضًا، فإذا لم تبدِّع من خالف هؤلاء الغلاة؛ فأنت مبتدع وأضر وأخبث من المبتدع الأول، ومن لم يبدِّعك؛ فإنه أضر وأخبث منك، بل أضر وأخبث من اليهود والنصارى وفرعون والدجال، بل إبليس… وهكذا!! فهل هؤلاء عقلاء؟ أو شمُّوا رائحة الأدب والورع ومكارم الأخلاق؟!!

ثالثًا: الرجوعُ إلى الحق هو مُقْتَضَى التواضع، والإصرارُ على الخطأ مع تَبَيُّنِهِ هو علامةُ كِبْرٍ وهوًى، والعياذ بالله:

قال الإمام ابن القيم : «وَلَمَّا كَانَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ وَصَوْلَةٌ؛ كَانَتِ النُّفُوسُ الْمُتَكَبِّرَةُ لَا تُقِرُّ لَهُ بِالصَّوْلَةِ عَلَى تِلْكَ الصَّوْلَةِ الَّتِي فِيهَا، وَلَا سِيَّمَا النُّفُوسُ الْمُبْطِلَةُ، فَتَصُولُ عَلَى صَوْلَةِ الْحَقِّ بِكِبْرِهَا وَبَاطِلِهَا، فَكَانَ حَقِيقَةُ التَّوَاضُعِ: خُضُوعَ الْعَبْدِ لِصَوْلَةِ الْحَقِّ، وَانْقِيَادَهُ لَهَا، فَلَا يُقَابِلُهَا بِصَوْلَتِهِ عَلَيْهَا». اهـ([602])

وقال ابن رجب : «لهذا كان أئمة السلف المجْمَعُ على علمهم وفضلهم يَقْبَلُون الحق ممن أورده عليهم -وإن كان صغيرًا- ويُوصُون أصحابَهُم وأتباعَهُم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم…

وكان بعض المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول: «هذا رَأْيُنَا، فمن جاءنا برأْيٍ أحسنَ منه؛ قَبِلْنَاه».

وكان الشافعي يبالغ في هذا المعنى، ويوصي أصحابه باتباع الحق، وقبول السنة إذا ظهرتْ لهم على خلاف قولهم، وأن يُضْرَبَ بقوله حينئذٍ الحائطُ، وكان يقول في كتبه: «لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى يقول: [ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ] {النساء:82}.

وأَبْلَغُ من هذا أنه قال: «ما ناظرني أحد فبالَيْتُ: أَظْهَرَتْ الحجةُ على لسانه أو على لساني».

وهذا يدل على أنه لم يكن له قَصْدٌ إلا في ظهور الحق، ولو كان على لسان غيره ممن يناظره أو يخالفه.

ومن كانت هذه حالَهُ؛ فإنه لا يَكْرَه أن يُرَدَّ عليه قولُه، ويَتَبَيَّنَ له مخالفتُهُ للسنة، لا في حياته ولا في مماته، وهذا هو الظن بغيره من أئمة الإسلام الذابين عنه، القائمين بنَصْرِه من السلف والخلف، ولم يكونوا يكرهون مخالفة من خالفهم أيضًا بدليلٍ عَرَضَ له، ولو لم يَكُن ذلك الدليلُ قويًا عندهم، بحيث يتمسكون به، ويتركون دليلهم له.

ولهذا كان الإمام أحمد تعالى- يَذْكُر إسحاق بن راهويه، ويَمْدَحُهُ، ويُثْنِي عليه، ويقول: «وإن كان يخالف في أشياء؛ فإن الناس لم يَزَلْ بعضُهم يخالف بعضا» أو كما قال.

وكان كثيرًا يُعْرَضُ عليه كلامُ إسحاقَ وغيرِهِ من الأئمة، ومَأْخَذُهُم في أقوالهم، فلا يوافقهم في قولهم، ولا يُنكِر عليهم أقوالَهم ولا استدلَالَهم، وإن لم يكن هو موافقًا على ذلك كله، وقد استحسن الإمام أحمد ما حُكِيَ عن حاتمٍ الأصَمِّ، أنه قيل له: أنت رجل أعجمي لا تُفْصِح، وما ناظرك أحد إلا قَطَعْتَهُ، فبأي شيء تَغْلِبُ خَصْمَك؟ فقال بثلاث: أَفْرَحُ إذا أصاب خَصْمي، وأَحْزَنُ إذا أخطأ، وأَحْفَظُ لساني عنه: أن أقول له ما يسوؤه، أو معنى هذا، فقال أحمد: «ما أَعْقَلَهُ مِنْ رَجُلٍ».

فحينئذٍ رَدُّ المقالات الضعيفة وتبيينُ الحق في خلافها بالأدلة الشرعية؛ ليس هو مما يَكْرَهُهُ أولئك العلماء، بل مما يحبونه، ويمدحون فاعِلَهُ، ويُثْنُون عليه، فلا يكون داخلًا في الغِيبَةِ بالكلية، فلو فُرِضَ أن أحدًا يَكْرَهُ إظهارَ خطئه المخالفِ للحق؛ فلا عبرة بكراهته لذلك؛ فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقول الرجل؛ ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهورَ الحق ومعرفةَ المسلمين له، سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته.

وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه، وأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك هو الدين كما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-. اهـ([603])

وقال ابن رجب أيضًا: «ومن علامات ذلك – يعني العلم غير النافع -:عدمُ قبول الحق والانقياد إليه، والتَّكَبُّرُ على من يقول الحقَّ، خصوصًا إن كان دونهم في أعين الناس، والإصرارُ على الباطلِ خشية تَفَرُّقِ قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إلى الحق، وربما أظهروا بألسنتهم ذَمَّ أنفسهم واحتقارَها على رؤوس الأشهاد، ليعتقد الناس فيهم أنهم عند أنفسهم متواضعون، فيُمْدَحُون بذلك، وهو من دقائق أبواب الرياء». اهـ([604])

قلت: فتأمَّل كلام هؤلاء العلماء الرَّبانيِّين، الذين يدركون خبايا النفوس وحِيَل الشياطين، ولا يبلغ المرء هذه المرتبة إلا بمراقبة نفسه، وحراسة بوابهِ قَلْبه، والإكثار من عتابِهِ ولومِهِ نفْسَهُ، وهذا ميدان فسيح، لا يربح فيه إلا أهل البصيرة، ودَعْ عنك التواضع المكذوب المزيَّف، الذي تظهر الأيام والمواقف حقيقته، واخْشَ يومًا تُبْلى فيه السرائر، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!!

وقال الشوكاني :

«وَمن آفَات التعصب الماحقة لبركة الْعلم: أَن يكون طَالبُ الْعلم قد قَالَ بقول فِي مَسْأَلَة، كَمَا يَصْدُر مِمَّن يُفْتِي أَو يُصَنِّف أَو يُنَاظِرُ غَيرَهُ، ويَشْتَهِر ذَلِك القَوْلُ عَنهُ؛ فَإِنَّهُ قد يَصْعُب عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنهُ إِلَى مَا يُخَالِفهُ، وَإِن عَلِمَ أَنه الْحَقُّ، وَتَبَيَّن لَهُ فَسَادُ مَا قَالَه، وَلَا سَبَب لهَذَا الاستصعاب إِلَّا تَأْثِير الدُّنْيَا على الدّين؛ فَإِنَّهُ قد يُسَوِّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ أَو النَّفسُ الأمارةُ: أَن ذَلِك يُنْقِصُهُ، ويَحُطُّ من رتبته، ويَخْدِشُ فِي تَحْقِيقه، ويَغُضُّ من رئاسته.

وَهَذَا تَخَيُّلٌ مُخْتَلٌّ، وتَسْويلٌ بَاطِلٌ؛ فَإِن الرُّجُوع إِلَى الْحق يُوجب لَهُ من الْجَلالَة والنبالة وَحُسْنِ الثَّنَاء مَا لَا يكون فِي تصميمه على الْبَاطِل، بل لَيْسَ فِي التصميم على الْبَاطِل إِلَّا مَحْضُ النَّقْص لَهُ، والإزراءُ عَلَيْهِ، والاستصغارُ لشأنه؛ فَإِن مَنْهَج الْحق وَاضح الْمنَار، يفهمهُ أهل الْعلم، ويعرفون براهينه، وَلَا سِيمَا عِنْد المناظرة، فَإِذا زاغ عَنهُ زائغ تَعَصُّبًا لقَوْلٍ قد قَالَه، أَو رَأْيٍ رَآهُ؛ فَإِنَّهُ لَا محَالة بِكَوْنه عِنْد من يطلع على ذَلِك من أهل الْعلم أَحَدَ رجلَيْنِ: إِمَّا متعصبٍ مجادلٍ مكابرٍ؛ إِن كَانَ لَهُ من الْفَهم وَالْعلم مَا يدْركِ بِهِ الْحقَّ، ويتميز بِهِ الصَّوَاب، أَو جَاهِلٍ، فَاسدِ الْفَهم، بَاطِلِ التَّصَوُّرِ؛ إِن لم يكن لَهُ من الْعلم مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى معرفَة بطلَان مَا صَمَّمَ عَلَيْهِ، وجادل عَنهُ، وكلا هذَيْن المطْعَنَيْن فِيهِ غَايَةُ الشَّيْنِ.

وَكَثِيرًا مَا تَجِد الرجلَيْن المنصفيْنِ من أهل الْعلم قد تباريا فِي مَسْأَلَة، وتعارضا فِي بحث، فبحث كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن أَدِلَّة مَا ذهب إِلَيْهِ، فجاءا بالمتردية والنطيحة على عِلْمٍ مِنْهُ بِأَن الْحق فِي الْجَانِب الآخر، وَأَن مَا جَاءَ بِهِ لَا يُسْمِن وَلَا يُغني من جُوع، وَهَذَا نوعٌ من التعصب دَقِيقٌ جدا، يَقع فِيهِ كثير من أهل الْإِنْصَاف، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ بِمحضر من النَّاس، وَأَنه لَا يرجع الْمُبْطل إِلَى الْحق إِلَّا فِي أَنْدَرِ الْأَحْوَال، وغالبُ وُقُوع هَذَا فِي مجَالِس الدَّرْس، ومجامع أهل الْعلم». اهـ([605])

وقال صاحب الفضيلة الشيخ ابن عثيمين : «ومن الحكمة: إذا نُبِّهَ الإنسانُ على خطأ أن لا يَرْكَبَ رَأْسَهُ، ويَعْبُدَ هواه، فيمضِيَ في خطئه ورأيه؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والمؤمن ضالته الحقُّ حيث وجده أخذه، وكثير من الخلق يمنعه منصبُهُ أو جاهُهُ من الرجوع إلى الحق بعد ما تبين له، وهذا من السَّفَهِ، فنسأل الله أن يعيذنا من ذلك». اهـ([606])

(والخلاصة): هذا منهج العلماء سلفًا وخلفًا؛ فلا تغترّ بما عليه أهل الأهواء والعصبية، والذين يَهُمهم نُصرة قول فلان على قول فلان؛ فلا يرفعون رأْسًا ببراهين من يخالف شيخهم الذي بذر فيهم بذور الغلو والإسراف؛ لأنهم لا ينطلقون من البحث عن الحق وقبوله ممن جاء به، وأظهر برهانه -صديقا كان أو عدوا- ولو كانوا كذلك؛ لأُخْمِدَت نار الفتنة، وأراحوا واستراحوا.

وقد سبق التفصيل فيمن يخطئ ويرجع إلى الحق إذا ظهر له، وخلاصته: من كان ممن أتى البيت من بابه؛ فهو محمود ومأجور ومغفور له، ومن تهجَّم وتكلَّم فيما لا علم له به، أو لا يُحسنه -انتصارًا لنفسه وهواه-؛ فهو مذموم موزُور، نسأل الله العافية، وبالله التوفيق والسداد.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، عدد ما ذَكَرَهُ الذاكرون، وغَفَل عن ذِكْرِه الغافلون.

كتبه/

أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

A

A

[40]

الأصل في التحذير من الوقوع في المنكرات يكون بالتعميم لا بالتعيين